النقد التاريخي عند ابن تيمية وابن خلدون
د/محمد العبدة
لا شك أن من المهمات الرئيسية للمؤرخ بعد الاطلاع على المرويات التاريخية ، تمحيص الخبر وبيان صحته أو زيفه ، وذلك بعد عرضه على منهج واضح محدد المعالم يرتضيه هو لنفسه ، ذلك أن الخبر بطبيعته يتطرق إليه الوهم والغلط أو الكذب أحياناً ، وقد تكلم ابن خلدون في مقدمته عن الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار فذكر منها :
1- التشيعات للآراء والمذاهب ، لأن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه .
2 - الثقة بالناقلين .
وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح .
3 - الجهل بالقوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية .
4 - الجهل بطباع العمران [1] .
والمقصود بالظواهر ظواهر علم الفلك والكيمياء والطبيعة والحيوان والنبات .. وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين الذين ليس عندهم إلمام بهذه العلوم ، فيقبلون الأخبار التي تتناقض تناقضاً تاماً مع القوانين العلمية كالخبر الذي ذكره المسعودي عن بناء الإسكندرية [2] .
والمقصود بطبائع العمران الظواهر الاجتماعية ، كالعادات ، والتقاليد ، والغنى ، والفقر ، والعلم ، والجهل ، وكثرة السكان ، أو قلتهم ، وطبيعة الدول ...
إلخ ، ضمن كل هذه العوامل هل من الممكن وقوع الحادثة أم لا ؟ وسنرى كيف يطبق ابن خلدون هذا المنهج في نقده لبعض الأخبار ، وكيف يعتبر أن العلم بطبيعة العمران هو أهم سلاح يوجه للخبر التاريخي : وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها ، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع ، وأما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح) [3] .
وهذا الكلام وإن كان مقبولاً بشكل عام ، ولكنه يحتاج إلى شيء من التحفظ ؛ فهناك روايات صحيحة ينقلها ثقاة عدول يعلمون ما ينقلون عن أمور خارقة للعادة ، وبالشروط المطلوبة لوقوع الكرامة فنحن نصدقها ، ولا نقبل من أحد أن يقول : هذه لا يمكن وقوعها ، كحادثة العلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه - في فتح إقليم فارس زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وإن كان الأصل هو الأخذ بالأسباب وجريان الأمور على سنن كونية لا تتخلف مع أن الخبر التاريخي يختلف من بعض الوجوه عن نقل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن يبقى أن منهج الجرح والتعديل الذي قام به أهل الحديث هو من أعظم العلوم التي برز فيها المسلمون ، ونقدوا فيها الروايات التي تتعلق بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتخذوا في ذلك منهجاً صارماً للغاية ، ذباً عن السنة أن يدخل فيها ما ليس منها ، وإن تطبيق هذا المنهج على الروايات التاريخية - إن أمكن ذلك - لهو في غاية الأهمية ، ولكن هناك صعوبات تعترض هذا التطبيق ، منها :
1 - لم تؤلف الكتب في جرح وتعديل رواة التاريخ كما وقع لرواة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شك أن الاهتمام بالسنة هو الأولى والمقدم ، والمقصود : معظم الروايات التاريخية ، وإلا فهناك رواة للتاريخ يمكن معرفة حالهم من كتب الجرح والتعديل .
2 -إن البحث والتفتيش عن الرواة انتهى في القرون الأولى بعد أن اطمأن علماء الحديث إلى حفظ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن التاريخ حركة دائبة ، فكيف العمل في الأحداث التي جاءت من بعد ؟
3 - تتدخل عوامل كثيرة في الحدث التاريخي غير الرواية ، مما يساعد على التأكد أو الشك في الخبر ، كالآثار التاريخية والعوامل الجغرافية .. إلخ .
لهذه الأسباب ولغيرها لابد من الجمع بين منهج أهل الحديث ، وما ذكره ابن خلدون من عدم مخالفة الخبر لسنن الاجتماع ، أو عدم مخالفته للعقل الصريح ، مع الاستفادة أيضاً من مناهج النقد الحديثة عند دارسي التاريخ ، مما يتفق والأصول العامة للإسلام .
وسنعرض لنموذجين من تحليل الحديث التاريخي ، ونقد الخبر ، وعرضه على منهج قواعد علم الاجتماع .
