بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده

أما بعد

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية :( و مِن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم مما يكون بعد الموت ، فيُؤمنون بفتنة القبر ، و بِعذاب القبر و بِنَعيمه فأما الفتنة فإنّ الناس يُفتنون في قبورهم ) .


المطلوب


1- ما المُراد بـ فتنة القبر ؟ اذكر دليلاً على هذه الفتنة .

2- إن للروح تَعلُّقات بالبدن. اذكرها .

3- اذكر الأدلة على عذاب القبر و نعيمه .


الجواب


إنّ الإيمان بعذاب القبر و نعيمه داخل في الإيمان باليوم الاخر ، الذي يُعتبر أصلاً من أصول أهل السنة و الجماعة ، فالإنسان بعد موته يَدخل في عالَم البرزخ ( و هو الحاجز بين شيئين ) ، و هو عالَم غيبي لا يَعلم حقيقته إلا الله يَجِبُ الإيمان به ، يَفْصل بين القيامة الصغرى و القيامة الكبرى ، وَرد ذكره في القرآن الكريم ، قال جل و علا :( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {100}) المؤمنون ، و أهل السنة مُجْمِعون على أنّ الإنسان إذا مات؛ يكون في قبره إما في نعيم و إما في جحيم ، و أنّ ذلك يَحصل لروحه و بدنه ، فالروح تبقى بعد مُفارقة البدن مُنعّمة أو مُعذّبة و الجسد تَبَعٌ لها.

فتنة القبر : هي سؤال الملكيْن للميت عن ربه و دينه و نبِيّه ، و الأدلة على فتنة القبر عديدة منها : حديث البراء بن عازب ، و قول النبي صلى الله عليه و سلم ( إنه أُوحِيَ إليَّ أَنّكم تُفْتنون في قبوركم مثل فتنة الدجال ) متفق عليه .


تَعلُّقات الروح بالبدن


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( و مذهب الصحابة و التابعين لهم بإحسان و سائر سلف الأمة و أئمة السنة : أنّ الروح عيْن قائمة بنفسها ؛ تُفارق البدن ، و تُنَعّم و تُعَذّبُ ، ليست هي البدن ، و لا جزء من أجزائه ، ولما كان الإمام أحمد رحمه الله ممن نصّ على ذلك كما نصّ عليه غيره من الأئمة ؛ لم يختلف أصحابه في ذلك ) الإرشاد إلى صحيح الإعتقاد 296 .

قال الشيخ الفوزان حفظه الله : ( وللروح بالبدن تعلقات مختلفة إليك بيانها ، للروح بالبدن خمسة انواع من التعلق متغايرة الأحكام :

أحدها : تعلُقُها به في بطن الأم جنيناً .

الثاني : تعلُقُها به بعد خروجه إلى وجه الأرض .

الثالث : تعلُقُها به حال النوم ؛ فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه .

الرابع : تعلُقُها به في البرزخ ؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه ؛ فإنها لم تفارقه فراق كلياً بحيث لا يبقى إليه إلتِفاتٌ البتة؛ فقد دلت الأحاديث على ردها إليه عند سؤال الملكين وعند سلام المسلم ، وهذا الرد إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة .

الخامس : تعلُقُها به يوم يبعث الأجساد ، وهو أكمل تعلقاتها بالبدن....) الإرشاد إلى صحيح الإعتقاد 311 .


الأدلة على عذاب القبر و نعيمه


قال جل وعلا : ( ... وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر 45 46 .

عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ، فقال : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير : أما أحدهما ؛ فكان لا يستبرئ من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) . ثم دعى بجريدة فشقها نصفين ثم قال : ( لعله يُخفَّفُ عنهما ما لم ييبسا ) متفق عليه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليتعوّذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم .

عن أبي أيوب قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجِبت الشمس فسمع صوتاً ، فقال : ( يهود تعذب في قبورها ) متفق عليه .

عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت عليّ عجوزٌ من عجائز يهود المدينة ، فقالت : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، قالت عائشة : فكذبتها ، ولم أنعم أن أصدقها . فخرجتْ ودخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يارسول الله إن عجوزاً من عجائز يهود أهل المدينة دخلتْ فزعمتْ أن أهل القبور يعذبون في قبورهم ؟ قال : ( صدقتْ ؛ إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها ) . قالت : ( فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر ) متفق عليه .


تنبيه هام


قال الشيخ الفوزان حفظه الله : ( وعذاب القبر وسؤاله ينالان كل من مات ولو لم يدفن ؛ فهو اسم لعذاب البرزخ ونعيمه ، وهو ما بين الدنيا والآخرة قال تعالى : ( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) المؤمنون: 100 ، وسُمّيَ عذاب القبر بإعتبار الغالب ؛ فالمصلوب والمُحرق والمُغرق وأكيلُ السباع والطيور ، له من عذاب البرزخ ونعيمه قِسطُهُ الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتِهما ...) الإرشاد إلى صحيح الإعتقاد 315 .

و أرجو مراجعة كتاب الشيخ الفوزان المذكور آنفاً - لأني اعتمدت عليه في كتابة الموضوع - و كذلك شرح العقيدة الواسطية له و للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى


و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته