المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانتصار لوالدي النبي المختار عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام


 


joshkof
08 04 2011, 06:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله


هل أبوي النبي صلى الله عليه وسلم مشركين؟
هناك من يقول : إن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين، وهما في النار، فهل هذا الكلام صحيح ؟

سبق أن بينا أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات، وتكلمنا عن مكانة هذه المحبة، وكان ذلك في إجابة السؤال رقم 34، ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»([1]).
ولا شك أن الحب يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شك كذلك أن الحديث بسوء عن أبويه صلى الله عليه وسلم يؤذيه ،وقد قال تعالى : ** وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }([2])،وقال : ** إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً }([3])، ولقد نهانا الله صراحة عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشابهة اليهود - لعنهم الله- في ذلك، فقال تعالى : ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }([4])، قال القاضي : «فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا صلى الله عليه وسلم ولا نتجرأ على مقامه الشريف ونؤذيه صلى الله عليه وسلم بالكلام بما لا يرضيه صلى الله عليه وسلم» .
واعلم أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأجداده إن ثبت وقوع بعضهم فيما يظهر أنه شرك فإنهم غير مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسَل إليهم رسول، فأهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من وقع في شرك وبدل شرائع التوحيد في الفترة ما بين النبي والنبي لا يعذب، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها قوله تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }([5])، وقوله سبحانه : ** ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ }([6])، وقوله تعالى : ** وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }([7])، وقوله عز وجل : رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }([8])، فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غير محجوجين برحمة الله وفضله.
هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهل الحق أهل السنة والجماعة، أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا، وقد يقول قائل لعل أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم نذير، وهم أشركوا بعد بلوغ الحجة، فهذا لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه، وتؤكد عكس ذلك، قال تعالى : ** وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ }([9])، وقال سبحانه : ** لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }([10])، وقال عز وجل : ** وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }([11]).
فدلت النصوص السابقة على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم غير معذبين، لا لأنهما أبويه صلى الله عليه وسلم؛ بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين، قال الشاطبي: «جرت سنته سبحانه فيخلقه : أنه لايؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل ، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمنشاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله»([12])، وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }([13]) ما نصه : «وما صحَّ ، وما استقام منا، بلاستحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهمرسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر »([14]).
قال ابن تيمية : «إن الكتاب والسنة قد دلت على أنالله لايعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذِّبه رأسًا،ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجةالرسالية»([15]).
أما ما يدل على نجاة أبويه بخصوصهما دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة فهو قول الله تعالى : ** وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } ([16]) ،فعن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ }- قال : أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا([17]).
وعن هذا فعن واثلة بن الأسقع ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([18]). وعن عمه العباس رضي الله عنه ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا»([19]). فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، قال تعالى يصف المشركين : ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ }([20]).
أما ما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثين آحاد يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة، وهما حديثا مسلم : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»([21]). والثاني : أن رجلاً قال : يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: «في النار» . فلما قَفَّى دعاه. فقال : «إن أبي وأباك في النار»([22]).
فالرد عليهم كالتالي : أولاً : أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وسلم في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين وبرهم.
ثانيًا : أن الحديث الثاني يمكن حمله على أنه كان يقصد عمه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم، كما في قوله تعالى عن إبراهيم : ** وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً }([23])، وأبو إبراهيم هو تارح، أو تارخ كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين.
أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول : نزولاً على كلامكم وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلا على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم غير ناجيين، فإن ذلك يجعلنا أن نرد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون، وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال : «وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رد بأمور : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ»([24]).
ورد المحدثون كالبخاري والمديني حديث : « خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»([25])، وقد ردوه لأنه يعارض القرآن ،كما ذكر ذلك ابن كثير([26]) في تفسيره ؛لقوله تعالى : ** إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }([27])،وكذلك فعل الإمام النووي رضي الله عنه عندما رد ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها ؛حيث قالت : « فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر»([28])، ورغم أنه متفق عليه لم يتهاون الإمام النووي في رد ظاهره؛ حيث ذكر : «أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة، وإنما صلاة الحضر زائدة، وهذا مخالف لنص القرآن وإجماع المسلمين في تسميتها مقصورة، ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعًا وجب ترك ظاهره»([29]).
فليختر المخالف أيًّا من المسلكين إما التأويل وهو الأولى ؛لعدم رد النصوص .وإما رد هذه الأخبار الآحاد لمعارضتها للقطعي الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام . وعلى أية حال فلعله قد ثبت أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم رزقنا الله حبه، ومعرفة قدره صلى الله عليه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــ
([1]) أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 177، والبخاري في صحيحه، ج1 ص14.
([2]) التوبة : 61.
([3]) الإسراء : 57.
([4]) الأحزاب : 69.
([5]) الإسراء : 16.
([6]) الأنعام : 131.
([7]) الشعراء : 208.
([8]) النساء : 156.
([9]) سبأ : 44.
([10]) القصص : 46.
([11]) الموافقات، للشاطبي، ج3 ص 377.
([12]) القصص : 59.
([13]) الإسراء : 16.
([14]) محاسن التأويل، للقاسمي، ج10 ص 312.
([15]) مجموع الفتاوى، ج13 ص 493.
([16]) الشعراء : 219.
([17])تفسير الطبري، ج7 ص 287 ،وتفسير القرطبي، ج13 ص 144.
([18]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 107، ومسلم في صحيحه، ج4 ص 1782، واللفظ لأحمد.
([19]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 165، والترمذي في سننه، ج5 ص 584.
([20]) التوبة : 28.
([21]) أخرجه مسلم في صحيحه، ج2 ص 671.
([22]) المصدر السابق ، ج1 ص 191.
([23]) الأنعام : 74.
([24]) الفقيه والمتفقه، للبغدادي، ص 132.
([25]) أخرجه مسلم في صحيحه، ج4 ص 2149.
([26]) تفسير ابن كثير، ج2 ص 230.
([27]) الأعراف : 54.
([28]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص 137، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 478.
([29]) المجموع، للنووي، ج4 ص 222.

دار الإفتاء المصرية (http://www.dar-alifta.org/ViewBayan.aspx?ID=159&LangID=1#_ftn17)

رادع البدع
08 04 2011, 10:25 PM
لاحول ولاقوة الا بالله لقد رد عليك الأخ حفيد الصحابة وبين لك فلماذا تكتب الموضوع من جديد لماذا لاتكمل نقاشك مع الاخ . وهذ هو الموضوع ((ووالله ما أعلم قال بهذا القول الا الرافضة وإني أظنك رافضي))


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.







مرحباً بالزميل الفاضل joshkof.

نسأل الله لنا و لك الهداية و الهُدى و التقوى و التُّقى والرشد و الرشاد .


إقتباس:
اقتباس من مشاركة joshkof http://www.muslm.net/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.muslm.net/vb/showthread.php?p=2875080#post2875080)

هل أبوي النبي صلى الله عليه وسلم مشركين؟هناك من يقول : إن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين، وهما في النار، فهل هذا الكلام صحيح ؟
سبق أن بينا أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات، وتكلمنا عن مكانة هذه المحبة، وكان ذلك في إجابة السؤال رقم 34، ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»([1]).
ولا شك أن الحب يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شك كذلك أن الحديث بسوء عن أبويه صلى الله عليه وسلم يؤذيه ،وقد قال تعالى : ** وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }([2])،وقال : ** إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً }([3])، ولقد نهانا الله صراحة عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشابهة اليهود - لعنهم الله- في ذلك، فقال تعالى : ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }([4])، قال القاضي : «فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا صلى الله عليه وسلم ولا نتجرأ على مقامه الشريف ونؤذيه صلى الله عليه وسلم بالكلام بما لا يرضيه صلى الله عليه وسلم» .






كلام مُتفق عليه و لا غبار عليه .


إقتباس:
اقتباس من مشاركة joshkof http://www.muslm.net/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.muslm.net/vb/showthread.php?p=2875080#post2875080)
واعلم أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأجداده إن ثبت وقوع بعضهم فيما يظهر أنه شرك فإنهم غير مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسَل إليهم رسول، فأهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من وقع في شرك وبدل شرائع التوحيد في الفترة ما بين النبي والنبي لا يعذب، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها قوله تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }([5])، وقوله سبحانه : ** ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ }([6])، وقوله تعالى : ** وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }([7])، وقوله عز وجل : رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }([8])، فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غير محجوجين برحمة الله وفضله.
هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهل الحق أهل السنة والجماعة، أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا، وقد يقول قائل لعل أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم نذير، وهم أشركوا بعد بلوغ الحجة، فهذا لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه، وتؤكد عكس ذلك، قال تعالى : ** وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ }([9])، وقال سبحانه : ** لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }([10])، وقال عز وجل : ** وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }([11]).
فدلت النصوص السابقة على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم غير معذبين، لا لأنهما أبويه صلى الله عليه وسلم؛ بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين، قال الشاطبي: «جرت سنته سبحانه فيخلقه : أنه لايؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل ، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمنشاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله»([12])، وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }([13]) ما نصه : «وما صحَّ ، وما استقام منا، بلاستحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهمرسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر »([14]).
قال ابن تيمية : «إن الكتاب والسنة قد دلت على أنالله لايعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذِّبه رأسًا،ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجةالرسالية»([15]).
أما ما يدل على نجاة أبويه بخصوصهما دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة فهو قول الله تعالى : ** وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } ([16]) ،فعن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ }- قال : أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا([17]).
وعن هذا فعن واثلة بن الأسقع ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([18]). وعن عمه العباس رضي الله عنه ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا»([19]). فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، قال تعالى يصف المشركين : ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ }([20]).
أما ما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثين آحاد يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة، وهما حديثا مسلم : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»([21]). والثاني : أن رجلاً قال : يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: «في النار» . فلما قَفَّى دعاه. فقال : «إن أبي وأباك في النار»([22]).
فالرد عليهم كالتالي : أولاً : أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وسلم في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين وبرهم.
ثانيًا : أن الحديث الثاني يمكن حمله على أنه كان يقصد عمه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم، كما في قوله تعالى عن إبراهيم : ** وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً }([23])، وأبو إبراهيم هو تارح، أو تارخ كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين.
أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول : نزولاً على كلامكم وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلا على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم غير ناجيين، فإن ذلك يجعلنا أن نرد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون، وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال : «وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رد بأمور : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ»([24]).
ورد المحدثون كالبخاري والمديني حديث : « خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»([25])، وقد ردوه لأنه يعارض القرآن ،كما ذكر ذلك ابن كثير([26]) في تفسيره ؛لقوله تعالى : ** إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }([27])،وكذلك فعل الإمام النووي رضي الله عنه عندما رد ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها ؛حيث قالت : « فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر»([28])، ورغم أنه متفق عليه لم يتهاون الإمام النووي في رد ظاهره؛ حيث ذكر : «أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة، وإنما صلاة الحضر زائدة، وهذا مخالف لنص القرآن وإجماع المسلمين في تسميتها مقصورة، ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعًا وجب ترك ظاهره»([29]).
فليختر المخالف أيًّا من المسلكين إما التأويل وهو الأولى ؛لعدم رد النصوص .وإما رد هذه الأخبار الآحاد لمعارضتها للقطعي الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام . وعلى أية حال فلعله قد ثبت أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم رزقنا الله حبه، ومعرفة قدره صلى الله عليه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــ

رادع البدع
08 04 2011, 10:28 PM
كلام الاخ حفيد الصحابة :


أردّ عليك بكلام الشيخ بن باز رحمه الله.


والدي النبي هل هما من أهل الفترة؟


قال الله- تعالى في كتابه الكريم-: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا[الإسراء:15]، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول- صلى الله عليه وسلم-أخبر بأن والديه في النار، السؤال: ألم يكونا من أهل الفترة وأن القرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله.

أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون, وإنما قال الله-جل وعلا-: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً, فالله- جل وعلا- من كمال عدله لا يعذب أحداً إلا بعد بعث الرسول, فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة وأخبر-سبحانه-أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة, والحجة قد تقوم عليهم حتى يوم القيامة كما جاء في السنة, لما تقام الحجة على أهل الفترات ويمتحنون يوم القيامة, ومن أجاب وامتثل نجا, ومن عصى دخل النار, والنبي - صلى الله عليه وسلم-قال: (إن أبي وأباك في النار) لما سأله عن أبيه قال: (إن أباك في النار ، فلما رأى ما في وجهه من التغير قال: إني أبي وأباك في النار) حتى يتسلى بذلك وأنه ليس خاصاً بأبيه, ولعل هذين بلغتهما الحجة, لعل أبا الرجل وأبا النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلتهما الحجة, النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: (إن أبي وأباك في النار) إنما قاله عن علم-عليه الصلاة والسلام- وهو لا ينطق عن الهوى قال الله-سبحانه-: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى, وإنما قال ذلك عن علم عن الله-عز وجل- فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي ما قال-عليه الصلاة والسلام-, فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة كدين إبراهيم- عليه الصلاة والسلام-, فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمر بن لحي الخزاعي, وسرى في الناس ما أحدثه عمر من بث الأصنام ودعوتها من دون الله, فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل, وما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم فلهذا قامت عليه الحجة, وهكذا ما جاء في الحديث أنه-صلى الله عليه وسلم - استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له فاستأذن أن يزورها فأذن له فهو لم يؤذن له أن يستغفر لأمه ومن هذا الباب لعله أنه بلغها ما يقيم عليها الحجة, أو لأن هذا جاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا, فلا يدعى لهم, ولا يستغفر لهم؛ لأنهم في ظاهرهم الكفر ظاهرهم مع الكفرة, فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة, فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة؛ لأن الله-سبحانه-قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً, فإذا علم أن أناساً كانوا في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة, فإن أجابوا صاروا إلى الجنة, وإن عصوا صاروا إلى النار, وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة, والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم, والأطفال يمتحنون أطفال الكفار على الصحيح؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عنهم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين), فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة, فإن أجابوا جواباً صحيحاً نجوا وإلا صاروا مع الهالكين, فليس بحمد لله في حق أبوي النبي ليس في ذلك إشكال على من عرف السنة وقاعدة الشرع. بارك الله فيكم

http://www.binbaz.org.sa/mat/10388 (http://www.binbaz.org.sa/mat/10388)

رادع البدع
08 04 2011, 10:34 PM
قول الاخ الفاضل حفيد الصحابة :


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.



والدا النبي صلى الله عليه وسلم لم ينجوا من النار



السؤال

هل صحيح أن السيدة آمنة بنت وهب وجد الرسول عبد المطلب وعمه أبا طالب وأباه عبد المطلب في النار لأنهم ماتوا على غير دين التوحيد؟


الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فقد دلت السنة الصحيحة على أن أب ا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم من أهل النار والعياذ بالله تعالى، وذلك لأنه مات على الكفر، روى البخاري من حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمكِ فإنه كان يحوطك وي غضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الإسفل من النار. ، وانظر الفتوى رقم: 8306 وظاهر الأحاديث يُدل على أن آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم من أهل النار كذلك، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أزور قبرها فأذن لي. والحديث رواه كذلك النسائي وأبو داود. قال صاحب عون المعبود في شرحه لهذا الحديث قوله فلم يأذن لي: قال لأنها كانت كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز. انتهى. وقد جاء التصريح بأنها من أهل النار في ما رواه أحمد وصححه الألباني في ظلال الجنة عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله أين أمي، قال: أمك في النار، قال: قلت: فأين من مضى من أهلك، قال: أما ترضى أن تكون أمك مع أمي في النار. قال في عون المعبود: وقد بسط الك لام في عدم نجاة الوالدين العلامة إبراهيم الحلبي في رسالة مستقلة، والعلامة القارئ في شرح الفقه الأكبر ويشهد لصحة هذا الحديث ُ الصحيحُ وهو: إن أبي وأباك في النار. انتهى. ومن أهل العلم من قال إن الله تعالى أحيا أبوي النبي صلى الله عل يه وسلم له حتى آمنا به، كما نقل هذا الرملي عن القرطبي، وانظر الفتوى رقم: 1041 أما عبد المطلب فقد ورد ب شأنه حديث رواه أحمد والنسائي عن عبد الله بن عمر قال: بي نما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا تظن أنه عرفها، فلم ا توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ق ال لها: ما أخرجك من بيتك يا فاطمة، قالت: أتيت أهل هذا الميت فترحمت إليهم وعزيتهم بميتهم، قال: لعلك بلغت معهم الكدى، قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذك ر في ذلك ما تذكر، فقال لها: لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. وقد ضعف الحديث الألباني والأرناؤوط. وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الحديث على غير ظاهره وأنه مؤو ّل، قال السيوطي في شرحه للحديث: وأهل السنة يؤِّولون ما ورد في الحديث في أهل الكبائر أ نهم لا يدخلون الجنة، والمراد لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أولاً بغير ع ذاب، إلى أن قال: ويكون معنى الحديث لم تر الجنة حتى يأتي اليوم الذي يراها فيه جد أبيك فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك متأخرة عن روية غيرك من السابقين لها، هذا مدلول ا لحديث، لا دلالة له على قواعد أهل السنة غير ذلك، والذي سمعته من شيخنا المناويوقد سئل عن عبد المطلب فقال: هو من أهل الفترة الذين لم تبلغ لهم الدعوة وحكمهم في المذهب معروف.^^ ويرى ابن كثير أن الحديث على ظاهره، وحكم بالنار لعبد المطلب، قال في البداية بعد أن ساق الحديث المذكور: وإخباره صلى ا لله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأن هم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد عنه من عدة طرق متعددة أن أهل الفترة والأط فال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة. انتهى. ولعل ما ذهب إليه المناوي في اعتبار عبد المطلب من أهل الفترة أصح لأ ن الحديث الوارد بشأن أنه من أهل النار ضعيف لا يحتج به. والله أعلم.


المفتـــي: مركز الفتوى


رقـم الفتوى : 33117
تاريخ الفتوى : الجمعة 2 ربيع الآخر 1424 / 3-6-2003

http://www.islamweb.net/ver2/fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId〈=A&Id=33117 (http://www.islamweb.net/ver2/fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=33117)

رادع البدع
08 04 2011, 10:38 PM
كلام الأخ حفيد الصحابة :


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.



أهل الفترة وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم



السؤال

روي عن الرسول أن الله قد أحيا له أمه وأباه ودعاهم للإسلام فأسلما، فهل هذه الرواية صحيحة وإن كانت ليست صحيحة، فما واجبنا نحو من يرددها؟ وجزاكم الله عنا كل خير.


الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن الحديث المذكور ضعيف، فقد ضعفه غير واحد من أهل العلم بل ذهب بعضهم إلى أنه موضوع، ولهذا فلا يجوز الاعتماد عليه، وعلى من سمع من يردده أو يعتمد عليه أن ينبهه ويبين له ذلك بطريقة علمية هادئة، وأنه لا يجوز التحديث به إلا على وجه بيان أنه ضعيف جداً أو موضوع.

ومع هذا فإننا ننصح السائل الكريم وأمثاله من طلبة العلم بعدم الخوض في مسألة مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يجعلوا ذلك أكبر همهم أو يشغلوا به وقتهم، فهذه مسألة عويصة وشائكة ولا ينبني عليها عمل، وقد خاض فيها العلماء قديما واختلفوا فيها نتيجة لاختلاف الأدلة الواردة فيها.

ومن أجمل ما رأيناه فيما كتب عنها ما ذكره الشنقيطي في تفسير أضواء البيان عند تفسير قول الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15]، حيث قال: ظاهر الآية الكريمة أن الله -عز وجل- لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.

وقد أوضح الله عز وجل هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]، فصرح بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار.

وهذه الحجة بينها في سورة طه بقوله: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134]، وأشار لها في سورة القصص بقوله تعالى: وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، وقوله تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:31]، وقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:19]، وكقوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:155-156-157]، إلى غير ذلك من الآيات.

ووضَّح ما دلت عليه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن الكريم من أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار.... فمن ذلك قوله جل وعلا: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ* قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك:8-9]، ومعلوم أن "كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج" يعم جميع الأفواج الملقين في النار، ثم ساق رحمه الله تعالى آيات كثيرة بهذا المعنى وعلق عليها بالتوضيح.

ثم قال: وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن العظيم تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر..... وبهذا قالت جماعة من أهل العلم، وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات في كتاب الله تعالى وبأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن الآيات التي استدلوا بها قول الله تعالى: وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:18]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [آل عمران:91]، وقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48]، وقوله تعالى: قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50] إلى غير ذلك من الآيات، ظاهر جميع الآيات العموم لأنها لم تخصص كافرا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار. ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون بكفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار. وفي صحيح مسلم أيضاً: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. إلى غير ذلك من الأحاديث.

وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول- هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم، أو معذورون بالفترة وعقده في مراقي السعود بقوله:

ذو فترة بالفرع لا يُراع**** وفي الأصول بينهم نزاع

وأجاب القائلون بتعذيب أهل الفترة في الآخرة أن التعذيب المنفي هو التعذيب الدنيوي كما وقع في الدنيا من العذاب لقوم نوح وقوم هود، وقوم صالح.... فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة، إلى غير ذلك من الأجوبة التي ذكروها.

ثم ذكر أجوبة القائلين بعذر أهل الفترة وردهم على القائلين بعدم عذرهم في نقاش طويل لا يتسع المقام لنقله، ثم عقب على هذا النقاش بقوله: قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:

الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع معه البتة.

الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

ملخصاً من تفسير أضواء البيان مبحث "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"

والله أعلم.
المفتـــي: مركز الفتوى

رقـم الفتوى : 49293

تاريخ الفتوى : الخميس 11 ربيع الآخر 1425 / 31-5-2004

http://www.islamweb.net/ver2/fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId〈=A&Id=49293 (http://www.islamweb.net/ver2/fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=49293)

