رئيسية الموقع    الصور    المقالات    الملفات   الأخبار   الصوتيات

     

     

    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
    النتائج 1 إلى 5 من 6

    الموضوع: الدورة التاريخية (1)(2)(3)000 000 د. أكرم حجازي

    1. #1

      الدورة التاريخية (1)(2)(3)000 000 د. أكرم حجازي


      الهجوم على الإسلام

      (1)




      في كل حقبة من الزمن لا بد للتاريخ أن يدور دورته، لكن حين تبدأ الدورة فلا يمكن لأية قوة وقفها. وفي النهاية لا بد من تبدل الأحوال جملة، بحيث تذهب أمم وحضارات وثقافات ونظم وتأتي أخرى بديلا عنها حتى إذا ما استقرت الدورة بدا الخلق، كما يقول ابن خلدون، وكأنه في نشأة مستأنفة. هذا التبدُّل يسمى بلغة الشرع بـ « التدافع » الذي هو سنة الله في خلقه ماضيا وحاضرا ومستقبلا إلى أن تقوم الساعة، ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ ( البقرة : 251 )، ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ( الحج : 40 ). ولأنها سنة الله وليست سنة البشر ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ ( فاطر : 43 ).

      إذن الدورة التاريخية واقعة لا محالة، ولو قارنا لغة الخطابين المتصارعين اليوم، الإسلامي والغربي، لوجدنا أننا واقعون، كمسلمين، في صلب الدورة، بل أن مفردات الصراع والتحالفات لا تختلف عن مفردات « التدافع » في الدورات السابقة. لكن حتى هذه اللحظة لا نعرف على وجه الدقة في أي مستوى نحن منها سوى أن ملامحها ومؤشراتها كثيرة لا تخفى على مراقب أو متابع، والأهم أن هويتها باتت أكثر وضوحا من ذي قبل.

      الإسلام وليس القاعدة

      لا شك أن الصورة التي يُراد لنا كمسلمين فهمها في العلاقة مع الغرب واليهودية العالمية هي صورة الحرب على الإرهاب أو بمستوى أدق الحرب على تنظيم القاعدة بوصفه التنظيم الذي يعلن الحرب على الحضارة الإنسانية الغربية وحتى على المسلمين. لكن واقع الأمر أن العلاقة التي تحكم الطرفين اليوم ( المسلمين والغرب) هي علاقة الاستكبار والاستضعاف. هذه العلاقة استهدفت في بداياتها نظام الحكم الإسلامي ممثلا في الخلافة العثمانية بوصفه نظام يجمع الإسلام ودياره في شتى بقاع الأرض بقطع النظر عن قوة النظام أو ضعفه. وتفكيكه يعني تفكيك للجغرافيا ومدخلا مهما في تفكيك العقيدة في مرحلة لاحقة. والنتيجة أن الهجمة الغربية على ديار الإسلام نجحت في تحقيق اختراق عميق في مهد الإسلام تمخض عنه هدم لنظام الخلافة وتقسيم للجغرافيا واستنبات للدولة اليهودية في عقر داره.

      في المقابل كان للتعليم وتوسعه أثره البالغ في الوعي عبر إزاحة الثقافة الدينية الشفاهية أو، بالأصح، الأسطورية ذات النزعة الخرافية التي هيمنت على العالم الإسلامية قرونا من الزمن خاصة خلال الحكم العثماني واستبدالها بالثقافة الدينية المؤصلة إلى حد يكفي للتمييز بين الحق والباطل واكتشاف الذات والهوية مجددا. وبفعل عوامل أخرى لا تقل أثرا عن التعليم، انتشرت كتب التراث الإسلامي، وطُبعت ملايين النسخ منها، وتُرجمت أخرى إلى عشرات اللغات بحيث وصل الإسلام إلى أقاصي الأرض ودخل معظم البيوت. وبلا شك كان هذا الحراك المعرفي جزء من الدورة التاريخية التي نعيش تجلياتها اليوم لكنه، مع ذلك، ظل راكدا، إلى حد ما، بانتظار الفرصة الملائمة التي ظهرت إرهاصاتها الأولى في أكثر من موضع ابتداء من فلسطين ومصر وسوريا وانتهاء بأفغانستان.

      خلال حقبة الحرب الباردة التي دارت وقائعها في الفترة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1944 حتى انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1992 وظفت المنظومتان الشرقية (الشتراكية = الشيوعية ) والغربية (الرأسمالية = اللبرالية) كل ما بحوزتهما من عناصر للقوة، كالاقتصاد والتكنولوجيا والأجهزة الأمنية والثقافية والعلمية والإعلامية، لخوض الحرب بينهما. ومن المهم ملاحظة أننا نتحدث عن منظومات صراع جبارة تمثلان عشرات الدول ومئات الملايين من البشر بكل ما تملكانه من إمكانيات مرعبة. ومن المهم، أيضا، التذكير بأننا نتحدث عن منظومتين متناقضتين كل واحدة منهما كانت تهدد الأخرى بالفناء.

      لكننا اليوم نصاب بالدهشة لما نستمع إلى تصريحات الزعماء الأمريكيين وعلى رأسهم الرئيس باراك أوباما حين يقول بأن تنظيم القاعدة يشكل أخطر تهديد على الحضارة الإنسانية! ويتملكنا العجب حين يكشف دافيد بتريوس قائد قواته المركزية في أفغانستان والعراق أن الإدارة الأمريكية قررت شن عمليات سرية في 75 دولة ضد الإرهابيين والمتطرفين! ويخيم علينا الذهول حين نرى العالم بكل منظوماته السياسية والأمنية والعسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يأتلف اليوم، ويجند كافة قوى الهامش ليحارب تنظيم وليس منظومة!!! ويصيبنا الغثيان لما نلاحظ، بشكل أو بآخر، احتلالات مكشوفة للأحزاب والحركات الوطنية، واحتلالات للجيوش وأجهزة الأمن، واحتلالات للجامعات والمؤسسات، واحتلالات للعلماء والمثقفين والإعلام، واحتلالات للقبائل والطوائف وأكثر الجماعات الإسلامية. فهل كل هؤلاء قاعدة !!!!؟

      صور من التحالف والتواطؤ غير مسبوقة في التاريخ الإنساني نشهدها اليوم بين الحملان والذئاب والوحوش المفترسة والكاسرة من كل حدب وصوب. ولو أن الرئيس أوباما استمر إعلاميا على خطى سلفه جورج بوش بمحاربة الإسلام تحت مسمى الإرهاب لكان أكرم له وأرحم من فضيحة الحرب على القاعدة. إذ حين يوهم أوباما المسلمين بأن حربه هي فقط ضد القاعدة فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف نجحت وحوش الحرب الباردة في التعايش فيما بينها بأقل الخسائر لأكثر من نصف قرن بينما لم تنجح اليوم في التعايش مع وحوش القاعدة؟ ومن يصدق أن الولايات المتحدة ومعها العالم يخوضون اليوم حربا عالمية ثالثة على الإرهاب؟ فما عرفناه ويعرفه الجميع أن الحروب العالمية تندلع، تحت مسميات عقدية أو أيديولوجية أو مصالح عظمى، بين قوى كبرى متخاصمة، لكننا لم نشهد في التاريخ حربا شنها العالم بأجمعه على تنظيم. فهل يصدقنَّ أحد أن القاعدة تستحق كل هذه الحشود والكواسر للقضاء عليها أكثر مما استحقته الحرب الباردة من حشود؟ وهل يصدقنَّ أحد أن كل هذا العتاد والتجهيزات والجيوش الجرارة على كل مستوى وفي كل زاوية من العالم ومئات المليارات تستهدف القاعدة باعتبارها تنظيم إرهابي دولي؟ إذا كان الأمر كذلك؛ فكيف سيكون عليه الحال لو تحولت القاعدة إلى منظومة؟

      واضح أن المشكلة ليست في القاعدة كتنظيم حتى تنال كل هذا العداء السافر بل في الإسلام، وفي الجوهر منه ورأس الهرم التوحيد الذي يرعب الغرب ونظمه الدولية الطاغية .. وهذا يعني حكما وعقلا أن القاعدة ومثيلاتها ليست سوى تجليات للصراع، أو هي بعض من أبرز مفردات الدورة التاريخية. وهذه قصة قديمة بدأت مع الدعوة النبوية وليست حديثة. فقد جاء رجل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن دينه؛ ودعوته، فقال له: « لا إله إلا الله »، فقال الأعرابي: « هذا أمر تكرهه الملوك»! وفي قول آخر قاله الأعرابي حين سمع كلمة التوحيد: « هذا أمر ستحاربك عليه ملوك العرب والعجم»!

      هكذا يمكن القول بأن العرب والعجم يدركون مليا أن خطر القاعدة، اليوم، لا يكمن في كونها تنظيما مسلحا، فقد سبقتها الكثير من التنظيمات التي جاهرت بعدائها للغرب واليهود ونفذت ضدهم عمليات مسلحة خارج مواطنها سواء كانت عربية أو إسلامية أو أعجمية وغير إسلامية، كما أن القوى العظمى خاضت حروبا طاحنة مع حركات تحرر عديدة وتلقت هزائم منكرة فيها. لكن الفرق واقع في كون القاعدة تقدم نفسها عبر أطروحة التوحيد. وهنا المشكلة بالضبط وأكثر. فالقاعدة غدت تتبنى التوحيد كنمط حياة يجد تطبيقاته في صيغ الإعلان عن ولادة الإمارات الإسلامية، ولم يعد عندها أطروحة جهادية أو قتالية فحسب بل أطروحة إنسانية تحاول التأكيد على أن الإسلام أرحم بالبشرية والأرض من الرأسمالية ونظم القوى الكبرى، وهو طرح بدت ملامحه تظهر حتى في خطابات بن لادن حين تحدث، مثلا ، عن المناخ والبيئة.

      ومع ذلك فالقاعدة ليست وحدها من ينادي بالأطروحة أو يروج لها ويعمل عليها، وهذا معطى حاسم في الفهم. فالأطروحة باتت تمثل الناظم المركزي للدورة التاريخية السارية المفعول، وليست القاعدة إلا أحد أوعيتها، ولم تعد وعاءها الوحيد ولا حكرا عليها ولا هي تسعى لاحتكارها، وهو ما أكده بصريح القول عزام الأمريكي في آخر خطاباته ( مطالب مشروعة 2 / ورطة باراك - 20/6/2010) وإلا ما كانت الأطروحة لتلاقي كل هذا العداء ممن يظنون أنها تستهدفهم أو أنهم غير قادرين على التملص منها أو دفعها. وكل ما في الأمر هو محاربة التوحيد باسم الحرب على الإرهاب بهدف اصطياد أكثر من هدف في رمية واحدة: ضرب القاعدة من جهة وتشويه الدعوة من جهة أخرى للحيلولة دون انتشارها بين الناس. والمعادلة في السياق تقول: إذا استطعنا تشويه القاعدة وتحويلها إلى تنظيم منبوذ فستكون النتيجة تبعا لذلك أطروحة منبوذة. بمعنى آخر فالحرب على القاعدة هي الغطاء الملائم للحرب على الإسلام بشكل مباشر، ولضربه ببعضه البعض عبر تقاطع المصالح الدولية، أو بشكل غير مباشر، خاصة أنه ثمة قوى إسلامية وفكرية وحتى اجتماعية مستعدة لمحاربة القاعدة والأطروحة ودعاتها أكثر مما تحاربهم أمريكا وإسرائيل والغرب وحلفائهم. لكن يبدو أن الأوان قد فات.

      مطارق وسندان واحد

      تتعدد جبهات المواجهة، وتتنوع مطارقها، بحيث تتخذ الحروب أشكالا عجيبة في وقت واحد، ومع أ، هذا الشكل من الحروب الذي تشارك فيه قوى محلية من داخل الإسلام بما يكفي لإثارة جبال من الشبهات وتمييع الهوية الحقيقية لها، إلا أن سندانها الوحيد هو الإسلام. فالإيرانيون يخوضون حروبهم في مهد الإسلام بمشروع طائفي صفوي مشبع بالنزعة الفارسية حتى النخاع، وفي تحالف صريح مع الغرب تمخض عنه حتى الآن إسقاط دول إسلامية سنية. ولعل آخر اعترافاتهم، بعد اعترافات محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني ومحمد علي أبطحي، تلك التي صدرت عن الرئيس الحالي أحمدي نجاد في تسجيل مصور له وهو يهاجم الأمريكيين على تنكرهم لما قدمه الإيرانيون من خدمات لهم حيث يقول: « لقد تم مساعدة الأمريكان في احتلال العراق وأفغانستان وبعد ذلك يأتي بوش وبكل وقاحة وينادي إيران بمحور الشر». ومع أن الدلائل الحاسمة أكثر من أن تحصى وتُعَد إلا أن في الأمة مَن لا يرغب أن يصدق أن هناك خطر صفوي يتربص بها من كل جانب.

      واليهود يخوضون حروبهم فيما يشبه عملية كسر عظم للفلسطينيين عبر قتل وحصار وحشي لقطاع غزة لم يسبق أن تعرضت له أمة على وجه الأرض. والأمريكيون ومعهم حلفاءهم يخوضون حروبا صليبية طاحنة ضد الإسلام والمسلمين في مستويات مختلفة، وحتى على أراضيهم، تبدأ من الحجاب ومنع بناء مئذنة والإساءة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والسخرية من المحجبات والعنصرية وتنتهي باستخدام أعتى صنوف الأسلحة الفتاكة وشتى أنواع التهديدات والضغوط والاحتلالات المتنوعة التي لم نشهد لها مثيلا في الحقب الاستعمارية السابقة. فكل ما ألفناه عن الاستعمار احتلال قوات أجنبية لدولة ضعيفة بشكل مباشر، لكن ما نراه اليوم هو تحول الاحتلال المباشر إلى احتلال محلي، وبأدوات محلية.

      أما الروس فيهاجمون بكل ثقلهم في الشيشان ومناطق القوقاز وآسيا الوسطى لمنع أية نهضة إسلامية. ويصبون جام حقدهم وغضبهم على المسلمين هناك عبر حماية النظم الفاشية وزرع الأحقاد والفتن بين القوميات الإسلامية كما حصل مؤخرا بين الأوزبك والقيرغستانيين. وكذلك يفعل الصينيون في تركستان الشرقية حيث عمليات التذويب والتفكيك والتغيير الديمغرافي تجري على قدم وساق، فضلا عن انحيازهم للأطروحة الغربية واليهودية في مسألة القدس على الصعيد المحلي وتراجعهم عن اعتبارها، تقليديا، عاصمة للدولة الفلسطينية. ومن جهتهم حقق الهنود مكاسب كبيرة في مسألة إقليمي جامو وكشمير وحصار باكستان وصولا إلى تغلغلهم في أفغانستان وبث جواسيسهم عبر شركات الحماية والأمن والإعمار محاولين بذلك إفقاد باكستان لعمقها الاستراتيجي التقليدي. وفي إندونيسيا انتُزع إقليم سومطرة من المسلمين، بينما ينتظر السودان تقسيما وتفتيتا وشيكين.

      وفيما يتعلق بإجمالي العرب والمسلمين فقد بات الجهاد والمقاومة في خطابهم طي النسيان. أما العرب على وجه التهديد فقد تواطأ بعضهم على حصار غزة وحرض عليه، وصمت جميعهم في تهافت عجيب لا مثيل له في التاريخ ولا بين الأمم. فلا تصريح ولا مقاومة ولا إدانة ولا استنكار ولا نصرة ولا أي فعل وطني يذكر. فهم في حالة استسلام مطبق إلا من التأكيد الممجوج على إدانتهم المستمرة للإرهاب والتعاون الأمني مع الأمريكيين خاصة والغرب عامة. أما الفلسطينيون فهم أسوأ الأطراف وأضعفهم وأكثرهم تضررا. ففي تصريحات مثيرة أدلى بها لصحيفة الغارديان البريطانية (29/4/2010) وصف ميرون بنفنستي الرئيس اليهودي السابق لبلدية القدس رجال السلطة الفلسطينية بأنهم: « حفنة من الخونة لقضيتهم ... الذين يسرقون الأموال»! فإذا كان اليهودي يصف خصومه بالخونة لقضيتهم فماذا بقي لهؤلاء وأمثالهم من توصيف لدى الأمة؟

      وبالإجمال استُضعف المسلمون حيث كانوا، وذُبحوا في شوارع نيجيريا وقراها، ومن أسلم من النصارى عُذب وذُبح في كنائس مصر بتواطؤ من الدولة، وتم الزج بآلاف العلماء والمشايخ وطلبة العلم في السجون، واعتُرض بعضهم في المطارات والطرقات لاعتقالهم أو اغتيالهم، وحُرم الآلاف من العمل في كل دولة بحجة التعاطف مع الإرهاب ... ونُهبت الأموال وبِيع القطاع العام دون أن يجرؤ أحد على مساءلة الباعة أين ذهبوا بمئات المليارات من الدولارات، وطَحنت الحروب الاقتصادية فقراء الأمة، وانتُهك التعليم، وأُبيح الاختلاط، وتفشت الإباحية، وازدهرت تجارة العمالة والردح، وصار للبراليين صولات وجولات، وانهارت كل المرجعيات والمنظومات الأخلاقية، وغدا الفراغ سيد المرحلة، والأمة أشبه بالغنم السائبة.

      كل هذه الشمولية والسعة غدت إحدى العلامات البارزة في الحرب على الإسلام، ومن الطبيعي والضروري أن تشتد في مرحلة من المراحل أو تدريجيا لتمس التفاصيل بحيث يشعر بها حتى المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة. وكلما فقد الغرب صبره انكشفت الكثير من سياساته واستراتيجياته عبر وسائل استعراض القوة وممارسة القتل المتعمد للمدنيين، أو عبر التصريحات الغاضبة تارة والصريحة تارة أخرى وهي تبحث عن إسلام يلائم الحضارة الغربية، أو عبر تصريحات حلفائه من الزعامات الثقافية والاجتماعية وقبائل الصحوات أو العلماء والمشايخ والزعماء الذين يبالغون، دون مبرر، في التعبير عن ولائهم للغرب بلا حساب للعواقب. وهذه نتيجة لا يرغب الغرب في الوصول إليها خاصة وأن توصيات مؤسساته الكبرى تنبه إلى وجوب الابتعاد عن استفزاز العامة والاختفاء عن أنظارهم.
      لكن الرغبة أمر والواقع شيء آخر.

      .

      في القـرن الخـامـس عشـر الهـجري
      منظمة إسـلامية انتصـرت على عدة امبراطـوريات
      رومـانـية وفارسـية ويهـودية وشــيطانية ، مجتمعـيــن


    2. #2

      الدورة التاريخية (1)(2)(3)000 د. أكرم حجازي


      الإسلام و« طبيخ النَّوَرْ»

      (2)




      مَنْ عايش الأحكام العرفية أو ما يسمى بأحكام الطوارئ يدرك مدى الظلم والوحشية التي يعاني منها المدنيين حين تصبح مثل هذه الأحكام نافذة. هذه الأحكام تصدر بالعادة في أعقاب الكوارث الطبيعية الكبرى أو غزو الأجنبي خطر داهم أو في أعقاب الانقلابات العسكرية.

      والهدف الرئيس من العمل بها هو تجاوز القوانين المقيدة لسرعة التحرك في مواجهة الأخطار وليس القمع والاضطهاد كما هو واقع في أكثر بلدان العالم الثالث. وفي أغلب البلاد العربية لا يوجد لها أي أصل قانوني يشرعها. وحتى إنْ كانت مقيدة بالدستور، موضوعيا أو شكليا، فما من أحد يمكن له أن يفلت مما تراه مؤسسات الحكم والقوى النافذة تهديدا يمس أمن الدولة. وما من دستور أو قانون يمكن أن يجرِّم سلطة يبيح لها القانون العرفي استعمال ما تراه مناسبا في حفظ الأمن والنظام. والأسوأ أن نمط النظام السياسي في البلاد العربية هو نمط أمني بامتياز.