أولا : ناقش ابن تيميه الذين يطعنون في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان - رضى الله عنهم - ويقولون : إن المسلمين خالفوا الوصية التي يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى بها لعلي بن أبي طالب -رضى الله عنه- .
قال : ( نقدر أن الأخبار المتنازع فيها لم تكن ، فنرجع إلى ما هو معلوم بالتواتر ، أو بالعقل والعادات ، أو ما دلت عليه النصوص المتفق عليها فنقول : من المتواتر أن أبا بكر لم يطلب الخلافة برغبة ولا برهبة ، فلا بذل فيها مالاً ولا شهر عليها سيفاً ، ولا كانت له عشيرة ضخمة ، بل ولا قال : بايعوني ، ومن تخلف عن بيعته لم يؤذه ، ولا أكرهه عليها ، كسعد بن عبادة ، فلما جاءه اليقين خرج منها أزهد مما دخل فيها ، لم يستأثر منها بشيء ولا آثر بها قرابة ، بل نظر إلى أفضلهم في نفسه (عمر بن الخطاب) فولاه عليهم فأطاعوه ففتح الأمصار ، وقهر الكفار ، وبسط العدل ، حتى خرج منها شهيداً لم يتلوث لهم بمال ، ولا ولى أحداً من أقاربه ولاية ، هذا أمر يعرفه من يعرف وينصف ، ثم بايعوا عثمان كلهم طوعاً منهم ، فسار وبنى على أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وكرم ولين ، ولكن لم تكن فيه قوة عمر ، ولا سياسته التي بهرت العقول ، فطمع فيه الناس بعض الطمع ، وتوسعوا في الدنيا ، وكثرت عليهم الأموال ، وتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا وضعف خوفهم من الله تعالى ، ومن ضعفه هو بالنسبة إلى كمال الذين سبقوه ، ما استحكم به الشر ، وحرك الفتنة ، حتى قتل مظلوماً .
فتولى عليٌّ -رضى الله عنه- والفتنة قائمة ولم تصف قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه الكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه أمره ، كما أشار عليه ولده الحسن ، ثم افترقت عليه الخوارج ، وقاتلوه - قاتلهم الله -فكان آخر الخلفاء الراشدين الذين ولايتهم خلافة النبوة .
طريق آخر : وهو أن يقال : دواعي المسلمين بعد موت نبيهم كانت متوجهة إلى اتباع الحق قطعاً ، وليس لهم ما يصرفهم عن الحق ، وهم قادرون على ذلك ، وإذا حصل الداعي إلى الحق وانتفى الصارف مع القدرة وجب الفعل .
فعلم أن المسلمين خير القرون بايعوا أبا بكر تديناً لا لرغبة ولا لرهبة ، فلو فعلوا بموجب الطبع لقدموا علياً أو العباس ، لشرف بني هاشم ، ولما قيل لأبي قحافة : إن ابنك ولي الخلافة ، قال : ورضيت بنو أمية وبنو هاشم وبنو مخزوم ؛ قالوا : نعم ، فعجب ، وقال :
«ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
طريق آخر : تواتر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال :
« خير هذه الأمة قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم « فخير الأمم ، بلا نزاع ، القرن الأول ، ومن تأمل حال المسلمين في القرن الثاني بالنسبة إلى الأول ، علم تباين ما بينهما ، فإن كان القرن الأول جحد حق الإمام المنصوص عليه ، ومنعوا عادلاً عالماً عناداً ودفعاً للحق ، فهؤلاء شر الخلق وهذه الأمة شر الأمم أخرجت للناس .
طريق آخر : عرف بالتواتر الذي لا يخفى أن أبا بكر وعمر وعثمان كان لهم بالنبي اختصاص عظيم وخلطة وصحبة ومصاهرة ، وما عرف عنه أنه كان يذمهم ، فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهراً وباطناً معه وبعده ، أو لا .
فالأول هو المطلوب ، والثاني إما أنه علم وداهنهم ، أو لم يعلم ، وأيهما قدر فهو من أعظم القدح في الرسول -عليه السلام- .
وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله لنبيه في خواص أمته ، ومن وُعد أنه يظهر دينه على الأديان كيف يكون أكابر خواصه مرتدة ؟ ! هذا من أعظم القدح في الرسول والطعن فيه) [4] وبنفس هذه الروح من مناقشة الروايات يرد ابن تيميه على من يقول : إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان سيولي بعده سالماً مولى أبي حذيفة لو كان حياً ، ويترك تولية أحد من أهل الشورى يقول : ( فكيف يظن بعمر أنه يولي مولى ، بل من الممكن أنه كان يوليه ولاية جزئية ، أو يستشيره فيمن يولي ونحو ذلك من الأمور التي يصلح لها سالم مولى أبي حذيفة ، فإن سالماً كان من خيار الصحابة) [5] .