joshkof
09 04 2011, 12:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد؛

مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم
يستد المخالفون بحديث مسلم
عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: ((في النار)) فلما قفا دعاه فقال: (( إن أبي وأباك في النار)).
الرد
هذا الحديث من الآحاد ولا يقف أمام قرآن الله المتواتر فهو من أخبار الآحاد وأخبار الآحاد متى خالفت القرآن أو المتواتر أو المقطوع به عقلا أو القواعد الشرعية المتفق عليها
أو الإجماع القطعي فإنها يترك ظاهرها ولا يحتج بها في العقائد .
والحديث الصحيح إذا عارضته أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلّة
عليه كما هو مقرّر في الأصول.
فلا يجوز للعامي أن يأخذ الأحاديث ويستدل بها بمجرد أنه قرأها في الصحيح فهذا
ليس أسمة علم بل أسمة طحين
فماذا يقول المعترض في الحديث الشريف
الذي رواه أبوداود وغيره (( الوائدة والموءودة في النار ))
فكيف تكون الموءودة في النار من غير ذنب
ويقول الله تعالى : (( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت )) ؟!
ويقول الله تعالى ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))؟!
فظاهر الحديث يخالف القران الكريم كلياً
فالحديث مخالف لنص القرآن في الظاهر لذا لا يجوز أن يأتي شخص من المتفيهقين
ويدعي أن ( الموءودة في النار ) لأن ظاهر الحديث كذلك!!
ولذلك شرحه الائمة الأعلام ولم يؤخذ بظاهرة كما تفعلون.
وكذلك أحاديث أولاد المشركين
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين أخرجـه البخاري رقـم ( 6224 – 6226 ) 6 / 2434، ومسلم رقم ( 2659 – 2660 ) 4 / 2049
وفي ذلك يقول الحافظ السيوطي :
[[ وللمسألة ـ مسألة الأبوين ـ نظير صحيح، للناس فيها خلاف ، وهي مسألة أطفال المشركين ، فقد ورد في أحاديث كثيرة الجزم بأنهم في النار ، وفي أحاديث قليلة أنهم في الجنة ، وصحح الجمهور هذا ، منهم النووي ، وقال: إنه المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى : (( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )) ، وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى ، هذا كلام النووي ، وذكر غيره أن أحاديث كونهم في النار منسوخة بأحاديث كونهم في الجنة]] .
التعظيم والمنة للسيوطي ( صـ 160)
وهكذا فإن كل حديث يخالف ظاهره القرآن الكريم أو الإجماع أو ما هو أقوى منه يلزم تأويله
أو ترك ظاهره .
فليس كل ما ورد من طريق صحيح يحتج به ، وقد نص على ذلك الأئمة
فقال ابن عبد البر في كتاب ( جامع بيان العلم وفضله : 2 / 130 ) عن الإمام ابن أبي ليلى رحمه الله أنه قال : (( لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع )) .
وعلى ذلك فحديث عدم نجاة الأبوين من حديث الآحاد مخالف لنص القرآن الكريم :
(( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )) وقوله (( وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ))
وعلى هذا يترك ظاهر الحديث ، ولا يحتج به.
وفي حديث انس السابق
"عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال:
يا رسول الله أين أبي؟ قال: ((في النار)) فلما قفا دعاه فقال: (( إن أبي وأباك في النار))".
نقول ايضاً
اليس الأب يُطلق على العم والجد في لغة العرب ؟
ألم يقل الله : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
فهل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق آباء يعقوب ؟
فما رأيكم نحنُ الآن أمام آية صريحة واضحة وليس حديث نبوياً ؟؟
فإن قلتم عمهُ أو خاله أو...
فأقول لكم لماذا قبلتم الكناية في آية قرآنية ولم تقبلوا الكناية في حديث وتبين للناس أنه ما قال ذلك للأعرابي إلا من باب الكناية والتورية وأن مراده بذلك عمه .
ألم يقل عليه الصلاة والسلام :أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ؟
إذا والد النبي عليه الصلاة والسلام هو عبد المطلب وليس عبد الله على حد زعمكم في الأخذ بالقول الصريح الصحيح من كلام رسول الله .الم يقل عليه الصلاة والسلام مُخاطباً اصحابهُ رضوان الله عليهم والذين منهم من آمن آبائهم كما في الحديث الطويل
(......وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها، فأخْرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا)
وهذا الحديث لهُ شواهد كثيرة .
وقول البعض عن الإمام النووي انه لم يعترض وبوب لصحيح مسلم
فكلام الإمام النووي ليس فيه ما يدل على ما يقولون والا لماذا لم يصرح الإمام النووي بقولهم هكذا صراحاً وهو شارح لصحيح مسلم
الإمام النووي في شرحه لحديث (( أبي وأباك في النار )) لم ينص فيه على أن أبوي النبي عليه الصلاة والسلام في النار ، إنما سكت عن ذلك .
وقد نبه السيوطي على ذلك في كتابه ( التعظيم والمنة : 171 ) فقال ما نصه :
[[ الذي عندي أنه لا ينبغي أن يفهم من قول النووي في شرح مسلم في حديث (( أن رجلا قال يا رسول الله : أين أبي ... الخ )) أنه أراد بذلك الحكم على أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ينبغي أن يفهم أنه أراد الحكم على أبي السائل ، وكلامه ساكت عن الحكم على الأب الشريف ]
العلماء الذين قالوا بنجاة الابوين الكريمين رضي الله عنهما.
وقول الجمهور والإجماع علي نجاه أبوي النبي صلى الله عليه وسلم كما سنرى
وسنبدأ اولاً باسماء الائمة والعلماء الذين قالوا بنجاة أهل الفترة فهم الأكثر وهذا من المُسلّم به عند الباحثين في هذه المسألة ثم سنورد الرد بالتفصيل بعدها لعل الله يفتح بها قلوب من أحب إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول ممن يجعل منبره للقدح في أبوي المصطفى صلى الله عليه وسلم فيتلذذ ويتمتع بقوله أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار والعياذ بالله.
فنقول من العلماء ممن قال بنجاة أبوي المصطفى صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال لا الحصر :
1- الإمام الاعظم أبي حنيفة النعمان
قال شيخ الإسلام مصطفى صبري في مقدمته لكتاب الشيخ مصطفى أبو سيف الحمامي – رحمهم الله تعالى ( النهضة الإصلاحية للأسرة الإسلامية ) طبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة 1354 هـ
( ... فصادفت المقالة التي تبرئ الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عن تكفير والدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتصحح ما كتب في النسخ ( للفقه الأكبر ) المنسوب إلى الإمام من لفظ ( ماتا على الكفر ) بما رآه فضيلة بعينيه في المدينة المنورة من نسخة ضمن مجموع مخطوطة ترجع كتابتها إلى عهد بعيد بمكتبة عارف حكمت بك أحد مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية من لفظ ( ماتا على الفطرة ) وهو الأوفق بسياق كلام الإمام ، فشكرت فضيلة المؤلف على توثيق ذلك التصحيح الذي سمعناه من أفواه بعض الأساتذة بهذا الضبط ) .
وقال الإمام الكوثري – رحمه الله تعالى – في مقدمته لكتاب : ( العالم والمتعلم ) ص : 7
( وفي مكتبة شيخ الإسلام العلامة عارف حكمت بالمدينة المنورة نسختان من الفقه الأكبر رواية حماد قديمتان وصحيحتان فيا ليت بعض الطابعين قام بإعادة طبع الفقه الأكبر من هاتين النسختين مع المقابلة بنسخ دار الكتب المصرية .
ففي بعض تلك النسخ : وأبوا النبي صلى الله عليه وسلم ماتا على الفطرة – و ( الفطرة ) سهلة التحريف إلى ( الكفر ) في الخط الكوفي ، وفي أكثرها : ( ما ماتا على الكفر ) ، كأن الإمام الأعظم يريد به الرد على من يروي حديث ( أبي وأبوك في النار ) ويرى كونهما من أهل النار . لأن إنزال المرء في النار لا يكون إلا بدليل يقيني وهذا الموضوع ليس بموضوع عملي حتى يكتفى فيه بالدليل الظني .
ويقول الحافظ محمد المرتضى الزبيدي شارح الإحياء والقاموس في رسالته ( الإنتصار لوالدي النبي المختار ) - وكنت رأيتها بخطه عند شيخنا أحمد بن مصطفى العمري الحلبي مفتي العسكر العالم المعمر – ما معناه : إن الناسخ لما رأى تكرر ( ما ) في ( ما ماتا ) ظن أن إحداهما زائدة فحذفها فذاعت نسخته الخاطئة ، ومن الدليل على ذلك سياق الخبر لأن أبا طالب والأبوين لو كانوا جميعاً على حالة واحدة لجمع الثلاثة في الحكم بجملة واحدة لا بجملتين مع عدم التخالف بينهم في الحكم
وعلق الإمام الكوثري
وهذا رأي وجيه من الحافظ الزبيدي إلا أنه لم يكن رأى النسخة التي فيها ( ما ماتا ) وإنما حكى ذلك عمن رآها ، وإني بحمد الله رأيت لفظ ( ما ماتا ) في نسختين بدار الكتب المصرية قديمتين كما رأى بعض أصدقائي لفظي ( ما ماتا ) و ( على الفطرة ) في نسختين قديمتين بمكتبة شيخ الإسلام المذكورة – وعلي القاري بنا شرحه على النسخة الخاطئة وأساء الأدب سامحه الله ) .
وقال الشيخ مصطفي أبو سيف الحمامي ( النهضة الإصلاحية للأسرة الإسلامية ) طبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة 1354 هـ
(هذا الذي رأيته أنا بعيني في الفقه الأكبر للإمام أبو حنيفة رضي الله عنه رأيته بنسخة بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، ترجع كتابة تلك النسخة إلى عهد بعيد حتى قال بعض العارفين هناك أنها كتبت في زمن العباسيين وهذه النسخة ضمن مجموعة رقمها 220 من قسم المجاميع بتلك المكتبة ، فمن أراد أن يرى هذه النسخة من الفقه الأكبر بعينه فعليه بتلك المكتبة وهو يجدها هناك بهذا النص الذي نقلناه هنا .)
2- الملا علي قاري يرجع عن تكفير الابوين
طبعاً مما يتشدق به الوهابية كثيراً كتاب أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في ابوي الرسول عليه الصلاة السلام (علي بن سلطان محمد القاري)
وللرد على تدليس الوهابية ولا نعلم لماذا يصرون على الكذب والتدليس وإخفاء تراجع علي القاري عن هذا القول قبل وفاته ولماذا ينفقون آلاف الريالات على طبع كتابه الذي يقول فيه بان أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار بعد ان ثبت تراجعه عنه والقول بالعكس فهذا والله لهو عين الجفاء وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم!!
كان علي القاري رحمه الله تعالى رأى فترة أن والدي رسول الله في النار، وكتب في هذا رسالة، لكنه رجع عن ذلك والحمد لله ـ كما نجده في شرحه للشفاء للقاضي عياض، الذي انتهى منه سنة 1011هـ، أي قبل وفاته بثلاث سنوات. فقد جاء فيه بعد كلام: (وأبو طالب لم يصح إسلامه): وأما إسلام أبويه ففيه أقوال، والأصح إسلامهما على ما اتفق عليه الأجلّة من الأمة، كما بيّنه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة.أهـ
شرح الشفا، لعلي القاري (1/106)، (1/648) طبعة استانبول، 1316 هـ
وكذلك ((منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر,لعلي القاري,ومعه التعليق الميسر على شرح الفقه الأكبر لوهبي سليمان غاوجي,طبعة دار البشائر))
3- الإمام فخر الدين الرازي
في تفسيره ، حيث قال :
[[ مما يدل على أن آباء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام : (( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات )) ، وقال تعالى : (( إنما المشركون نجس )) ، فوجب الإيمان أن لا يكون أحد أجداده مشركا ، قال : ومن ذلك قوله تعالى : (( الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين )) ...]]
الدرج المنيفة في الآباء الشريفة : 92
4- الإمام أبو بكر بن العربي المالكي
حيث يقول السيوطي عنه :
[[ نقلت بخط الشيخ كمال الدين الشمني والد شيخنا الإمام تقي الدين رحمهما الله تعالى ما نصه :
سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل قال : إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار ، فأجاب بأنه ملعون ، لأن الله تعالى قال : (( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا )) ، قال : لا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار ]]
( الدرج المنيفة في الآباء الشريفة : 103 )
5- الحافظ القرطبي في كتابه :
[ إن فضل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتتابع إلى مماته صلى الله عليه وسلم ، فيكون هذا مما فضله الله تعالى به وأكرمه ، وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا ، ولا شرعا .. ]]
( التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة : 14)
و اكمل قائلاً
ما نصه :
[[ ليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا ، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله ، وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى .. ]] .
6- سبط ابن الجوزي في كتاب ( مرآة الزمان )
عن جماعة ، ثم قال ما نصه : وقال قوم : قد قال الله تعالى : (( وما كنا معذبين حنى نبعث رسولا )) ، والدعوة لم تبلغ أباه وأمه ، فما ذنبهما؟
نقلا من ( مسالك الحنفا ) صـ 14
7- الامام الالوسي
ذكر الآلوسي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ الشعراء: ٢١٩
أن القول بإيمان أبويه صلى الله عليه وسلم قول كثير من أجلة أهل السنة
ثم قال ما نصه : ( وأنا أخشى الكفر على من يقول فيهما رضي الله عنهما على رغم أنف القاري وأضرابه بضد ذلك )
8- عمدة الشافعية ومفتيهم العلامة ابن حجر الهيتمي
وحديث مسلم : قال رجل يا رسول الله ، أين أبي ؟ قال : (( في النار ))، فلما قفا دعاه فقال : (( إن أبي وأباك في النار )) يتعين تأويله ، وأظهر تأويل عندي : أنه أراد بأبيه عمه أبا طالب ، لما تقرر أن العرب تسمي العم أبا ، وقرينة المجاز في الآية الآتية الشاهدة بخلافه على أصح محاملها عند أهل السنة ، وأن عمه هو الذي كفله بعد جده عبد المطلب ... ]
( المنح المكية : 102 )
وقال ايضاً
(المنح المكيّة ـ شرح القصيدة الهمزيّة):
«وقول أبي حيان: إنّ الرافضة هم القائلون بأنّ آباء النبي صلّى الله عليه وسلّم مؤمنون غير معذَّبين، مستدلّين بقوله تعالى: ( وتقلّبك في الساجدين ).
فلك ردّه: بأنّ مثل أبي حيّان إنّما يرجع إليه في علم النحو وما يتعلّق بذلك، وأمّا المسائل الاُصوليّة فهو عنها بمعزل، كيف والأشاعرة ومن ذكر معهم ـ فيما مرّ آنفاً ـ على أنّهم مؤمنون، فنسبة ذلك للرافضة وحدهم ـ مع أنّ هؤلاء الذين هم أئمّة أهل السنّة قائلون به ـ قصور وأيّ قصور، تساهل وأيّ تساهل»
المنح المكيّة: ص 27.
8- بعض ممن ذكرهم الإمام السيوطي :
[[ إن الله أحياهما له ، فآمنا به ، وذلك في حجة الوداع ، لحديث ورد في ذلك عن عائشة رضي الله عنها ـ أخرجه الخطيب البغدادي في ( السابق واللاحق)، والدارقطني ، وابن عساكر ، كلاهما في ( غرائب مالك ) ، وابن شاهين في ( الناسخ والمنسوخ ) ، والمحب الطبري في سيرته ، وأورده السهيلي في ( الروض الأنف ) من وجه آخر بلفظ آخر ، وإسناده ضعيف ، وقد مال إليه هؤلاء الثلاثة مع ضعفه .
وهكذا القرطبي ، وابن المنير ، ونقله ابن سيد الناس عن بعض أهل العلم ، وقال به الصلاح الصفدي في نظم له ، والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له ، وجعلوه ناسخا لما خالفه من الأحاديث المتأخرة ، ولم يبالوا بضعفه ، لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل والمناقب ، وهذه منقبة]] .
(الدرج المنيفة في الآباء الشريفة صـ 90)
9- الإمام ابن شاهين
أشار إلى ذلك في كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) حيث أورد حديث الزيارة والنهي عن الاستغفار وجعله منسوخا
كما نص السيوطي في الدرج المنيفة في الآباء الشريفة صـ 90
10- الإمام السهيلى
قال الإمام السهيلى رحمه الله ليس لنا أن نقول ان ابوى النبى صلى الله عليه وسلم فى النار لقوله عليه السلام « لا تؤذوا الاحياء بسبب الاموات » والله تعالى يقول ** ان الذين يؤذون الله ورسوله } الآية يعنى يدخل التعامل المذكور فى اللعنة الآتية ولا يجوز القول فى الانبياء عليهم السلام بشئ يؤدة الى العيب والنقصان ولا فيما يتعلق بهم.
كما نص السيوطي في الدرج المنيفة في الآباء الشريفة صـ 90
وكذلك في تفسير حقي في تفسير
قولة تعالي إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
11- الإمام أبو عبد الله محمد بن خلفة الآبي المتوفي سنة 827 ه
في شرح مسلم في شرح حديث: " إن أبي وأباك في النار " أورد قول الإمام النووي فيه أي الحديث: إن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين.
ثم قال الآبي: انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي رحمه الله تعالى: ليس لنا أن نقول ذلك.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات ".
وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم أحيا (الله) له أبويه فآمنا به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا.
ولا يعجز الله سبحانه وتعالى شئ.
ثم سرد الادلة وغيرها فليراجع شرح للحديث المذكور.
الأبي في شرحه على مسلم (1/617)
12- الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي
اختار أن الله أحيا الأبوين فآمنا بالرسول ، وذلك في كتابه ( مورد الصادي في مولد الهادي ) ،
وأنشد :
حبا الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالإله بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيف
13- شيخ الإسلام شرف الدين المناوي
وقد نقل عنه السيوطي أنه سئل عن والد النبي صلى الله عليه وسلم : هل هو في النار ؟ فزأر السائل زأرة شديدة ، فقال له السائل : هل ثبت إسلامه؟ فقال : إنه مات في الفترة ، ولا تعذيب قبل البعثة . ا هـ
( مسالك الحنفا : 14 )
14- أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني:
(( لظن بآل بيته صلى الله عليه وسلم كلهم أن يطيعوا عند الامتحان)
الحاوي للفتاوي ( 2 / 207 )
وكذلك ذكر في السيرة الحلبية باب وفاة أمه وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب إياه
15- الإمام السيوطي الشافعي (ت 911)
ألف ست رسائل طبعت بالهند سنة 1334هـ،
وهي :
1. « مسالك الحنفاء في والدي المصطفى»
2. «الدرج المنيفة في الآباء الشريفة»
3. «المقامة السندسية في النسبة المصطفوية»
4. «التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة»
5. «نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين»
6. «السبل الجلية في الآباء العلية»
16- الحافظ زين الدين العراقي في مورده الهني ومولده السني:
حفظ الإلــه كرامــةً لمحمدٍ......ءاباءهُ الأمجادُ صوناً لاسمهِ
تركوا السفاح فلم يصيبهم عاره... من ءادمٍ وإلى أبيـهِ وأمـهِ
17- الحافظ ابن سيد الناس
(قال في سيرته رُوِيَ ** أَن عبد الله بن عبد المطّلب وآمنة بنة وهب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم
وان الله تعالى أحياهما له فامنا به وروي ذلك ايضاً في حق جده عبدالمطلب ثم قال
وهو مخالف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين العقيلي قال: : ** قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أُمِّي فَقَالَ أُمُّك فِي النَّارِ قُلْتُ فَأَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ قَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ مَعَ أُمِّي }
ثم قال: وذكر اهل العلم في الجمع ما حاصله أن من الجائز ان تكون هذه درجة حصلت له عليه الصلاة والسلام بعد أن لم تكن أن يكون الأحياء والأيمان متاخراً عن ذلك فلا معارضة)
أنتهى ملخصاً .
ذكر ذلك عنه ابن نجيم المصري في كتابة غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر في شرح مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أُبِيحَ لَعْنُهُ .
إلَّا وَالِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِثُبُوتِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَحْيَاهُمَا لَهُ حَتَّى آمَنَا بِهِ
وكذلك نص علي بعض أقواله الإمام السيوطي الدرج المنيفة في الآباء الشريفة صـ 90
18- الإمام ابن نجيم المصري في كتابه غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر
انظر17
19- الإمام الشهاب الخفاجي
َقَالَ لِوَالِدَيْ طَه مَقَامٌ عَلَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَدَارِ الثَّوَابِ وَقَطْرَةٌ مِنْ فَضَلَاتٍ لَهُ فِي الْجَوْفِ تُنْجِي مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ فَكَيْفَ أَرْحَامٌ لَهُ قَدْ غَدَتْ حَامِلَةٌ تُصْلَى بِنَارِ الْعَذَاب
في هامش شرح الشفا 1/ 354
وكذلك العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية 2/ 331
20- الإمام ابن عابدين
فَائِدَةٌ ) مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أُبِيحَ لَعْنُهُ إلَّا وَالِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بعد أن سرد أقوال العلماء ابن شاهين والسهيلي مؤيداً لها وغيرهم قال مؤيداً قول الامام الشهاب الخفاجي وانه صواب
جُمْلَةُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَتْ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَلَا حَظَّ لِلْقَلْبِ فِيهَا وَأَمَّا اللِّسَانُ فَحَقُّهُ
الْإِمْسَاكُ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ النُّقْصَانُ خُصُوصًا عِنْدَ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ وَتَدَارُكِهِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْمَقَالِ وَقَدْ أَتَى الْعَلَّامَةُ الْخَفَاجِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ نَظَمَهُ , وَفِيهِ أَيْضًا الصَّوَابُ فَقَالَ لِوَالِدَيْ طَه مَقَامٌ عَلَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَدَارِ الثَّوَابِ وَقَطْرَةٌ مِنْ فَضَلَاتٍ لَهُ فِي الْجَوْفِ تُنْجِي مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ فَكَيْفَ أَرْحَامٌ لَهُ قَدْ غَدَتْ حَامِلَةٌ تُصْلَى بِنَارِ الْعَذَابِ لِأَنَّ فضلاته عليه الصلاة والسلام طاهرة كما جزم به البغوي وغيره وهو المعتمد لأن أم أيمن بركة الحبشية شربت بوله صلى الله عليه وسلم فقال: لن يلج النار بطنك صححه الدارقطني، وقال أبو جعفر الترمذي: دم النبي صلى الله عليه وسلم طاهر؛ لأن أبا طيبة شربه وفعل مثل ذلك ابن الزبير وهو غلام حين أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دم حجامته ليدفنه فشربه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من خالط دمه دمي لم تمسه النار، وهذه الأحاديث مذكورة في كتب الحديث الصحيحة وذكرها فقهاؤنا وتبعهم الشافعية كالشربيني في شرح الغاية وفقهاء المالكية, والحنابلة فكانت كالمجمع عليها فحيث ثبت أن فضلاته عليه الصلاة والسلام تنجي من النار فكيف من ربي من دمها ولحمها وربي في بطنها ومن كان أصل خلقته الشريفة منه يدخل النار هذا ما جرى به لسان القلم وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
كتاب العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية 2/ 331
21- الإمام القسطلاني :
[[ .. والحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص ، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه ، أو وصف وصف به ، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة .
وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات )) رواه الطبراني في الصغير ، ولا ريب أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله إن لم يتب عندنا ...]] .
( المواهب اللدنية : 1 / 348 )
22- الإمام الزرقاني في شرح المواهب اللدنية :
[[ ... وقد بينا لك أيها المالكي حكم الأبوين ، فإذا سئلت عنهما ، فقل : إنهما ناجيان في الجنة ، إما لأنهما أحييا حتى آمنا ، كما جزم به الحافظ السهيلي والقرطبي ، وناصر الدين بن المنير ، وإن كان الحديث ضعيفا ، كما جزم به أولهم ووافقه جماعة من الحفاظ ، لأنه في منقبة وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف .
وإما لأنهما ماتا في الفترة قبل البعثة ولا تعذيب قبلها ، كما جزم به الأبي وإما لأنهما كانا على الحنيفية والتوحيد ولم يتقدم لهما شرك ، كما قطع به الإمام السنوسي والتلمساني المتأخر محشي الشفاء .
فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا ولم نر لغيرهم ما يخالفه إلا ما يشم من نفس ابن دحية ، وقد تكفل برده القرطبي . ]]
( شرح المواهب اللدنية : 1 / 349 )
23- العلامة البيجوري في شرح البيت التاسع من الجوهرة
قال
[ إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح ، علمت أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لكونهما من أهل الفترة ، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم ، لم يدخلهم كفر ، ولا رجس ، ولا عيب ، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية بأدلة نقلية كقوله تعالى : (( وتقلبك في الساجدين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات )) ، وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر ]
24- علامة اليمن القاضي محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشافعي المتوفى سنة 930 هـكما في كتابه ( حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار: 113 )
25- العلامة السيد محمد عبد الله الجرداني الشافعي يقول
: [[ مطلب في نجاة أبويه صلى الله عليه وسلم
وبما تقرر تعلم أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لأنهما من أهل الفترة ، بل جميع أصوله صلى الله عليه وسلم ناجون محكوم بإيمانهم ، لم يدخلهم كفر ولا رجس ولا عيب ، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية ، بأدلة نقلية وعقلية..]]
( فتح العلام بشرح مرشد الأنام : 1 / 39 )
26- زيني زيني جلبي الفناري قاضي حلب توفي سنة 926
له رسالة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم
المتوفى : سنة 929 ، تسع وعشرين وتسعمائة
قاضيا بحلب ذكر فيها أنهما بل جميع أبوي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ماتوا على الإيمان
ذكره عرب زاده في ( هامش الشقائق ) . ( 1 / 842 )
27-- الإمام مرتضي الزبيدي (ت 1205)
له : - «الانتصار لوالدي النبي المختار» وقف على نسخة منه بخط مؤلفه الإمام الكوثري كما في مقدمته كتاب العالم والمتعلم.
2- «حديقة الصفا في والدي المصطفى»، قرضه الشيخ المدابغي كما في «بحوث وتنبيهات» 1 : 283 للعلامة أبو محفوظ الكريم المعصومي .
28- العلامة ابن طولون الدمشقي الحنفي (ت 953)
له : «منهاج السنة في كون أبوي النبي في الجنة»، ذكره لنفسه في كتابه «الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون» ص 134
29- أحمد بن سليمان بن كمال باشا(ت 940)
له : «رسالة في أبوي النبي» - خ منها نسخة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم 3881/13 عقائد وتاريخها 973هـ ومنها نسخ متعددة في مكتبات العالم الإسلامي .
30 - محمد بن قاسم بن يعقوب الأماسي (ت940)
له : «انباء الاصطفاء في حق آباء المصطفى» - خ بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض برقم 2429/1 ، أنظر «الأعلام» 7 : 6
31-الامام ابن الجزار المصري (كان حياً سنة 984)
له : «تحقيق آمال الداجين في أن والدي المصطفى بفضل الله في الدارين من الناجين» - خ بدار الكتب المصرية، ثلاث نسخ برقم 489 ، 528 ، 530 حديث تيمور.
32- عبد القادر بن محمد الطبري المكي (ت1033)
له : «رسالة في أبوي النبي» نقل منها السيد البرزنجي.
33- صالح بن محمد تمرتاشي الغزي(ت 1055)
له : «الجوهرة المضية في حق أبوي خير البرية»، ذكره له الدكتور صلاح الدين المنجد في كتابه «معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ص52
34- عبد الأحد بن مصطفى السيواسي (ت 1061)
له : «تأديب المتمردين في حق الأبوين»، مخطوط بمركزالملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض برقم سجل 38735.
35- ابن الملا شمس الدين الحصكفي الأصل الحلبي الشافعي
(ت 1010)
قال المحبي في «خلاصة الأثر» 3 : 348 ، في تعداد مؤلفاته : ( ورسالة حسنة في إسلام أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
36- حسن بن علي بن يحيى العجيمي المكي (ت 1113)
له :
1- «تحقيق النصرة للقول بإيمان أهل الفترة»
2- «منحة البارئ في إصلاح زلة القارئ»
كما في «المختصر من كتاب نشر النور والزهر»ص 172 – 173
37- محمد بن أبي بكر المرعشي ساجقلي(ت 1150)
له : «السرور والفرج في حياة إيمان والدي الرسول»، منه خمس نسخ مخطوط بمكتبة الحرم المكي الشريف برقم 1291 ، 1347 ، 2873 ، 2875 ، 3863.
38- أحمد بن عمر الديربي الغنيمي الأزهري الشافعي (ت 1151)
له : «تحفة الصفا فيما يتعلق بأبوي المصطفى»، مخطوط بالأزهرية، برقم (335) 4441 ، كما في فهرسها 3 : 115.
30- علي ضضطلي
له : «رسالة في نجاة أبوي النبي وكونهما من أهل الفترة»، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 21632 ب ، سنة النسخ 1171هـ.
40 حسين بن أحمد بن أبي بكر المعروف بالداديخي(ت 1171)
له : « قرة العين في إحياء الوالدين»
41 أحمد بن علي بن عمر بن صالح المنيني الدمشقي (ت 1172)
له : «مطلع النيرين في إثبات النجاة والدرجات لوالدي سيد الكونين» مخطوط في شستربتي .
42- حسن بن عبد الله بن محمد البخشي الحلبي (ت 1190)
له : « الرد على من اقتحم القدح في الأبوين المكرمين» كما في «سلك الدرر» 2 : 27.
43- محمد بن يوسف بن يعقوب الإسبري الحلبي (ت 1194)
له : «رسالة في نجاة الوالدين المكرمين لسيد البشر»، كما في «سلك الدرر» 4 : 121
44- أبو الحسن بن عمر بن علي القلعي (ت 1199)
له : «رسالة في إيمان أبوي النبي»، مخطوطة بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض ، برقم سجل 79626
45- علي بن صادق بن محمد الداغستاني ثم الدمشقي (ت 1199)
له : «رسالة في نجاة أبوي الرسول» مخطوطة منها نسخة مصورة في مركز جمعة الماجد بدبي برقم 80(ق 13-23) كما في «علماء دمشق وأعيانها في القرن الثاني عشر الهجري » 3 : 463، وجاء في فهرس دار الكتب المصرية 1 : 182، أنه مطبوع بدمشق وأن في الدار نسخة منه.
46- سليمان بن عبد الرحمن مستقيم زاده الحنفي(ت 1202)
له : «رسالة موجزة في حق أبوي النبي» مخطوطة بمكتبة الحرم المكي الشريف برقم 3863 عام ، وأخرى بدار الكتب المصرية برقم 197.
3«العقد المنظم في أمهات النبي»، مخطوط بمعهد المخطوطات العربية في القاهرة برقم 1140 تاريخ
47- محمد غوث بن ناصر الدين المدراسي (ت 1238)
له : «بسط اليدين لإكرام الأبوين»، كما في ترجمته في «نزهة الخواطر» 7 : 1102.
48- محمد بن عبد الرحمن الأهدل الحسيني (ت 1258)
له : «القول المسدد في نجاة والدي محمد» ، ذكره السيد عبد الله الحبشي في «معجم الموضوعات المطروقة» 2 : 1261.
49- يحيى بن محمد مؤذن المكي(ت 1260) إمام الحرم المكي الشريف
له : « مناقب السيدة آمنة» كما في «المختصر من نشر النور والزهر» ص 511
50- محمد بن عمر بالي المدني (ت بعد 1285).
له : «سبل السلام في حكم آباء سيد الأنام»، مطبوع باستانبول سنة 1287هـ .
كما في فهرس دار الكتب المصرية ، 1 : 122 ، 187.
51- محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب الشنقيطي الولاتي (ت 1330)
له : «خلاصة الوفاء في طهارة أصول المصطفى من الشرك والجفاء» ، مطبوع بتونس سنة 1314هـ.
52- أحمد فايز بن محمود البرزنجي( ت 1337).
له : « السيف المسلول في القطع بنجاة أصول الرسول»، كما في ترجمته في كتاب «علماؤنا في خدمة العلم والدين»ص 85.
53- محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني(ت 1103)
له : «سداد الدين وسداد الدين في إثبات النجاة والدرجات للوالدين» طبع سنة 1419هـ، باعتناء السيد عباس أحمد صقر الحسيني، والأستاذ حسين شكري ، الناشر دار المدينة المنورة.
54-محمد علي بن حسين المالكي المكي (ت 1367)
له : «سعادة الدارين بنجاة الوالدين»، .
55- زين العابدين : محمد بن محمد العمري سبط المرصفي في رسالة :
(( تنزيه الكون عن اعتقاد إسلام فرعون))
ألفها في : جمادى الأولى سنة 965
نص فيها علي إيمان أبوي النبي صلي الله عليه وسلم
وهي مخطوط في الأزهر الشريف رقم النسخة : 336075
عدد الأوراق:5 ورقة/ورقات
عدد الملفات 1 ملف / ملفات
مصدر المخطوط
موقع مخطوطات الأزهر الشريف
وغيرهم الكثير من الائمة ممن يتعذر علينا نقل أقوالهم مثل الخطيب البغدادي والإمام الشربيني وابن المنير ومن المعاصرين الدكتور القرضاوي والشيخ محمد الغزالي رحمه الله والشيخ الشعراوي رحمه الله والعلامة عبد الله الغماري رحمه الله وغيرهم ممن ذكرت اقوالهم في ضمن أقوال الائمة والعلماء سابقاً وقد طبعت رسائل كثيرة جداً ويكفينا ما ذكرنا في هذا المقام
ويرى المطلع على أسماء العلماء والائمة ممن ذكرناهم وكذلك أسماء الكتب تنوع بلدان مؤلفيها من العرب والعجم وتعدد مذاهبهم وتباين عصورهم دفعهم لذلك محبتهم لسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله وسلم في الذب عن أبويه الطاهرين الشريفين رضي الله تعالى عنهما
ثالثاً
الرد على من أحب أن يؤذي النبي وقال أن أبويه صلى الله عليه وسلم في النار


الحججُ الواضحات في نجاة الأبوين والأجداد والأمهات
تأليف
العلامة السيد إسحاق عزوز الحسني المكي رحمه الله تعالى

للتحميل ملف وورد اضغط هنا (http://www.almijhar.org/book/alhojjai.rar)


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة
الحمد لله الذي أوجد نبيّه محمدًا صلي الله عليه وسلم من خالص خلاصة ولد عدنان من أطهرِ البشريّة وأطيب الأنساب، وأنفس جواهر النُّطَف الناشئة بين الأمهات والآباء، لم يزل ينقله من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة مصفًى مهذبًا لا تتشعب شعبتان إلاَّ كان في خيرهما إلى أن أخرجه إلى الدنيا، سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ورحمة للعالمين. برز من أبوين من أشرف الأصول وأكرمها وأمجدها فاقا به على سائر الآباء والأمهات. صلى الله عليه صلاةً وسلامًا دائمين لا ينقطعان أبد الأبد.


هذا وقد زلّت قدم بعض الناس فنسبا أبويه إلى الشرك. والحذَر الحذَر من ذكرهما بنقص فإنَّ ذلك يؤذيه صلي الله عليه وسلم لحديث الطبراني (( لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات )). قال القاضي ابن العربي المالكي :
(( ولا أذى أعظم له صلي الله عليه وسلم من أن يقال أن أبويه في النار )). والله سبحانه وتعالى يقول : ** إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ } [الأحزاب : 57]. اهـ. وهذه نفحة في الدفاع عن أبويه صلي الله عليه وسلم، وعن آبائه وأجداده عمومًا رتبتها في مسالك، وكلما أوردت أحاديث في الباب بدأتها بالصحيح منها، وما كان خلاف ذلك أوردته شواهد لها. وبتوارد الأحاديث على معنى واحد يشدُّ بعضها بعضًا. والحديث الضعيف يقوى بكثرة طرقه ما لم يكن فيها كذاب أو وضاع. أسأله تعالى أن يجعلها قرّةَ عينٍ للمصطفى صلي الله عليه وسلم، وأن يكتب لها القبول، وأن ينفع بها المسلمين، إنه خيرُ مأمول وأكرمُ مسؤول.

المسلك الأول من القرآن الكريم
الأصلاب والبطون التي حملته صلي الله عليه وسلم
هم المقصودون بالأمة المسلمة في دعوة إبراهيم عليه السلام

1 - قال تعالى : ** وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } [البقرة : 127 - 128].

2 - وحكى الله تعالى من دعاء إبراهيم عليه السلام قوله ** رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } [البقرة : 129].

3 - وحكى الله تعالى من دعاء إبراهيم عليه السلام أيضًا : ** رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [إبراهيم : 35]

4 - وحكى الله تعالى من دعاء إبراهيم عليه السلام : ** اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } [إبراهيم : 40].

يدل قوله تعالى : ** وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } [البقرة : 128].

على أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد دعا ربه أن يجعل من ذريته من ولده إسماعيل عليه السلام أمة مسلمة إذا كان المقام هو الدعاء لنفسه ولإسماعيل عليهما السلام على ما رفعا من قواعدِ البيت فتعقيبه على ذلك بقوله : ** وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } [البقرة : 129]. يوضّح أنّ المراد هم ذريّة إسماعيل دون سواه من ولد إبراهيم، كم يوضّح أنّه قد دعا بأن يبعث الرسول من هذه الأمة المسلمة.

ولا يتصوّر بعثته من الأمة المسلمة من ولد إسماعيل إلّا إذا كان دين إبراهيم سيمتدفي القرون التي بينه وبين بعثة نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، وأن الزمان لا يخلو من قوم مسلمين منهم إلى البعثة المحمدية يدينون بملة إبراهيم عليه السلام في التوحيد الخالص ولا يعبدون الأصنام.

وقد أخرج ابن المنذر في « تفسيره » بسند صحيح عن ابن جرير في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ** اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } [إبراهيم : 40]. قال : لا يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناسٌ على الفطرة يعبدون الله.

وحيث وُجِدَ في ذرّيّة إسماعيل عليه السلام من عبد الأصنام، فواضحٌ أنّ إبراهيم قد خصّ بدعائه أمةً من ذريّته تبقى فيهم ملته ولا تندرس على تطاول القرون إلى أن يبعث الله رسوله محمدًا صلي الله عليه وسلم منهم.

ولما لم يكن ممكنًا بعثته من جميع أعراق ذريته كان أولاهم باحتسابه منهم هم آباؤه وأجداده وأمهاته فيكون منهم نسبًا قريبًا وملة...

قال السيوطي في « الحاوي » : (( كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم عليه السلام فإن أولى الناس به سِلْسِلَة الأجداد الشريفة الذين خُصُّوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحدًا بعد واد فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليه في قوله : ** رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } [إبراهيم : 40]، ولما وضح أن المخصوص بالدعاء هم آباؤه وأجداده صلي الله عليه وسلم دون عموم الذرية.. قال سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ لما سُئِلَ : هل عَبَدَ أحدٌ من ولد إسماعيل الأصنام ؟ قال : لا ألم تسمع قوله تعالى ** وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [إبراهيم : 35]. كما رواه ابن أبي حاتم.

وكذلك أخرج ابن جرير في تفسيره عن مجاهد أنه قال : (( استجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحدا من ولده صنمًا بعد دعوته ).

ولا ينطبق هذا إلاّ على من خص بدعائه أن تبقى فيهم ملته ولا تندرس من آبائه وأجداده صلي الله عليه وسلم، ومن نذر قليل خصّهم الله بعنايته ممّن لم يبدلوا ولم يحرفوا، وكأنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما أراه الله من ملكوت السموات والأرض شاهدَ ذلك النورَ المحمديَّ في البطون والأصلاب فئات من صلبه طلب لهم الإسلام والانقياد الذي طلبه لنفسه إلى أن يظهر ذلك النور الإلهي الذي أراه الله إياه في البطون والأصلاب ليظهر ذلك الرسول على ما تقتضيه حكمته تعالى، وقصده الخاص من جعله سببًا لمعرفته وشهوده بخلق جسمه الطاهر من أطهر الأعراف البشريّة، وأطيب الأنساب وأنفس جواهر النطف الناشئة بين الآباء والأمهات، فيحيي الله به ملة إبراهيم في توحيده وشعائره مما أصابهم من التحريف، وتبقى إلى يوم القيامة كما قال تعالى ** وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [الزخرف : 28]. إلى أن قال : ** حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ } [الزخرف : 29].

روى عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى ** وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [الزخرف : 28]. قال : شهادة أن لا إله إلاّ الله، والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها بده.

ونقل عبد الرزاق في « تفسيره » عن ابن معين عن قتادة في الآية قال : (( الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده )).

وأخرج ابن المنذر، قال ابن جريج : (( الآية في عقب إبراهيم لم يزل في ذريته من يوحد الله ويعبده بقوله : لا إله إلاّ الله )).

قال ابن المنذر وقول آخر : (( فلم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله حتى تقوم السّاعة )).

وهكذا اختار الله لنبيّه آباءه وأمهّاته من طاهر إلى طيب، ومن طيّب إلى طاهر، إلى أن أوصله الله إلى صلب عبد الله بن عبد المطّلب، ومنه إلى رحم أمه آمنة، فأخرجه إلى الدّنيا وجعله سيّد المرسلين وخاتم النبيّين ورحمةً للعالمين.

وهل يعقل أن يقرَّ الله الرّوح الطّاهر الطيّب بأصلاب المشركين وأرحام المشركات ويجعلها أصله في التّكوين والتّصوير وهو القائل ** إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة : 26]. والقائل أيضًا : ** الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } [النور : 26].

وإذا كان تخصيص هؤلاء بهؤلاء واردًا للمناسبة في التّزاوج بين الفريقين، فأولى أن تكون المناسبة بين النّطف التي تتكوّن في الأصلاب وتستقر في الأرحام، فلا يتولّد الطيّب الطّاهر من مشركين نجسين، وصدق الله العظيم : ** وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } [النور : 26].

