بسم الله الرحمن الرحيم
( خطبة عقوق الوالدين )
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم
وبعد عباد الله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنا إلا وانتم مسلمين
قال تعالى ** ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنا إلا وأنتم مسلمون }
وقال ** يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما }
أما بعد :
عباد الله سو فا تكون خطبتنا أنشاء الله عن عقوق الوالدين قال تعالى ** فلا تقل لهما أفِ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً }
معنى العقوق قال ابن الأثير رحميه الله ( وأصل العق : الشق والقطع , وقيل للذبيحة عقيقة لأنه يشق حلقها , يقال عق والده يعقه عقوقاً فهو عاق وإذا عصاه وخرج عليه وهو ضد البر به )
والعقوق : قطيعة الوالدين وكل ذي رحم محرم يقال عق أباه فهو يعقه عقا وعقوقاً .
حكم عقوق الوالدين : من القرآن قال تعالى ** فهل عسيتم إن توليتم أن ت فسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم }
يعني الرب تبارك وتعالى أنكم إذا توليتم وأفسدتم في الأرض وقطعتم الأرحام حقت عليكم اللعنة .
** وأعمى أبصارهم } والمراد بالأبصار هنا البصيرة وليست بصيره العين والمراد أن الله تعالى يعمي بصيرة الإنسان والعياذ بالله حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً .
وهذه عقوبة دنيوية وأخروية أما الأخروية فقوله تعالى ** أولئك الذين لعنهم الله } وأما الدنيوية فقوله ** فأصمهم } يعني أصم آذانهم من سماع الحق والانتفاع به والدليل من السنة أنه أكبر الكبائر حديث أبي بكره رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً قلت بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس ...." الحديث .
فالإشراك بالله كبيرة في حق الله وعقوق الوالدين كبيرة في حق من هو أحق الناس بالولاية والرعاية وهم الوالدين.
قال ابن حجر الهيثمي في كتابة الزواجر( الكبيرة الثانية بعد الثلاثمائة عقوق الوالدين أو أحدهما وإن علا ولو مع وجود أقرب منه ) ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ثم قال ( تنبيه عد العقوق من الكبائر هو ما اتفقوا عليه وظاهر الكلام أئمتنا بل صريحة أنه لا فرق بين الكافرين والمسلمين ).
للعقوق أسباب :
الوقفة الأولى مظاهر العقوق /
1.سب الوالدين أو التعرض لسبهما وهو من الكبائر :
فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من الكبائر شتم الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمة " فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرض لسب والديه قد فعل كبيره فكيف بمن سبهما مباشرة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( إذا شتم الرجل أباه أو اعتدى عليه فإنه يجب أن يعاقب عقوبة بليغة ترد عليه وأمثاله عن مثل ذلك )
2.إبكاؤهما وتحزينهما بالقول أو الفعل وغير ذلك .
فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه فقال إني جئت أبايعك على الهجرة ولقد تركت أبوي يبكيان قال " ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما "
3.إدخال المنكرات أو مزاولتهما أما مهم .
مثل ترك الصلاة عمداً وشرب الخمر واستماع آلات اللهو ووجه كونه من العقوق أنه إما يسخطا عليه ويؤذيهما والله نهى عن قوله ( أف ) وهذا أكبر منه .
4.إهمالهما وعدم النفقة عليهما مع حاجتهما إلى النفقة .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل عجز عن الكسب ولا له شيء وله زوجه وأولاد فهل يجوز لولده الموسر أن ينفق عليه وعلى زوجته وإخوته الصغار ؟
فاجاب رحمه الله قائلاً ( الحمد لله رب العالمين نعم على الولد الموسر أن ينفق على أبوية وزوجه أبية وعلى أخوته الصغار وإن لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبية قاطعاً لرحمه مستحقاً لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة )
5.تقديم الزوجة على الوالدين .
وهذا من العقوق وقد انتشرت في هذا الزمان أن الزوجة هي المقدمة والمدللة حتى وإن أمرته بإخراجهما من البيت والذهاب بهما إلى دار العجزة والمسنين أو إلى غرفة خارج البيت .
6.عدم زيارتهم والسؤال عنهما .
بل ربما يُمضي الشهور الكثيرة ولا يزورهما ولا يعلم أخبارهم .
7.من العقوق احتقار الأبوين والتنزيل من شأنهما أمام الآخرين .
8.ترك الدعاء لهما والترحم عليهما .
إلى غير ذلك من مظاهر العقوق .
الوقفة الثانية أسباب العقوق /
1.الجهل .
2.سوء التربية .
3.مخالفة الآباء الآداب الشرعية .
4.الصحبة السيئة للأولاد .
5.عقوق الوالدين لوالديهم .
وذلك من جهتين :
أ.أن الأولاد يقتدون بآبائهم في العقوق .
ب.أن الجزاء من جنس العمل .
6.قلة تقوى الله عز وجل في حال الطلاق .
7.عدم العدل بين الأولاد .
8.إيثار الرحلة والدعة .
9.ضيق الصدر .
10.قله الإعانة على البر.
11.سوء خلق الزوجين .
12.قله الإحساس بمصائب الوالدين .
الوقفة الثالثة آثار عقوق الوالدين /
1.تعجيل العقوبة للعاق روى الحاكم عن أبي بكره رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من قطيعة الرحم ولكذب والخيانة "
وفيه عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله عليه وسلم " بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا البغي والعقوق "
2.سخط الله على العاق روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال " رضاء الرب من رضاء الوالد وسخط الرب من سخط الوالد "
3.اللعن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ملعون من سب أباه ملعون من سب أمة ملعون من ذبح لغير الله "
4.لا يدخل الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمترجلة والديوث وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطي "
5.إرغام الأنف والدعاء عليه بالبعد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رغم أنف ثم رغم أنف قيل من يا رسول الله قال من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة "
6.لا يقبل الله منه صرافاً ولا عدلاً لما رواه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ثلاثة لا يقبل الله منهم يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً عاق ومنان ومكذب بالقدر "
7.حرمان العاق الدعاء والديه له ورضاهما عنه .
8.في الغالب يبتلى العاق بمن يعقه .
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما نقول ونسمع استغفر الله لي ولكم فستغفروه أنه هو الغفور الرحيم .

( الخطبة الثانية )
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أما بعد :
الوقفة الربعة /
إثم من ادعى لغير أبية وهو يعلم .
روى ابن ماجه رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعظم الناس فرية اثنان شاعر يهجو قبيلة بأسرها ورجل انتفى من أبية"
وفي البخاري عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبية "
وعن أبي عثمان عن سعد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من ادعى إلى غير أبية وهو يعلم أنه غير أبية فالجنة عليه حرام " قال فذكرته لأبي بكره فقال وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبية فهو كفر "
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس من رجل أدعى لغير أبية وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى لغير قوماً ليس له فيهم فليتبوا مقعده من النار "
انتهى ........... ماجد بن ناصر 19/12/1428هـ