تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي ... فوائد وتوصيات



تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي
( فوائد وتوصيات من الشيخ محمد أحمد لوح )




الشيخ محمد أحمد لوح


ما أنقله لكم عبارة عن ( خاتمة أهم نتائج البحث ) التي توصل لها الشيخ محمد احمد لوح في كتابه الرائع (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي عرض وتحليل على ضوء الكتاب والسنة ) فقال :

بعد حمد الله تعالى وشكره على توفيقه إياي لإتمام هذا البحث أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها مذيلاً إياها بما بدا لي من توصيات، وذلك في النقاط التالية:

الأولى: بالنظر إلى التصوف كمادة سلوكية يظهر أنه خليط من الأديان والفلسفات ونتائج أفكار الأمم البائدة، وبالنظر إلى رجاله الأوائل ندرك أنهم – نظراً لانتشار العلم في وقتهم – قد تمسكوا بالكتاب والسنة إلى حد لم يصل غليه من جاء بعدهم من المتصوفة. ومع ذلك نجد أنهم تأثروا بالثروة الثقافية الأجنبية المقتبسة من تلك الفلسفات تأثراً لم يسمح لهم بأن يطبقوا الكتاب والسنة في كل ما يعتقدون ويقومون به من أعمال.

يضاف إلى ذلك أن تغليب جانب العبادة عندهم أدى في كثير من الأوقات إلى عدم الاهتمام بالعلم، كما وصفهم به كبار النقاد كابن الجوزي. وهذا البعد عن العلم مع الحرص على العبادة أدى بهم إلى ابتداع شعائر وطقوس هي عمدة من جاء بعدهم من أهل التصوف.

وعلى هذا نستطيع أن نقرر بكل اطمئنان أنه لم يوجد قط صوفي طبق التعاليم الصوفية إلا وعنده انحرافات فكرية وعقدية ظهرت في عباداته وسلوكه، فإذا وجد على مدار التاريخ شخص أطلق عليه اسم (الصوفي) وخلت حياته الفكرية والعملية مما ذكرت فالتسمية خاطئة. ودعوى تطبيقه لتعاليم الصوفية غير صادقة.

الثانية: أن الزهد الذي حث عليه الإسلام وعرفه السلف الصالح ليس هو الزهد الصوفي، وليس هو النواة الأولى لنشأة التصوف كما يدعي بعض الباحثين ولا علاقة له به كما يزعمون. فالتصوف – منذ نشأ إلى اليوم – شيء، والزهد الإسلامي شيء آخر يغايرة مغايرة كاملة.

الثالثة: أن الحدود والتعريفات التي ضبط بها كبار الصوفية المتقدمون معاني (الزهد) و (التصوف) و (الولي) و (القطب) تمثل العمود الفقري لجميع معتقداتهم في قدرات الشخصيات المقدسة عند الصوفية.

وأرى أن الاهتمام بهذا الجانب يعد من أقرب السبل إلى معرفة عقائد المتقدمين منهم، وكشف مدى توغلهم في الانحرافات الفكرية والمنهجية، وفي ذلك ما يوصد الباب أمام أولئك الذين يريدون تبرئة المتقدمين من أهل التصوف من الوقوع في انحرافات متأخريهم. ولم أجد أحداً من الباحثين أعطى هذا الجانب أهمية تذكر، فآمل أن يقف قارئ هذا البحث على ما يؤكد له ذلك.

الرابعة: عمدت الصوفية إلى تقسيم الدين الإسلامي إلى شريعة، وحقيقة صوفية، وزعمت أن نصوص الشريعة لها ظاهر وباطن، وأن ظاهرها المتبادر إلى العقول والأذهان إنما هو للعوام والجمهور، وأما التفسير الباطني الذي هو لب الدين ومقصد الشارع الأساسي فلا يدركه إلا أولياء التصوف وأقطابه (العارفون الواصلون) ويعنون بهم أولئك الذين سقطوا في أوحال الحلول، أو في مستنقعات الاتحاد والوحدة.

وبهذا التقسيم تمكنوا من إقناع الجماهير بأن القيود والتكاليف الشرعية إنما هي للعوام، وأما أهل الحقيقة – وهم المقدسون عندهم – فلهم أن يخرجوا عن الشريعة ولا يسوغ لأحد أن ينكر عليهم.

وعلى هذا أستطيع أن أقول: إن الحركة الصوفية تستهدف إلى نقض عرى العقيدة الإسلامية الصحيحة عروة عروة، وتحاول أن تهدم جدار الشريعة المنيع. وتستقطب الصوفية في ذلك كل الأفكار والمبادئ والوسائل التي تساعدهم على تحقيق ذلك.

الخامسة: أن قارئ تراث الفكر الصوفي المدون في مختلف العصور إذا أمعن النظر في تصور الصوفية (للولي) و (القطب) و (الشيخ الصوفي) يخرج بنتيجة تؤكد أن هؤلاء لم يتركوا شيئا مما يستحقه المولى عز وجل من الصفات وأنواع العبادات إلا ووصفوا بها أولئك (المقدسين) وتوجهوا بتلك العبادات إليهم، وتؤكد أن فرقة الصوفية من أجهل الطوائف بحقوق الله على خلقه. وهذا البحث شاهد من شواهد هذه الحقيقة.

السادسة: عُلم بالاستقراء أنه ليس هناك صوفي أقر له كبار الصوفية بأنه من أهل الفتح والعرفان إلا ونجد في فكره – إن كان له فكر مدون – ما يدل دلالة واضحة على كونه من أهل الحلول أو الاتحاد، إن لم يكن موغلاً في الوحدة المطلقة، كما علم بتتبع فكرهم أن كبار الصوفية إذا أطلقوا كلمة (التوحيد) و (المعرفة) إنما يقصدون بها وحدة الوجود. وهذا هو ما يفسر حرصهم على كتمان توحيدهم غاية الكتمان، ولا يظهرونه إلا عند أخص أصحابهم.