********* المسلك الثاني
طهارة نسبه صلي الله عليه وسلم في الأحاديث


1 - روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( بُعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتّى كنت في القرن الّذي كنت فيه )). 2 - وأخرج مسلم والترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كِنَانَةَ قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم )).قال ابن تيمية : قضية الخبر أن إسماعيل وذرّيته صفوة ولد إبراهيم.3 - وفي « ذخائر العقبى » للمحب الطّبري من حديث واثلة بلفظه : (( إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتّخذه خليلاً، واصطفى من إبراهيم إسماعيل، واصطفى من مُضَرَ كِنَانَةَ وقريشًا، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطّلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطّلب )). 4 – روى التّرمذي وحسّنه عن العبّاس بن عبد المطّلب رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : (( إنَّ الله خَلَقَ الخلقَ فجعلني في خير فرقهم، ثم تخيَّر القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم تخيَّر البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرُهم نفسًا وخيرهم بيتًا )). 5 – أخرج البيهقي في « دلائل النّبوّة » عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : ((أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهرْ بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خُزيمَة بن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.وما افترق النّاس فرقتين إلاَّ جعلني الله في خيرهما فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عُهر الجاهليّة، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت إلى أبي وأمّي فأنا خيركم نسبًا وخيركم أبًا )). 6 - وأخرج أبو نعيم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه صلي الله عليه وسلم قال :
((لم يلتقِ أبواي قطُّ على سفاح، ولم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطّاهرة مصفًّى مهذّبًا لا تتشعّب شعبتان إلاَّ كنت في خيرهما )). 7 - وروى الطبراني عن ابن عمر أنّه صلي الله عليه وسلم قال : (( إنَّ الله تعالى اختار خلقه، واختار منهم بني آدم، ثم اختار منهم العرب، فاختار منهم قريشًا، فاختار منهم بني هاشم، ثم اختار بن هاشم، فاختارني، فلم أزل خيارًا من خيار. ألا من أحب العرب فبحبي أحبّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم )). 8 - وروى الطبراني وأبو نعيم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلي الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السّلام، قال : (( قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم )).قال ابن حجر : (( لوائح الصّحة ظاهرة على صفحات هذا المتن )). يريد - والله أعلم - أن الأحاديث الكثيرة تؤيّده في أفضليّته صلي الله عليه وسلم، وفي أفضليّة بني هاشم على سائر القبائل. 9 - وأخرج ابن مردويه : (( قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم : ** لقد جاءكم.. أنفسكم } [التوبة : 128]. ثم قال : أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلّنا نكاح )).10 – وقال السيوطي : أورد المحب الطّبري في « ذخائر العقبى » والبزّار في « مسنده » عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت صفية بنت عبد المطّلب : منا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
فقالوا : تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكساد فذكرت ذلك صفيَّة لرسول الله r فغضب فقام على المنبر، فقال : ((يا أيها الناس : من أنا ؟ )) قالوا : أنت رسول الله. قال : ((أنسبوني)) قالوا : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال : ((فما بال أقوام ينزلون أَصْلِي، فوالله إني لأفضلهم أصلاً وخيرهم موضعًا)). 11 - وأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال : بلغ النبيَّ صلي الله عليه وسلم أن أقوامًا نالوا منه، فقالوا : إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت من كناس، فغضب رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : ((إنَّ الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين : فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلاً، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني من خيرهم بيتًا، ثم قال : أنا خيركم قبيلاً وخيركم بيتًا )). 12 - وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج قال : ((ليس آزر أبا إبراهيم، وإنّما هو إبراهيم بن تيرخ، أو تاريخ بن شاروخ بن فاخور بن فالخ. قال : والعرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقًا شائعًا كما قال تعالى : ** أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } [البقرة : 133].13 - وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : (( إنّ أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنّما اسمه تارخ )).14 - وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر بأسانيد من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال : (( ليس آزر أبا إبراهيم )). قال السّيوطي : ( اعلم أنّ الأحاديث يصرح أكثرها لفظًا وكلها معنًى أن آباء النبي صلي الله عليه وسلم وأمهاته آدم وحواء مطهّرون من دنس الشِّرك والكفر، ليس فيهم كافر؛ لأنه لا يقال في حق الكافر أنّه مختار ولا طاهر ولا مصفًى، بل يقال نجس. قال تعالى : ** إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة : 28]. فوجب أن لا يكون في أجداده مشرك، فما زال منقولاً من الأصلاب الطّاهرة إلى الأرحام الطّاهرة، وما زال ينتقل نوره من ساجد إلى ساجد كم قال تعالى ** الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء : 218 – 219]، فالآية تدلُّ على أنّ جميع آبائه صلي الله عليه وسلم كانوا مسلمين وحينئذ وجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين وإنّما كان ذلك عمّه ). اهـ. قال ابن حجر المكّي : الأحاديث مصرّحة لفظًا ومعنى أنَّ آباءه وأمّهاته صلي الله عليه وسلم إلى آدم مختارون كرام، وأن أمهاته طاهرات، والكافر لا يقال في حقه مختار ولا كريم ولا طاهر بل نجس. اهـ.وهكذا طَهَّرَ اللهُ رسولَهُ بالحفظِ في الأصلاب والأرحام وطفلاً وناشئًا وكهلاً حتى قدَّسه بظهور نبوته وشرفه بالقربة، وطيبه بروحه، وجلله ببهائه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه.

*********

إيمان أجداده صلي الله عليه وسلم

دلَّت الآثار السّابقة على أن كل أصل من أصوله صلي الله عليه وسلم من آدم عليه السّلام إلى أبيه عبد الله هو من خير قرنه وأفضله أو خيره وأفضله.

كما وردت آثار كثيرة أن الأرض من عهد آدم إلى بعثة النبي صلي الله عليه وسلم وإلى قيام السّاعة لا تخلو من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحّدونه، وبهم تحفظ الأرض، ولولاهم لهلكت ومَنْ عليها، فهذه وتلك تدل على أنَّ أصول الرسول صلي الله عليه وسلم لم يكن فيهم مشرك وإلاَّ لما صحَّ أن يكون كل أصل منهم من خير أهل قرنه أو خيرهم إذ المشرك لا يكون خيرًا من المسلم بأي حال من الأحوال.والآثار الدّالة على أنّ الأرض لم تخلُ من مسلم في كل القرون كثيرة :
1 - منها : ما رواه عبد الرزّاق في « مصنّفه » بإسناده على شرط الشيخين عن ابن جريج قال : قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب : ((لم يزل على وجه الدّهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها )).ومثل هذا لا يقال بالرّأي فله حكم المرفوع.2 - ومنها : ما رواه الإمام أحمد في « الزّهد » والخلاَّل من « كرامات الأولياء » بسند صحيح على شرط الشّيخين عن ابن عبّاس قال : ((ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض)) وله حكم الرّفع أيضًا.وقوله : ((من بعد نوح)) لأنه من قبله كان الناس كلّهم على الهدى. 3 - ومنها : ما رواه البزّار في « مسنده » وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في « تفاسيرهم » والحاكم في « المستدرك » وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } [البقرة : 213]. قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلّهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيّين. وفي « الحاوي » للسّيوطي قال ابن أبي حاتم في « تفسيره » : (( بين النبي صلي الله عليه وسلم وبين آدم تسعة وأربعون أبًا )). 4 - وفي « الحاوي » أيضًا : ((إن سام بن نوح مؤمن بالإجماع)) لأنّه كان مع أبيه في السّفينة ولم ينج فيها إلاَّ مؤمن، قال تعالى ** وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ }[الصّافّات : 77]. ثم ساق السيوطي آثارًا يُعلَم من مجموعها أنَّ أجداد الرّسول صلي الله عليه وسلم من آدم إلى زمن نمروذ كانوا مؤمنين بيقين، قال : ثم استمر التّوحيد في ولد إبراهيم وإسماعيل.قال الشهرستاني في « الملل والنّحل » : (كان دين إبراهيم قائمًا، والتّوحيد في صدر العرب شائعًا، وأوّل من غيره واتّخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحي).وقال ابن كثير في « تاريخه » : (كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن وليَ عمرو بن عامر الخزاعي مكة فأحدث عبادة الأصنام، وشرع للعرب الضلالات من السّوائب وغيرها وزاد في التّلبية ).وقال السّهيلي في « الروض الأنف » : (كانت العرب قد جعلت عمرو بن لُحي مُطاعًا لا يبتدع لهم بدعة إلاَّ اتخذوه شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم). اهـ.فهو أوَّل من غَيَّر دين إبراهيم ونَصَبَ الأوثان وبَحر البحيرة، وسيَّب السّائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وأوّل من أدخل في التلبية : (( لبيك لا شريك لك إلاَّ شريكًا هو لك تملكه وما ملك))، وتبعته العرب ومع ذلك بقيت بقايا من دين إبراهيم وظلت خزاعة على الحرم إلى أن انتزع منهم قصي ولاية البيت. قال السّيوطي : وهذا يثبت أنَّ آباء النبي صلي الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو المذكور كلّهم مؤمنون حيث لم يدخل التّبديل والتّغيير في شريعة إبراهيم إلاَّ في زمن عمرو بن لحي الخزاعي.ثم أخرج السّيوطي روايات عن ابن عبّاس والطبري وابن سعد في «طبقاته»، والسّهيلي في «الروض الأُنف» ووكيع في كتاب «الغرر من الأخبار» يدل مجموعها على بقاء كل من عدنان ومعه مضر وإلياس وكعب بن لؤي وولده مُرَّة، وغيرهم من العرب كربيعة وخزيمة وأسد وتميمًا وضبة وقسًا، على الإيمان. ونقل عن الماوردي في «دلائل النّبوّة» وأبي نعيم في «دلائل النّبوّة» أنّ كعب بن لؤي كان يخطب قريشًا يوم العَروبة، وهو يوم الجمعة، فيذكّرهم بمبعث النبي صلي الله عليه وسلم، ويعلمهم أنّه من ولده، ويأمرهم باتّباعه والإيمان به. ويبقى بعد مُرَّةَ من آبائه صلي الله عليه وسلم : كلاب، وقُصَيّ، وعبد مناف، وهاشم وعبد المطّلب، وعبد الله والده r، وما ذكرناه من دعوات إبراهيم عليه السلام لذريّته من إسماعيل عليه السلام : {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ *... رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } [إبراهيم : 35، 40 ]، ** وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [الزّخرف : 28].يدل على أنَّ من ذريّته من بقي على الإيمان وأولادهم به سلسلة الأجداد والآباء الشريفة الذين خُصُّوا بالاصطفاء، وانتقل إليهم نور النّبوّة واحدًا بعد واحد، فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليهم في دعاء إبراهيم عليه السلام في الآيات السّابقة.وقد دل ما سبق من دلائل على إيمانهم وحسبك ما رأوا من دلائل نبوّته التي نقلت عنهم. قال أبو الحسن الماوردي في كتابه « أعلام النبوّة » : (( إن الله استخلصَ رسولَهُ صلي الله عليه وسلم من أطيب المناكح، وحماه من دَنَس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزّهة، وقد قال ابنُ عبّاس في تأويل قوله تعالى : ** وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء : 219] : أي تقلّبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيًّا. فكان نور النبوّة ظاهرًا في آبائه، ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصًّا بنسبٍ جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده نهاية فيزول عنه أن يشارك فيه، ويماثل فيه، فلذلك مات عنه أبواه في صغره، فأمّا أبوه فمات وهو حمل، وأما أمّه فماتت وهو ابن ست سنين، وإذا خَبِرتَ حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام، ليس في آبائه مسترذل ولا مغمور مستبدل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النّسب وطهارة المولد من شروط النبوّة )). اهـ.

*********

إيمان عبد المطّلب جد النّبي صلي الله عليه وسلم

أكثر النّاس في عبد المطّلب مستدلّين على كفره بما لا يصلح دليلاً ويعارض ما ذكرناه من إسلام أصوله صلي الله عليه وسلم وانتقال النّور النّبوي من صلب إلى صلب. قال الشهرستاني في « الملل والنّحل » : ظهرَ نورُ النّبي صلي الله عليه وسلم في أسارير عبد المطّلب بعض الظّهور، وببركة ذلك النّور كان يأمر ولده بترك الظّلم والبغي، ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيّات الأمور، وببركة ذلك النّور كان يقول في وصاياه : إنّه لن يخرج من الدّنيا ظلوم حتّى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هَلَك رجل ظلوم ولم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطّلب في ذلك ففكر وقال : والله إن وراء هذه الدّار دارًا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته. وببركة هذا النّور قال عبد المطّلب لأبرهة : إنّ لهذا البيت ربًّا يحميه. وببركة هذا النّور قال وقد صعد أبا قيس :

اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم يومًا محالك وانصر على آل الصّليب وعابدين اليوم آلك

قال السّيوطي : وينضمُّ إلى هذا أنَّ النّبي صلي الله عليه وسلم قد انتسب إليه يوم حنين، فقال : (( أنا النّبي لا كذب... أنا ابن عبدالمطّلب )) وهذا من أقوى ما يقوى به القول أنّه كان على دين إبراهيم، لأنَّ الفخر بالانتساب إلى الآباء الكفّار منهيٌّ عنه، فروى البيهقي عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : (( لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فو الذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خيرٌ من آبائكم الذين ماتوا في الجاهليّة )). وروى البيهقي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( إنّ الله أذهب عنكم عَبيَّة الجاهليّة وفخرها بالآباء، لينتهينَّ أقوام يفتخرون برجال، إنّما هم فحم من فحم جهنّم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعْلان التي ترفع النّتن بأنفها )). وأورد البيهقي في « شعب الإيمان » حديث مسلم : ((أنَّ في أمتي أربعًا من أمر الجاهليّة ليسوا بتاركين : الفخر في الأحساب.. )). الحديث. وإشارته صلي الله عليه وسلم إلى اصطفاء آبائه ليس من باب الفخر، وإنّما هو من باب التحدّث بنعمة الله عليه. وفي حديث البزّار الذي أوردناه فيما سبق من قوله صلي الله عليه وسلم : (( ما بال أقوام ينزلون أصلي فوالله لأفضلهم أصلاً وخيرهم موضعًا ))، وأحاديث : ((ما افترق فرقتين إلاَّ وجعلني الله في خيرها )) أتم الدلالة على سلامة أصوله من الشّرك. وما ورد في « الصحيح » من قول أبي طالب : ((أموت على ملّة عبد المطّلب)) لا دلالة فيه على أنّ عبد المطّلب قد مات على الشّرك أو أنّ أحدًا منهما قد عبد الأصنام وإنّما أبو طالب أدرك مبعث النّبي r ولم يؤمن به ظاهرًا، أمّا عبد المطّلب فإنّه لم يدرك مبعثه صلي الله عليه وسلم، فلم يتشرّف بالإيمان به ولا دلالة في ذلك على أنّه لم يكن على دين حق، وهو ملة إبراهيم عليه السّلام التي لم تنسخ بعد.