      وفي ظل الحرب المستعرة على الإسلام نشطت نخبة من العلماء والمشايخ وعلى رأسهم رموز الإفتاء الرسمي وحتى من بعض الزعماء بتقديم فتاوى وتصريحات ذات طابع ديني أشبه ما تكون بالقانون العرفي غير آبهة بشرع ولا بمنطق ولا بأخلاق، فلا سند لها ولا تأصيل شرعي ولا مبرر لإطلاقها إلا ما تستدعيه الاحتياجات الأمنية أو السياسية أو الأغراض الحزبية.


      والأخطر في هذا النوع من الفتاوى أنها تهم الشأن العام وليست ذات طابع فردي بحيث يمكن حصرها في واقعة معينة. بل أنها غدت، منذ فترة وجيزة، تتجاوز الشأن العام لتمس صميم العقيدة والتشريعات الإسلامية. ورغم أن غالبيتها الساحقة تصب في سياق الأطروحة الغربية للإسلام بلا أدنى مواربة إلا أن أصحابها لم يتراجعوا عنها قط بقدر ما برروا تصديرها بنفس الأسلوب الذي صدرت به. أي بلا سند شرعي.

      لم ينكر الغرب أنه يبحث عن إسلام يلائمه، فإنْ لم يوجد فلا مانع من إيجاده. وبالتوازي مع هذه الأطروحة كانت مؤسسة راند وأمثالها تحشد من تراه مناسبا من العلماء والدعاة والمفكرين تحت بند « علماء مسلمين معتدلين» أو « أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم». ومن العجيب أننا لم نجد من بين هؤلاء من يعترض على ورود اسمه في القائمة أو يتبرأ منها. بل أن أغلب هؤلاء قدموا للغرب إسلاما أشبه بما يكون في العرف الشعبي بـ « طبيخ النَّوَرْ». أما هذا « الطبيخ» العجيب فله قصة أعجب من المفيد معرفة مواصفاته كي يتبين لنا ماهية الإسلام المنشود لدى الغرب.

      كل شريحة اجتماعية قابلة للتطور قيميا وعقديا سوى شريحة «النّوَر» التي اشتهرت ولما تزل بالانحدار القيمي والعقدي والأخلاقي إلا من رحم الله. ومن سمات هذه الشريحة التي اعتادت ارتكاب الموبقات أنها ترى نفسها غير معنية بالحلال والحرام، ولا بأخلاقيات وسائل الكسب ومشروعيتها، ولا بأي هم من هموم الأمة. كذلك الأمر بالنسبة لمأكلها. فحتى الربع الأخير من القرن العشرين كانت هذه الشريحة تعيش فقرا مدقعا، وحالا يرثى لها. وكان نساؤها وحتى بعض رجالها يتسولون في ستينات القرن العشرين على أبواب البيوت بحثا عن لقمة خبز يسدون به رمقهم حتى من أولئك الذين يعانون فقرا مثلهم ولكن أقل درجة. فتجد أحدهم يطرق الباب خاصة في فترة ما بعد الظهر طالبا المساعدة، ويبدأ الحوار التالي:

      أهل البيت (خاصة النساء أو الأطفال لأن الرجال يكونون في العمل): مين؟

      النوري:
      أنا!

      أهل البيت: ماذا تريد؟

      النوري:
      من مال الله! صدقة! رغيف خبز!

      أهل البيت: عندنا طبيخ ! هل أحضر لك صحنا من الملوخية؟

      النوري:
      نعم

      أهل البيت: خذ

      النوري:
      يحمل كيسا بلاستيكيا أو وعاء فيفتحه ويقول: أسكبيه هنا، ثم يغادر ...

      في بيت ثاني

      أهل البيت: طابخين بامية! هل أحضر لك صحنا؟

      النوري
      : نعم

      أهل البيت: خذ

      النوري
      : يفتح السطل ثانية .. أسكبيه هنا .. فيه رغيف خبز؟ روح مع السلامة ...

      بيت ثالث

      أهل البيت: الله يعطيك ..

      بيت رابع

      أهل البيت: الله يبعثلك

      بيت خامس

      أهل البيت: تأكل فاصولياء؟

      النوري
      : هاتي

      أهل البيت: خذ

      النوري
      : أسكبيه هنا


      هكذا! بعد أن يمتلئ الوعاء بسبعة أو عشرة أنواع من الطعام؛ وبعد جولة معاناة يعود هذا المتسول أو المتسولة إلى المنزل ويستبشر أهل بيته بوجبة ليس لها هوية ولا طعم ولا مذاق ولا منطق ولا أي أساس من التجانس. بعض أهل البيت يأكلون من شدة الحاجة لكن أغلب الطعام يلقى طريقه إلى مكب النفايات.

      وبدلا من أن يرتقي هؤلاء الناس بحثا عن حياة أفضل وأكرم لهم يواصلون الانحدار بالتنكر لكل عقيدة وأخلاق وقيم. وهذا بالضبط هو الإسلام الذي يريده الغرب .. وهذه بالضبط الأمة التي يرحبون بها في عالمهم. وهي أساليب تقود إلى نبذ الإسلام وتعاليمه، وسبحان من قال: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ ( البقرة : 217).

      قائمة فتاوى طارئة

      بعض الفتاوى والتصريحات لو تم جمعها وتصنيفها ووضعها في سلة الإسلام فلن تكون أكثر من « طبيخ نَوَرْ» بامتياز .. والعجيب أن أصحابها، بما لديهم من علم شرعي، وبخلاف « النّوَرْ »، يعلمون علم اليقين أن فتاواهم فاقدة لأي تأصيل شرعي أو حتى منطقي يمكن أن يقبل به حتى محدود الثقافة الدينية. والأكيد أنهم يعلمون أنهم ما أصدروها لحاجة فقهية يستدعيها تغير الأحوال والزمان. فثمة فتاوى تتعلق بإرضاع الكبير أو الموظف (عبد المحسن العبيكان وعلي جمعة) وأخرى تتعلق بحوار الأديان، وفتاوى تحرم الخروج على ولي الأمر حتى لو كان كافرا (العبيكان) وله فتاوى تجيز علاج السحر بالسحر، وفتاوى تنكر الجهاد وتنفي وجود راية له في العراق وأفغانستان وغيرهما (عبد العزيز آل الشيخ وصالح الفوزان وغيرهما) ، وللمفتي السعودي فتاوى تصف قتال المجاهدين بأنه قتال في سبيل الطاغوت، وفتاوى تُجرِّم التبرع للمجاهدين بدعوى تمويل الإرهاب، وفتاوى تعتبر النصارى واليهود مؤمنين، وبعض دعاتها يوصي بعدم جواز الدعاء على اليهود والنصارى (آل الشيخ وطنطاوي وآخرين)، وآخر يرى أنه لا يجوز وصف غير المسلم بالكافر على الإطلاق لأنه لم يؤمن بمحمد رسولا (القرضاوي)، وله فتوى بإجازة بناء الكنائس لغير المسلمين في الدول الإسلامية، وفتاوى تحرم المظاهرات بدعوى أنها تلهي عن ذكر الله ( صالح اللحيدان) ، وفتاوى تجيز التعبد بالمذهب الشيعي ونشره بين أهل السنة ( محمد مهدي عاكف وعلي جمعة)، وفتاوى تصف المنقبات بالعاريات (أبو عبد الله غلام الله وزير الشؤون الدينية الجزائري)، وأخرى تبيح للأوروبيين حظر الحجاب (محمد سيد طنطاوي)، وفتاوى تطالب بالحرية قبل تطبيق الشريعة ( يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي)، وفتاوى تسمح للجنود المسلمين من قوات المارينز الأمريكيين بالقتال ضد المسلمين في أفغانستان! (حررها سليم العوا وأعد لها الخياط وشارك بها فهمي هويدي ووقعها القرضاوي)، وفتاوى تكفر حاكم عينا وتبرئ آخر (وجدي غنيم)، وأخرى تثني على من سبق تكفيره ( محمد حسان ورفاقه في ليبيا)، وأخرى تبرئ الحاكم من التضييق على المسلمين وإعلانه الحرب على الإسلام وكل مظاهر الدين ( سلمان العودة في تونس)، وفتاوى تكفر نظام وتصمت على نظام مماثل (سوريا والعراق)، وفتاوى تجيز الردة عن الإسلام (علي جمعة) وأخرى ترى في الردة خروجا على النظام وليس كفرا ( عبد المنعم أبو الفتوح )، وفتاوى تحلل الربا والفائدة (طنطاوي وعلي جمعة)، وفتاوى تقر بمشروعية المعاهدات والقوانين الدولية (فتوى مؤتمر ماردين) وأخرى تحرمها! وفتاوى تهلل للغرب وتنتشي فرحا بِطَلَّةِ قائده (عائض القرني) ، وفتاوى تبيح سفك دماء المسلمين حتى في المساجد أو تصمت عليها أو تبرر لها وتدعو للقتلة (السديس والقرضاوي وغيرهما)، وفتاوى تجيز الترحم على الكفار أو المشركين، وفتاوى تجيز إمامة المرأة في الصلاة (حسن الترابي)، وفتاوى تحرم المقاطعة التجارية (آل الشيخ وصالح الفوزان وعبدالله الغديان)، وفتاوى تحرم دعاء القنوت حتى في كبرى النوازل إلا بإذن ولي الأمر، وفتاوى تحرِّم اختراق المواقع الإلكترونية لليهود نظرا لما تسببه من خسائر لأصحابها! ( صالح الفوزان )، ودعوة وزير أوقاف عربي لطلبة بلاده إلى الانشغال بتحصيل العلم والثقافة وترك الصلاة التي لا تجلب لهم فائدة أو منفعة، وفتاوى تجيز الاختلاط وتشرِّعه (الغامدي وغيره) ، وفتاوى تجيز الغناء والطرب (القرضاوي والكلباني أخيرا) وحتى جواز صلاة الراقصة بملابس الرقص! ( علي جمعة)، وفتاوى ملتوية تبيح الزنا وتشرعه ولو بصورة فاضحة (أحمد الكبيسي)، وهو نفسه الذي وصف مجتمع الإمارات بأنه مجتمع يتفوق على مجتمع الخلافة الراشدة !!! بدعوى أنه « لا يوجد معارض سياسي واحد» لحكام الإمارات! وفتاوى توصي الحكومة برفع رسوم الضرائب على الخمور بدلا من تحريم إنتاجها أو التجارة بها (حزب العدالة والتنمية في المغرب)، وفتاوى تدعو لإنشاء مفاسد أصغر لدرء مفاسد أكبر وكأن الإسلام جاء ليفسد في الأرض (سعد الدين العثماني)، وفتاوى تفتري على الرسول صلى الله عليه وسلم وتتحداه وتكفر به لو طلب من صاحبها أن يكفر بالمسيحية واليهودية (مفتي سوريا محمد حسون)، وهو نفسه من قال أما المجلس الأوروبي: لعن الله من قتل فلسطينيا أو إسرائيليا! وأخرى تفتري على الرسول وتقول أنه فشل في 26 محاولة (عمرو خالد)،

      وآخر يذهب أبعد منه فيرى أن الرسول فشل في دعوته (د. أحمد البغدادي)، وفتاوى تشرع لبناء الجدار الفولاذي على حدود قطاع غزة مع مصر لخنق القطاع ( طنطاوي وغيره)، وأخرى تهيئ الأئمة والخطباء للتطبيع مع إسرائيل بوصفها جارة، خاصة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالجار (وزارة الأوقاف المصرية) ...

      قائمة طويلة جدا حبذا لو تجد من يجمعها ويوثقها من مصادرها الأصلية كي تعلم الأمة وأجيالها القادمة من هم القائمون على شريعتها والذين استودعهم الله أمانة العلم وجعلهم ورثة الأنبياء؛ فإذا بهم يتطاولون على أحكام الله وشريعته وأنبيائه .. قائمة من أعجب الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان إلا عند هؤلاء العلماء والمشايخ والدعة، ناهيك عن فتاوى الزنادقة من بعض العلماء وكتابات بعض المفكرين والكتاب الليبراليين والمتصهينين والملاحدة. فأي إسلام ستورثه مثل هذه الفتاوى للأمة؟

      .

      في القـرن الخـامـس عشـر الهـجري
      منظمة إسـلامية انتصـرت على عدة امبراطـوريات
      رومـانـية وفارسـية ويهـودية وشــيطانية ، مجتمعـيــن


    3. #3

      الدورة التاريخية (1)(2)(3)000 د. أكرم حجازي


      مناقشات منهجية لفتاوى طارئة

      (2 – 2)






      قبل مناقشة بعض النماذج لا بد من التذكير بأن الفتوى الطارئة التي نتحدث عنها ليست تلك التي تستدعيها الضرورات الفقهية والاحتياجات الطارئة على الأمة، بل هي التي تصدر في صيغة « تصريح» أو « إجابة على سؤال» أو « رأي فقهي» أو « فتوى»، في أي فضاء كان، بلا تأصيل أو سند شرعي وافٍ يأخذ بعين الاعتبار الكتاب والسنة وأقوال السلف والمناهج اللازمة والسوابق فضلا عن الظروف المحيطة بالنازلة حاليا ومستقبلا بما يحفظ للدين سلطانه وهيبته وللمسلمين والأجيال حقها. هذه « النصوص» نضعها تحت بند «الفتاوى الطارئة» أو « العرفية» أو « فتاوى الضرورة» التي تبدو، عبثا، كمن يسعى إلى تقديم الإسلام بمحتوى « وسطي» أو « متسامح» أو « منفتح » فإذا بها تقدم إسلاما هزيلا ممسوخا يستحق السخرية والهدم أكثر مما يستحق الدفاع عنه. وهي، للحق، تبدو دينا جديدا كل الجدة. لكن باسم من؟

      إذا كانت الدولة فثمة منها ما يسمح لامرأة أن تقدم عظة يوم الجمعة على التلفزيون وهي كاشفة الرأس كما يفعل التلفزيون التونسي أو سبق له وفعل، وأخرى تقرر تعيين 50 امرأة في منصب الإمامة في المغرب وبصفه واعظة أو مرشدة كي يتطور المجتمع ويواصل التقدم، لكن دون السماح لهن بإمامة صلاة الجمعة، وهذه مخالفة صريحة لأماني د. حسن الترابي! وثمة وزير الأوقاف المصري، د. محمود حمدي زقزوق الذي أعلن أنه يعتزم زيارة القدس عبر تأشيرة إسرائيلية مخالفا بذلك رأي عامة الناس وخاصتهم ناهيك عن الشرع! وإذا صارت الدولة طغيانا يصعب وقفه فليست وحدها من يجهد في سعيه لامتلاك الفرد والجماعة والمؤسسة والمجتمع، ويتحول إلى دين بحد ذاته كما يرى الشيخ راشد الغنوشي. إذ ثمة جماعات إسلامية وتيارات وفِرَِق صارت هي الأخرى أشبه بدين قائم بذاته، بل ثمة أفراد يجري ترويج آراؤهم وأفكارهم وسياساتهم وأهواءهم وترقيتها لتغدو دينا جديدا لا همَّ له إلا السخرية من الدين وهدمه. كل أو بعض هؤلاء أخذ من الدين ما يلائمه، أو أفرغ فيه ما تقشعر من هوله الأبدان، وتنفر منه النفوس، فإن لم يجد أحدهم ضالته فيما يهوى لوى عنق النص ليّا، أو تَنكَّر له من الأصل، أو تطاول حتى على الله في صيغة تصريح أو رواية فاجرة تجد من يطبعها وينشرها ويسوقها في البلاد العربية والإسلامية بتواطؤ منحط من الدولة نفسها.

      هكذا صارت الدولة، من جهتها، مقدس لا تسمح لأحد بالاقتراب منه، أما الجماعات: فالصوفية مستعدة للقتال بالسلاح لمن يقترب من أضرحتها وحتى مهاجمة المساجد وإحراق المصاحف، والجامية والمدخلية وأمثالها فالموضوع العقدي المركزي عندها قبل أي موضوع آخر هو ولاية الأمر، ولم تعد تتواني عن تكفير من يخالفها الرأي، والتبليغ والدعوة قانعة بالصفات الست وركن الخروج بعيدا عن السياسة وهموم الأمة، وحزب التحرير قابض على أطروحته ومنهجه كالقابض على جمر من النار، وكل اجتهاد عند الإخوان مأجور ما لم يخالف مصلحة الجماعة، وعند الأفراد، وبعضهم وزراء ومفكرون وفنانون وكتاب، نجد مفتي مصر علي جمعة، مثلا، يبيح للمسلم الحق في اختيار الدين الذي يناسبه من غير الإسلام وأن حسابه على الله، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: « من بدل دينه فاقتلوه»! وكأن أبا بكر الصديق أخطـأ لما قاتل المرتدين! فهل هذا اجتهاد أم إرجاء؟ أما عبد المنعم أبو الفتوح فلا يرى في حد الردة إلا خروجا عن النظام وليس خروجا من الإسلام. وما على الأمة إلا أن تكذِّب كل ما كتبه المؤرخون والعلماء ورواه الصحابة عن رفض المرتدين لأداء فريضة الزكاة.

      وأخيرا يأتي شيخ الأزهر الجديد د. أحمد الطيب، ليؤكد على سلامة المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مشيرا إلى أن: « الاختلاف بين السنة والشيعة في الفروع فقط وليس في الأسس والثوابت التي يقوم عليها الدين». فالطعن بعرض عائشة أم المؤمنين التي برأها الله من فوق سبع سماوات فيما اشتهر بحادثة الإفك وبزوجات الرسول وسب الصحابة والافتراء عليهم واتهام السنة بتحريف القرآن الكريم وتأليه علي بن أبي طالب وزواج المتعة والإمامة والتقية والافتراء على الأئمة الإثنا عشر والسجود لغير الله والإستغاثة بغيره سبحانه وتعالى وزعم الاتصال بالأموات وتفضيل فاطمة وآل البيت على الأنبياء والرسل ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها عند حضرة شيخ الأزهر الجديد خلافات في الفروع! فأي دين يريد هؤلاء من الأمة أن تتعبد الله به؟ ولماذا هذا الإسفاف في الدين والتحقير للإسلام والمسلمين؟

      لو عرضنا مثل هذه الفتاوى والآراء الفقهية على العامة لما حظيت بأكثر من مشاعر الصدمة والسخرية لها، ولمن أدلى بها. فلا هي فتاوى نجحت في إرضاء الغرب ولا هي فتاوى حفظت دينا ولا هي دافعت عن نظام، ولا هي انتصرت لنبي أو لحق بقدر ما انتصرت لباطل وبهتان. وإنْ كان هناك من حاجة لتصديرها، خاصة ممن اختار السقوط بنفسه، فلا لأية منفعة أو نصرة إلا أن تكون صفتها الطارئة علامة بارزة من علامات الدورة التاريخية.

      أما العلماء فيبدو أن هناك من يجتهد في السعي لإسقاطهم والتقليل من هيبتهم ومكانتهم ومحاصرتهم وتهميشهم أو التشويش عليهم وضرب الإسلام بهم عبر تحميلهم، على العموم مسؤولية مثل هذه الفتاوى، وفي نفس الوقت إجبارهم على الصمت أو تحمل العواقب الوخيمة. هؤلاء ندعو الله أن يطيل بعمرهم لنرى منهم أو ممن يخلفهم من يجمع هذه الفتاوى ويوثقها كما سبق وجُمعت الأحاديث الموضوعة والمغرضة. ويوم تصل الدورة التاريخية إلى نهايتها سنجد من قادة الأمة أو علمائها من يأمر بحرقها كما أُحرقت من قبل كتب البدع والضلال والتضليل.

      نقول هذا لأنه من المستحيل أن يمر كل هذا الزيف على دين تكفل الله بحفظه وإن رغمت أنوف. وإلى ذلك الحين سيظل السؤال التالي مطروحا: إذا كانت الفتاوى الطارئة من صنع رموز الفقه والإفتاء والمؤسسات الرسمية القائمة على الدين وبعض علماء الجماعات والفرق الضالة؛ فهل يجوز للأمة، شرعا أو عقلا، أن تثق بأمثال هؤلاء وتأخذ دينها عنهم؟ سؤال بحاجة إلى إجابة صارمة. أما الآن فلنناقش بعض النماذج قبل مغادرة هذا المحور.

      فتوى جواز قتال المارينز المسلمين

      هي واحدة من أعجب وأشهر الفتاوى التي صدرت ليس فقط عن عالم دين بل وعن موظفين وصحفيين ليس لهم أي تأهيل شرعي يسمح لهم بتصدير فتاوى بالغة الخطورة. ولقد ناقش الكثير من الكتاب والعلماء مضمون الفتوى وما حمله من كوارث لا يصدقها عقل ولا يمكن أن يجيزها شرع تحت أي مسمىً كان. ولو عكسنا الصورة لما وجدنا نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو وثنيا شارك في يوم ما في قتال إلى جانب المسلمين في فتوحاتهم أو معاركهم وسلم من ملته قتلا أو شنقا أو تعزيرا. ولست هنا أناقش ما أفاض به غيري من المتخصصين من أهل العلم والفكر لكنني سأطرح تساؤلا لم أقع عليه فيما قرأت واطلعت عليه: ما هو حكم المسلمين الفلسطينيين من أهل السنة المجندين في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية، والذين يقاتلون أبناء جلدتهم وملتهم؟

      سيكون من السهل تكفيرهم وإخراجهم من الملة لكون إسرائيل دولة كافرة وغاصبة على أقل تقدير، وهو ما لم يحصل حتى هذه اللحظة، ولا حتى بالنسبة لمنتسبي الأحزاب اليهودية منهم أو أعضاء البرلمانات. حسنا. لكن لننظر إلى الصورة من زاوية أخرى. فإذا توصل العرب الرسميون إلى تسوية رسمية معلنه مع دولة اليهود في فلسطين، وكذا فعل الفلسطينيون؛ فهل سيكون تَجَنُّد المسلمين في دولة اليهود مشروعا؟ ولنفرض أن دولة اليهود تعرضت حينها لهجوم من قبل مجاهدين مسلمين من دولة مجاورة أو من داخل الدولة الفلسطينية المفترض أنها مستقلة وتعيش جنبا إلى جنب مع دولة اليهود، لا فرق حينها بين الاعتراف أو الهدنة، فهل يحق لإسرائيل رد ما تعتبره عدوان عليها؟ وهل سيكون، آنذاك، قتال المسلمين في الجيش الإسرائيلي لإخوانهم مشروعا؟

      لنأخذ صورة ثانية. حين احتلت إسرائيل الضفة الغربية، وشرعت في تدمير سلطة رام الله وقتلت أكثر من 500 فلسطيني من مخيم جنين وحطمت البلدة القديمة من مدينة نابلس ثم هاجمت لبنان في تموز 2006 وغزة في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 ، كان هؤلاء المسلمون على رأس عملهم في خدمة الجيش الإسرائيلي. وكانوا، من قبل ومن بعد، في جبهات القتال وفي أجهزة الأمن والشرطة والدعم اللوجستي، فهل صدرت أي فتوى تجيز لهم القتال مع اليهود ضد إخوانهم من المسلمين؟ وهل صدرت أي فتوى تحذرهم أو تنكر عليهم فعلهم في الجيش الإسرائيلي إبراء للذمة أو لإحداث شرخ في الجبهة الداخلية للعدو؟ وهل تطرق إليهم الإعلام من قريب أو من بعيد وأعانهم، موضوعيا وشرعيا، على الاجتهاد في فك ارتباطهم بدولة اليهود؟ سيقول البعض: نعم. فقد صدرت فتاوى عدة كفّرت كل مسلم يعين كافرا على أخيه المسلم حتى ولو كان حاكما، وكانت آخرها فتوى المائة عالم. هذا صحيح. لكن بالنسبة لهذه الشريحة فلم تصدر أية فتوى على التخصيص، ولم تكن، منذ زمن بعيد، موضع اهتمام شرعي أو سياسي أو حتى إعلامي من أي جهة عربية أو إسلامية كانت.

      لكن لنطرح بعض الأسئلة الفقهية الأخرى، بقطع النظر عن الوضعية السياسية،: ما هو الفرق الشرعي بين جندي مسلم يقاتل إخوانه المسلمين في الجيش الأمريكي أو في الجيش الإسرائيلي؟ وهل يصح أن تصدر الفتاوى في مسائل عقدية صرفة بناء على دعاوى المصلحة والقومية والوطنية والحاجات الفردية والنفسية والاجتماعية؟ وهل مصلحة جنود المارينز المسلمين مقدمة على مصالح الأمة ومصائر الدول الإسلامية وأرواح الأبرياء من المسلمين؟ وهل يجوز لهؤلاء المشاركة في قتال المسلمين بناء على ما تقرره دولتهم في الزمان والمكان كما تنص الفتوى؟ وهل يجيز الشرع أصلا أن ينخرط هؤلاء في جيش كفري حتى ولو كان جيش بلدهم؟ وهل الخشية عليهم من وصفهم بالطابور الخامس إذا امتنعوا عن قتال إخوانهم من المسلمين يعتبر مبررا شرعيا يسمح لهم بالمشاركة في الحرب سواء في الصفوف الأمامية أو الخلفية؟

      لنأخذ صورة ثالثة. لنفرض أن العلماء اختلفوا على شرعية التسوية مع إسرائيل، بمعنى أن بعضهم أقرها شرعا بينما خالفها قسم آخر. وهذا ممكن الحدوث؛ بما أن فلسطين شأن إسلامي وأرض موقوفة وحدث رباني. لكن بأي الموقفين ستلتزم الأمة حينها؟ بموقف المشرِّعين للتسوية أم بموقف الناقضين لها؟ وماذا سيكون حال المجاهدين الذين رفضوا التسوية أسوة بموقف العلماء الرافضين لها؟ هل سيكونون جميعا طائفة خوارج أم بغاة؟ أم سيكونون تحت ولاية أهل مكة تفعل بهم ما تشاء؟ باختصار ما هو الحل: استفتاء شعبي؟ أم تصويت ديمقراطي تخضع فيه الأقلية من العلماء لرأي الأغلبية!؟ أم حل توافقي؟ والسؤال الذي نطرحه وسط انقسام الموقف الشرعي: هل سيكون قتال إسرائيل مشروعا أم محرما؟ وما هو الموقف الشرعي من المجندين المسلمين في الجيش الإسرائيلي؟

      هذه الصورة الأخيرة أوردناها لكونها تتطابق بالضبط مع حالة الجهاد في العراق وأفغانستان والصومال. فانقسام العلماء جاء استجابة لمواقف سياسية رسمية ومصالح حزبية وليس لدوافع شرعية، وأدى إلى انقسام في الأمة. أما الذين رفضوا جهاد حركة طالبان والصومال والعراق بحجة غياب الراية أو وجود شبهات شرعية، هم أنفسهم الذين اعتبروه « إرهابا»، وسخروا منه، وحرضوا عليه، وجهدوا في التمييز بين « إرهاب وإرهاب» أو ما باتوا يعبِّّرون عنه بمصطلحات مستحدثة من نوع « مقاومة شريفة » و« أخرى غير شريفة»! هل من الإنصاف أن يجد الجندي المسلم في قوات المارينز من يوقعه في ورطة شرعية، ويلتمس له العذر، ويحرص على وطنيته ومصداقيته ووفائه لوطنه، هو والذين قاتلوا معه من المسلمين، تحت رايات عمية في وضح النهار بينما لا يجد مسلم يدفع عن أهله ودياره إلا تهمة الخوارج والإرهاب والقتال في سبيل الطاغوت؟

      إذا كانت بعض الدول أو كلها، في خضوعها التام للأطروحة الأمريكية والصهيونية، تحتج بمصالحها وضعفها وتخشى غضبة الأمريكيين عليها؛ فما هو المبرر، الشرعي أو السياسي، الذي تحتج به بعض الجماعات والشخصيات الإسلامية التي تحالفت مع الأمريكيين اختيارا منها وطواعية، وباتت تتنعم بحمايتهم وأموالهم وتقاتل في صفهم ونيابة عنهم؟ وإنْ كان بعضها بريئا من السقوط في الفخ الأمريكي فلماذا يستأسد في إنكار حتى جهاد الدفع وتشويهه ومحاربة أهله بشتى السبل وكأنه ألدّ الخصام؟ ألا تصب هذه المواقف في سلة الأمريكيين والصهاينة؟ الأعجب في مواقف هؤلاء القوم أنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها حين يتعلق الأمر بإدانة جرائم إيران ومشاريعها الصفوية المدمرة للأمة بحجة أن من يتحفظ على إيران أو حزب الله ( المقاومة! ) أو يتبرأ منهما إنما يختار آليا أن يكون في صف الأعداء!! بطبيعة الحال ليس ثمة حضور لأي اختيار عقدي هنا، فالحكم الشرعي بالنسبة لهؤلاء لا هو حاضر ولا قيمة له. كل ما في الأمر أن هناك تقاطع مصالح مشتركة، لذا لا ضير في الصمت أو التواطؤ أو غض الطرف أو الانحياز العلني لأمريكا، ومساعدتها في احتلال بلاد إسلامية وتعيين رؤساء وحكومات موالية لها ومعاداة الجهاد وأهله وقتل المجاهدين والأبرياء !!! فأي منطق شرعي استند إليه هؤلاء في مثل هذه الفتاوى والمواقف والتصنيفات غير منطق المصالح والحزبية والهوى والعمى؟

      أخيرا، وبينما كانت المقالة على وشك الصدور، تناقلت وسائل الإعلام (29/6/2010) خبرا عن فتوى أصدرها فقهاء مجمع الشريعة بأمريكا بخصوص مساعدة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان. واعتبرت كبرى وسائل الإعلام الأمريكية الفتوى: « صادمة وتحريضية .. إنها بنيت على أساس ديني لتحرِّم إمداد الجيش الأمريكي بالمواد الغذائية أو العمل معه في مناطق لا يوصف فيها أداء الجيش بالودي بل بالعدائي لاسيما في العراق وأفغانستان». أما الفتوى التي صدرت تحت رقم 3062 عن اللجنة الدائمة للإفتاء في المجمع، فقد جاءت في معرض رده على سؤال ورد في رسالة يقول: « هل يجوز لمسلم صاحب شركة نقل أن ينقل مواد تموينية من مخزن الشركة المرسلة إلى الميناء، مع العلم أن هذه المواد مرسلة إلى جنود يعملون في بلاد إسلامية في إطار قوات التحالف؟». ورد المجمع على السؤال، بعد تحفظ، بعدم مشروعية إرسال مواد تموينية للجنود الأمريكيين الذين يعملون في بلاد إسلامية كالعراق وأفغانستان في إطار قوات التحالف، محتجا بأن: « من كان على برّ وتقوى تشرع إعانته، ومن كان على إثم أو عدوان لا تشرع إعانته».

      لا بد من القول بداية أننا نتعامل مع خبر وليس مع نص رسمي، لكن بما يوفره الخبر من معلومات يمكن مقارنة الفتوتين والتعرف على بعض أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينهما.

      أما أوجه الشبه فتكمن في أن:

      1) كلتاهما صدرتا بناء على سؤال وبالتالي لا مجال لاتهام أحد بالتحريض، لأنه لو كانت فتوى المجمع تحريضية، كما تقول وسائل الإعلام الأمريكية، لصدرت عشية الحرب أو خلالها أو بعدها بقليل، لكنها صدرت بعد سبع إلى تسع سنوات،
      2) وتخصان مسلمين،
      3) ومواطنين أمريكيين يعيشون في أمريكا،
      4) وتتعلقان بإعانة الجيش الأمريكي على المسلمين،
      5) وتتطلبّان حكما فقهيا على أساس شرعي.

      أما أوجه الاختلاف:

      1) الأولى ( فتوى القرضاوي ) ملفقة شارك في صناعتها غير متخصصين ووقع عليها عالم واحد، بينما صدرت الثانية ( المجمع الفقهي ) عن متخصصين شرعيين بعد النظر بها ومناقشتها في مجلس إفتاء دائم،
      2) الأولى تساهلت في قتال المسلم للمسلم بينما الثانية حرمت حتى الدعم اللوجستي.
      3) الأولى أفاضت من التسهيلات أكثر مما حلم به الأمريكيون أنفسهم بينما التزمت الثانية بالرد على موضوع محدد،
      4) الأولى راعت المصالح الدنيوية بينما الثانية التزمت بالمقررات الشرعية،
      5) الأولى لاقت الترحيب ممن راقهم الأمر في حين اتُّهمت الثانية بالتحريض،
      6) المجمع كان جريئا وحريصا على قول الحق في عقر دار أمريكا، بينما الآخرون كانوا في سعة من الأمر وليسوا مكرهين،
      7) المسلمون والمجندون المسلمون في أمريكا بدوا أحرص على تبيُّن الموقف الشرعي أكثر من المجندين المسلمين في ديارهم إما خوفا أو لأن طاعة ولي الأمر مقدمة على الموقف الشرعي،

      أليس ثمة فرق بين فتوى تصدر على أساس ديني، كما تقول وسائل الإعلام الأمريكية نفسها، وأخرى تصدر بلا أي سند شرعي أو تأصيل أو اعتبار للدين فضلا عن التفريط به؟ والسؤال الأخير: إذا كانت فتوى المجمع قد صدرت بحق المسلمين الأمريكيين؛ أليس من الأولى أن تصدر بحق المسلمين، دولا وأفرادا وشركات في ديارهم، ممن يتنافسون على تقديم الدعم اللوجستي للأمريكيين في حروبهم على الإسلام والمسلمين؟

      فتوى الرضاعة للعبيكان و د. عزت عطية رئيس قسم البحوث في الأزهر

      تبدو، في الانطباع الأول، أنها من الفتاوى المثيرة للسخرية أكثر مما هي تعبير عن احتياج أو ضرورة فقهية. وحين أطلقها صاحبيها، بداية، لم يوضحا آلية تنفيذ الفتوى. لكنها استهدفت إجازة الاختلاط بطريقة ملتوية. فالموظفة التي تتحرج من إثم الخلوة أو خطرها مع زميلها في العمل يمكنها حل المشكلة بإرضاعه من حليبها. ولمّا ثار الجدل واحتدم عن كيفية تطبيق الفتوى؛ قيل أن تقوم المرأة بإفراغ الحليب من ثديها في كأس ثم يشربه الشخص المعني. وإذا دخلنا في نقاش جدي للمسألة سنكتشف أننا إزاء فتاوى مارقة إما أنها صادرة عن جهل وإما أنها زندقة.

      فالرضاعة في الإسلام مدتها حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. وهي مختصة حصرا في المواليد وليس في الكبار، فالرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم. ولما تقع الرضاعة الطبيعية التي فطر الله عز وجل بها خلقه بعد الولادة مباشرة فإنها تحدث عبر فك الجنين وحلمة الثدي، وبهذه الطريقة يحصل الرضيع على غذاء لا يماثله في الفائدة والجدوى أي غذاء آخر على وجه الأرض، فضلا عما يوفره له من مناعة خاصة في الشهور الثلاثة الأولى، ناهيك عن حزمة المشاعر التي يحصل عليها من حنان وحماية ونشوء علاقة حميمية خاصة بين الأم ورضيعها. وبطبيعة الحال تنتهي الرضاعة خلال الحولين أو بعدهما أو أكثر بقليل لكنها تختفي عند الكبير للأبد. وقد اختلف العلماء في عدد الرضعات ما بين ثلاثة إلى خمس مُشبِعَة.

      لكن إذا شرب الكبير حليب الثدي من الكأس صار شرابا وليس رضاعة. ولم يكن حليب الأم في أي عصر من العصور شرابا سائغا للكبار ولا مألوفا. ولو طرحنا السؤال الفقهي التالي: هل للرضاعة علاقة بالنية؟ فلو قلنا مثلا أن رجلا شرب حليب امرأة لسبب ما فهل يصبح في هذه الحالة شقيقا للمرأة بحيث تَحْرُم عليه رغم أنه لم يفكر بذلك ولم يرده ولم يخطر على باله ولم يسع إليه؟ ولو قلنا أنه شرب حليب امرأة بسبب جوع أو عطش شديدين يمكن أن يتسببا في التعرض لضرر جسدي أو يهددان حياة الشخص أو أنه أُكره على هذا العمل؛ فهل أصبح مُحْرَما لها؟ ثم هل أخذت الفتوى بعين الاعتبار حال البلاد الإسلامية ونمط مجتمعاتها الراهنة؟ وهل تنطبق الفتوى على العاقل وغير العاقل؟ أي على الإنسان والدابة؟ وهل يمكن اعتبار شرب حليب الأنثى قاعدة في التحريم؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن البشر، مسلمين وكفارا – عربا وعجما، سيغدون أخوة لأنفسهم وأخوة للدواب وأقارب!!! فمن سيصاهرون حينها؟

      ثم من قال أن الكبير يستسيغ حليب المرأة؟ ومن قال أن المرأة مهيأة للإرضاع عند الطلب؟ وبما أننا نعيش اليوم في أجواء الدول العلمانية حيث الاختلاط قائم في مختلف مناحي الحياة فمن الأهمية بمكان التذكير إلى أن الاختلاط واقع في كل مؤسسة ما بين رجل وامرأة كحد أدنى إلى عشرات الذكور والإناث في المؤسسة الواحدة. فماذا ستفعل امرأة بعدة رجال حولها؟ هل سترضعهم جميعا حتى تتجنب محاذير الاختلاط والخلوة؟ أم نقول لها: دعك من الوظيفة؟ أم نفتش على أساليب شرعية لتجنب الوقوع في المحارم؟ العجيب في الأمر أن مشايخ هذه الفتاوى لا يبدو أنهم معنيون بطرح أي سؤال فقهي من السهل أن يراود الأميين من الناس. فكيف يصح لهؤلاء أن يتجرؤوا على دين الله ويستخفوا بعقول البشر إلى هذا الحد؟

      فتاوى ولاية الأمر والحاكم المتغلب

      في 21/8/ 2004 ظهر الشيخ عبد المحسن العبيكان على فضائية الـ « MBC » وقال: « إن الرضوخ للقوات الأميركية في العراق هو الحق, ذلك لأن القوم جاؤوا محررين لا غازين»، وفي ديسمبر 2007 استضاف تركي الدخيل صاحب برنامج « إضاءات» على قناة « العربية» الشيخ. وفي خضم النقاش دار بينهما الحوار التالي حول الجهاد وولي الأمر:

      العبيكان: لا يجوز الدفع إلا عند القدرة، والإمام إذا وُلِّيَ وتَغَلَّب حتى ولو كان كافرا، فكما يقول الشيخ ابن عثيمين: المتغلب حتى ولو كان كافرا؛ إذا لم نستطع القيام عليه وتغييره لا يجوز لنا مقاومته. هذا كلام الشيخ ابن عثيمين. نحن نقول للمقاومة الآن: أنتم في حال ضعف، وقد نصت النصوص على أنه لا تجوز المقاومة لمن كان ضعيفا. لماذا؟ الله عز وجل يقول: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وقد نص المحققون كالشيخ عبد الرحمن بن السعدي وغيره من المفسرين على أنه لا يجوز الإنسان أن يلقي نفسه إلى التهلكة في أي أمر كان .. الآية عامة.

      الدخيل: طيب يا شيخ ... هناك من يقول بأن الشيخ عبد المحسن العبيكان مستشار قضائي في وزارة العدل في السعودية يتحدث لأن النار لم تصل ثوبه. لكن لو حدث غزو، لا قدّر الله، أمريكي على السعودية على سبيل المثال؛ هل كان الشيخ سيقول ذات الرأي الذي يقوله الآن فيما يتعلق بالعراق؟

      العبيكان: نحن نتكلم بكلام لنا وعلينا. ولا يمكن أن نغير كلامنا ولا نغير آراءنا أبدا. ولكن نرجو أن لا يأتي اليوم الذي نضطر فيه إلى .. نقاتل مع أئمتنا! يعني لو حصل شيء فنحن تحت ولاة أمر، وإذا رفعوا الراية فنحن معهم ..

      الدخيل: حتى لو كانوا أضعف؟!

      العبيكان: حتى ولو كانوا .. نح .. نحن تحت ولاة أمر، فهم يقاتلون ، يدفعون. نحن نقول هنا لا راية لأهل الفلوجة ، لا راية .. لأن هناك حاكم هو ضدهم وهم يفتئتون عليه، وأيضا لا قدرة ..

      الدخيل: الحكومة العراقية المؤقتة

      العبيكان: نعم

      بطبيعة الحال فتاوى العبيكان هذه ومواقفه في هذا السياق كثيرة. فهو يعتبر الحُكم القائم ولاية أمر شرعية بما في ذلك مشروعية تعيين الرئيس الأمريكي جورج بوش « بول بريمر» كأول حاكم مدني للعراق بعد سقوط بغداد. فعلى أي أساس شرعي أجاز خضوع المسلمين لحاكم كافر؟ فحين سئل العبيكان عن الحاكم الأمريكي المدني والحكومة الانتقالية القائمة بقوة الاحتلال أقرّ بشرعيتهما ونفى وجود راية جهادية في العراق، ولما سُئل عما إذا تعرضت السعودية لغزو مماثل لماحدث لأفغانستان والعراق قال بأنه سيتبع ولاة الأمر!!! فأي ولاة الأمر يقصد؟ ولاة الأمر المتغلبون؟ أم المغلوبون؟ ثم إذا كان ولاة الأمر موجودون في الحالتين فكيف يتواجدون في السعودية ولا يتواجدون في العراق؟ وكيف يكونوا شرعيين في السعودية رغم ضعفهم ولا يكونوا كذلك في العراق رغم قوتهم الساحقة باعتراف الأمريكيين أنفسهم؟ ومن هو الذي يحدد مشروعية هذا الولي من عدمه؟ ثم كيف استطاع العبيكان أن يحدد القدرة من عدمها خاصة في جهاد الدفع؟ فهل ثمة شروط أصلا لجهاد الدفع كي يحتج بها العبيكان؟

      المثير في المسألة ليست تصريحات العبيكان وفتاواه غير المؤصلة لأي سند شرعي بل في علماء كثيرين يرون نفس الرؤية، وكلهم يدورون في فلك السلطة أمثال الشيخ سلمان العودة والشيخ صالح الفوزان ومفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي يرى أن المجاهدين يقاتلون في سبيل الطاغوت وقوى خارجية أجنبية. ولسنا ندري على وجه الدقة والبيان عن أي طاغوت أو قوى خارجية يتحدث المفتي إذا كان هؤلاء يقاتلون الغزاة الأمريكيين وحلفائهم، فكل ما نعرفه أن هؤلاء هم القوى التي جاءت من الخارج إلى العراق، وليت سماحة المفتي حدد للأمة بالضبط من هو الطاغوت الذي يتحدث عنه؟ ومن هي هذه القوى الخارجية؟ والحقيقة أن راية الجهاد في هذه الأيام سواء في الشيشان أو العراق أو الصومال أو أفغانستان أشد وضوحا منها في زمن الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك كان الجهاد آنذاك يحظى بكل الشرعية التي يحتاجها، واليوم يحظى بكل الإدانة التي يستوجبها! فما الفرق؟ وما الذي استجد في الأمر؟ لا شيء. كل ما في الأمر أن موضوع الراية غير ملائم للدول وللأنظمة وللأمريكيين ولكافة الخصوم.

      لكن لو كانت مثل هذه الفتاوى فيها أدنى قدر شرعي أو عقلي مما يلزمها من أسانيد وحجج شرعية لانهارت كل الساحات الجهادية خاصة أن القوى المصاولة فيها حرصت على أن تقدم نفسها كجماعات جهادية ولم تقدم نفسها كحركات مقاومة وطنية.

      فتاوى حوار الأديان

      في اليوم الثاني لافتتاح أعمال المنتدى السادس لحوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي في الرياض (24/3/2008)؛ ألقى الملك السعودي خطابا أمام المؤتمرين أعلن فيه عن مبادرته لحوار الأديان. وقال بالحرف الواحد: « كنت أفكر منذ سنتين أن جميع البشرية في وقتنا الحاضر في أزمة، أزمة أخلت بموازين العقل والأخلاق والإنسانية، ولهذا فكرت وعرضت تفكيري على علمائنا في المملكة العربية السعودية لأخذ الضوء الأخضر منهم، - ولله الحمد - وافقوا على ذلك والفكرة أن أطلب من جميع الأديان السماوية الاجتماع مع إخوانهم في إيمان وإخلاص لكل الأديان لأننا نحن نتجه إلى رب واحد».

      وقبل أن يبدأ التحضير لتنظيم انعقاد مؤتمر حول الأديان انفجرت عاصفة من الفتاوى المضادة بوجه الفكرة والدعوة على السواء، وصدرت فتاوى نقضت الفكرة من أساسها ووصلت بها إلى حد الردة والكفر. ومن بين العلماء الذين أفتوا بمناهضة الدعوة، ماضيا وحاضرا، كل من صالح الفوزان وعبد العزيز الراجحي وعبد الرحمن البراك وعبد الله بن جبرين وسفر الحوالي وبكر أبو زيد وعبد العزيز الجليل وعبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف وغيرهم بالإضافة إلى اللجنة الدائمة للإفتاء. فإذا كان أبرز علماء السعودية ، ومنهم مؤسسات رسمية وفي موقع المسؤولية، قد أفتوا بحرمة الدعوة أو العمل بها فلماذا يتم إطلاقها رسميا من أعلى المستويات؟ ومن هم العلماء الذين استشارهم الملك السعودي وأجازوها؟

      حين نتحدث عن الإيمان؛ فإننا نتساءل ببساطة: ما هو ميزان الإيمان والكفر في الإسلام؟ فعلى حد علمنا ومعرفتنا أن اليهود كانوا مؤمنين حتى كفروا ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ ﴾ ( التوبة : 30 )، ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ( المائدة : 64 ) وقالوا: ﴿ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ﴾ ( آل عمران : 181 ). والنصارى كانوا مؤمنين حتى اتخذوا من التثليث عقيدة لهم ﴿ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ﴾ ( التوبة : 30 ). فإنْ كانت الدعوة استهدفت الحوار فالسؤال: ما هي هوية الحوار وما هو موضوعه وهدفه؟ وإنْ كانت الدعوة استهدفت التقارب فالسؤال: ما الذي يجمع بين موحد ومشرك أو مسلم وكافر؟ وإنْ كانت الدعوة إلى التسامح فالسؤال: من هو المعتدي، وهل هو مستعد لتعويض الضرر؟

      لكن التحايل على الكفر والشرك كموضوعيين عقديين فهذا ما لا يقره عقل ولا دين ولا يقدر عليه أحد من الخلق لأنه من دين الله وليس من هوى البشر. وعليه فإن اعتبار اليهود والنصارى مؤمنين كما يقول الخطاب أو مؤمنين بدرجة وكفار بدرجة، مثلما نحن بالنسبة إليهم كما يروج البعض ويقول مثل د. يوسف القرضاوي، فهذا يدفعنا إلى التساؤل بانتظار الإجابة الصريحة: ما هو موقع هذا الرأي من قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ ( آل عمران : 19 )، ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ( آل عمران : 85 ) ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ ( البقرة : 85 )؟ ثم كيف يكون اليهود والنصارى مؤمنين وهم ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويكفرون بها وبدين الإسلام؟ ولما يكون اليهود والنصارى قد أشركوا وكفروا فكيف يصح وصفهم بالمؤمنين جزئيا أو كليا؟ وكيف يكون حكم الله في النصارى واليهود مساوٍ لرؤيتهما في المسلمين خاصة في مسائل الإيمان؟ أهكذا هي الوسطية في المفهوم الشرعي؟ لو فتشنا عن فتاوى أخرى من هذا القبيل سنجد ما هو أشد صراحة كحال إحدى أساتذة الفقه في جامعة الأزهر (د. سعاد صالح) التي تقول بأنه يجوز تولية المرأة لأمر المسلمين في الدولة الحديثة حتى لو كانت غير مسلمة، بل تؤكد أنها لن تكفر قبطيا! فهل يحتاج القبطي لمن يكفره من المسلمين؟

      على كل حال فالخطاب يطرح مسألة أكثر إثارة، ففي 8/1/2010 أدى استعمال صحيفة « هيرالد كاثوليك » في ماليزيا لاسم « الله » بدلا من الاسم التقليدي الذي يستعمله النصارى عادة وهو « الرب » إلى احتجاجات عنيفة جدا، وقامت قيامة المسلمين هناك على هذا الاستعمال بدعوى أنه اسم خاص بالمسلمين، وأن استعماله من قبل النصارى سيؤدي إلى التشويش على المسلمين وإرباكهم وخداعهم فيما يُكتب من نصوص بحيث يصعب على المسلم العادي التمييز فيما هو إسلامي أو نصراني. ووصل الأمر إلى المحاكم وتنظيم احتجاجات عنيفة استمرت لأسابيع، تَصَدَّرها رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد. ولما أجازت المحكمة للصحيفة استعمال الاسم اشترطت أن يُكتب على غلاف الصحيفة أو بجانب النص عبارة « خاص بالمسيحيين فقط». ومع ذلك فلم تقبل الكثير من القوى والحركات الإسلامية قرار المحكمة كحركة الشباب المسلم، وتجددت الاحتجاجات وسط هجمات متعددة أسفرت عن إحراق عدد من الكنائس.

      في المقابل فإن أطرف ما في الخطاب الملكي الذي خرج بـ 568 كلمة أنه جاء على النقيض مما حصل في ماليزيا, فقد استعمل الخطاب، بشكل ملفت للنظر وغير مسبوق، كلمة « الرب » موضوعيا ودلاليا تسع مرات، بينما لم يستعمل كلمة « الله » موضوعيا أو دلاليا ولا مرة واحدة، واستعملت مرة واحدة في البسملة، وسبع مرات كجملة اعتراضية في صيغة « إن شاء الله » ومرتين في صيغة و« لله الحمد ». كل مسلم يعلم أن « الله » هو الاسم الأعظم لرب العالمين الذي لا يقبل التثنية و (أو) الجمع بعكس لفظة « الرب ». لو حاولنا إيجاد مرادف لغوي لاسم « الله » فلا يمكن لأي لغوي أو ملك أو إنس أو جانّ أن يأتي باسمٍ لله عزّ وجل بأكثر إعجاز مما اختاره لنفسه؛ مهما أوتي هذا من علم، ومهما أوتيت اللغة العربية من سعة في السموات والأرض. فمن هو اللغوي الذي يستطيع تطويع اللغة العربية للسيطرة على هذا الاسم الأعظم ويزعم أن له مرادف!؟ لا أحد. ومن هي اللغة التي يمكن لها أن تحتويه!؟ لا توجد. بل أن تحليل الاسم الأعظم لا يمكن أن يدل مجتمعا أو مفككا حرفا حرفا إلا على فردانية الله ووحدانيته: « الله = إله = لله = له = هـ ». وبما أن الملك عبدالله أعلن أنه استشار العلماء في الإعلان عن الدعوة فالسؤال: من هو الذي صاغ الخطاب؟ وهل الذي صاغه واستبدل اسم الله الأعظم « الله » بلفظة « الرب» كان يعلم ما يفعل؟ وهل العلماء الذين أجازوا الدعوة إلى حوار الأديان هم أنفسهم، كلهم أو بعضهم أو أحدهم، من أجاز الخطاب؟

      فتاوى تكفير ولاة الأمور

      ما كادت إسرائيل تعلن الحرب على غزة بكل وحشية حتى انبرت الفتاوى في تكفير كل من أعان كافر على مسلم. وكانت أبرز الفتاوى تلك التي صدرت عن أكثر من مائة عالم تحت عنوان: « بيان علماء الأمة في مظاهرة اليهود على المسلمين في غزة »، وقد فصلت الفتوى وحشدت الكثير من الأسانيد الشرعية التي تجرم كل من ظاهر اليهود على المسلمين وصولا إلى تكفيره وإنفاذ الحكم الشرعي عليه باعتباره: « مرتدا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ». وللحق، رغم أن الفتوى ألمحت إلى الرئيس المصري ضمنا بسبب إصراره على عدم فتح المعابر خلال الحرب، إلا أنها لم تسميه ولم تعيِّن أحدا من العامة أو من الحكام. لكن فتوى الشيخ وجدي غنيم على فضائية القدس (31/12/2008) كانت أكثر الفتاوى صراحة في تكفيرها للرئيس المصري حسني مبارك عينا.

      أما الشيخ يوسف القرضاوي فقد وصف الحكام العرب في أول خطبة جمعة (23/1/2009 ) بعد الحرب بـ: « إنهم لم يعودوا يعبدوا الله. إنهم يعبدون كرسي الحكم. هذه الكراسي هي إلههم الذي يعبدونه إلا من رحم الله فنحن لا نعمم ». وهذا حكم بالكفر مع الاستثناء.

      في 22 جمادي الأولى سنة 1402هـ أصدرت « هيأة كبار العلماء » في السعودية بيانا بشأن الرئيس الليبي معمر القذافي وقع عليه ستة عشر عالما، وجاء فيه بالنص ما يلي:

      « ...
      لقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات وصدرت بتفنيذه فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة إنه ضال ملحد .
      إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتائه بالحج واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية واتجاهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافراً وضالاً مضلاً
      ».

      • بالنسبة لفتوى د. وجدي غنيم فهي فتوى سياسية بامتياز بقطع النظر عن حقيقة إيمان الرئيس المصري من عدمه. لأنها لو كانت شرعية لكانت مؤصلة ومسندة، لكنها أُطلقت لدواع سياسية صرفة وليس لاحتياجات دينية تقضي بتكفير الرئيس المصري. ولو صدرت على أساس شرعي لما كان هناك فرق يذكر بين الرئيس المصري الذي نال التكفير أو الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي حظي بالثناء عليه. فكما أشاد الشيخ سلمان العودة بتونس وحرصها على الإسلام وحماية النظام السياسي له ولأهله، مخالفا بذلك كل واقع ومنطق، كذلك فعل الشيخ وجدي غنيم. فإذا كان النظم السياسية في تونس والجزائر ومصر متماثلة ومتطابقة في الأيديولوجيات وفي المرجعيات، وكذلك في نمط المجتمعات، والسياسات، والفكر فكيف يتباينون في الحكم الشرعي؟

      • بالنسبة لخطبة الشيخ يوسف القرضاوي ففي الأمر تفصيل بقدر ما في قوله من غموض. ففي البداية بدأ بالتعميم معتبرا أن الحكام العرب لم يعودوا يعبدوا الله، وأنهم يعبدون الكراسي، وأن الكراسي هي إلههم. وهذا القول كافٍ لإخراجهم جميعا من الملة. لكن الشيخ استدرك في القول مستعملا عبارتي: « إلا من رحم الله » و « نحن لا نعمم». ففي العبارة الأولى « إلا من رحم الله » ثمة دلالة على القلة من الحكام العرب غير المكفَّرين. وفي العبارة الثانية « فنحن لا نعمم » ثمة استثناء عام. فهذه عبارة تسمح لأي حاكم أن يصنف نفسه في إطارها ويفلت من الحكم الشرعي. فمن هم الحكام الكفرة إذن؟ ومن هم المؤمنون منهم؟ وإذا لم تكن ثمة إجابة صريحة وقاطعة، ولن تكون، فما هي الغاية إذن من إطلاق مثل هذه الفتاوى؟

      • تؤكد فتوى هيأة كبار العلماء على كفر الرئيس الليبي وضلاله. مع ذلك ففي 22/9/2008 استقبل الرئيس الليبي وفدا من الدعاة والعلماء والمشايخ ضم كل من د. عمر عبد الكافي مدير مركز الدراسات القرآنية في دبي، د. صفوت حجازي عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة بمصر، د. محمد حسان رئيس تجمع أهل السنة بمصر، د. محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجامعة دمشق، د. أحمد سعد الدين هلال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ، و د. العربي القشاط عميد مسجد الدعوة بالعاصمة الفرنسية باريس. وقالت الأنباء الرسمية أن الوفد: « أشاد عالياً بدور الأخ القائد قائد القيادة الشعبية الإسلامية العالمية في نصرة الإسلام والمسلمين وإمامته الآف المسلمين من مختلف أنحاء العالم في الصلوات الجامعة بإفريقيا، وقيام الآلاف من المهتدين الجدد إلى الإسلام من مختلف أنحاء العالم ، بإشهار إسلامهم على يديه». وأعرب الوفد خلال المقابلة عن: « انبهارهم بالعدد الهائل لليبيين حفظة القرآن الكريم ، وسعة آفاقهم وإطلاعهم الواسع على علوم الدين». وأكد: « إن هذا الزخم الإسلامي الذي تشع أنواره من الجماهيرية العظمى ينطلق من اهتمامها الكبير بالقرآن الكريم وسنة آخر أنبياء الله ( محمد ) صلى الله عليه وسلم .. مكبرين في هذا الصدد اتخاذ ليبيا القرآن الكريم شريعة للمجتمع».

      السؤال الأول: ما هو الموقف الشرعي لهيأة كبار العلماء من زيارة زملائهم لليبيا ولقائهم رئيسها وشهادتهم التي من المفترض أنها تناقض ما جاء في نص فتواهم؟ فحتى هذه اللحظة لا نعلم إذا كان ثمة ما يوجب نقض الفتوى بعد هذه الشهادة، ولا ما إذا كانت الهيأة قد نسخت فتواها بفتوى أخرى.

      السؤال الثاني: بما أن الوفد الزائر يعلم بالفتوى فهل يصح القول أن الزيارة والإشادات البالغة نسخت فتوى الهيأة؟ أم أن العلماء يتخبطون أكثر من العامة بحيث يصح لهذا أن يكفر ويجوز لذاك أن يبرئ؟

      السؤال الثالث: إذا كانت فتاوى التكفير تصدر، بالجملة والمفرق، من هنا وهناك دون حسيب أو رقيب أو مرجعية فلماذا يختلف القول ويتوقف هؤلاء حين يتعلق الأمر بالتيار الجهادي العالمي علما أنه يعبر عن موقف عقدي صارم يقضي بتكفير الحكام وليس عن مجرد فتوى استدعتها ظروف سياسية أو مصالح حزبية؟

      أخيرا

      لا شك أن هذا النوع من الفتاوى وتلك القائمة التي أشرنا إليها في المقالة السابقة ليست من قبيل زلة العالم حتى تجد من يلتمس لها العذر. فهي تتكرر تباعا وتتناقض بإصرار عجيب لا مبرر له ولا تفسير مقنع إلا في كونه، بشكل مباشر أو غير مباشر، يصب في سياق الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام أو في خدمة المصالح الضيقة التي تجيز وتحرم بحسب الحاجة. أما مواضيع الفتاوى فيمكن تصنيفها على النحو التالي:

      • فتاوى تجيز الغناء والرقص والسحر والزنا والخنوثة ورضاعة الكبير،
      • فتاوى تنال من الرسول صلى الله عليه وسلم،
      • فتاوى تناصر الغرب في مسائل الحجاب والنقاب وحوار الأديان والتسامح وعدم الدعاء على اليهود والنصارى،
      • فتاوى تروج للمذهب الشيعي وتدافع عنه،
      • فتاوى تكفر حكام وتبرئ آخرين وتقفز على فتاوى سابقة بلا أية مقدمات أو مبررات شرعية،
      • فتاوى التطبيع مع الغرب واليهود والتحذير من المقاطعة التجارية أو مهاجمة المواقع الإلكترونية لليهود،
      • فتاوى تتعدى على حدود الله في مسائل الردة وإقامة الشريعة،
      • فتاوى تمجد ولي الأمر إلى حد العبادة وتربط التعبد بإرادته كفتاوى دعاء القنوت حتى في النوازل الكبرى.

      وفيما خلا الساحة الفلسطينية فإن كل هؤلاء يفتون، بلا تردد، بإدانة الجهاد العالمي بكل مضامينه، ويجمعون على غياب الراية، ويجرِّمون كل من يناصر المجاهدين أو يتبرع لهم بحجة دعم الإرهاب، هذا لأنهم يعتبرون الجهاد الراهن إرهابا. وفي الجزائر وصل الأمر إلى حد تجريم الاستماع لقائمة من الأناشيد الإسلامية تجاوز عددها المائة بدعوى أنها تحرض على الإرهاب. وفيما عدا مشايخ الإخوان المسلمين لم ينتصر أيا من هؤلاء ولو بالقول، إلا من رحم الله، حتى للجهاد في فلسطين، ولم يستنكر أيا منهم بناء الجدار العازل على الحدود المصرية مع قطاع غزة.

      فيما مضى من العقود عاب البعض على الكثير من العلماء انشغالهم بفتاوى الحيض والنفاس، فماذا سيقولون اليوم عمن يجتهد في تحريف الدين والتاريخ وتخذيل الأمة وإحباطها وإلهائها بفتاوى الطرب والرقص والرضاعة وعبادة ولي الأمر والإشادة بالغرب وتأمين اليهودي والنصراني؟ وماذا سيقولون فيمن يتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفه بالفشل؟ وماذا سيقولون في الكم الهائل من التناقضات التي حوتها فتاوى العلماء ومواقفهم؟ وماذا ستفعل الأمة إزاء هذا التخبط العشوائي الذي يزج بها في أحضان الضلال والثقافة الغربية في أبشع صورها انحطاطا؟ من أين ستأخذ الأمة دينها؟ وكيف ستحدد سلوكها الشرعي بعيدا عن المزالق والضبابية والغموض والفوضى التي يشارك بها الجميع قولا وتحريضا أو صمتا وتجاهلا أو تحريفا وتمييعا؟

      في القوانين الوضعية ثمة محاكم ابتدائية للنظر في النزاعات في صورتها الأولية، وثمة محاكم جنائية ومحاكم استئناف ومحاكم تمييز ومحاكم دستورية وأخرى مختصة. أليس من الظلم أن تتسع القوانين الوضعية لمراتب قضائية قبل صدور الحكم النهائي بينما يضيق الأمر في الدين عن مؤسسات شرعية متخصصة؟ ماذا لو كان هناك هيئات شرعية مؤتمنة على الإفتاء، وتقع خارج أي سلطة للنظام السياسي، وذات مراتب في التشريع والمراقبة والمعاقبة والفصل على الأقل في الفتاوى التي تمس صميم الدين ومصير الأمة بدلا من التلاعب بهما على هذا النحو المخزي؟ لا بأس فتلك هي من وقائع الدورة التاريخية الجارية.

      .

      في القـرن الخـامـس عشـر الهـجري
      منظمة إسـلامية انتصـرت على عدة امبراطـوريات
      رومـانـية وفارسـية ويهـودية وشــيطانية ، مجتمعـيــن


    4. #4

      الدورة التاريخية (1)(2)(3)000 د. أكرم حجازي


      حماس تحت المجهر

      (3)





      ما أن أعلنت حماس، كحركة إسلامية جهادية لا علمانية، عن نيتها المشاركة في الانتخابات البلدية، ثم دخول العمل السياسي الحكومي عبر المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي حتى بدا، للمراقبين ولكل متابع للشأن الفلسطيني أو عامل به، أن الحركة بدأت تنقلب على ماضيها وثوابتها بمقدار 180 درجة، خاصة كلما اتجهت نحو التسوية السياسية، وبحثت عن حل سياسي للقضية الفلسطينية. وحدها حركة «حماس» ومعها مؤيدوها وقواعدها من جماعة الإخوان المسلمين في شتى أنحاء العالم مَنْ يرون أنها ما زالت متمسكة بتراثها وتاريخها ومبادئها.
      لكن الاعتقاد بالحل السياسي والبحث عنه، بلا شك، هو اختيار ينكره تاريخ الحركة وكل وثائقها وتصريحات رموزها ابتداء من الانطلاقة وحتى الإعلان عن المشاركة في العمل السياسي الرسمي. كما أن مزاعم التمسك بأمر والعمل به؛ يفنده واقع الحال جملة وتفصيلا.

      مع ذلك؛ فإذا كان التوجه السياسي لـ«حماس» يثير حفيظة من آمن بها وراهن عليها ودافع عنها في السنوات الماضية باعتبارها أهم القوى الفلسطينية المقاتلة، ورأى فيها أملا للخروج من مستنقعات السياسة المدمرة لمنظمة التحرير ووليدتها المسماة، زورا، بالسلطة الفلسطينية فإن هذا الأمل يبدو أنه آخذ بالتلاشي ليس لأن راهن الحركة يناقض ماضيها، ولا لأنها تعيش وقائع هدنة اختيارية مع إسرائيل جمدت بموجبها العمل العسكري وطاردت من يخالفها الرأي، بل لأن الخطاب السياسي الراهن لها، وهو يماثل سلفه العلماني، بات يحمل من المهانة والانحطاط بما يكفي أو يزيد في المنافسة عما حمله خطاب المنظمة زمن الراحل ياسر عرفات. فالسلوك السياسي نفسه، وكذا التصريحات والعلاقات والتحالفات والتوجهات، كلها أفعال متشابهة ومتماثلة لدرجة التطابق في أغلب الأحايين. فما الجديد إذن سوى تغير الوجوه في زمن لا تهب عليه رياح التغيير إلا لتخلف انهيارا أو تراجعا ما؟

      في هذه المقالة لا يعنينا قط مناقشة حال المنظمة أو السلطة اللتين سقطتا تباعا في دائرة السيطرة الصهيونية والأمريكية سقوطا تاما، ولا مناقشة أطروحات حركة «حماس» السياسية ومدى تناسقها مع ميثاق الحركة، فقد سبق لنا وناقشنا هذا المحور باستفاضة في كتاب « حديث الإفك / ص 76 – 78 » أو عبر سلسلة « ثمانون عاما .. حماس والمشاريع الخادعة - 3»، بل قراءة جوهر كل هذه الأطروحات في ضوء التصريحات السياسية لرموز الحركة والتبريرات الشائعة وكذلك في ضوء الواقع والتجارب السابقة والمحتملة.

      «حماس» والاعتراف بإسرائيل

      فبعد أن نقضت الحركة تعليمات الميثاق؛ وإعلان خالد مشعل عن تجاوزه بصريح القول، خلال مقابلة له على شبكة « بي بي إس - 6 /6/2010» الأمريكية: « على العالم بأسره التعامل مع حماس، ومع ما تمارسه، ومع موقفها السياسي المُعلن، وليس مع الميثاق الذي وُضع منذ عشرين عاماً»؛ وكذا، بعد تصريحات القادة الأوائل المنكرة لوجود إسرائيل؛ وبعد أن شاركت الحركة في الانتخابات البلدية، ومن ثم دخلت العملية السياسية كشريك للسلطة الفلسطينية في انتخابات العام 2006؛ صارت «حماس» تنادي بحل سياسي للقضية الفلسطينية يقبل بدولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود العام 1967 مع التمسك بما يسمى « الثوابت» أو « الحقوق الفلسطينية الثابتة» بشرط عدم الاعتراف بإسرائيل والاستعاضة عن ذلك بهدنة مؤقتة لمدة عشر سنوات. وعليه فهي ترفض مبدأ حل الدولتين الذي وافق عليه العرب والغرب ممثلا باللجنة الرباعية المكلفة بمتابعة حل الصراع بين الفلسطينيين واليهود. هذا هو الموقف الشائع لدى حركة «حماس» وخاصة عند قواعدها التنظيمية وأنصارها وعموم الإخوان المسلمين داخل فلسطين وخارجها بلا استثناء.

      والحقيقة أن كل مواقف «حماس» السياسية وتبريراتها معطوفا عليها مواقف مؤيديها ومناصريها تصطدم بمئات التساؤلات التي يثيرها المعارضون والمتخوفون والخصوم والمحللون والمراقبون دون أن تجد لها جوابا شافيا يمكن الاطمئنان إليه. بل أن التبريرات التي يجري تسويقها بلا أدنى منطق لا يمكن لها أن تصمد حتى في أول اختبار لها سواء على مستوى الواقع أو التحليل أو حتى عبر تصريحات قادة «حماس» التي تتوالى دون حساب لتعمق من الهوة بدرجة يصعب معها الترميم والترقيع.

      باختصار؛ فقد باتت اللغة الوحيدة عند «حماس» هي لغة السياسة، وغدا كل القادة في الداخل والخارج يقبلون بالتسوية والحل السياسي للقضية الفلسطينية، وبالتالي لا وجود لأية لغة عقدية في الصراع مع إسرائيل. وكي تكون الصورة واضحة لمن خفي عنه الأمر، فإن من يبحث عن التسوية أو السلام مع إسرائيل سيستعمل، بالضرورة، مصطلحات مقبولة من قبيل « الثوابت السياسية» للشعب الفلسطيني، وتبعا لذلك فهو بالتأكيد لن يجرؤ على التحدث بلغة « الثوابت الشرعية» ولا بلغة « الحقوق التاريخية» بل بلغة الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة التي تحظى باحترام «حماس»، وبما قررته الأمم المتحدة وأسمته بـ: « حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف» كحق العودة وتقرير المصير أو بقضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات والسيادة والعدل. ولا يخفى أن مثل هذه الحقوق والثوابت يجري استنزافها على قدم وساق جغرافيا وديمغرافيا، وعبر تفريغ القضية من بعدها العقدي والتاريخي، وحتى عبر الاستنزاف المجاني والخطير جدا في المواقف السياسية. ولما تصل الأمور إلى هذا المستوى من الانحدار فلا شك أن علامة فارقة غدت ترتسم في الأفق لا معنى لها إلا القول الصريح بأن الفاعل الاستراتيجي الوحيد المتبقي في زجر «حماس» وغيرها أو التأثير على سياساتها بات من نصيب الدورة التاريخية التي تجري وقائعها دون أن يستطيع أحد وقفها.

      فالمتابع لتصريحات قادة «حماس»، فيما يتعلق بالاعتراف بإسرائيل أو بعلاقاتها الدولية، لم يعد قلقا بقدر ما تتملكه الدهشة والإثارة مما يسمع أو يشاهد أو يقرأ بغض النظر عن كون «حماس» جماعة إسلامية أو وطنية أو حتى سياسية. إذ أن بعض التصريحات لم يسبق أن أدلى بها أعتى رموز التيارات العلمانية بكافة أطيافها حتى تلك الحريصة على التقرب من دوائر السياسة والإعلام الغربية والدولية.

      فحين كتب بسام أبو شريف مقالته الشهيرة في صحيفة « الواشنطن بوست» متحدثا فيها عن سلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي واعتراف متبادل قامت الدنيا يومها ولم تقعد عليه خاصة وأنه كان يشغل آنذاك منصب مستشار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. والحقيقة أن المقالة، المدفوعة الأجر، كانت إحدى مقدمات العلاقة مع المنظمة والتصالح لاحقا مع إسرائيل على قاعدة اتفاق أوسلو الذي وُقِّع مع إسرائيل سنة 1993. لكن في 17/4/2008 فوجئنا بمقالة أخرى في ذات الصحيفة كتبها هذه المرة إسلامي هو د. محمود الزهار بعنوان صريح لا لبس فيه: « لا سلام بلا حماس ». وهو عنوان مطابق لما سبق وعبرت عنه المنظمة حتى صار شعارا سياسيا لها: « لا سلام بدون منظمة التحرير الفلسطينية»! وهو شعار جديد لـ «حماس»، بنسخة شخصانية بائسة، كرره الدكتور يوسف رزقه، المستشار السياسي لإسماعيل هنية، في تصريح لوكالة « معا – 10/3/2010» حين قال: « أن العالم أدرك أنه بدون الحديث إلى هنية وحماس ومشعل لا يمكن أن يحقق ما يسميه الغرب بالتسوية والمفاوضات وأي نجاحات على أرض الواقع، مشدداً على أن حماس والحكومة المقالة تمثلان رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية لا يمكن تجازوها».

      لا ريب، لمن يدرك العمل الصحفي ويعرف خباياه وقوانينه، أن الكتابة في صحيفة بحجم « الواشنطن بوست» ليس متاحا حتى لأعتى الصحفيين في العالم ما لم يكن ثمة ما يبرر الكتابة أو يقدم ثمنا ملائما لمنبر لا يتسع إلا لنخبة النخب وذوي المصالح الكبرى، وبما أن د. الزهار كتب عن « السلام » وليس عن « التسوية» فليس من المتوقع ولا من المعقول أن يهاجم إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن من هي الجهة التي استهدفها د. الزهار بالمقال؟ وماذا أراد أن يقول لها بالضبط؟ وما هي الحاجة للكتابة في الصحيفة خاصة وأن المراسلات والحوارات السياسية والاستطلاعية لم تنقطع، كما أن قنوات الاتصال مع الأمريكيين متعددة ومفتوحة سواء في غزة أو في الدول العربية أو الأوروبية!؟

      في 26/7/ 2009 أعلنت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني عن توصية تقدمت بها إلى الحكومة البريطانية قبل سنتين دعت فيها إلى فتح حوار مع حركة «حماس». وقد تبع الإعلان البريطاني هذا عاصفة من التصريحات التي استبشرت بقرب انفراج الموقف السياسي تجاه الحركة وفك الحصار عن غزة لدرجة أثارت شهية سامي أبو زهري وهو يعلق على الموقف البريطاني على قناة الجزيرة واصفا إياه بـ « الموقف الحكيم»! لكن من يرى في الموقف البريطاني حكمة تستحق الثناء؛ عليه أن يخسر من رصيده ورصيد الشعب الفلسطيني حين يحدد ما إذا كانت بريطانيا حكيمة أم حمقاء لمّا أصدرت وعد بلفور قبل أن يطالبها بالاعتذار عنه، وعليه أن يخبر الناس عن السبب الذي جعل بريطانيا توجه نصيحتها لشقيقاتها الأوروبيات، وعن مضمون الحوار والجدوى منه! فالذي نعلمه ويعلمه الجميع أنه لا بريطانيا ولا أوروبا ولا الولايات المتحدة ولا حتى روسيا أو الصين مجبرة على الترحيب بشروط «حماس» لإقامة دولة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل. وعليه فإن كل ما في الأمر يكمن في أن الاعتراف ليس سوى ورقة سياسية ينبغي المحافظة عليها والحذر من التفريط بها، بلا ثمن، كي لا تكون نهاية «حماس» كنهاية منظمة التحرير، لأن المنطق السياسي يقول أن الاعتراف بإسرائيل مسبقا سيعني بالضرورة دعوتها للاندماج بالسلطة الفلسطينية أو حتى إسقاطها وتغييبها عن الفعل السياسي نهائيا.


      لكن الحذر من التفريط الصريح بورقة الاعتراف بإسرائيل لا يعني، شكلا أو مضمونا، أن الورقة محصنة وغير قابلة للاختراق سياسيا وواقعيا، إذ أن (1) إعلان خالد مشعل في أول مؤتمر صحفي عقده في العاصمة السورية – دمشق، بعد فوز الحركة في الانتخابات التشريعية، بأن «حماس» مستعدة للتسوية إذا عرض عليها مشروع قابل للنقاش، وكذا (2) احترام الاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة مع إسرائيل كما جاء في وثيقة الوفاق الوطني بين حركتي «حماس» و «فتح»، و (3) تفويض مشعل للرئيس أبو مازن، بعد اتفاق مكة (8/2/2007) ، لملف التسوية وإنجاز اتفاق سلام مع إسرائيل: « بشرط أن يقبله الشعب الفلسطيني في استفتاء أو يقبله مجلس وطني فلسطيني منتخب جديد »، و (4) تأكيده بأن «حماس»: « لن تكون عقبة أمام أي تحرك جاد ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويؤدي إلى قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض وعلى الحدود (1967) وعلى كل مظاهر السيادة»؛ كل هذه الالتزامات والتلميحات، معطوفا عليها سلسلة طويلة من التصريحات المماثلة لقادة «حماس»، ليست من قبيل إبداء المرونة فقط بل من آليات التقدم نحو الاعتراف الرسمي بإسرائيل بقطع النظر عن المبررات الشكلية.

      واضح أن المسألة سياسية بحتة قابلة للاختراق وإلا ما كان أحمد يوسف مستشار إسماعيل هنية مضطرا لِأنْ يصرح لصحيفة «الشرق الأوسط- 14/3/2007 » بأن: « فكر حماس قد يشهد تحولات أيديولوجية خلال الفترة المقبلة»، وهو ذات التصريح الذي كرره لاحقا وزير داخلية «حماس» فتحي حماد خلال الحوار الذي أجرته معه صحيفة « الأسبوع القاهرية -19/6/2009 » حين قال: « قدمنا تنازلات قد تمس عقيدتنا». فما هي المواضع التي ستمس الأيديولوجيا أو العقيدة إنْ لم يكن الاعتراف بإسرائيل أبرزها وأكثرها حضورا على المنابر الإعلامية والقواعد التنظيمية وحتى عامة الناس؟

      لا شك أن تخريج مسألة الاعتراف إعلاميا وسياسيا ستأخذ وقتا عبر انسياب المزيد من بالونات الاختبار الصريحة تارة والغامضة تارة أخرى والمتبوعة بين الحين والحين بنفي أو صمت بحسب ردود الفعل عليها. ففي تصريحات لصحيفة « الإكونومست البريطانية – 1/8/2009 » نفاها لاحقا بحجة وجود « خطأ في الفهم أو تلاعبا في الترجمة » قال د. أحمد يوسف مخاطبا مراسل الصحيفة: « دعونا نجلس ونتحدث.. من الظلم أن نضع شروطا مسبقة" مشيراً إلى سلسلة قرارات الأمم المتحدة التي تقول إن إسرائيل تجاهلتها على مدار السنوات من دون أن يتم منعها عن المفاوضات كنتيجة لذلك " فالإسرائيليون خدعوا المجتمع الدولي بقولهم إن حماس لا تعترف بإسرائيل، فقد قلنا إننا نقبل بدولة فلسطينية على حدود 1967 التي تمثل 20% من أرض فلسطين، فقد اعترفت فتح رسمياً بإسرائيل لكن علام حصلت في المقابل؟ لقد عرضنا هدنة ما بين عشر لعشرين عاما من أجل بناء الثقة ومن أجل خلق مناخ أفضل».

      لكن في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون وتناقلتها وسائل الإعلام في 23/9/2009، ولم يتبعها أي نفي، قال رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية: « لن نضع العراقيل أمام أي جهود لتحقيق دولة فلسطينية حرة ومستقلة على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، والقدس عاصمة لها»، هكذا وكأن الأمر شيك على بياض يمكن تعبئته بما تشتهي الولايات المتحدة وإسرائيل. وحتى لا يكون ثمة مجال لأي غموض أوضح هنية: « بالرغم من أن التوثيق التاريخي الطويل يبين أن المجتمع الدولي دعم بثبات وبطرق مختلفة حل الدولتين القائم على انسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود حزيران /يونيو 1967، وحل قضية اللاجئين القائمة على حق العودة والتعويض، إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة رفضتا هذا الحل باستمرار». ومن يدقق في التصريح سيلاحظ أن «حماس» قبلت بحل الدولتين، وفقا لشروط الحد الأدنى (21% من مساحة فلسطين)، والطريف في التصريح أنه لم يتحدث لا عن هدنة ولا عن شرط عدم الاعتراف بإسرائيل!!! والسؤال: لماذا يضطر أحمد يوسف لنفي تصريحاته بينما لا يفعل هنية ذلك علما أن تصريحات هذا الأخير أخطر من تصريحات الأول؟ لا بأس. فلنتابع.

      في 17/3/2007 أجرت مجلة « المشاهد السياسي »حوارا مع خالد مشعل تعرض فيه لمسألة الاعتراف بإسرائيل فأجاب: « حركة حماس تعترف بوجود إسرائيل كحقيقة على أرض الواقع، لكن الاعتراف الرسمي بها لن يتم إلا بعد قيام دولة فلسطينية. ونحن كما تعلم ويعلم الجميع، أننا في حماس، ومع الموقف الفلسطيني الوطني العام والموقف العربي، مجمعون على ضرورة قيام دولة فلسطينية بحدود ٤ حزيران (يونيو) ٦٧، بما فيها القدس وحق العودة والانسحاب الإسرائيلي لهذه الحدود ». هذه الإجابة متوافقة تماما مع عموم الموقف الفلسطيني الرسمي والقرارات الدولية والمبادرات العربية وما يسمى بالمجتمع الدولي، وكل هؤلاء لا ينكرون الاعتراف بإسرائيل إذا تم التوصل إلى تسوية معها، بل أن بعض الدول العربية تقيم مع إسرائيل معاهدات سلام رسمية. فكيف لـ «حماس» أن تخرج عما تضع نفسها رهينة له؟ وما قيمة شرطية الاعتراف بعد قيام الدولة إلا أن تكون ورقة سياسية تتحصن بها الحركة كي لا تقع فريسة كما وقعت من قبلها منظمة التحرير الفلسطينية حين خسرت ورقة الاعتراف مسبقا؟

      نفس الإجابة كررها مشعل في مؤتمر صحفي نظمته وكالة « نوفوستي 8/2/2010 » خلال زيارته لروسيا، وفي مداخلته أشار إلى قبول العرب والفلسطينيين بسلام عادل وشامل وحقيقي يلبي تطلعات العرب ويعيد الحقوق العربية والفلسطينية، مؤكدا أن إسرائيل هي «العقبة» وليست «حماس» التي هي جزء من الحل وليست جزء من المشكلة. وعلى موقع الوكالة قال: « نحن وافقنا على قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 هذا جزء من المرونة التي قدمتها الحركة. لكن نقول إننا لا نعترف بإسرائيل. فالدولة الفلسطينية عندما تنشأ على حدود 1967 وبحريتها وبقرارها المستقل وباستفتاء شعبها في الداخل والخارج تقرر هذا الموضوع. وأضاف أن حماس، وبصرف النظر عن قناعاتها، تحترم قرار الأغلبية في الشعب الفلسطيني ولو خالف بالرأي موقفها ».

      باختصار؛ ما الذي تريده «حماس» بعيدا عن اللف والدوران؟ إذ ليس من المعقول أن يكون موقف الحركة من مسألة الاعتراف يحتاج كل هذا السيل من التصريحات في بضعة سنين. فلا تكاد تمر مناسبة أو لقاء أو حوار إلا ونجد تصريحا جديدا وكأن مسألة الاعتراف باتت حدثا مستمرا لا ينفك عن التفاعل في كل حين.

      لنستطلع بعض تصريحات د. محمود الزهار فسنجد فيها ما يثير الدهشة حقا ويحل أغلب الألغاز. ففي مقابلة له مع صحيفة « المصري اليوم - 25/6/2010 » تعرض الزهار للسؤال التالي:
      « السؤال: أنتم توقفون إطلاق الصواريخ على إسرائيل.. وليس هناك أي عمل عسكري لـ«حماس»؟
      الزهار: أنتم لا تفرقون بين المقاومة والعمل العسكري، الانتفاضة الأولى كانت مقاومة غير مسلحة، نحن متمسكون بخيار المقاومة، ونحن هنا في غزة حققنا هدفنا بتحرير غزة، والباقي هو إتاحة الفرصة لتحرير الضفة، وبالتالي لا مبرر لإطلاق الصواريخ من غزة، والصحيح أن تطلق من الضفة لكن « أبو مازن» لن يسمح بذلك ». وهو موقف سبقه إليه خالد مشعل حين صرح لصحيفة « النيويورك تايمز 5/5/2009 » بأن: « مقاتليه أوقفوا إطلاق الصواريخ من قطاع غزة ».

      إذن «حماس» تعتبر غزة محررة، وعليه فلا يجوز لأية قوة أن تطلق النار على إسرائيل. وهذا يفسر إلى حد كبير استماتة «حماس» في طلب الهدنة والدفاع عنها حتى لو كلفها ذلك مطاردة المجاهدين ونزع سلاحهم وسجنهم وحتى قتلهم في المساجد، ووصف الصواريخ بالمشبوهة ومطلقيها بالخيانة والعمالة والعابثين بمصالح الشعب الفلسطيني! وهي التهم التي ساقتها ضد من عاب عليها ذات الفعل في زمن السلطة. كما يفسر الاستماتة السياسية لـ«حماس» في توجهها نحو الغرب وخاصة الولايات المتحدة كحركة تعتقد أنها معنية بالحل وفي نفس الوقت قريبة منه، كما يفسر رغبتها في ممارسة الحكم والسلطة بعيدا عن أية معارضة أو مخالفة لسياساتها. وإذا أضفنا إلى ذلك فرض التهدئة ولو من طرف واحد، سرا أو علانية، وتبريرها بالحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني، أو عدم قدرة غزة على تحمل حرب أخرى فضلا عن الحصار المضروب عليها؛ فهذه كلها مصالح تنظيمية صرفة وليست مصالح الشعب الفلسطيني لا سياسيا ولا عقديا. كما أن هذه السياسات والتبريرات تكذبها أيضا تصريحات د. الزهار نفسه وهو يتحدث عن « حل مشرف» للصراع مع إسرائيل. ففي مقابلة له على قناة الجزيرة (8/2/2009) دعا الزهار إلى: « بذل الجهود للتوصل إلى اتفاق مشرف يحفظ للشعب الفلسطيني حقه وكرامته ».‏ ولا ريب أن التحدث بلغة التشريف وحفظ الكرامة من شأنه أن يلغي ويسقط كافة الشروط المعلنة كالهدنة الطويلة أو الاعتراف بإسرائيل أو معارضة حل الدولتين باعتبارها مجرد أوراق سياسية ليس بعيدا أن تنتهي إلى « حل» لكن « بلا شرف»، خاصة وأن قيمة ورقة الاعتراف لم تعد تساوي أكثر من قيمة ورقة المصالحة الفلسطينية في بورصات السياسة العربية.

      آخر العنقود من التصريحات البغيضة هي تلك التي أدلى بها خالد مشعل حول العلاقة مع الولايات المتحدة، والتي ما سبقه إليها أحد من شياطين أوسلو ودايتون. ففي مقابلة له مع شبكة « بي بي إس - 6/6/2010» الأمريكية قال: « ليست لدينا أي مشكلة من أي نوع مع الولايات المتحدة أو مع المصالح الأميركية ». هذا الكلام يقوله مشعل بينما تضع الولايات المتحدة حركة «حماس» على قائمة المنظمات الإرهابية!!! كما أن مقر الحركة الصهيونية « إيباك » في واشنطن منذ سنة 1942، وأن الولايات المتحدة بزعامة الرئيس ترومان هي من قررت أن يكون النقب (صحراء فلسطين) ضمن حدود الدولة اليهودية قبل التصويت بقليل على قرار التقسيم. لسنا ندري ما نقول إزاء هذا الجنون من التصريحات المهينة إلا أن يكون القوم قد فقدوا صوابهم وهجروا العقيدة والتاريخ والواقع.

      حتى ياسر عرفات الذي قال عبارته الشهيرة، بعد توقيع اتفاق أوسلو، في واشنطن: « وجدت صديقا في البيت الأبيض» لم يعطوه شيئا! بل هددوه وحاصروه وأذلوه وقهروه ثم قتلوه. فماذا ينتظر خالد مشعل من تبرئة أمريكا بحق الشعب الفلسطيني؟ وأي مكر أو خديعة حضّرها مشعل لأمريكا من وراء هذا التصريح!!؟ كنا قد رددنا على خطاب الرئيس باراك أوباما في جامعة القاهرة بسلسلة مقالات طويلة بعنوان: « الساحر وخطاب السحرة: صراحة أوباما وصراحتنا » خاصة وأنه طالبنا بنسيان الماضي فاضطررنا، وهو عدونا التاريخي، إلى تذكيره، رقميا، ببعض وقائع الماضي التي ما زالت جارية إلى يومنا هذا، وقلنا له في حينه: « مشكلة الخطاب أنه يريد منا عدم التفكر في الماضي! أما أوباما فمن حقه أن يتذكر 11 سبتمبر جيدا، لكنه يتناسى تماما، ويريدنا أن ننسى كون الإدارات الأمريكية استعملت حق الفيتو في مجلس الأمن، ظلما وزورا وعدوانا، 36 مرة في 41 عاما ضد القضية الفلسطينية والقضايا العربية. وأن هذا يعني أن الولايات المتحدة وقفت وحدها في مجلس الأمن ضد الإجماع الدولي ومنعت إدانة إسرائيل 36 مرة. وينسى أوباما أن الولايات المتحدة رفضت حتى قرار محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل. وينسى أن إسرائيل حليف استراتيجي لأمريكا وتلتزم بأمنها ومصيرها أكثر مما تلتزم بأمن ومصير الولايات المتحدة. هذه هي الحقيقة التي يشهد عليها العالم الإسلامي وتشهد عليها المؤسسات الدولية قاطبة». ولما يكون خالد مشعل ينكر هذه الحقائق فمن الأولى والإنصاف المعاملة بالمثل، وتوجيه هذه الفقرة له قبل توجيهها للرئيس الأمريكي. لا بأس ثانية. قل ما تشاء يا خالد مشعل. فقد قيل فيمن من قبل: « إن مما أدرك من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

      حل الدولتين

      سنفترض أن ما كتبناه أعلاه غير ذي بال. وأنه يدخل في نطاق مناورات «حماس» كما يحلوا لمناصريها ومؤيديها أن يبرروا لها تصريحاتها. وسنتغاضى عن تبريرات الحركة فيما يتعلق بدخول العملية السياسية وزعمها بأن المرحلة تجاوزت اتفاق أوسلو بالرغم أنهم واقعون في السلطة عبر مؤسسات أوسلو ومنظومته السلطوية بكافة مؤسساتها وعلاقاتها وهيئآتها. لا بأس. لكن لنناقش مختلف جوانب الصورة فيما يتعلق بحل الدولتين حيث تسعى «حماس» إلى إنجاز مطلب الدولة الفلسطينية المستقلة دون الاعتراف بإسرائيل.

      المشهد الأول: الثقة

      ثمة من يبرر كل تصريح مريب لقادة «حماس» بأنه مناورة سياسية من قبل القادة وحكمة وذكاء وحنكة، لكن المشكلة تكمن في قصور الناس عن فهم سياسات «حماس» وليس في تصريحات الرموز. وبالتالي فالمطلوب من الناس أن يكونوا على ثقة بأن «حماس» لن تفرط في الحقوق ولا في القضية الفلسطينية. والحقيقة أن ما نسمعه أو نشاهده أو نقرأه ليس سوى أطروحة تنظيمية صرفة. فإذا كان أبناء «حماس» ومناصريها ملزمون بطاعة قياداتهم فما هو المعيار المنطقي الذي يلزم أمة بها؟ هل الثقة بـ «حماس» وأطروحاتها وقياداتها موضوعا عقديا حتى تلتزم به الأمة؟ ثم من قال أن الرموز معصومين من الخطأ أو الكذب حتى تكون الثقة بهم مطلقة؟ ألا يوجد في الأحكام الشرعية ما تجتمع عليه الأمة ويطمئنها إلا الثقة بقادة حماس؟ وماذا لو لم تكن الثقة في محلها ووقعت الكوارث؛ فما الذي ستجنيه الأمة من إيداع قضية بحجم فلسطين في مستودعات الثقة التنظيمية؟

      فقد سبق وصرح إسماعيل هنية قبل أربع سنوات، لفضائية CBS بأنه لن يرسل ابنه في عملية استشهادية، وأنه يرغب في وقف إراقة الدم. ومنذ ذلك الوقت لم نسجل أية عملية استشهادية لأن «حماس» أوقفت هذا النوع من العمليات ، بينما ظلت أوساط «الإخوان» والحركة يبررون تصريحات «هنية» هذه بمداراة الغرب خاصة وأنه يتحدث أمام فضائية غربية! أليس هذا المثال البسيط بكاف لنسف مبدأ الثقة بالقيادة والمبررين لها؟

      الدخول في دهاليز السياسة كمن يختار السير طواعية في حقل ألغام وهو فاقد لأهلية الخروج منه. بمعنى أنك لما تدخل الحقل عليك أن تخضع لشروط المسير فيه وإلا سينفجر أحدها بك ويودي بحياتك. والسؤال: ما هي الشروط التي دخلت بها «حماس» حقول السياسة والعلاقات مع الغرب والتسوية والحلول السلمية؟ وما هي مصادر القوة لهذه الثقة التي ينبغي الركون إليها في المسائل المصيرية وليس فقط في عملية استشهادية؟

      المشهد الثاني: الاعتراف بإسرائيل

      يقول المدافعون عن مواقف «حماس» فيما يتعلق بحل الدولتين والاعتراف بإسرائيل أن «حماس» تقبل الدولة المستقلة، والكاملة السيادة على حدود العام 1967، وبدون الاعتراف بإسرائيل. أي أن «حماس» لم تتخلّ عن ميثاقها، وبالتالي لن تتخلى عن الحق التاريخي في فلسطين من البحر إلى النهر. والسؤال المنطقي: هل تتوجه حماس بذات الخطاب إلى الولايات المتحدة والغرب والصين وروسيا؟ رغم أن التصريحات السابقة تقول بغير ذلك؛ إلا أن المدافعين عن أطروحة «حماس» يتحدثون بوجهين. الأول: يراهن على أن إسرائيل لن تقبل بشروط «حماس». والثاني: يقول لنعطِ «حماس» فرصة ونرى، فهي متمسكة بعدم الاعتراف وهذا يحسب لها، ونحن نثق بها فلماذا لا تثقون بها؟

      لكن بما أنه لا مستحيل في السياسة والعمل السياسي فعلينا توقع أن تقبل إسرائيل والغرب بأطروحة «حماس» بقيام دولة فلسطينية مستقلة مشفوعة بهدنة أو بأية وسيلة أخرى. هنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار قدرات الخصم السياسية والدبلوماسية على المراوغة وإطالة أمد المفاوضات لعقد أو أكثر. فما الذي يمكن أن يحصل خلال هذه الفترة الزمنية؟ وما الذي يمنع «حماس» من تقديم ورقة الاعتراف كلما بدا لها أن المفاوضات تسير في تقدم؟ ثم هل لدى «حماس» مناعة من دخول المفاوضات أو الانزلاق بها بحيث يمكنها التراجع إذا ما شعرت بعدم جدواها، أو لاحظت أن ما يجري هو استدراجها لفخ شبيه بفخ أوسلو؟ وهل تضمن «حماس» ثقة الشعب الفلسطيني بها إلى الدرجة التي تكفي أن يتقدم حيث تتقدم هي ويتراجع حيث تتراجع؟

      المشهد الثالث: دولة مع هدنة

      لنفترض أن «حماس» توصلت إلى اتفاق مع إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس الهدنة. فهذا يعني أنها إما أن تستغله لتهيئة الشعب والأمة للاعتراف بإسرائيل وإما أنها تعد العدة لتحرير ما تبقى من فلسطين. والواقع أن خالد مشعل كان صريحا حين قال في كلمة وجهها إلى مجلس العموم البريطاني وصف فيها المقاومة لدى حركة «حماس» بأنها: « وسيلة وليست غاية». هذه العبارة جرت ترجمتها مؤخرا في المقابلة التي أجرتها معه شبكة « بي بي إس - 6/6/2010» الأمريكية حيث قال: « إسرائيل هي التي بدأت الاحتلال، والمقاومة نشأت كردّ فعل. لذلك حين ينتهي الاحتلال، ستنتهي هذه المقاومة. الأمر بهذه البساطة. إنْ انسحبت إسرائيل إلى حدود عام 1967، لن يعود للمقاومة الفلسطينية أي وجود».

      هذا التصريح يعني أن «حماس» لن تتوقف عن المقاومة فحسب بل وعن الإعداد. وهكذا لا مقاومة ولا جهاد، ولا هذا النوع ولا ذاك. لكن لنفترض أن الشعب الفلسطيني رفض الاعتراف في استفتاء عام فهل ستقبل إسرائيل بهذه النتيجة؟ وهل ستكون «حماس»، بالمقابل، جاهزة لإعلان الحرب عليها؟ أم أنها ستطارد من يقاتل إسرائيل؟

      المشهد الرابع: خداع «حماس»

      حقا فالحرب خدعة. فقد يقول قائل أن توصل «حماس» إلى تسوية مع إسرائيل سيكسبها الوقت في الإعداد للمعركة الفاصلة معها بحيث يمكن تحرير باقي أجزاء فلسطين نسبيا أو كليا أو على مراحل. فـ«حماس» ليست من الغباء أن تكشف أوراقها أو نواياها. لكن ماذا عن نوايا وخطط الطرف الآخر؟ هل هو نائم؟ أو مغفل لدرجة يمكن معها لحركة صغيرة أن تخدعه طوال سنين التهدئة؟

      فاليهود ملة بشرية من النوع الذي ينهشها الخوف على مر التاريخ. وفي كل تسوية أو حوار أو محاولة للتفاهم السياسي معها يكون مصطلح الأمن لديها حاضرا في كل شارع ومنزل وزاوية وسرداب وكهف وخندق وواد وسهل وجبل ومؤسسة ومصنع وورشة ومدرسة وجامعة ومسجد ومعتقد ونظام وحتى نمط حياة واجتماع، ومهيمنا على كافة البنود الأخرى مهما كانت أهميتها بالنسبة للخصم. هذه هي الشخصية اليهودية، وهذه هي سماتها. شخصية لا يروقها الجوار الحضاري أو التعايش الثقافي ولا تستحي من سلوكها. فإن لم يقع ردعها بالقوة المسلحة، كما هو حالها عبر التاريخ وبين جميع الأمم والشعوب، فلن ترتدع بالمفاوضات والمساجلات. فهل من العقل الاعتقاد بأن «حماس» ذاهبة لإعداد العدة !!؟ وهل من العقل وقف القضية على قارعة الزمن ومطالبة الأمة أن تتحلى بالثقة وتصمت حتى يتم الإجهاز عليها؟

      لعله من الطريف التذكير بأن الترتيبات الأمنية بين السلطة وإسرائيل عقب توقيع اتفاق أوسلو 1993 تدخلت حتى في نوعية الطلقات التي تستعملها قوات الشرطة الفلسطينية ومداها النهائي.

      المشهد الخامس: الفشل

      بعد شهور أو سنين تبين لـ«حماس» أن عملية التسوية فاشلة ولا جدوى منها خاصة وأن عناصر فشلها أكثر من نجاحها. فقد سبق لعرفات أن واجه نفس الموقف وأقرّ بأن الكفاح المسلح كان أهون عليه ألف مرة من التفاوض مع إسرائيل. فما هي الخيارات المتاحة أمام «حماس»؟ لنسأل السؤال بطريقة أخرى: لو افترضنا أن إسرائيل رفعت الحصار عن قطاع غزة اليوم؟ هذا الأمر حقيقة كشف النقاب عنه منذ بضعة أيام عبر ما عرف بخطة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان القاضية بـ: « رفع مسؤولية إسرائيل عن قطاع غزة بشكل كامل وجعله كياناً مستقلاً تماماً»، فما الذي أعدت له «حماس» لمواجهة موقف من هذا النوع؟ لا شيء. إلا أنها رفضت المشروع على لسان المتحدث باسمها سامي أبو زهري. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها ترى فيه: « انتزاع ثمن سياسي يتمثل بإعفاء إسرائيل من مسؤوليتها القانونية والعملية عن القطاع ». فعن أية مسؤولية قانونية وعملية يتحدث هؤلاء؟!

