ما هي الفروق بين جعل عمر رضي الله عنه الامر شورى بعده وعملية الانتخابات والتصويت للمجالس النيابية ؟

**********************


جواب الشيخ:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

ثمة فروق جوهرية ، وتناقض موضوعي بين سنة عمر رضي الله عنه ، عندما أختار أفضل الصحابة وجعل الأمر شورى بينهم ، وبين الانتخابات النيابية القائمة على فكرة الديمقراطية.

مع أن الديمقراطية ـ بمفهومها الأصلي ـ لها جانب فلسفي مناقض لعقيدة التوحيد من أساسها ، ذلك أنها لاتقيم وزنا لشريعة الله ، بل تجعل سلطة الأمة مطلقة لاتقيد حتى بالوحي الإلهي ، وهذا هو الكفر بينه ، ولافرق بين هذه الفكرة وعبادة الأصنام أصلا ، فاتخاذ المشرعين مع الله ، الذين لهم حق التشريع ولو خالفت أحكامهم حكم الله تعالى ، مثل عبادة الأصنام سواء ، لافرق بينهما في دين الأنبياء والمرسلين أجمعين .

أما الانتخابات العامة ، فالمقصود بها ، أن يجعل معيار اختيار الأكفاء من الناس الذين يقودون الأمة ، إلى الاقتراع العام ، وحينئذ فهي رد الاختيار إلى العامة ، بمن فيهم جهال الناس والرعاع والدهماء ، فربما يختارون أجهلهم وأسفههم ، وربما يختارون من يخدم دنياهم حتى لو ضيع دينهم ، وربما يختارون من يرشيهم كما هو واضح انتشاره هذه الأيام .

وربما يختارون الرجل بناء على العصبية القبليّة ، أو الحزبيّة وقد غدت مثل العصبيّة القبليّة ، وربما ينجح الرجل بسبب اختلاف الناس على غيره ، لرغبة بعضهم بإسقاط من يعادونه ، فينجح شخص ثالث مستفيدا من هذا الصراع!!

وربما ينجح من لادين له ولا أمانة له ، ولهذا فالديمقراطية ليست من الإسلام في شيء ، ومن ظن أن الفقه الإسلامي دل عليها بواقعها الذي نراه فهو جاهل .

وهذا لا يمنع أن ينجح أحيانا من هو أهل لتمثيل الناس ، وذلك يختلف باختلاف الأحوال ، وطبيعة الناخبين ولهذا فهي في كثير من الأحيان ، مثل المقامرة ، يدخل الناس فيها فيغنمون أو يغرمون ، وربما أصبحت الأمة ضحية هذه المقامرة .

أما الإسلام فإنه أمر بالشورى ، ومعلوم أن الشورى لاتكون لكل أحد ، وإنما يستشار أهل الشورى ، ويطلق عليهم في الفقه أهل الحل والعقد ، بمعنى أن لهم سلطة فعليّة ، بها يحلون ويعقدون أمور الأمة ذات الشأن ، وليسوا مجرد دمى وصور تلعب بها السلطة كما تشاء .

ولهذا قيل الديمقراطية تعد الرؤوس ولا تزنها ، فيكون صوت أجهل الناس وأحمقهم ، يساوي صوت أعلمهم وأعقلهم ، ولعمري إن هذا لغاية الجهل ، أعني أن يُسوّى بين أعظم الأمور اختلافا ، في نظام واحد ، وأي فكرة أجهل من هذه الفكرة ؟

والباعث على انتشار أخذ الناس في الأصل بهذه الفكرة ، هو ردة الفعل من تسلط الظلمة في عصور الظلام الأوربية التي كان فيها الإقطاعيون والملوك ، يعدون الناس مثل الحيوانات لاقيمة لاحد منهم مهما بلغ من العلم والكفاءة مالم يكن نبيلا بالنسب ، فلما ثاروا على هذا الوضع الجائر ، أتوا بهذه الفكرة الديمقراطية كردة فعل ، وغالبا ما تكون الأفكار التي هي ردة فعل غير موزونة ، وهذه منها ، وإن كانت قد تكون أهون مما هو شر منها .

ثم إنها لما انتشرت هذه الفكرة ، آلت إلى أنها تحصر الوصول إلى السلطة بمن يملك القدرة على شراء أصوات الناخبين ، سواء بالمال الذي يمكنه به أن يمول حملته الانتخابية ، أو يشتري أصواتهم ، بطريق مباشر أو غير مباشر عن طريق خدمات يقدمها إليهم ، أو بانتسابه إلى حزب أو عصبة يمكنها أن تحصد له الأصوات بطريقة ما .