*********


إيمان أمّهاته صلي الله عليه وسلم

وبعد ذكر أجداده وسلامتهم من الشرك نأتي على ذكر سلسلة أمّهاته وسلامتهن من الشّرك وطهارتهن من السّفاح.
قال السّيوطي في « الحاوي » : استقرأت أمّهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات، فأمُّ إسحاق، وموسى، وهارون، وعيسى، وحواء أم شيث، مذكورات في القرآن، بل قيل بنبوّتهن.
ووردت الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل، وأم يعقوب، وأمّهات أولاده، وأم داود، وسليمان، وزكريّا، ويحيى، وشمويل، وشمعون، وذي الكفل.
ونص بعض المفسّرين على إيمان أم نوح، وأم إبراهيم، ورجّحه أبو حيّان في « تفسيره ».
وقد تقدّم عن ابن عبّاس أنّه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ولهذا قال نوح : ** رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا } [نوح : 28]. وقال إبراهيم : ** رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } [إبراهيم : 41]. ولم يعتذر من استغفار إبراهيم في القرآن إلاَّ لأبيه خاصّةً دون أمّه تدل على أنّها كانت مؤمنة، وقد دلّت الأخبار السّابقة على أنّ آزر الّذي استغفر له لم يكن إلاَّ عمّه.
وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه عن ابن عبّاس قال: (( كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلاَّ عشرة : نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد -عليهم السّلام- )).
وبنوا إسرائيل كلّهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافرًا إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر، فأمّهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلّهن مؤمنات.
وأيضًا فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم، فإنَّ النبوّة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.
وأمّا العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل، فقد ثبت إيمان أم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وبقي أم هود، وصالح، ولوط، وشعيب، فالظّاهر - إن شاء الله - إيمانهن - أي أسوة بالآخرين -.
فكذلك أم النّبي صلي الله عليه وسلم وكأنَّ السّر في ذلك ما يرينه من النّور، كما ورد في حديث أحمد والبزّار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ((إنّي عبد الله وخاتم النبيّين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمّي التي رأت )). وكذلك أمّهات النبيّين يرين.
وإنّ أم رسول الله صلي الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشّام، ولا شك أنَّ الذي رأته أم النبي صلي الله عليه وسلم في حال حملها وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمّهات الأنبياء كما سبق في كتب السّيرة.
وقال السّيوطي أيضًا : أخرج أبو نعيم في «دلائل النبوّة» بسند ضعيف من طريق الزّهري عن أم سماعة بنت أبي رهم، عن أمّها قالت : شهدت آمنة أم رسول الله صلي الله عليه وسلم في علّتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يقع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه، ثم قالت :

باركَ فيك اللهُ من غلام يا ابنَ الذي من حومه الحمام
نجا بعونِ الملكِ المنعام فودي غداة الضرب بالسّهام
بمائة من إبل سوام إن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام
تبعث في الحِلِّ وفي الحرام تبعث بالتّحقيق والإسلام
دين أبيك إبراهام فالله نهاك عن الأصنام
أن لا نواليها مع الأقوام

ثم قالت : كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرًا وولدت ظهرًا.
قال السّيوطي : وما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدّين الدّمشقي :

تنقل أحمد نورًا عظيمًا تلألأ في جباه السّاجدينا
تقلَّب فيهم قرنًا فقرنًا إلى أن جاء خير المرسلينا

وقال أيضًا :

حفظَ الله كرامةً لمحمدًا آباءه الأمجادَ صونًا لاسمه
تركوا السّفاح فلم يصبهم عارةً من آدم حتّى أبيه وأمّه

وقال الشّرف البوصيري صاحب البردة :

لم تزل في ضمائر الغيب تختار لك الأمّهات والآباء ما مضت فترةً من الرّسل إلاَّ بشَّرت قومها بك الأنبياء
تتباهى بك العصور وتسمو بك عليا، بعدها علياءُ
وبدا للوجود منك كريم من كريم آباؤه كرماء
نسب تحسب العلا بحلاه قلدتها نجومها الجوزاء
*********



المسلك الثالث
استدلال البعض على نجاة الأبوين بأنّهما ماتا في الفترة ولا داعي لذلك الاستدلال


ما أوردته من آيات في المسلك الأوّل يدل على أنَّ إبراهيم عليه السلام قد دعا لذرّيته من ولد إسماعيل عليه السّلام بالإسلام، وأن تبقى ملّته في عقبه إلى بعثة نبيّنا صلي الله عليه وسلم، وأن يجنبهم عبادة الأصنام، وبيَّنَّا أنّه لما وجد في ذرّيته من يعبد الأصنام ظهر أنَّ المخصوص بالدّعاء ليس جميع ذرّيته، وإنّما طائفة من ذرّيّته هم آباؤه وأجداده وأمّهاته إذ هم أولى باحتساب رسول الله r منهم نسبًا قريبًا وملّةً كما قال تعالى : ** وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } [البقرة : 129]. وكذلك بيَّنَّا في المسلك الثّاني ما في الأحاديث من دلالة على طهارة نسبه من آدم من الشّرك والسّفاح حتى تسلسلوا إلى إبراهيم، ومنه إلى أن ولد عبدالله وآمنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فأبقاهم الله جميعًا على ملّته لم يغيِّروا ولم يبدلوا استجابةً لدعاء الخليل عليه السّلام. ومثل هؤلاء لا يقال عنهم أنّهم من أهل الفترة، بل من الملة الحنيفية الإبراهيمية ممن شملهم دعاؤه بالأولى ببقاء ملته في عقبه حتى يبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم منهم، فهم من الأمة المسلمة من ذريَّة إبراهيم وإسماعيل، ولا يجب عليهم الإيمان برسول آخر خارج عن ذرّيّة إسماعيل. أما عن حكم أهل الفترة نجاتهم أو عذابهم، فقد قال السّيوطي في «الحاوي» : (( أطبقت أئمّتنا من أهل الكلام والأصول والفقه على أنّ من مات ولم تبلغه الدّعوة يموت ناجيًا، مستدلّين على أنّه لا تعذيب قبل البعثة، رادّين بذلك على المعتزلة ومن وافقهم على تحكيم العقل بآيات منها : 1 - قوله تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء : 15]. أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره في الآية عن قتادة قال : (( إنَّ الله ليس بمعذِّب أحدًا حتى يسبق إليه من الله تعالى خبرًا أو تأتيه من الله بيِّنَة )). 2 - وقوله تعالى : ** وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا } [القصص : 59]. 3 - وقوله تعالى : ** وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } [طه : 134 ]. 4 - وقوله تعالى : ** وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ القصص : 47 ]. 5 - وقوله تعالى : ** وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الشّعراء : 208 - 209 ]. 6 - وقوله تعالى : ** وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } [ الأنعام : 155 - 156 ]. واعلم أنّه مع اتّفاقهم على أن لا تعذيب لقوم قبل بعثة نبيّ إليهم، قال قوم : المراد به أنّه لا تعذيب في الدّنيا بالهلاك والقذف والمسخ ونحوه إلاَّ بعد بعثة نبيّ لقوله تعالى : ** وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا } [القصص : 59]، ونحوها. وقال آخرون : المراد أنّه لا تعذيب لا في الدّنيا ولا في الآخرة إلاَّ بعد دعوة نبي لهم لاحتجاج الله عليهم بأنّه لم يعذّبهم إلاَّ لكفرهم بمن أرسل إليهم، ومن لم تبلغه الدّعوة يعامل في الدّنيا كالمسلم فيضمن بالكفّارة والدّيّة ولا يقاتل، ولكن لا يجب القصاص على قاتله. ودلَّت بعض الأحاديث على أنَّ أهل الفترة يمتحنون في الآخرة، فمن أطاع منهم أُدخِل الجنَّة، ومن عصى أُدخِل النَّار. ومن ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» والبيهقي في كتاب «الاعتقاد» وصححه عن الأسود بن سريع أنّ النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( أربعة يمتحنون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأمّا الأصم فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأمّا الأحمق فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأمّا الهرم فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأمّا الذي مات في الفترة فيقول : ربِّ ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقَهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم : ادخلوا النّار فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها )). وأضيف إلى ذلك روايات أخرى ((الأبكم))، و((من مات صغيرًا)). هذا وقد صحّت أحاديث بتعذيبِ أشخاص من أهل الفترة ذكروا بأسمائهم ممّن بدَّل وغيَّر الشّرائع، وشرع من الضلال ما لا يعذر به كعمرو بن لحي وغيره. أمّا أهل الفترة فإنّه يراد بهم الأمم الكائنة بين أزمنة الرّسل الّذين لم يُرْسَل إليهم الأوّل ولا أدركوا الثّاني، ولم تبلغهم أي دعوة حق أصلاً كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام، ولا لحقوا النبي صلي الله عليه وسلم. ومن اهل الفترة من أُرسِل إليهم نبيٌّ، ولكن اندرست شريعته كلّية، فإن لم تندرس شريعته بالكلّية ولو طَرَأَ عليها التّحريف والفساد فليس أهلها أصحاب فترة كاليهود والنّصارى، فإنّهم ليسوا أهل فترة رغم تحريفهم وتبديلهم. أمّا العرب من ذرّيّة إسماعيل -عليه السّلام - فإنّهم كانوا خارجين عن دعوة عيسى عليه السّلام. وقد سبق النّقل عن ابن كثير وغيره أنَّ العرب كانت على دين إبراهيم عليه السّلام إلى أن غيَّره عمرو بن لحي فَنَصَبَ الأوثانَ وشَرَعَ الضلالات، وتَبِعَهُ العرب من بعده ولكن بقيت بقايا من دين إبراهيم عليه السّلام استجابةً لدعوته عليه السّلام ** وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ...... رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } [ إبراهيم : 35، 40]. ** وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [ الزخرف : 28]. ووضّحنا أنّ أولى النّاس بهذه الدّعوة وبقاء الملّة فيهم هم سلسلة الأجداد الشّريفة لما ورد : (( وما افترق النّاس فرقتين إلاَّ جعلني الله في خيرها )). ولما ورد : (( أن الأرض من عَهد آدم عليه السلام إلى بعثة النبي صلي الله عليه وسلم لا تخلو من ناس يعبدون الله ويوحّدونه )). في هذا أتم الدّلالة على سلامة أصوله صلي الله عليه وسلم من الشّرك وإلاَّ لما صحَّ أن يكون أصل منهم من خير قرنه أو خيرهم إذ المشرك لا يكون خيرًا من المسلم بأيَّ حال من الأحوال، ولذا فإنه لا داعي - لمحاولة توجيه نجاة الأبوين بأنّهم من أهل فترة - الظن فيهما أن يطيعا عند الامتحان بشفاعته r وسابق الوعد له في قوله تعالى : ** وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } [الضّحى : 5 ]، وأنّه لا يرضى أن يدخل أحد من أهل بيته النّار، فكل ذلك الاعتذار بالنّسبة للأبوين مبنيٌّ على أنّهما لم يكونا على دين حق، وقد علمت خلاف ذلك وأن كل أصل من أصوله صلي الله عليه وسلم كان خير أهل قرنه، ولا مانع من شفاعته صلي الله عليه وسلم لإعلاء درجاتهما أكثر وأكثر، فهذا مما يرضيه صلي الله عليه وسلم. أما نيل أهل بيته لشفاعته صلي الله عليه وسلم فقد وردت به أحاديث عديدة يشدُّ بعضها بعضًا، فإنَّ الحديث الضّعيف يتقوّى بكثرة طرقه. ومنها ما أخرجه الطّبراني من حديث أم هانئ أنّ النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وأن شفاعتي تنال حاء وحكم )). وحاء وحكم قبيلتان جافيتان من اليمن. وهذا، ولما كان أصوله صلي الله عليه وسلم من ذرّيّة إبراهيم من إسماعيل باقين على الحنفية استجابة لدعوة إبراهيم عليه السّلام، فكذلك كان جماعة في زمن الجاهلية قد تدينوا بدين إبراهيم – عليه السّلام – وتركوا الشّرك ومنهم كما قال ابن الجوزي في «التلقيح» : أبو بكر الصدّيق، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل، ورباب بن البراء، وأسعد أبو كرب الحميري، وقس بن ساعدة الأيادي، وأبو قيس بن صرمة. وقد وردت الأحاديث بتحنث زيد وورقة وقس، وممّن تحنَّث عمرو بن عبسة السُّلَمي كما أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوّة» أنّه قال : (( رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة )). وأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في «الدلائل» أن عمير بن حبيب الجهني تَرَكَ الشرك في الجاهلية وصلَّى لله وعاش حتى أدرك الإسلام. ومما ذكر تعلم عدم شمول الشّرك جميع ذرّيّة إبراهيم عليه السّلام من بعده إلى بعثة النبي صلي الله عليه وسلم وأن شرعه من جهة إسماعيل لم يندرس، بل بقيت بقية على دينه. أما الأكثر من العرب فكانوا يزعمون انتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام، بينما فَشَا فيهم فساد كبير مما أحدثه عمرو بن لحي في دينه عليه السلام من عبادة الأصنام والفتنة في الدين وغَلَبة الجهل على الناس، فأولى تسميتهم أهل الجاهلية لغلبة الجهل على الأكثر وخلوِّ الزّمان عن المبلِّغ والزّاجر.

*********

ولذا فإنّ العرب ما بين عيسى ومحمد عليهما السّلام من حيث النجاة وعدمها على مراتب :
1 – منهم : من بقي على شريعة إبراهيم – عليه السلام – فوحَّدَ الله ولم يعبد الأصنام كآبائه صلي الله عليه وسلم، وقس بن ساعدة وغيره، فهؤلاء مؤمنون ناجون. 2 – ومنهم : من دخل في شريعة حق قائمة كمن تهوَّد وتنصَّر، فحكمه حكم أهل الدين الّذي دخل فيه ما لم يلحق الإسلام الناسخ لكل دين فإنه سيعذب إذا لم يؤمن. 3 – ومنهم : من لم تبلغه دعوة لأي نبي كالأعراب الّذين لم يرسل إليهم عيسى فهؤلاء أهل فترة. 4 – ومنهم : من كان في زمن جاهليّة ملأ الجهل الأرض وفقدت الشرائع من آل يعقوب، ولم تبلغ الدّعوة على وجهها إلاَّ نفرًا يسيرًا من أهل الكتاب متفرقين في أقطار الأرض والشام وغيرها، ولم يعهد للجاهل تقلّب في الأسفار إلى مواطنهم، ولم يعمَّر عمرًا طويلاً يمكّنه من التنقيب فهؤلاء أهل فترة أيضًا إذا لم يشركوا بالله. 5 – ومنهم : من لم يشرك ولا دخل في شريعة ولا ابتكر لنفسه شريعة، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله فهؤلاء أهل فترة أيضًا وفي الجاهلية من كان كذلك. 6 – ومنهم : من بدَّل وغيَّر وأشرك ولم يؤمن، وشرع لنفسه، وحلَّل وحرَّم، وهم أكثر العرب اتبعوا عمرو بن لحي أول من سنَّ للعرب عبادة الأصنام، وشرع لهم الضلالات، وأدخل في التّلبية ما ليس منها، وزاد بعضهم عليه من بعده ضلالاً من عبادة الجنّ والملائكة ووأد البنات واتّخاذ بيوت جعلوا لها سدنةً وحجابًا يضاهون بها الكعبة كاللاتِ والعُزَّى ومَنَاة، وعلى هؤلاء يحمل من صح تعذيبه لكفرهم بما لا يعذرون به. 7 – ومنهم : من بلغته دعوة أحد من الأنبياء السابقين، ثم أصرَّ على كفره فهو في النّار قطعًا بلا نزاع.

*********


المسلك الرابع
استدلال البعض على نجاة الأبوين بما رُوي من إحيائهما ولا حاجة لذلك


ذهب كثير من حُفَّاظ المحدّثين وغيرهم كابن شاهين والحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري وناصر الدين ابن المنيِّر وغيرهم إلى أن الله أحيا له صلي الله عليه وسلم أبويه فآمنا به، واستدلوا لذلك بحديث ضعيف أسند عن عائشة رضي الله عنها قالت : حجَّ بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم حجة الوداع فمرَّ بعقبة الحجون، وهو باكٍ حزين، فقام فمكث طويلاً، ثم دعا وهو فرح مبتسم، فقلت له في ذلك، فقال : (( ذهبت لقبر أمي فسألتُ الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها إليه )) "أي إلى القبر". وهذا الحديث ضعيف باتّفاق المحدِّثين، ولا حاجة إلى الاحتجاج به لثبوت إسلام أبويه صلي الله عليه وسلم بالكتاب والسنة حيث كانا وكل آبائه وأجداده على دين جدهم إبراهيم عليه السلام، كما تقدم بيانه في المسلكين السابقين، وإن ثبت إحياؤهما وإيمانهما به صلي الله عليه وسلم بعد الإحياء، فذلك يوجب تشريفها بتجديد إيمانها على يده صلي الله عليه وسلم ومبايعته عليه السلام على أنه لم يثبت عن الوالدين شرك. وسيأتي في فصل خاص الجواب عما ورد من أحاديث توحي بعد إسلام الوالدين فانتظر.

*********


الجواب عما استدل به البعض على عدم نجاة الأبوين

أخرج ابن عساكر في تاريخه قال : كان رجل من كتاب الشام مأمونًا عندهم (أي بني أمية)، استعمل رجلاً على كورة الشام، وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ عمر بن عبد العزيز ذلك، فقال : ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين يزن بالمنانية ؟ قال : أصلح الله أمير المؤمنين وما عليَّ، كان أبو النبي صلي الله عليه وسلم مشركًا، فقال عمر : آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال : أأقطع لسانه ؟ أأقطع يده ورجله ؟ أأضرب عنقه ؟ ثم قال : لا تلي لي شيئًا ما بقيت. ونبتت نابتة في هذه الأيام تكثر من الطعن واللمز في أبويّ المصطفى صلي الله عليه وسلم، وكأنَّ ذلك ركن لا يتم الإسلام إلاَّ به، ردّدوا عن أب المصطفى ما رواه مسلم عن أنس أن رجلاً قال : يا رسول الله: أين أبي ؟ قال : ((في النار)). فلما قفي دعاه قال (( إن أبي وأباك في النار )). قال السيوطي : لفظ ((أبي وأباك في النار)) لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وهي الطريق التي رواه مسلم بها. وقد خالفه معمر عن ثابت، فلم يذكر أن : (( أبي وأباك في النار ))، ولكن قال له : ((إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار))، وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلي الله عليه وسلم بأمر البتة، وهو أثبت من حيث الرواية لأن معمرًا أثبت من حماد، فإن حمادًا تُكلِّمَ في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسَّها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدَّث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئًا، ولا خرج له مسلم في الأصول إلاَّ من روايته عن ثابت. قال الحاكم في «المدخل» : ما خرّج مسلم لحماد في الأصول إلاَّ من حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيئًا من حديثه واتّفق على التّخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت. ثم وجدنا الحديث ورد عن حديث سعد بن أبي وقاص مثل لفظ : ( رواية معمر عن ثابت عن أنس )، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن أعرابيًّا قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم : أين أبي ؟ قال : ((في النار)) قال : فأين أبوك ؟ قال : (( حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنّار)) وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعيَّن الاعتماد على هذا اللّفظ، وتقديمه على غيره. وقد زاد الطّبراني والبيهقي في آخره قال : فأسلم الأعرابي بعد ذلك، فقال : كلّفني رسول الله صلي الله عليه وسلم تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلاَّ بشَّرته بالنّار. وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه قال : جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنَّ أبي كان يَصِلُ الرّحم، وكان... فأين هو ؟ قال : في النار، فكأنه وجد من ذلك فقال : يا رسول الله أين أبوك ؟ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : حيثما مررت بقبر مشرك فبشِّره بالنّار. قال : فأسلم الأعرابي بعد. قال : لقد كلّفني رسول الله صلي الله عليه وسلم تعبًا ما مررت بقبر كافر إلاَّ بشّرته بالنار. فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أنَّ هذا اللّفظ العام هو الّذي صَدَر منه صلي الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للامتثال فلم يسعه إلاَّ امتثاله. ولو كان الجواب باللّفظ الأوّل لم يكن فيه أمر بشيء البتّة فعلم أن هذا اللّفظ من تصرُّف الرّاوي رواه بالمعنى على حسب فهمه. وقد وقع في «الصحيحين» روايات كثيرة من هذا اللّفظ تصرَّف فيه الرّاوي، وغيره أثبت منه كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعلَّها الإمام الشّافعي بذلك وقال : إن الثّابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الرّاوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ. ثم لو فرض اتّفاق الرّواة على اللّفظ الأوّل كان معارضًا بما تقدم من الأدلّة القرآنيّة والأحاديث. والحديث الصّحيح إذا عارضته أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلّة عليه كما هو مقرّر في الأصول. ثم قال السّيوطي : وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافدًا إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، في النّاس خطيبًا فذكر الحديث إلى أن قال: فقلت يا رسول الله : هل أحد ممن قضي منّا في جاهليّة من خير ؟ فقال رجل من عرض قريش : إن أباك المنتفق في النار فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي، مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول : وأبوك يا رسول الله، ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت : وأهلك يا رسول الله ؟ فقال : ((ما أتيت عليه من قبر قرشي أو عامري، فقل: أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوؤك )). قال السّيوطي : وهذه رواية لا إشكال فيها وهي أوضح الرّوايات وأبينها. وربّما أوّل جماعة رواية : ((أبي وأباك)) بأن المراد عمّه أبو طالب لما كان شائعًا بين قريش قولهم قل لابنك أن يرجع عن شتم آبائنا.

*********

وردَّدوا عن أمِّ المصطفى صلي الله عليه وسلم ما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه صلي الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمّه فلم يُؤذَن له. وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : حج بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم حجة الوداع فمرَّ بعقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم فَنَزَل فَمَكث عني طويلاً ثم عاد إليَّ وهو فَرِحٌ مبتسم، فقلت له في ذلك. فقال : ((ذهبت لقبر أمّي فسألت الله أن يحييها فآمنت بي وردّها إليه )). أقول: قد تقدّم أنّه لا حاجة إلى الاحتجاج بحديث عائشة عن إسلام أبويه لثبوت إسلامهما بالكتاب والسنة كما تقدّم بيانه في المسلكين السّابقين ونحن إنّما سقنا الحديث هنا لما فيه (إن الزيارة والاستئذان كانا في حجّة الوداع). ونعود إلى حديث مسلم في عدم الإذن بالاستغفار لها فمعلوم أنّ الاستغفار ليس مخصوصًا بالمشرك والكافر بل هو شامل للمؤمن والكافر، والطائع، والعاصي، والولي، والنبي، كما قال تعالى : ** وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [محمد : 19]، وقال تعالى : ** وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [النصر : 3]. ومعلوم أيضًا أن النّهي عن الاستغفار للمشركين وعن القيام على قبر مشرك كان من قبل حجة الوداع التي حصل فيها الاستئذان، كما قال تعالى : ** مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } [التوبة : 113]، وكما قال تعالى : ** وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون } [التوبة : 84]. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لا يطلب الأمر الّذي نهى عنه ولا يرتكب ما نهاه عنه ربّه، وهو طلب استئذانه للاستغفار لها واستئذانه لزيارتها إنّما هو لأنّه صحّت طهارتها عن دنس التّلوّث بالشّرك ودليل على إسلامها وعدم موتها على الشّرك وعدم الإذن له في الاستغفار لها لا يدل على أنّ الاستغفار لها غير مقبول أبدًا إذ يجوز أن يُؤذن في وقت ولا يُؤذن في وقت فيؤخّر إلى مجيء الوقت المعيَّن فيستجاب عند مجيئه كما قالت عائشة أنّه صلي الله عليه وسلم نزل إلى الحجون ثم عاد مسرورًا. كما أنَّ عدم الإذن بالاستغفار لها لا يقتضي أنّها من أهل النّار أو يقتضي شركها، لأنّ هذا الاحتمال معارض بما هو أرجح منه وهو ما سبق في المسلكين من أدلّة قرآنيّة وأحاديث على أنَّ كل أصل من أصوله صلي الله عليه وسلم كان متديّنًا بالملّة الإبراهيميّة استجابةً لدعاء إبراهيم عليه السّلام ** وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [إبراهيم : 35]. وأن أولى الناس من ذرّيته من إسماعيل عليه السّلام باستجابة دعائه فيهم هم سلسلة أصوله الشّريفة الّذين دعا أن يبعث الرسول منهم حيث خُصُّوا بالاصطفاء، ونقلِ نور النبوّة إليهم واحدًا بعد واحد، ولما دلّت عليه الأحاديث أن كل أصل من أصوله كان خير أهل قرنه. فتعيَّن لهذا تأويل الحديث بأنّه كان يطلب إحياءهما ليتشرّفا بصحبته صلي الله عليه وسلم بالإيمان به، فلم يؤذن له ؛ لأنّه مأمور بدعوة الأحياء إلى الإيمان لا بدعوة الأموات، أو لأنّه طلب الإذن بالاستغفار من غير وحي إلهي، فلم يؤذن له لأن الأولى به صلي الله عليه وسلم أن يقف عند وحي ربه أو أن الغاية من طلبه الاستغفار لهما هو الدعاء برفع درجاتهما ولم يكن الوقت قد جاء بعد. وما رُوِيَ أنّه صلي الله عليه وسلم قال : (( ليت شعري ما فعل أبواي ))، فنزلت : ** وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } [البقرة : 119]، فهذا لم يخرج في شيء من كتب الحديث وإنّما ذكر في بعض التّفاسير بسند منقطع، لا يحتج به ولا يُعوَّل عليه. والثّابت في «الصحيحين» إنّها نزلت في أبي طالب. ثم إنّ هذا السّبب لا يعوَّل عليه أيضًا. وذلك أنّ الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلّها في اليهود [من] قوله تعالى ** يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [البقرة : 40] إلى قوله تعالى : ** وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ } [البقرة : 124]، ولهذا اختتمت القصّة بمثل ما صدرت به وهو قوله تعالى : ** يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [البقرة : 122]، الآيتين. فتبيّن أنَّ المراد بأصحاب الجحيم كفّار مكّة، وقد ورد ذلك مصرَّحًا به في أثر أخرجه عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال : من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وثلاث عشر آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل. إسناده صحيح. وممّا يؤكّد ذلك أنّ السّورة مدنيّة وأكثر ما خوطب فيها اليهود ويرشّح ذلك من حيث المناسبة أنّ الجحيم اسم لما عظم من النّار كما هو مقتضى اللّغة والآثار، فاللاَّئق بهذه المنزلة من عَظُم كفره وعانَد عند الدّعوة وبدَّل وحرَّف وجحد بعد علم لا من هو بمظنّة التخفيف. وإذا كان قد صحَّ في أبي طالب أنّه أهون أهل النار عذابًا فإن هذا مما يدل على أنّ أبوي النبي صلي الله عليه وسلم ليسا في النار ؛ لأنّهما لو كانا فيها لكانا أهون عذابًا من أبي طالب ؛ لأنّهما أشد منه قربًا وأبسط عذرًا إذ لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب. وما روي من حديث أنّه صلي الله عليه وسلم استغفر لأمّه فَضَرب جبريل في صدره وقال : لا تستغفر لمن مات مشركًا وأنّه نزل فيها :
** مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } [التوبة : 113]،
فإنّ البزّار أخرجه بسند فيه من لا يعرف، وحديث نزول الآية في ذلك ضعيف أيضًا، والثّابت في «الصّحيحين» أنّها نزلت في أبي طالب وقوله صلي الله عليه وسلم : ((لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك))وما روي من حديث أنّه صلي الله عليه وسلم قال لابني مليكه : (( أمّكما في النّار )) فشقَّ عليهما فدعاهما فقال : ((إن أمي مع أمّكما)) فضعَّفه الدّارقطني وحلف الذّهبي يمينًا شرعيًّا بأنَّه ضعيف. وغالب ما يُروى عن أمِّ النبي صلي الله عليه وسلم ضعيف ولم يصح في أمِّ النبي صلي الله عليه وسلم إلاَّ حديث مسلم عن أبي هريرة، وقد عرفت الجواب عنه، ولم يصح أيضًا في أبيه إلاَّ حديث مسلم أيضًا، وقد تقدّم الجواب عنه أيضًا. وأنّه لا دلالة في تلك الأحاديث على وقوع الشّرك من أبويه فكيف على موتهما عليه كما زعم البعض، وقد ثبت أنّهما من الأمّة المسلمة من ذرّيَّة إبراهيم الّذين دعا إبراهيم لهم بالإسلام، ودعا ببعث الرّسول منهم فَقَبِلَ الله دعوته وحفظ مِلَّته إلى بعثه صلي الله عليه وسلم، بل إلى يوم القيامة ببعثته صلي الله عليه وسلم. انتهى

حفيد الصحابة1
09 04 2011, 09:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.




1/ الإمام النووي رحمه الله تعالى :
وقد بوب في شرحه لصحيح مسلم عند حديث " أبي وأباك في النار " بقوله " باب : بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولا تناله شفاعته ، ولا تنفعه قرابة المقربين " .
وقال في شرحه " وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ؛ فإن الدعوة كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم " انتهى .

وقال رحمه الله عند شرحه لحديث " استأذنت ربي أن أستنغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي " .
قال " فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة ؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى ، وقد قال الله تعالى ( وصاحبهما في الدنيا معلروفا ) ، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار ، قال القاضي عياض رحمه الله : سبب زيارته قبرها أنه قصد قوة الموعضة والذكرى بمشاهدة قبرها ؛ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث : فزوروا القبور ؛ فإنها تذكركم باتلآخرة " انتهى .

وقال أيضاً رحمه الله " قوله : فبكى وأبكى من حوله ، قال القاضي : بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به " انتهى .

2/ البيهقي :
قال في كتابه دلائل النبوة (1/192، 193) بعد تخريجه لحديث " أبي وأباك في النار " : (وكيف لا يكون أبواه وجدُّه بهذه الصفة في الآخرة ، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا ، ولم يدينوا دين عيسى ابن مريم عليه السلام " انتهى .
وقال أيضا في سننه(7: 190): " وأبواه كانا مشركين, بدليل ما أخبرنا.." ثم ساق حديث أنس " أبي وأباك في النار " .
وقال في الدلائل (1/192, 193) : " وكفرُهم لا يقدح في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة ، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم ، فلا يلزمهم تجديد العقد ، ولا مفارقتهن ؛ إذ كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق " انتهى .

3/ ابن كثير :
قال في (سيرة الرسول وذكر أيامه.. ) : " وإخبارهصلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة. لأنه سيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء-أي الذين أخبر عنهم النبي- من جملة من لا يجيب، فلا منافاة، ولله الحمد والمنة " انتهى .

وقدر رد على حديث أن الله أحياهم ثم آمنوا بأنه " حديث منكر "

وللزيادة أنظر تفسيره وكتابه البداية والنهاية .
فصلٌ
في ذكر بعض أقوال العلماء المجتهدين وغيرهم من أصحاب المذاهب.
1- الإمام مسلم:
حيث رواه في صحيحه وعنون عليه: باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين.

2- أبو داود صاحب السنن:
حيث روى حديث أنس مع أحاديث أخرى وعنون عليها: باب في ذراري- أي أبناء- المشركين.

3- النسائي, :
حيث روى حديث الاستئذان(2032) - وهو:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) – وهو كما ترى بمعنى حديث أنس في أنه قد ثبت أن من أهل الجاهلية من هم ليسوا من أهل الفترة, وعنون عليه: باب زيارة قبر المشرك.

4- ابن ماجة:
حيث روى هو أيضا حديث الاستئذان(1572), وعنون عليه: باب ما جاء في زيارة قبور المشركين.

5- ابن الجوزي :
إذ قال في الموضوعات(1: 284) بعد أن ذكر حديثا باطلا موضوعا فيه أن الله أحيا أبوي النبي(ص) ليؤمنا به, قال: [هذا حديث موضوع لا يشك فيه, والذي وضعه قليل الفهم, عديم العلم, إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة, لا بل لو آمن بعد المعاينة, ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى" فيمت وهو كافر", وقوله(ص).. وذكر ابن الجوزي حديث الاستئذان..].

6- القرافي :
قال في شرح تنقيح الفصول (ص297): «حكاية الخلاف في أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا قبل نبوته بشرع من قبله يجب أن يكون مخصوصا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعا. ولذلك انعقد الإجماع على أن موتاهم في النار يعذبون على كفرهم ، ولولا التكليف لما عذبوا ، فهو عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله -بفتح الباء -بمعنى مكلف لامرية فيه،إنما الخلاف في الفروع خاصة ، فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع».

7- وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين العلامة إبراهيم الحلبي في رسالة مستقلة، وكذلك العلامة الحنفي الملاّ علي بن سلطان القارئ :
في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلة أسماها: "أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام". وقد أثبت بذلك الكتاب تواتر الأدلة والأحاديث على صِحّة معنى هذا الحديث وعدم نجاة والدي الرسول –عليه أتمّ الصلاة والتسليم–. وقد نقل الإجماع على تلك القضية فقال في ص84: «وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك. والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق».




http://www.saaid.net/feraq/sufyah/shobhat/25.htm

حفيد الصحابة1
09 04 2011, 10:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


هل أب النبي صلي الله عليه وسلم وأمه في النار





السؤال :

فضيلة الشيخ / عبد الرحمن السحيم. هل أب النبي صلي الله عليه وسلم وأمه في النار . وما الدليل ؟

وجزاكم الله خيرا





http://al-ershaad.com/vb4/image/bsmlaa.gif




الجواب : وجزاك الله خيراً

ثبت في صحيح مسلم عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار . فلما قَفَّى دعاه فقال : إن أبي وأباك في النار .

قال الإمام النووي : فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولا تنفعه قرابة المقربين ، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أبي وأباك في النار " هو من حسن العِشرة للتسلية بالاشتراك في المصيبة . اهـ .

وليس هذا خاصا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام دعا أباه ، ونوّع له في الأساليب ، وتودّد إليه ، ولم يَنفعه ذلك ، بل مات ( آزر ) على الكُفر .

ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : يَلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة ، وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصِني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ! فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خِزي أخْزى من أبي الأبعد ؟ فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يُقال : يا إبراهيم ما تحت رجليك ؟ فينظر ، فإذا هو بِذِيخ مُلْتَطِخ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . رواه البخاري .

وأما أمّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي ، فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها ، فأذِن لي . رواه مسلم .