ثانياً - طبق ابن خلدون منهجه في نقد الخبر وهو : هل يثبت هذا الخبر أولاً إذا عرض على قواعد علم الاجتماع ، أو أنه يتناقض مع طبيعة العصر وطبيعة العلاقات الاجتماعية يومها ؛ وذكر أمثلة على منافاة الأخبار لطبيعة قواعد علم الاجتماع نذكر منها : أ- قصة العباسة أخت الرشيد قال : (ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة عن سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه ، وأنه لِكَلَفه [6] بمكانهما أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصاً على اجتماعهما في مجلسه ، وأن العباسة تحيلت على التماس الخلوة ، فحملت من جعفر ووشي بذلك للرشيد فاستغضب ...
ويتابع ابن خلدون نقده لهذا الخبر : (وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها ، وأبويها ، وجلالها ، وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربع رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده ، والعباسة بنت محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ترجمان القرآن ، ابنة خليفة ، أخت خليفة ، محفوفة بالملك العزيز ، قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة [7] الدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش ، وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على همته وعظم آبائه ؛ وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة ، واستنكاف الرشيد عن الحَجْر والأنفة .. ) [8] .
ب-كثيراً ما يقع المؤرخون في الوهم والغلط عندما يكون الخبر متعلقاً بالأرقام والإحصائيات ، كإحصاء الجيوش ، أو أموال الخراج ، وبعض الناس عندهم ولع بتضخيم الأرقام ، فيذكرون أشياء تصادم العقل والبديهيات ، وتصادم قانون النمو السكاني ، وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين قبله لوقوعهم في هذه الأغلاط ، واعتمد في نقده ، على علم الإحصاء ، وتكاثر السكان ضمن البيئة الجغرافية التي يعيشون فيها .
يقول : ( وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل ، وأن موسى -عليه السلام- أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها ، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون) .
يعلق ابن خلدون على هذه الرواية : (ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش ، ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل ، ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريباً منه ، وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرون ألفاً كلهم متبوع ، وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف ، وعن عائشة والزهري أن جموع رستم التي زحف بها لسعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا .
وأيضاً ، فالذي بين موسى وإسرائيل (يعقوب عليه السلام) إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون ، وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى -عليه السلام- إلى التيه مائتين وعشرين سنة ، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد « [9] .
لا شك أنها نظرة متقدمة جداً من ابن خلدون وهي اكتشافه لقانون التكاثر والنمو السكاني .
لقد كان الهدف الرئيسي عند ابن خلدون من كتابة المقدمة هو تخليص الروايات التاريخية من الخطأ والكذب ، ووضع القوانين التي تساعد المؤرخ على عدم الوقوع في الأخطاء ، ولذلك تكلم عن العمران البشري والقوانين التي تحكم سكونه وحركته .
ولكنه فوجئ بأنه أتى بعلم جديد هو بحد ذاته هدف ثمين .
ولكن رغم أهمية ما جاء به ابن خلدون لابد من التأكيد على أن منهج أهل الحديث في نقد الخبر هو من أعظم المناهج ، وإذا استطعنا الجمع بين هذا المنهج ومنهج النقد الاجتماعي والعقلي عند ابن خلدون وغيره من دارسي التاريخ -مع بعض التحفظات على هذه المناهج- فسوف نؤدي بعملنا هذا خدمة جليلة للتاريخ الإسلامي .
________________________
(1) المقدمة 1/328 ، ط 3 دار النهضة ، نشر د علي عبد الواحد وافي .
(2) ا لمقدمة 1/329 .
(3) المقدمة 1/330 .
(4) المنتقى من منهاج الاعتدال482 ، 485 .
(5) المصدر السابق368 .
(6) كلفتُ به : أحببته وأولعت به .
(7) بقصد بها الفطرة السليمة والوضع الطبيعي الذي لم تشبه شائبة ، والساذج : الصافى لم يختلط بغيره ، انظر : المقدمة 1/301 .
(8) المقدمة 1/300 .
(9) المقدمة 1/292 .
منقول