فكأن الأمر انتقل من ديكتاتورية الملك إلى دكتاتورية الطبقة الغنية القادرة على الاستفادة من اللعبة الديمقراطية ، ولكن الفرق أن هذه الطريقة الثانية استطاعت أن تخدع الناس فتسكتهم ، فإن نازع أحد ذوي السلطة الذين ملكوها باللعبة الديمقراطية قالوا : نحن منتخبون ، ولك أن تدخل اللعبة وتجرب حظك أو لتصمت ، هذا هو الفرق الوحيد ، فلا يملك الاعتراض على تسلطهم ، ثم هم قادرون أن يملكوا الإعلام بنفوذهم وتسلطهم ، فيسخرونه لهم ، فيعود الأمر كله إلى ديكتاتورية مبطنة ، كما هو الحال في أمريكا تماما ، كما نراه هذه الأيام.

ولينظر العاقل مثلا إلى ما يحصل في أمريكا ، فإنه لا ينجح في ديمقراطيتهم إلا من يرضى عنه اللوبي الصهيوني ، فيمدُّون حملته الانتخابية بالمال والإعلام ويصطنعون له استبيانات خادعة ، ويشترون له ذوي النفوذ ، والسابق يمهد لللاحق ، فتحول الأمر إلى دكتاتورية اللوبي الصهيوني الذي يحكم أمريكا بلعبة الديمقراطية الزائفة ، التي أصبحت فائدتها الوحيدة أنه من يعترض على تسلطهم ، يقال له إن السلطة جاءت بانتخاب ولم يحرمك أحد من أن ترشح نفسك ، ولكنه يعلم أن ترشيح نفسه لن يوصله إلى شيء ، لانهم ملكوا بطريق غير مباشرة ، كل الخيوط التي يمكن التوصل بها إلى السلطة ، هذه هي خدعة الديمقراطية التي يغتر بها أكثر الجهال وهم لا يشعرون .

وبعض الحذّاق يعلمون هذا كله ، ويقولون إنها خدعة ،ولكنها خير من ديكتاتورية مطلقة ، لان الديمقراطية يمكن بها رقابة السلطة ، وحرية الصحافة ، وحفظ حقوق الناس إلى حد ما ، وهذا قد يكون له وجه في بعض الأحوال دون بعض ، ومعلوم أن الشرور والأفكار الباطلة قد يكون بعضها أهون ضررا من بعض .

والديمقراطية أحيانا قد يكون شرها أهون من شر زعيم مستبد كافر جائر ، غير أن السلطان العادل القائم بأمر الله الحافظ للشورى ، الذي يخاف الله في رعيته ، لا يكون استبداله بالديمقراطية إلا الضلال المبين ، ولانقصد بالسلطان هنا شخص واحد ، بل النظام الحاكم .
والمقصود هنا أن الكلام على أن بعض الشرور والافكار الباطلة أهون شرا من بعض ، لايعني أن يضفى علي الاقل شرا ، لباس شريعة الله تعالى ، انسياقا وراء ضغط الواقع وانبهارا به ، بل يجب الرجوع في الحكم على الافكار كلها إلى حكم الله تعالى ، فالواقع موضع الحكم ، وليس مصدره ، وإذا شهدت أحكام الله تعالى على بطلان فكرة ، فهي باطلة ، ولو آمن بها أكثر أهل الارض ، قال تعالى ( وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) .
ويجب أن يعلم أن النظام السياسي الإسلامي قائم على ثلاثة أركان ، دل عليها ثلاث آيات : ـ

الأول : الحكم بالشريعة مصدر شرعية السلطة الأساسي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

دل عليه قوله تعالى ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم ) .

الثاني العدل ، والإحسان إلى الرعية بالرفق واختيار الأصلح لهم في دينهم ودنياهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أساس الحكم :
ـــــــــ

دل عليه قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) ، وفي الحديث ( اللهم من ولي من أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) .

الثالث الشورى نظام الدولة
ـــــــــــــــ
دل عليه قوله تعالى ( أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) ولم يجعل الشورى بين الصلاة والزكاة إلا لعظم شأنها .

***وبالركن الأول يعلم أن مرجع الدولة والامة هو شريعة الله لاسواها، فإن كان سواهافقد فقدت شرعيتها ، وهذا واضح إذ كيف تكون لها شرعية وهي لا ترجع إلى الشريعة الإسلامية .

***وبالركن الثاني يعلم أنه يجب على الدولة اتخاذ كل التدابير والوسائل التي تؤدي إلى حفظ حقوق الرعية من رفع الظلم عنهم ، حتى لو كانوا متهمين في قضايا ، فلا يجوز أن يتعرضوا إلى إجراءات تعسفية ، ولا أن يمنعوا من الدفاع عن أنفسهم ، في محاكمة عادلة ، ولا أن يعذبوا لاستخراج اعترافات منهم ، وحتى لو أدينوا لا يجوز أن يعاقبوا بأكثر مما يستحقون ، ولا يعاقب غيرهم من ذويهم .

كما يجب على الدولة وضع التدابير والوسائل التي تؤدي إلى احترام حقهم في الحياة، الكرامة ، والملكية ، والتعلم ، والعمل الشريف ، والخصوصية حتى لو كانوا يعصون في السر فلا يجوز التجسس عليهم ، وحفظ حق الجميع في التعبير عن آرائهم ومنع السلطة من الظلم ، ونقد أداءها لواجبها ، وحقهم في المشاركة في خدمة الأمة بالعمل السياسي أو غيره ، كل ذلك وفق قدراتهم ، وكفاءتهم الشخصية ، وأمانتهم ، وليس بعدد الأصوات التي يمكنهم أن يحصلوا عليها بأي طريق ، ولا أي اعتبار آخر ، فالشريعة تبطل ذلك كله ، وتجعل الامانة التي على رأسها صلاح الدين ، والقوة المعرفية والقدرة الذاتية هي المعيار المعتبر في نفع الامـة .

ويجب أن تكون هذه التدابير والوسائل لها قوة القانون ، ومنصوص عليها في دستور ، يشكل ثوابت تقوم عليها شرعية الدولة نفسها ، ولا يصح بحال أن تكون هذه التدابير والوسائل موكولة إلى مجرد الثقة في أشخاص السلطة.

*** وبالركن الثالث يعلم أنه يجب على الدولة أن تعمل على وضع هيئة تراقب أداء السلطة التنفيذية ، ولها الحق أن تكبح جماحها ، وهي التي تعقد ما يجب عقده من العقود حتى بيعة الإمام ، فجميع العقود الداخلية والخارجية التي تنظم سياسة الدولة ، مرجعها إليها مع رأس الدولة ، وهذه الهيئة الشوريّة ( أهل الحق والعقد ) يجب أن تكون جزءا من النظام الأساسي للدولة ، ولها قوة مستمدة من شرعيّة الدولة نفسها وكيانها ، وليسوا أناسا يتفضل عليهم رأس السلطة.

هذا هو باختصار الإطار العالم للنظام السياسي في الشريعة الإسلامية ، ويجب أن يعلم أن هذا كله مأخوذ من جملة الأدلة الشرعية من الكتاب وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين ، وعمل الصحابة ، وبعضها دلت عليه نصوص عامة ، وقواعد الشريعة الكلية ، ولاندعي أن كل ملوك المسلمين في كل عصر عملوا بهذا النظام بحذافيره ، بل حتى في آواخر عصر الصحابة ، لم يكن معمولا بكل هذا النظام السياسي الإسلامي .

غير أن عدم تطبيق فكرة النظام السياسي الإسلامي كاملة في كل عصور الإسلام ، لا يعيبها ، فما من فكرة سياسية إلا وهي ناقصة التطبيق في الواقع ، ومعلوم أن شريعة الله كلها حق ، مع وقوع تقصير العباد في تطبيقها في كل عصر ، فهذا لا يؤثر في كمال الشريعة وصلاحيتها .

كما يجب أن يُعلم أن كلّ الوسائل ، والتراتيب الإداريّة المعاصرة التي يمكن أن يتوصل بها إلى تحقيق أركان النظام السياسي في الإسلام ، يجوز الأخذ بها ، بل قد يجب الأخذ بها ، شأنها في ذلك شان الأخذ بالوسائل العصرية التي لم تنص الشريعة على تحريمها ، في وسائل الدعوة الإسلامية ، والقضاء الشرعي ، والجهاد في سبيل الله ، بل حتى في العبادات المحضة ، مثل معرفة القبلة بالبوصلة الحديثة ، وجمع وتوزيع الزكاة بالوسائل العصرية ، ونحو ذلك ، فكذلك في نظام الحكم في الدولة ، ومعلوم أن الوسائل لها حكم المقاصد ، وهذه من أنفع وأجمع القواعد في الفقه الإسلامي ، لاسيما في هذا العصــر .

وقد فصلت القول في رقابة الامة على الحكام في رسالة مستقلة في ركن المكتبة فلتراجع والله أعلم .
كما فصلت القول في الحقوق العامة والخاصة التي يجب على الدولة في الاسلام احترامها في مقال سابق بعنوان الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان .


المصدر: http://www.h-alali.cc/f_open.php?id=...a-0010dc91cf69