شيخ كبير طاعن في السن يبكي، أجهش بالبكاء حتى أبكى من حوله، هو يعلم أن دموعه غالية ثمينة، ولكنه قهر الرجال، لقد هُدم منزل يقطنه منذ نعومة أظفاره، لا يبكيه هدم منزل ولكن شعوره بالعجز عن الانتقام ممن هدمه، لا تبكي يا والدي فعبراتك الثمينة الغالية التي انهمرت على خديك لن تؤثر فينا، لم يبقى لنا من النخوة والرجولة ما يجعلنا نبكي لبكائك أو نتأثر بعبراتك، لقد أصابنا التبلد يا والدي فلم نعد نُقدر أو نفهم معنى بكاء الرجال الشرفاء، قل لعبراتك القادمة تعود من حيث أتت فليس هناك معتصم ولا صلاح الدين، اعلم يا والدي أن دموع الرجال لا يفهمها إلا الرجال ونحن في زمن قد قل فيه الرجال، إنك يا والدي تعيش في زمن لا يعترف إلا بمنطق القوة، ليس هناك مكان للضعفاء أمثالنا، نعم يا والدي إنها الحقيقية نحن ضعاف، بالرغم من عددنا الهائل، إلا أننا كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم غثاء كغثاء السيل.

طفل اخترقت جسده رصاصة، إنك يا بني إرهابي تمثل خطرا على الأمن الإسرائيلي الأمريكي، رصدوا حركاتك بكل دقة، وأنت تلعب، وأنت تشرب الحليب، وأنت تنام، وأنت ذاهب إلى المدرسة، وأنت عائد منها، حتى اختاروا أن ينهوا حياتك برصاصة غادرة في أكثر الأيام فرحة في حياتك، في يوم استلام شهادة نجاحك، شهادة تفوقك، وأنت تركض منطلقا إلى بيتك، إلى أمك، التي تنتظرك على أحر من الجمر، وصلت إليها يا صغيري، وصلت إليها يا حبيبي، ولكنك وصلت جثة هامدة، استلمت أمك شهادتك ولكنها كانت ملطخة بدمك الشريف الطاهر، لا تخف علينا يا بني من بعدك، فلن نتأثر بمنظرك محمولا على الأعناق إلى قبرك، لن نطالب بدمك، لقد ألفنا هذه المناظر، فلم تعد تحركنا، نم قرير العين يا بني فالقبر خير لك من ذل نعيشه، إنا يا صغيري نعيش في زمن بطن الأرض لنا فيه خير من ظهرها.

أم تودع ولدها الذي سيقوم بعملية استشهادية، ما هذا الإيمان يا أمي؟! أأنت حقا تعيشين في عصر أنا أعيش فيه؟! أهان عليك ابنك أم ماذا؟! لماذا فعلتي هذا؟!، استقبلت جثمانه بعد استشهاده، أطلقت الزغاريد، استقبلت المهنئين، قبلته بفرحة كبيرة قائلة " لا تظن يا بني أني لا أحبك ولكني أحب الله أكثر"، إنك يا أمي قد تنتمين جسدا لهذا الزمان، أما إيمانا فلا أظنك إلا من عصور قرأنا عنها في التاريخ فقط، تاريخ عطر كنا نحسبه لا يعود، فجسدته أمامنا، لقد أحرجتنا أمام أنفسنا يا أمي، تعالي يا أمي يا من لا تجيدين القراءة والكتابة وأعطنا دروسا مجانية في العقيدة والتوحيد، دروسا لنا نحن معاشر المتعلمين، إنا في أمس الحاجة إليها، إنها دروس نقرأها كلمات، نسمعها جملا، أما تطبيقا فلا، لسنا بشجاعتك يا أمي، حتى نطبق توحيد درسناه، أو عقيدة تعلمناها، إنك لا تحفظين القران ولا صحيح البخاري ومسلم!! ولكن امتلئ قلبك بحب الله ورسوله ودينه فكانت تلك المواقف البطولية.