السابعة: أن الصوفية بنشرهم عقيدة الحلول قدموا للصليبيين أهل التثليث خدمات جليلة ما كانوا يحلمون بها، ووضعوا في طريق إفحام أهل التثليث أسلاكاً شائكة: فإذا قيل لهم – مثلاً -: أنتم تتناقضون بقولكم إن الثلاثة واحد. أجابوا بأن في المسلمين من يقول بمثله وهم الحلوليون. وهذا الأمر هو السر وراء اتجاه المستشرقين الصليبيين إلى نبش التراث الصوفي الحلولي وتحقيقه وطباعته منذ وقت طويل.

الثامنة: تأكد لنا من خلال هذا البحث أن من أعد نفسه لاعتقاد كل ما ينشر في الفكر الصوفي فسوف يجد نفسه محاطاً بعدد لا يحصى من الأرباب والآلهة كل يدعو إلى نفسه بأساليب مختلفة ومناهج ملتوية، وفي ذلك من أسباب الحيرة والدهشة والشقاوة ما لا يزول إلا بالعودة الصادقة الجادة إلى الاعتصام بالكتاب السنة عقيدة وعملاً وسوكاً.

التاسعة: لقد تحقق لي خلال هذا البحث العثور على فوائد عظيمة من فقه السلف في العقيدة والعبادة، كما تحقق لي بعض الاكتشافات العلمية، ولعل من أهمها اكتشاف مؤلف كتاب (النور من كلمات أبي طيفور) الذي حققه المحقق الكبير د. عبد الرحمن بدوي بمساعدة أستاذه المستشرق البحاثة (ماسنيون) ولم يستطع أحد منهما أن يعرف مؤلف الكتاب، فرجح المحقق أنه لمؤلف مجهول.

فوقفت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على التصريح بأن الكتاب المذكور ألفه أبو الفضل الفلكي، ولله الحمد والسنة.

التوصيات
1- عمدت الصوفية – منذ وقت مبكر – إلى تدوين معتقداتها ومناهجها في تربية المريدين على تقديس الأشخاص وعبادتهم في دواوين ضخمة.

وفي العصر الحديث بادروا – ومعهم إخوانهم من المستشرقين الصليبيين – إلى تحقيق ونشر جل المصنفات الصوفية المليئة بالخرافات والضلالات، فصارت تتداول في معظم بقاع العالم الإسلامي وغيره على نحو من اليسر والسهولة لم يتح لكتب السنن والآثار التي تحمل في طياتها التفسير النبوي للإسلام.

وباتت المطالبة بإتلاف تلك الكتب وإعدامها من المكتبات العامة والخاصة ومن الأسواق لا تعدو كونها ضرباً من الخيال.

فأرى أن من الضروري – إذا شئنا مكافحة هذا الفكر – تشجيع العلماء وتوجيه طلاب الدراسات العليا إلى تقديم بحوث ودراسات جادة تناقش آراء جميع الفرق الضالة وتبين زيف معتقداتها ومناهجها بالحجة والبرهان. وينتظر من الجامعات الإسلامية، والمؤسسات الدعوية أن تلعب في هذا دوراً أكبر مما هو مشاهد الآن.

2- أن الصوفية عندهم من المقدرة الهائلة على تحريف النصوص الشرعية، وليها وفقاً لمعتقداتهم ما هو كفيل بإضلال طائفة كبيرة من المسلمين العاديين الذين لم يسبق لهم التفقه من الكتاب والسنة، وبناء عقائدهم وعباداتهم عليهما، والذين لم يرزقوا من التوفيق ما يحول بينهم وبين الانصياع وراء الشبهات والاغترار بها، ومن الإنصاف ما يمنعهم من التعصب لرجال غير معصومين أفضوا إلى ما قدموا.

فأرى أن من النصح أن يوجه طلبة العلم الشرعي – أولاً – إلى معرفة منهج السلف الصالح في العقيدة والعبادة، وفي مواجهة المبتدعة والملحدين. ثم يوجهوا – ثانياً – إلى دراسة معتقدات الفرق الضالة. وليكن التركيز على أخطر الشبهات وأشبهها بالأدلة عرضاً، ومناقشة، وتفنيداً.

أما أن يتوجه الدارس المبتدئ إلى كتب البدع والضلال ويدمن قراءتها، فذلك هو البلاء المبين، والداء العضال الذي تجب وقاية شباب المسلمين منه، أشد من وقايتهم من أي مرض آخر.

وهذه الوقاية تعد من أحق حقوق الناشئ على الأولياء والمربين بوجه خاص، ومن أوجب واجبات حكام المسلمين تجاه شعوبهم.

3- مع كثرة الباحثين عن أسباب تخلف كثير من بلدان المسلمين، وعن أسباب الأزمات الاقتصادية الحادة التي تمر بها أغلب هذه البلدان، ورغم كثرة المحللين والباحثين عن سبل النهوض بشعوب هذه البلدان نحو تنمية اقتصادية تليق بكل أمة ذات رسالة، فإني لم أجد أحداً منهم عزا شيئاً من ذلك إلى ما عليه هذه الشعوب من انحرافات عقدية. لكني على يقين تام – طبقاً لبراهين كثيرة قوية – بأن تأثير الانحراف العقدي في هذا التخلف أكثر من تأثير أي مؤثر آخر. فلعل دراسة جادة تقوم ببيان العلاقة بين الانحراف العقدي والتخلف الاقتصادي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
.