      والحقيقة أن «حماس»، مبدئيا، غير قادرة على تحمل مسؤولية سياسية بهذا الحجم لأنها لا تمتلك تصورا دقيقا عما تؤمن به أو تسعى إلى تحقيقه، ولا تدرس خيارات الواقع ولا تطورات المستقبل ولا هي مدركة لنمط التفكير اليهودي. فكيف يمكن لها أن تنجح في تسوية؟ ومع ذلك لنقل أن التسوية فشلت لأكثر من سبب فما هي الخيارات المتاحة أمام «حماس» للعمل بها؟

      • الخيار الأول: أن تعلن «حماس» فشلها وتنسحب من العملية السياسية كي لا تتهم بالتفريط. لكن هل تستطيع أن تعود إلى مربع المقاومة أو الجهاد بعد أن تكون قد استنزفت نفسها؟

      • الخيار الثاني: أن تواصل سقوطها في مستنقع التسوية وتنتهي لما هو أسوأ مما انتهت إليه منظمة التحرير. وفي هذا السياق فإن تاريخ فروع الإخوان المسلمين لا يبشر بخير سواء في أفغانستان أو العراق أو الصومال أو الجزائر أو في علاقاتهم بالسلطة أيا كانت هويتها.

      • الخيار الثالث: أن تعود إلى كونها جماعة دعوية أو خيرية أو اجتماعية. لكن من سيثق بها؟ ومن سيؤمن بدعوتها آنذاك؟

      أخيرا

      في 24/5/2010 نظمت حركة حماس لقاء مطولا مع خالد مشعل في قاعة أفراح المزّة جنوبي العاصمة السورية دمشق بعيد لقائه مع الرئيس الروسي ميدفيدف ، وحضر اللقاء جمع من الصحافيين والكتاب والإعلاميين، وفي مدخل القاعة انتشرت عناصر الأمن لمنع دخول كاميرات الفيديو، وطُلب من الحضور عدم تسجيل اللقاء بكاميرات الفيديو، إذ اقتصر التوثيق على كاميرات حماس. ولما دخل خالد مشعل قاعة اللقاء صحبة عزت الرشق، وطالب الحضور، ثانية، بعدم تسجيل اللقاء بكاميرات الفيديو أو مسجلات الصوت، قائلاً: أن حماس فقط من يوثق اللقاء بالكاميرات.

      خلال اللقاء توقف أحد الحضور قائلاً لمشعل: كيف تقبل بقيام دولة فلسطينية على حدود 67، وفي نفس الوقت تجاهر برفض الاعتراف بإسرائيل، ما هو الفرق؟

      بدت علامات الانزعاج على وجهه، إلا أنه قال: نعم أوافق على حدود العام 1967، لكننا نرفض الاعتراف بإسرائيل، وبدأ شرح الفارق بينهما، قائلاً: أن رفضنا للمبادرة العربية نابع من رفضنا الاعتراف بإسرائيل، وأننا لم نقبل يوماً بصيغة حل الدولتين بل وافقت على حل باستعادة الأراضي حتى حدود العام 1967 دون الاعتراف بإسرائيل.

      بطبيعة الحال استمرت الأسئلة تلاحق مشعل، وسط قدرة عجيبة على التهرب من الإجابات، إلى أن فوجئ الحضور بأحد الصحافيين، يسأل أبو الوليد:

      أنتم تحدثتم عن لقائكم المطول مع الرئيس الروسي ميديديف، وشرحتم وجهة نظر حماس وما طرحتموه على الرئيس الروسي؛ فما هو رد الرئيس الروسي؟ أما خالد مشعل فقد أجاب قائلاً : لست مخولاً بإعلان ردود الرئيس الروسي على مقترحاتنا! فمن هو المعني إذن؟ ومن هو المخول بإعلام الأمة بمواقف خصومها؟ وما قيمة الحوار مع رئيس دولة عظمى لا يدري الشعب الفلسطيني ولا الأمة ماذا قيل فيه؟

      سؤال: ما الذي يخيف حماس من توثيق اللقاء؟ وما الذي تخفيه؟
      وهل ما يتحدث به مشعل هو نفس الخطاب الذي يتحدث به إلى وسائل الإعلام؟
      وهل ما قاله الرئيس الروسي غير ما قاله خالد مشعل؟
      إن لم يكن ثمة إجابات كالعادة فهو المؤشر القاطع على أن الدورة التاريخية ماضية في طريقها.


      ****************************************

      هوامش النص

      * حديث الإفك / ص 76 – 78
      * ثمانون عاما .. حماس والمشاريع الخادعة - 3
      * حوار مع مشعل: «حماس» تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
      * لا سلام بلا حماس (No Peace Without Hamas)
      * مستشار هنية:بدون الحديث مع مشعل وهنية الغرب لن يحقق ما يصبو اليه
      * النائب الأول لرئيس «حماس» أبومرزوق للشروق: السلطة الفلسطينية تجسست على الجزائر
      * لجنة برلمانية بريطانية توصي بالتحاور مع حماس
      * الأسطل نطالب بريطانيا بالاعتذار للفلسطينيين عن وعد بلفور
      * مشعل: نريد دولة ضمن حدود 1967 وإطلاق الصواريخ توقف
      * حماس تقبل اتفاق سلام مشروطا وواشنطن تتعاطاه بحذر
      * مستشار هنية لـ«الشرق الأوسط»: فكر حماس قد يشهد تحولات أيديولوجية
      * حماس قريبة جدا من الاعتراف بإسرائيل
      * المستشار يوسف: المطلوب من الصهاينة أن يعترفوا بحقوق الشعب الفلسطيني
      * هنية: لن نضع أي عراقيل أمام جهود قيام الدولة الفلسطينية
      * خالد مشعل: إذا قبلت إسرائيل بحدود ما قبل ٦٧ نقبل بها
      * (شريط فيديو – مقابلة وكالة نوفوستي الروسية).
      * مشعل: قرار الاعتراف بإسرائيل يصدر عن دولة فلسطينية قائمة على حدود 1967
      * الزهار: أبوالغيط يفاجئنا بتصريحات تستفز الناس

      * بدلا من الرابط أعلاه
      * مشعل: نريد دولة ضمن حدود 1967 وإطلاق الصواريخ توقف
      * الزهار :أي إنسان يخرق التهدئة يعتقل وينزع سلاحه
      * الزهار: عملية اطلاق الصواريخ على جنوب اسرائيل "عمل مشبوه يخدم العدو"
      * الزهـــار: أولوياتنـــا التوصل إلى اتفـاق مشـرف وترميـــم ما دمـــره العدوان..الاحتـلال يقطــع إمدادات الوقود عن محطات الكهربـاء ويتوغل فـي خــان يونس
      * حماس: لايمكن الاعتراف بإسرائيل كمخرج للمصالحة
      * مع مشعل: حماس تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
      * الساحر وخطاب السحرة: صراحة أوباما وصراحتنا
      * هنية ليصرح لفضائية CBS بأنه لن يرسل ابنه في عملية استشهادية، وأنه يرغب في وقف إراقة الدم
      * مشعل يخاطب العموم البريطاني ويدعو للضغط على إسرائيل
      * حوار مع مشعل: «حماس» تقبل بدولة ضمن حدود 1967 ومصلحة أميركا بعدم لوم سورية
      * حماس ترفض خطة ليبرمان لرفع مسؤولية إسرائيل عن غزة

      .

      في القـرن الخـامـس عشـر الهـجري
      منظمة إسـلامية انتصـرت على عدة امبراطـوريات
      رومـانـية وفارسـية ويهـودية وشــيطانية ، مجتمعـيــن


    5. #5



      العراق
      ما بين البغدادي الأول
      و
      البغدادي الثاني

      (4)


      بحزن شديد، وأسىً بالغ، وبمثل هذه العبارات: « إنا لله وإنا إليه راجعون ... والله لا نقول إلا ما يرضي ربنا»، تلقى التيار الجهاد العالمي وأنصاره (25/4/2010) نبأ مقتل أمير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو حمزة المهاجر اللذان قضيا فجر الأحد - 18/4/2010 في معركة قيل أن القوات العراقية بدأتها، وحسمها الأمريكيون، على جهل منهم بهوية الهدف، عبر قصف جوي دمر مكان تواجد القائدين في منطقة الثرثار. وبقدر ما كان وداع القائدين مؤلما للتيار الجهادي بقدر ما كانت الفرحة عارمة حين الإعلان عن سلفيهما. وبمثل هذه العبارات أيضا استقبل « الأنصار» خليفة أبي عمر البغدادي في الساعات الأولى من فجر الاثنين (15/5/2010) : « بايعنا أمير المؤمنين أبو بكر القريشي الحسيني البغدادي حفظه الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله ولا نخرج على حاكمنا المسلم وإنْ أكل مالنا وجلد ظهرنا وإنْ كان عبدا حبشيا وأنْ نقول الحق حيثما كنا حتى الشهادة إن شاء الله تعالى».

      لعل أعجب ما أعقب الحدث كان تلك التحليلات التي أدمن أصحابها التخبط بلا كلل أو ملل وهم يطلقون العنان لمخيلتهم في سوْق التنبؤات والتخمينات البائسة، خاصة حين يتعلق الأمر بمقتل أحد القادة في هذه الساحة أو تلك، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة البيانات والوثائق ذات الصلة بالحدث بالدقة التي تحتاجها، علّهم يصلون إلى أطروحة معقولة يمكن في ضوئها قراءة ما يسمونه مستقبل تنظيم القاعدة. ومع ذلك فاللوم لا يقع على سقم القراءات أو التعليقات على الأحداث فحسب بقدر ما يقع على شخصيات خاوية من التأهيل والمعرفة فيما يجري، لكنها تنتشي بما تقدمه من مزاعم فارغة لا أصل لها من العقل أو المنطق، وتجد من يصدقها ولو في لحظتها. فحين سئل أحد المعلقين عن توقعاته فيمن يخلف البغدادي قال: « أعتقد أنه من المرجح أن يكون أبو الوليد المشهدانيّ»، وزير الهيئات الشّرعية بدَولة العراق الإسلاميّة، الذي أعلن نبأ مقتل «البغدادي» و«المهاجر» في بيانه. إجابة، حقا، تدعو للعجب!!! فهل كان يعرف هذا الرجل من هم المرشحون الآخرون حتى يرجح تعيين أحدهم على الآخر!؟ وهل صدرت بيانات أخرى، في حينه، تحمل أسماء غير بيان وزير الهيئات الشرعية حتى يمكن المقارنة والقراءة والتنبؤ؟!!
      على كل حال فالمسألة تحتاج، بجد، إلى وقفة؛ خاصة وأن مرحلة انقضت وأخرى ستظهر، ولو أن ملامحها كانت قيد المراقبة والنظر منذ أكثر من عام مضى. فما الذي يمكن أن نقرأه من مراحل مضت وأخرى قادمة؟ وما هو واقع القيادة في التيارات الجهادية العالمية؟ وما هو واقع دولة العراق الإسلامية في مستوى القيادة وفي مستوى الاستراتيجيات؟

      أولا: واقع القيادة وقوة «الدولة»

      الغريب في وسائل الإعلام أنها ما زالت تركز على معادلة أمنية، طالما اعتقد بها الأمريكيون وحلفاؤهم وعملوا بها ودافعوا عنها، وهي معادلة ترى بأن قتل قادة القاعدة ورموزهم أو اعتقالهم سيؤدي إلى ضرب التنظيم وتفكيكه أو، على الأقل، سيضعف من تأثيره إلى حد التلاشي مع الوقت. وهذا اعتقاد ينظر إلى تيارات الجهاد العالمي كما لو أنها أحزاب راديكالية ذات أيديولوجيات وضعية، وبنى مثيلة للجماعات الإسلامية التقليدية. وبمعنى أدق فالغرب المسكون في البحث الدائم عن النمط الكاريزمي في القيادة، يعتقد أنه نمط كوني من الطبيعي أن يستوطن في القاعدة. ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد: (1) شيوع هذا النمط من القيادة لدى الحركات الوطنية والجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي على نطاق واسع، و (2) ولأن قراءته لنمط القيادة لدى القاعدة وشقيقاتها تستند إلى أطروحات المناصرين الذين تسيطر عليهم العاطفة وليس إلى الأطروحة العقدية، فضلا عن (3) الجهل في فهم البيئة العقدية الجهادية المنتجة للقائد أو حتى المقاتل.
      فالواقع يقول أنه إذا كانت القاعدة هي أطروحة عقدية فمن الطبيعي أن تكون صناعة القيادة فيها أو طرق إعداد القائد هي من ذات المحتوى وليس من خارجه. إذ حين يلتحق الفرد بجماعة جهادية فهو يتحدث عن عبادة « نفير» وليس عن امتياز أو مكانة أو منصب « عضوية تنظيمية »، وفي خضم بيئة جهادية سيكون الأداء مختلفا كليا عن أداء أي عضو في جماعة أو حركة مقاتلة أو جيش. ولن يكون « النافر » منشغلا إلا بالعبادة ابتداء من الصلاة والصوم وقراءة القرآن وقيام الليل والصبر والعزيمة وانتهاء بالتعلم والتدريب والتطوير والرباط والكمائن والاستطلاع والمسير والتصنيع والتخطيط والكر والفر والبحث عن كل وسيلة يعتقد أنها تحقق نصرة للجهاد وأهله، ونصرة الإسلام والمسلمين. ومن اللافت للانتباه أن مثل هذا النمط من الجهاد والاشتغال به لا يتوفر في الجماعات الأخرى ولا في الكليات العسكرية ولا في الجيوش، لأنه ببساطة نمط حياة أخروية لا علاقة له بالحياة الدنيا. لذا ليس غريبا أن يكون كل مقاتل في التيار الجهادي العالمي قائدا بحد ذاته. وليس غريبا أيضا، وهو الأهم، أن ينتج التيار من المقاتلين مَنْ هم أشد بأسا وفتكا من غيرهم، وأن ينتج من القيادات ما يفيض عن حاجته في ظرف سنتين على الأكثر، وأن يُحدث فارقا ملحوظا في أقل من بضع سنين.

      وعلى هذا الأساس فلا يمكن للقاعدة أن تشكو في يوم ما من غياب القيادة قتلا أو اعتقالا، مثلما أنها لا تتذمر من كونها قلة مطاردة عالميا. والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى وتعد. فلم تضعف الشيشان بمقتل جوهر دوداييف ولا شامل باساييف ولا أبو الوليد الغامدي ولا خطاب وغيرهم من رموز الجهاد الشيشاني. ولم تضعف القاعدة، كما يروج الأمريكيون في أفغانستان، بمقتل أبي عبيدة البنشيري ولا أبي الليث الليبي ولا أبي حفص المصري ولا أبا خباب ولا باعتقال رمزي بن الشيبة وخالد الشيخ وأبي مصعب السوري وأبي زبيدة وغيرهم، ولو كانت تشكو من نقص في القيادات لكان من الأولى أن تحتفظ بأبي دجانة الخرساني لمراحل قادمة. وفي الصومال لم تضعف حركة الشباب المجاهدين بمقتل آدم حاشي عيرو ورفاقه القادة وسلفه السابق ومن بعدهم صالح النبهان. وفي الجزيرة العربية لم تنْهَرْ القاعدة بعد اغتيال عبد العزيز المقرن وأسر أبي بصير الوحيشي ورفاقه. أما في العراق فحدث ولا حرج ابتداء من أبي أنس الشامي وأبي عمر الكردي والزرقاوي وحامد الجبوري وعبد الهادي العراقي وغيرهم العشرات من القادة الذين اعتقلوا أو قتلوا.

      وكما أن هذه التيارات لا تتأثر بمقتل القيادات فإن مقتل هؤلاء لم يثبت أنه خلّف ضعفا ملحوظا في الأداء العسكري أو الأمني بقدر ما ثبت العكس تماما، والأعجب من ذلك أن أيٍّ من تيارات الجهاد لم يثبت قطعا أنه تأثر بتراجع ساحة معينة. فلم تتأثر الساحة العراقية بتراجع الساحة الأفغانية، ولا تراجع الجهاد في أفغانستان بعد الضربة التي تلقتها الساحة العراقية ، ولا تأثرت الساحة الشيشانية بتجاهل الإعلام الدولي لها. أما في الصومال فقد نهضت حركة الشباب المجاهدين من بين أنقاض المحاكم كما نهضت حركة طالبان من مذبحة الغزو الوحشي لأفغانستان.
      أما مؤشرات القوة في العراق فقد سبقت مقتل أبو عمر البغدادي وعلى لسانه في أكثر من مناسبة. وفي كل مرة كانت لغته والمفردات التي يستعملها في توصيف المشروع الجهادي أقوى من سابقاتها. ففي بدايات الهجوم الشامل على دولة العراق الإسلامية أعلن في خطابه الصوتي: « حصاد السنين بدولة الموحدين 17/4/2007» عن: « تخريج أكبر دفعة في تاريخ العراق لضباط الجهاد في سبيل الله وبدرجة العالمية العليا»، وهو إعلان لم يسبقه إليه أحد، والأهم أن هؤلاء تدربوا طوال العام وفي مختلف الظروف الجوية والتضاريس الطبيعية، ليلا ونهارا. وفي نفس الخطاب كرر عباراته العشر الشهيرة عن مصير الدولة بالقول أنها «باقية».

      وحتى مطلع العام 2009 كانت خطة أمن بغداد قد حيدت الأمريكيين عن واجهة الأحداث مع الجماعات الجهادية التي اختُرق الكثير منها سواء على مستوى التنظيم أو بعض القيادات أو العناصر، وتبعا لذلك فقد انخفضت الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين، الذين انزووا بعيدا في معاقلهم، لكنها ارتفعت بصورة كبيرة في صفوف الصحوات وقوات الأمن الحكومية التي خاضت المواجهة بدلا من الأمريكيين. ورغم أن الاختراق طال الحاضنة السنية وأدى إلى تضخم الصحوات على نحو كبير، بفعل الفتاوى المعلبة، إلا أن دولة العراق الإسلامية، مقارنة بالجماعات الأخرى، كانت الأقل تضررا والأكثر فاعلية في ميادين القتال. ومع ذلك فقد بدا المشروع الجهادي في العراق موضع قلق وحيرة وخوف بالنسبة لمناصريه خاصة مع التعتيم الإعلامي الذي رافق فعالياته. ويبدو أن قادة دولة العراق الإسلامية شعروا، حينها، بوجود مخاوف حقيقية على التيار لدى « أهل الصدق ». هذه المشاعر دفعت البغدادي في خطاب له بعنوان: « حصاد الخير 11/3/2009» إلى تطمين عموم التيار الجهادي العالمي بالقول: « لا تخافوا ولا تخشوا على الجهاد في العراق وطيبوا نفسا فقد انكسرت حدة الموجة، وإن بنيانا شيد من جماجم الشهداء وعجن ترابه من دماء الفضلاء لبنيان صدق هو أشد من الجبال رسوخا وأعز من النجوم منالا وحاشا الكريم الرحمن الرحيم أن تذهب تضحياتهم سدى ولقد حمل الراية بعدهم أسود على عدوهم أشداء في ما بينهم رحماء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ».

      وبعد مقتل « البغدادي» و « المهاجر» جاء بيان وزارة الهيئات الشرعيّة ليؤكد ما سبق للبغدادي أن أدلى به: « نُطمئن أهل الصّدق من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ... بأن إمارة الدّولة الإسلامية في العراق بإذن الله قد صارت إلى أيدٍ قويّة أمينة، واُحكم بفضل الله أمرها، ولن يؤتى الإسلام بإذن الله من قِبلنا»، وليخبر بأنه قد سبق وأنْ: « تحسّب الشيخان رحمهما الله ومجلس شورى الدّولة لهذا اليوم جيداً، وأعدّوا له عدّته وحسموا من قبلُ أمره». لكن ما لم يتحسبا له؛ يبدو أن « مجلس شورى الدولة» قد انتبه له، فأقرّ تعديلا على البنية القيادية ، وقام بتسمية أبي عبد الله الحَسنيّ القُرشيّ نائبا لأبي بكر البغدادي ووزيرا أولا عنده. بينما اقتصر دور « الناصر لدين الله أبي سليمان» على وزارة الحرب دون تسميته كوزير أول كما كان الحال في التشكيلة السابقة. بطبيعة الحال فإن لهذا التشكيل أكثر من معنى سواء من جهة امتصاص أية ضربة « مفاجئة » على المستوى القيادي الأعلى أو توزيع للاختصاصات، وتقاسم للمسؤوليات والأعباء، وتضخم للدور الذي تلعبه « الدولة» حاليا أو مستقبلا، أو لتحقيق فاعلية أكثر في الأداء والإدارة. ومع صدور إعلان مماثل في إمارة القوقاز (24/7/2010) عن تسمية نائب للأمير دوكو عمروف يتضح، إلى حد ما، أن التيار الجهادي العالمي بات على درجة عالية جدا من التنسيق والعمل حتى في تماثل البنى القيادية. بل أن بيان إمارة القوقاز يفسر إلى حد كبير ما خفي في بيان « مجلس شورى الدولة» فيما يتعلق بتعيين نائب للأمير. فقد جاء في البيان أن عمروف: « اتخذ هذا القرار بعد تأملات دقيقة، نظرا لأهمية استمرار السلطة وضرورة الاستعداد لأي تطور للأحداث». وإذا أمعنا النظر أكثر، وأخذنا بعين الاعتبار التزامن العجيب في فعاليات القوة لدى التيار، في مختلف الساحات، فقد يصح لنا أن نذهب في الاعتقاد لما هو أبعد من التنسيق والتساؤل بجدية: هل ثمة قيادة عليا للتيار، خفية عن الأعين والإعلام، ترعى شؤونه الاستراتيجية على مستوى العالم؟ وهل أوصت قادة دولة العراق الإسلامية بالصمت حتى لا يصدر لها أي بيان ولو صوتي بحيث تصبح مهمة القوى الأمنية شبه مستحيلة في التعرف على القادة الجدد؟

      في أول حوار له مع مؤسسة « السحاب – 22/9/2008 » سئل الشيخ عطية الله، أحد أبرز قيادات القاعدة، عن وضع المشروع الجهادي في العراق فأجاب: « آن للجميع أن يدرك أن الجهاد في العراق شبَّ عن الطوق، وهو كالجبل الشامخ تدور من حوله العواصف والأعاصير، وهو ثابت لا يتزحزح ثم تمضي عنه دون أن تؤثر فيه إن شاء الله ». وما قاله الشيخ عطية الله كرره، حرفيا، د. أيمن الظواهري في خطابه « القُدْسُ لنْ تُهوَّدَ – 19/7/2010 » قائلا: « في عراق الإسلام والجهاد والخِلافة يَثْبُت المجاهدون وتَثْبُت دولة العراق الإسلامية كالجبل الأشم الذي يتحدى العواصف والزلازل». بل مضى أبعد من ذلك، وهو يخاطب كل المجاهدين في فلسطين، ويتحدث لا فقط عن صحة المشروع الجهادي وسلامته بل عن: « إنّ الجهاد في العراق وعلى رأسه جهاد دولة العراق الإسلامية يمثِّل أملًا حقيقيًّا في تغيير الأوضاع والسعي الجاد لتحرير فلسطين, بشرط السعي لـ « مد الجسور» فيما بين الطرفين، والتحرر مما اعتبره «عُقَد النقص والدونية » والمزاعم والاعتقادات الوطنية كالتكيف مع قيم الحضارة الغربية المعاصرة ... والتحرر الوطني والوحدة الوطنية والدولة القومية العلمانية؛ بدلا من حاكمية الشريعة .. والأخوة الإيمانية, وفريضتي الجهاد وإقامة الخلافة ومفهوم دار الإسلام ». وكذلك تهديده الصريح لما بعد الانسحاب الأمريكي لـ «العملاء » بأنهم: « سيواجهوا مصيرهم على يد دولة العراق الإسلامية », و « مبشرا » في الوقت ذاته بأن: «العراق ينتظر أيامًا حاسمة وأحداثًا جسامًا سيُكتب فيها النصر للإسلام ... وسيرتفع فيها علم الجهاد خفّاقًا مُنذِرًا بالزحف القادم نحو بيت المقدس ... ».

      لا شك أن تهديدات الظواهري ليست عبثية، ولا يصح المرور عليها مر الكرام خاصة لما يستعمل عبارة « الأمل الحقيقي». فالعبارة تعني أن مشروع الدولة لم يتأثر لا في أوج الهجمة ولا بمقتل قائدين، بل أنه ثبت وتقدم ليصير « أملا » و « حقيقة». والمؤكد أن الظواهري لا يمكن له أن يغامر بهذا التوصيف لـ « الدولة» لو لم يكن لديه ما يدعم قوله نظريا (عبر التواصل معها) وعمليا ( عبر فعالياتها الميدانية).

      ثانيا: مستقبل دولة العراق الإسلامية

      إن المتابع لنشأة التيار الجهادي العالمي في العراق لا بد وأن يتوقف عند مراحل التطور لتوصيفه توصيفا دقيقا كي يمكن النظر في المستقبل. فالمرحلة الأولى التي أسس لها وقادها أبو مصعب الزرقاوي؛ وإن اتسمت بالإدارة التنظيمية والإعداد لإطلاق إمارة إسلامية في الأيام الأخيرة من حياة الزرقاوي إلا أن السمة الغالبة عليها كانت الشراسة العسكرية الصرفة والعجيبة التي استطاعت أن تطحن أعتى القوى العالمية في أقل من بضعة سنين ( 3 – 4 سنوات فقط). أما د. أيمن الظواهري فقد كان تقييمه صحيحا في حينه لما قال في أحد خطاباته: « إن القاعدة في العراق قصمت ظهر أمريكا». أما المرحلة الثانية فكانت مرحلة أبو عمر البغدادي والمهاجر بلا منازع. وهي مرحلة إعلان « دولة العراق الإسلامية » التي اتسمت بالشراسة الأمنية، وهي زمنيا تساوي تقريبا نفس الفترة الزمنية لسابقتها لكنها أشد بأسا وصعوبة خاصة وهي تواجه طوفانا جارفا من الأعداء من كل حدب وصوب، ممن كان الزرقاوي قد حذر من خطرهم لكنه لم يعش ليخوض نزالاته معهم.

      إذن؛ شراسة القاعدة لا يمكن أن يُنظر إليها إلا من زاوية حجم الأعداء ونوعيتهم، ومن زاوية التصميم على القتال، ومن زاوية القدرة على الابتكار، ومن زاوية التكيف مع مختلف الظروف العسكرية والأمنية. وهي بهذا المعنى، وفي الساحة العراقية تحديدا، لم يسبق لأية جماعة جهادية عالمية أن خاضت حروبا مماثلة بقدر ما خاضته القاعدة ومن بعدها دولة العراق. فحجم الأعداء وتنوع طائفيتهم، ومذاهبهم، وتعدد منابت أيديولوجياتهم وعقائدهم، مكّن القاعدة ليس من اكتساب درجة « العالمية العليا » في القتال فحسب بل وأيضا، وهو الأهم، من اكتساب خبرات، في التعامل مع الأعداء والخصوم، لم تتوفر لأية جماعة أخرى في أية ساحة مواجهة منذ نشأ التيار الجهادي العالمي وإلى يومنا هذا.

      هذا التوصيف؛ سبق وأن أطلقت عليه بعض التقارير الأمنية صفة « عناد القاعدة في العراق». فهي قادرة على استنباط أساليب في القتال لا تخطر على بال بشر. ولما يكون هذا « العناد » قد تجلى في السنة الأخيرة من حياة البغدادي الأول؛ فكيف ستكون مرحلة البغدادي الثاني خاصة وقد أثبتت القاعدة، قولا وفعلا، أنها أكثر ضراوة وأشد شراسة في القتال ذو الطابع الأمني من قتال القواعد والمعسكرات والمناطق والجبهات؟

      في بيان وزارة الهيئات الشرعيّة خاطب المشهداني « ملّة الكفر» بالقول:
      أبشروا والله بما يسوؤكم أيّها الجبناء، فلن يدوم فرحكم أيها الأنجاس المناكيد طويلاً، ولئن قدّر الله أن يُقتل الشيخان في هذا الوقت بالذّات، فإنهما تركا جيلاً فريداً تربّى على أعينهما، ودونكم منهم أياماً تشيبُ لها مفارقُ ولدانِكم، ... فقد أخرجت الأرض بركاتها، ... ». ولا شك أن التهديد هنا شمل كافة الأعداء، المصنفين في خانة الكفر سواء كانوا أمريكيين أو محليين، دون تمييز. لكن في بيان وزير الحرب الذي حمل لقب « الناصر لدين الله»، تذكيرا بلقب القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي يحظى عند الرافضة بأكبر قدر من البغض والكره بعد الصحابة، فقد اختص بتهديداته قوى الرافضة حين قال: « أبشروا أيّها الأنجاسُ بليلٍ طويلٍ عبوس وأيّامٍ سود مخضّبةٍ بالدّم، فما ظنّكم بأهل التّوحيد وأحفاد الصّحابة وأبناء أمّهات المؤمنين، فوالذي رفع السّماء بغيرِ عمد، ليس بيننا وبينكم إلا سُنّة الصدّيق وسيفُ خالد ابن الوليد، ليس بيننا وبينكم إلاّ الحسامُ الذي سلّه الزّرقاويُّ والبغداديُّ والمُهاجر، والذي لن يزال بقوّة الله ماضياً فيكم ومُصلتاً على رقابكم، فنحن قدرُ الله فيكم، وما جرى عليكم هذه الأيّام أولُ الغيث، والخبرُ ما ترون لا ما تسمعون، ولا نزيد ... ».

      ومن باب أن الحرب خدعة، وأن الوزير وزير حرب، وأنه من الطبيعي أن يمتاز بالحيلة كما هي صفات القاعدة، فإن تصريح وزير الحرب بحد ذاته قد يكون خدعة عسكرية كبرى. ففي حين يبدو التهديد موجها إلى الرافضة فإن الضربة الأقوى قد تكون من نصيب الأمريكيين خاصة وأن الدولة معنية بتبديد الطعون التي استهدفتها خلال المرحلة السابقة والتي كانت تعيب عليها عدم مواجهة الأمريكيين، بالإضافة إلى أنه لا شيء يضمن من أن تكون القاعدة قد حضّرت لمواجهة نوعية مع الأمريكيين لم يحن أوانها بعد.

      لكن استراتيجيات القاعدة في العراق تتوجه فعليا نحو استعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها خلال مرحلة الصحوات. فهي تهاجم في كافة المحافظات العراقية بلا استثناء، وأهدافها لم تعد محدودة أبدا، حتى وإن ظهرت في الآونة الأخيرة أنها مركزة ضد الصحوات ورؤوسهم. وبدء من سلسلة غزوات الأسير ضربت القاعدة في مستوى الدولة معظم الوزارات والمؤسسات الكبرى، وكذلك السفارات والفنادق الكبرى، والجهاز المالي من بنوك ومصارف فضلا عن ضربها سابقا لوزارة المالية مرتين متتاليتين، وهاجمت، بالعشرات، نقاط السيطرة ومنازل الصحوات وحتى جموعهم في القائم والرضوانية مستخدمة أسلحة من نوع جديد مثل كواتم الصوت، وهاجمت مناطق شاملة كما حدث في الأعظمية والأنبار، واستهدفت رؤوسا سياسية كسلام الزوبعي وبعض الوزراء والبرلمانيين ومشايخ الصحوات، وهاجمت الإيرانيين ومخابراتهم وأعوانهم. وعادت من جديد لنصب العبوات الناسفة على جوانب الطرق في استهداف الأمريكيين، وهاجمت أرتالهم العسكرية وشركاتهم الأمنية، ورصدت تحركاتهم، وقصفت سفارتهم وأوقعت بها قتلى وجرى. وهكذا لا يبدو أن في العراق من شماله إلى جنوبه، خاصة بغداد والأنبار، ما هو خارج دائرة الاستهداف ابتداء من القوات الأمريكية وتوابعها السياسية والأمنية أو الدولة ومؤسساتها الوزارية والمالية، وانتهاء بالقوى المحلية الحليفة لهما.

      سؤال بسيط: أين هي الدولة العراقية من هذا النشاط الذي بات يصفه العامة، وليس الخاصة فقط من المتابعين ووسائل الإعلام، بأنه عودة قوية للقاعدة، بل وأقوى من ذي قبل؟ وأين هي القوات الأمريكية مما يجري؟ ولماذا تنجح القاعدة في الوصول إلى أقصى الجنوب العراقي الذي من المفترض أنه أحد حصون الرافضة؟! وهل حقا أن الأمن مرتبط بوجود حكومة فاعلة؟
      ترى القوى السياسية أن العملية السياسية الجارية في العراق وتأخر تشكيل الحكومة سيسبب فراغا أمنيا يمكن للقوى الجهادية أن تستغله وتنجح في استعادة السيطرة على ما فقدته سابقا. وقد يكون هذا التفسير نسبيا صحيح لكنه ليس كذلك إلا بأقل درجة من الاحتمال. فالتحول في الوضع العراقي، والتخوف الاجتماعي من الدور الإيراني حتى لدى شيعة الجنوب، بدأ منذ أكثر من عام، وحتى قبل انطلاق سلسلة غزوات الأسير. أي في الوقت الذي كانت فيه حكومة من المفترض أنها تمارس مهامها بما فيها الأمنية. لكن مما لا بد منه؛ القول بأن العراقيين أنفسهم، بمن فيهم سكان الجنوب، اكتشفوا فظاعة الدور الإيراني على حقيقته في تخريب المجتمع العراقي وتفكيك أسره وقيمه، عبر إشاعته لاستهلاك المخدرات والحشيش والفاحشة في أبشع صورها.
      هذه الفاحشة التي كشفت اللثام عن أعين العراقيين عبر فضيحة مناف الناجي وكيل السيستاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق، والتي أعقبها فضائح أخرى، مصحوبة بتكتيم إعلامي غير مسبوق سواء من الإعلام العربي أو الدولي أو حتى اليهودي! وبتهديدات من المراجع الشيعية والحكومية تقضي بطي الموضوع واعتقال كل من يروج للفضائح الجنسية. فلم يعد أحدا من العراقيين يأمن حتى على كرامته وشرفه داخل بيته ممن بدوا رجالا أتقياء؛ فإذا بهم عتاة في الدعارة وتدنيس الحرمات والتشهير بالكرامات.

      كما أن العراقيين خبِروا الفساد الحكومي المستشري عبر سرقة مئات المليارات من الدولارات وسط انقطاع في الخدمات وانتشار للفقر والأمية واستيطان لمجتمع من قبل مئات العصابات الإجرامية التي تحظى بحماية من أجهزة الأمن والشرطة وقطاع الطرق من السياسيين وركاب القاطرة الأمريكية والإيرانية.
      أما على الجانب السني فالغريب أن الإعلام لا يأت على ذكر مواقف الغالبية الساحقة منهم بمن فيهم قادة العشائر إلا عبر المواقف السياسية لمن لجأ منهم إلى القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي. وكأنها قائمة تمثل السنة حقا أو حتى جزء منهم.
      والحقيقة أنها قائمة تمثل ذات الوجوه التي تمزقت ولاءاتها وانتماءاتها وتجمعاتها السياسية فلم تعد تجد من حاضنة لها إلا الحاضنة الشيعية بوجهها العلماني المزيف. وعليه فمن المستحيل مراقبة الاندفاعة الأمنية والعسكرية للقاعدة، في طول العراق وعرضه، خارج عودة ملحوظة للحواضن السنية والعشائرية. حتى أن الصحف الدولية ووكالات الأنباء لم يعد باستطاعتها إخفاء أنباء الهجمات الشاملة والاستعراضات العسكرية لدولة العراق الإسلامية في شوارع الأحياء السنية الكبرى كما حدث مؤخرا في حي الأعظمية.

      ولو عدنا إلى بيان مجلس شورى دولة العراق الإسلامية لقرأنا فيه كيف « انعقد المجلس مباشرة لحسم مسألة إمارةِ الدّولة» و « ظلّ في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها » إلى أن « اجتمعت الكلمة على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميراً للمؤمنين».

      فلو كان الأمر مقتصرا على قادة تنظيم أو جماعة لما احتاج المجلس لاستخدام كلمة « حسم » ولا عبارة « اجتمعت الكلمة »، لأن « الحسم » و « اجتماع الكلمة » لا يقعان إلا في ضوء تبادل وجهات النظر وبالتالي تعدد القوى المشاركة في « الشورى » سواء كانت تنظيمية أو اجتماعية أو شرعية أو سياسية. لكن ماذا عن الدور الأمريكي الذي يبدو كالحاضر الغائب؟

      في أكثر الأحايين نسمع تصريحات أمريكية ذات لون واحد تؤكد على أن الهجمات المسلحة لن تؤثر على خطط الانسحاب الأمريكي من العراق. وفي المقابل نستمع إلى تصريحات حكومية تطالب الولايات المتحدة بعدم الانسحاب. والحقيقة أن الأمريكيين، وهم ينظرون إلى هشاشة الوضع الأمني في العراق منذ بدء تطبيق خطة أمن بعداد، إنما يعبرون عن استراتيجية تقضي بابتعادهم عن خوض مواجهات مباشرة والاقتصار على التدخلات الأمنية والدعم اللوجستي حتى ولو بعد خراب مالطا. وهي استراتيجيا استبدلوا فيها ضحاياهم بضحايا محليين، ولن يستطيعوا التنازل عنها. وهم يسعون إلى تطبيقها في اليمن وأفغانستان. أما صحيفة « الواشنطن بوست – 23/1/2009 » فقد كشفت عن الحقيقة المرة حين علقت على تفجيرات المقرات الحكومية الخمسة في «غزوة الأسير» الأولى والثانية بالقول: « إن القوات الأمريكية عاجزة عن المشاركة في عمليات قتالية في العراق». هذه هي الحقيقة بلسان الأمريكيين أنفسهم. وهذا يعني أن الشلل الأمريكي لن يحمي الحكومة العراقية ووزاراتها من البطالة، ولن يوفر لها أكثر من حماية معنوية، مثلما أن الانسحاب الأمريكي سيبدو بمثابة الضربة القاضية لها. ولعل تصريح نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن من أن بلاده لن تضمن الأمن في العراق بعد انسحابها منه ينطوي على حقيقة مؤلمة بقدر ما ينطوي على ما أسمته إحدى الصحف العربية بـ « ابتزاز» وتهديد للقوى السياسية العراقية بضرورة تشكيل الحكومة وإلا فالولايات المتحدة قد ترفع يدها عن الملف العراقي وتترك أهله لمصيرهم، وهو ما ألمح إليه د. أيمن الظواهري في خطابه عن القدس.

      أخيرا

      لعل أطرف ما في الساحة العراقية ملاحظة وجود مجموعات متخصصة من المجاهدين تتقاسم العمل والمهام فيما بينها دون أن تتأثر بأية مواقف سياسية أو عسكرية أو أمنية، حتى في أسبوع الحيرة والشك الواقع ما بين مقتل البغدادي والمهاجر والإعلان عنه. كما لوحظ وجود مجموعات متخصصة في مهاجمة نقاط السيطرة والتفتيش. وأغلب هؤلاء يستخدمون كواتم الصوت. ومجموعات تستهدف الصحوات في بيوتهم وأخرى تستهدف أماكن تجمعهم وغيرها يترصد حركات التنقل وتفخيخ سياراتهم.

      ومجموعات باتت تهاجم بزخم بشري كبير، يذكّر بهجمات السنوات الأولى من الاحتلال. لكن أبرز ما يمكن ملاحظته هو العمل الأمني المحكم الذي أثبت قدرته في اختراق أعتى الأهداف وأشدها تحصينا. ولما لم يعد ثمة مكان آمن رغم وجود الأمريكيين فهل يعقل أن يكون الأمر أكثر أمانا بغيابهم؟ لننتظر الأيام القادمة ونرى، فلا ريب أن الدورة التاريخية ماضية!

      .

      في القـرن الخـامـس عشـر الهـجري
      منظمة إسـلامية انتصـرت على عدة امبراطـوريات
      رومـانـية وفارسـية ويهـودية وشــيطانية ، مجتمعـيــن


    ***



    صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •  

    -