جثة استشهادية شابة تقطعت إربا بعد أن قامت بعملية بطولية في أرض العدو، أن تزفك الملائكة إلى جنات النعيم خير لك من زفاف الدنيا، نامي قريرة العين أخيتي فقد سبقك ما لم نجده من جسدكِ إلى جنات الخلد التي وعد الله عباده الصالحين، نامي سعيدة هانئة بعد أن خذلناكِ وتركناكِ لأنجاس اليهود يسمونكِ سوء العذاب، نامي أخيتي فمثلك طاهرة حرة لا تطيق العيش في دنيا يعيش فيها أذلاء أمثالنا، نخوتكِ ترفض، شهامتكِ ترفض، شجاعتكِ ترفض، ذلا ألفناه، حتى صرنا ندرسه لأولادنا، أصبح من ثقافتنا، من أدبنا، نامي حرة أبية فقد سجلكِ التاريخ في أنصع صفحاته بحروف من ذهب، وأرسلنا إلى مزابله، كم انطلقت منكِ "واااا معتصماه" وقد لامست مسامعنا أخيتي ولكنها لم تلامس نخوة المعتصم، فلنا مسامع وله مسامع، ولكنها النخوة هي من أخلف ردة فعلنا عن ردة فعلة.

غزة، أتحسبين أن لا هم لنا إلا أنتي وما يفعله اليهود بكِ؟! إن كان هذا ظنكِ فيؤسفني أن أخبركِ أنكِ مخطئة! اعلمي أن لدينا هذه الأيام ما يشغلنا عنكِ، هناك حدث لا يتكرر إلا كل أربعة أعوام مرة، أما أنتي فموجودة على الدوام، وأحداثك مستمرة طوال العام، أيرضيكِ أن نلتهي بكِ عن أحداث كأس العالم!! اعلمي أن امتلاء سماءك بالطائرات، وحصاركِ بالدبابات، وتحويل ليلكِ إلى نهار بفعل القاذفات، وترويع وتجويع الأطفال فيكِ والمحصنات، أمر قد ألقينا فيه اللوم على الحكومات ثم لذنا إلى الملذات، واكتفينا بهذا القدر من المسؤوليات، لماذا لا تميلين إلى السلام وتريحين وتستريحين؟! لماذا لا ترضين بما يريده اليهود لكِ وتخلدين إلى سبات عميق مستريحة البال؟! لماذا لا تركنين إلى السلام؟! أعندكِ شك بما يريده لكِ اليهود؟! ثم لماذا انتخبتِ حركة حماس وأنتي تعلمين أنها حركة ليست على وئام مع أبناء عمومتنا من اليهود؟! وما هذا الحصار والتجويع الذي تعيشينه إلا نتيجة لهذا القرار المتهور بانتخاب حماس!!

حماس، لماذا التهور والقيام بعملية جهادية نوعية اعترف الجيش الصهيوني ببراعتها ودقتها حتى أنها أرقت عيون قادتهم؟! لقد مرغتِ أنف هذا الجيش الذي لا يقهر ـ كما يقولون ـ في التراب، حتى أنه خرج بكل قوته كي يثأر لكرامته ويستعيد هيبته، فحاصر قطاعا أعزل، وأخذت طائراته الأكثر تطورا وفتكا في العالم تجوب سماء صافية خلت من كل مضادات أرضية أو جوية، متذرعين بحجة الجندي المخطوف، وأنهم يفعلون ذلك من أجل إنقاذه، أرأيتم الحجة الداحضة؟! وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل تعدى وخرج إلى خارج حدود فلسطين، إلى سوريا، حيث يسكن بعض قياداتك، حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق منزل بشار الأسد، وكأنها تريد القول اضغط على قيادات حماس من أجل إطلاق الجندي وإلا ستكون حياتك في المرة القادمة هي الثمن، أرأيتم كبر ما اقترفتموه من ذنب تمرغون أنف جيشهم في التراب وتخطفون جنديا من جنودهم؟!

عذرا يا قدس، عذرا يا مسجد الصخرة، عذرا يا حائط البراق، عذرا يا مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، عذرا يا أولى القبلتين، عذرا يا من لا تشد الرحال إلا إليك أو إلى المسجد الحرام أو إلى المسجد النبوي، عذرا يا من نزل به قران نقرأه إلى يوم القيامة (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ))، عذرا فأنت أشرف من أن يدافع عنك أمثالنا، إنك أشرف من أن يدافع عنك جمهور نانسي عجرم وباسكال مشعلاني، إنك أشرف من أن يحررك من يتراقص على نغمات الساقطين، عذرا سيدي الشهيد أحمد ياسين، عذرا سيدي الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، عذرا سيدي الشهيد صلاح شحادة، عذرا سيدي الشهيد فتحي الشقاقي، عذرا أسيادي الشهداء جميعا، فدمائكم أشرف وأطهر وأنقى من أن يثأر لها المتخاذلون الذين ألفوا الذل واتباع الشهوات أمثالنا، عذرا فمن قال الله عز وجل فيهم (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )) أكبر قدرا من أن يكتب عنهم رهيب الكاسر.