وليس في هذا تنقّص مِن قدر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا غضاضة في ذلك ، وإنما الإزراء أن يُكذّب عليه الصلاة والسلام ، أو يُردّ قوله بِدعوى توقيره ، وبِدعوى عدم الكلام في هذا الجانب !

وقد قال الله تبارك وتعالى : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ )

فأنت ترى أن الله وَصَف والِد إبراهيم بأنه عدوّ لله ! ولم يَكن في هذا إزراء على إبراهيم ولا مَنقصَة له . ولذلك قال الإمام القرطبي في قوله تعالى : (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) :

وقال بعض المتأخرين من علمائنا : والذي ينبغي أن يُقال إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ، ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخْبَروا بذلك عن نفوسهم ، وتنصّلوا منها ، واستغفروا منها ، وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يَقبل التأويل جملتها وإن قَبِل ذلك آحادُها ، وكل ذلك مما لا يُزري بمناصبهم . اهـ .

المجيب الشيخ/ عبدالرحمن السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد







http://al-ershaad.com/vb4/showthread.php?t=2972

حفيد الصحابة1
09 04 2011, 10:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.



http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=88735







http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=35656&highlight=%E6%C3%C8%C7%DF+%C7%E1%E4%C7%D1





http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=2176&highlight=%E6%C3%C8%C7%DF+%C7%E1%E4%C7%D1

joshkof
09 04 2011, 02:04 PM
مسالك الحنفا في والدي المصطفى
الحاوي للفتاوي لجلال الدين السيوطي رحمه الله


من الجزء الثاني
من الفتاوى الأصولية الدينية
من مبحث المعاد - أحوال البعث


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
مسألة - الحكم في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم إنهما ناجيان وليسا في النار صرح بذلك جمع من العلماء، ولهم في تقرير ذلك مسالك:


المسلك الأول
أنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا وأنه لا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وأنه إذا قتل يضمن بالدية والكفارة نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه وسائر الأصحاب بل زاد بعض الأصحاب وقال أنه يجب في قتله القصاص ولكن الصحيح خلافه لأنه ليس بمسلم حقيقي وشرط القصاص المكافأة.
وقد علل بعض الفقهاء كونه إذا مات لا يعذب بأنه على أصل الفطرة ولم يقع منه عناد ولا جاءه رسول فكذبه. وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام الذي نحن فيه من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فإنه سئل عن والد النبي صلى الله عليه وسلم هل هو في النار فزأر في السائل زأرة شديدة فقال له السائل هل ثبت إسلامه فقال إنه مات في الفترة ولا تعذيب قبل البعثة، ونقله سبط ابن الجوزي في كتاب مرآة الزمان عن جماعة فإنه حكى كلام جده على حديث إحياء أمه صلى الله عليه وسلم ثم قال ما نصه: وقال قوم قد قال الله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} والدعوة لم تبلغ أباه وأمه فما ذنبهما. وجزم به الأبي في شرح مسلم وسأذكر عبارته.
وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم يتمحنون يوم القيامة وآيات مشيرة إلى عدم تعذيبهم وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر في بعض كتبه فقال: (والظن بآله صلى الله عليه وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له صلى الله عليه وسلم لتقربهم عينه).
ثم رأيته قال في الإصابة: ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال أدخلوها فمن دخلها كانت له بردا وسلاما ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ما ورد من ذلك.
قال: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد قال ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت أنه في ضحضاح من نار، وقد جعلت قصة الامتحان داخلة في هذا المسلك مع أن الظاهر أنها مسلك مستقل لكني وجدت ذلك لمعنى دقيق لا يخفى على ذوي التحقيق.


ذكر الآيات المشيرة إلى ذلك


الأولى:
قوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهذه الآية هي التي اطبقت أئمة السنة على الاستدلال بها في أنه لا تعذيب قبل البعثة وردوا بها على المعتزلة ومن وافقهم في تحكم العقل. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، قال إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة.
الآية الثانية:
قوله تعالى {ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أورد هذه الآية الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالا على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلا بل بالسمع.
الثالثة:
قوله تعالى {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} أورد هذه الزركشي أيضا. وأخرج ابن أبي خاتم في تفسيره عند هذه الآية بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول ثم قرأ هذه الآية (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين).
الرابعة:
قوله تعالى {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}. أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية عن عطية العوفي قال الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول وقرأ هذه الآية لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا - إلى آخر الآية.
الخامسة:
قوله تعالى {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا}.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة في الآية قالا لم يهلك الله ملة حتى يبعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فلما كذبوا وظلموا بذلك هلكوا.
السادسة:
قوله تعالى {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين}.
السابعة:
قوله تعالى {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين}. أخرج عبد بن حميدو ابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن قتادة في الآية قال ما أهلك الله من قرية إلا من بعد الحجة والبينة والعذر حتى يرسل الرسل وينزل الكتب تذكرة لهم وموعظة وحجة لله ذكرى وما كنا ظالمين. يقول ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة.
الثامنة:
قوله تعالى {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم وما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} قال المفسرون احتج عليهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو المراد بالنذير في الآية.


ذكر الأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة
فمن أطاع منهم أدخل الجنة ومن عصى أدخل النار
الحديث الأول:
أخرج الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة يمتحنون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما اسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن أدخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها.
الحديث الثاني:
أخرج أحمد وإسحاق بن راهوية في مسنديهما وابن مردويه في تفسيره والبيهقي في الاعتقاد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة يمتحنون فذكر مثل حديث الأسود بن سريع سواء.
الحديث الثالث:
أخرج البزار في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ويقول المعتوه أي رب لم أجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود لم أدرك العمل قال فيرفع لهم؟ فيقال لهم ردوها أو قال ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك؟ ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى واياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب، في إسناده عطية العوفي فيه ضعف والترمذي يحسن حديثه وهذا الحديث له شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته.
الحديث الرابع:
أخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بأربعة يوم القيام بالمولود والمعتوه ومن مات الفترة وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم أبرزي فيقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول من كتب الله عليه الشقاء يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعا فيقول الله قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار.
الحديث الخامس:
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار فيقولون كيف ولم تأتنا رسل قال وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} إسناده صحيح على شرط الشيخين ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع.


الحديث السادس:
أخرج البزار والحاكم في مستدركه عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم وعلى ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أريتكم أن أمرتكم بأمر تطيعوني فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخولها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أجرنا منها فيقول لهم الم تزعموا أني أن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوها أول مرة كانت عليم بردا وسلاما قال الحاكم صحيح على شرط البخاري ومسلم.
الحديث السابع:
أخرج الطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يأتي يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ عقلا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد بعقله مني وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك فيقول الرب إني آمركم بأمر فتطيعون فيقولون نعم فيقول اذهبوا فادخلوا النار قال ولو دخلوها ما ضرتهم فتخرج عليهم فرائص فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك فيقول الرب قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم.
قال الكيا الهراسي في تعليقه في الأصول في مسألة شكر المنعم:
اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبة أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول ولا يتلقى حكم من قضيات العقول فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق كالرافضة والكرامية والمعتزلة وغيرهم فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة فمنها ما يتلقى من الشرع المنقول ومنها ما يتلقى من قضيات العقول قال: وأما نحن فنقول لا يجب شيء قبل مجيء الرسول فإذا ظهر واقام المعجزة تمكن العاقل من النظر فنقول لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر وعند هذا يسأل المستطرفون فيقولون ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة وجوابه أن النظر الذي هو أول الواجبات طاعة وليس بقربة لأنه ينظر للمعرفة فهو مطيع وليس بمتقرب لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه، قال وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا فقال قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة وليس ذلك إلا بمجيء الرسول وههنا قال الأستاذ أبو إسحاق أن قول لا أدري نصف العلم ومعناه أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل وهذا إنما يقوله من دقق في العلم وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده انتهى.

joshkof
09 04 2011, 02:10 PM
وقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول:
شكر المنعم لا يجب عقلا خلافا للمعتزلة لنا أنه لو تحقق الوجوب قبل البعثة لعذب تاركه فلا وجوب أما الملازمة فبينة وأما أنه لا تعذيب فلقوله سبحانه {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} نفى التعذيب إلى غاية البعثة فينتفي وإلا وقع الخلف في قول الله وهو محال انتهى. وذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل والبيضاوي في منهاجه.
وقال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب على مسألة شكر المنعم:
تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة فعندنا يموت ناجيا ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وهو مضمون بالكفارة والدية ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح. وقال البغوي في التهذيب أما من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام فإن قتل قبل أن يدعي إلى الإسلام وجب في قتله الدية والكفارة وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله وأصله أنه عندهم محجوج عليه بعقله وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه لقوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فثبت أنه لا حجة عليه قبل مجيء الرسول انتهى. وقال الرافعي في الشرح من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام ولو قتل كان مضمونا خلافا لأبي حنيفة وبني الخلاف على أنه محجوج عليه بالعقل عنده وعندنا من لم تبلغه الدعوى لا تثبت عليه الحجة ولا تتوجه المؤاخذة قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) انتهى.
وقال الغزالي في البسيط من لم تبلغه الدعوة:
يضمن بالدية والكفارة لا بالقصاص على الصحيح لأنه ليس مسلما على التحقيق وإنما هو في معنى المسلم. وقال ابن الرفعة في الكفاية لأنه مولود على الفطرة ولم يظهر منه عناد. وقال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} قال وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى. انتهى
فإن قلت هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم. قلت لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلا. أما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثم أصر على كفره فهو في النار قطعا وهذا لا نزاع فيه. وأما الأبوان الشريفان فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور تأخر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم عيسى عليه السلام وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا نحو ستمائة سنة ثم أنهما كانا في زمن جاهلية وقد طبق الجهل الأرض شرقا وغربا وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرا يسيرا من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمرا عمرا طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش فإن والد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش من العمر إلا قليلا.

قال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه الدرة السنية في مولد سيد البرية:
كان سن عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية عشر عاما ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمرا لأهله فمات بها عند أخواله من بني النجار والنبي صلى الله عليه وسلم حمل على الصحيح انتهى. وأمه قريبة من ذلك لاسيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع خصوصا في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه. ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا أبعث الله بشرا رسولا. وقالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدو من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة فاتضح بذلك صحة دخولهما في هذا المسلك.
ثم رأيت الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال في أماليه ما نصه كل نبي إنما أرسل إلى قومه إلا نبينا صلى الله عليه وسلم قال فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من أهل الفترة إلا ذرية النبي السابق فإنهم مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من أهل الفترة. هذا كلامه فبان بذلك أن الوالدين الشريفين من أهل الفترة بلا شك لأنهما ليسا من ذرية عيسى ولا من قومه ثم يرشح ما قال حافظ العصر أبو الفضل بن حجر أن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان أمران:
أحدهما: ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن مسعود قال قال شاب من الأنصار لم أر رجلا كان أكثر سؤالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه يا رسول الله أرأيت أبواك في النار فقال ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود. فهذا الحديث يشعر بأنه يرتجي لهما الخير عند قيامه المقام المحمود وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام سل تعط واشفع تشفع مكان في الأحاديث الصحيحة فإذا سأل ذلك أعطيه.


الأمر الثاني ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال من رضا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. ولهذا عمم الحافظ ابن حجر في قوله الظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان.


وحديث ثالث: أخرج أبو سعد في شرف النبوة والملا في سيرته عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك أورده الحافظ محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى.


وحديث رابع أصرح من هذين: أخرج تمام الرازي في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية- أورده المحب الطبري وهو من الحفاظ والفقهاء في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى وقال إن ثبت فهو مؤول في أبي طالب على ما ورد في الصحيح من تخفيف العذاب عنه بشفاعته انتهى.


وإنما احتاج إلى تأويله في أبي طالب دون الثلاثة أبيه وأمه وأخيه يعني من الرضاعة لأن أبا طالب أدرك البعثة ولم يسلم والثلاثة ماتوا في الفترة. وقد ورد هذا الحديث من طريق آخر اضعف من هذا الطريق من حديث ابن عباس أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة. فهذه أحاديث عدة يشد بعضها بعضا فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه.


ومما يرشح ما نحن فيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا قال ثنا القاسم بن هاشم السمسار ثنا مقاتل بن سليمان الرملي عن ابي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سالت ربي أبناء العشرين من أمتي فوهبهم لي. ومما ينضم إلى ذلك وأن لم يكن صريحا في المقصود ما أخرجه الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب، وما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وعزاه لأحمد في المناقب عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم. وهذا أخرجه الخطيب في تاريخه من حديث يغنم عن أنس.


وما أورده أيضا وعزاه لابن البختري عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا ينتفع بلى حتى تبلغ حاكم وهم أحد قبيلتين من اليمن إني لأشفع فأشفع حتى أن من أشفع له ليشفع فيشفع حتى أن إبليس ليتطاول طمعا في الشفاعة.)


ونحو هذا ما أخرجه الطبراني من حديث أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي وأن شفاعتي تناول حاوحكم.)


لطيفة
نقل الزركشي في الخادم عن ابن دحية أنه جعل من أنواع الشفاعات التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين لسروره بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وأعتاقه ثويبة حين بشر به. قال وإنما هي كرامة له صلى الله عليه وسلم.


تنبيه
ثم رأيت الإمام أبا عبد الله محمد بن خلف الأبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث إن أبي واباك في النار فأورد قول النووي فيه أن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين ثم قال قلت أنظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات. وقال تعالى ( إن الذين يؤذون الله ورسوله) ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا ولا يعجز الله سبحانه شيء ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل. ثم قال قلت تأمل ما في كلامه من التنافي فإن من بلغتهم الدعوى ليسوا بأهل فترة فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالإعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم.
ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع. الثاني قصر التعذيب على هؤلاء والله أعلم. الثالث قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:


الأول


من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعته كقس بن ساعدة وزيد ابن عمرو بن نفيل ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبع وقومه


القسم الثاني


من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهم الأكثر كعمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام فبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي وزادت طائفة من العرب على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة وحرقوا البنين والبنات واتخذوا بيوتا جعلوا لها سدنة وحجابا يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة.
القسم الثالث
من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله وفي الجاهلية من كان كذلك.
فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذبون به. وأما القسم الثالث فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع كما تقدم. وأما القسم الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم في كل من قس وزيد أنه يبعث أمة وحده. وأما تبع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين انتهى ما أورده الآبي.

joshkof
09 04 2011, 02:13 PM
المسلك الثاني


الأمر الأول
أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم عليه السلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي: فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه. قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه: منها أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} قيل معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) على وجوه أخرى. وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. وقال تعالى {إنما المشركون نجس} فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا. هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه وناهيك به إمامة وجلالة فإنه أمام أهل السنة في زمانه والقائم بالرد على فرق المبتدعة في وقته والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدد لهذه الأمة أمر دينها.
وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطته مركب من مقدمتين: الأولى أن الأحاديث الصحيحة على أن كل أصل من أصول النبي صلى الله عليه وسلم من آدم إلى أبيه عبد الله فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم. والثانية أن الأحاديث والآثار دلت على انه لم تخل الأرض من عهد نوح أو آدم إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها. وإذا قارنت بين هاتين المقدمتين أنتج منها قطعا أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم مشرك لأنه قد ثبت في كل منهم أنه من خير قرنه فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إياهم فهو المدعي وأن كانوا غيرهم وهم على الشرك لزم أحد أمرين إما أن يكون المشرك خيرا من المسلم وهو باطل بالإجماع وإما أن يكون غيرهم خيرا منهم وهو باطل لمخالفة الأحاديث الصحيحة فوجب قطعا أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا من خير أهل الأرض كل في قرنه.
ذكر أدلة المقدمة الأولى
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه.


وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا.


واخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما.


وأخرج مسلم والترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم. وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ أن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلا واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار ثم اصطفى من ولد نزار مضر ثم اصطفى من مضر كنانة ثم اصطفى من كنانة قريشا ثم اصطفى من قريش بني هاشم ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى.


وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير العرب مضر وخير مضر بنو عبد مناف وخير عبد مناف بنو هاشم وخير بني هاشم بنو عبد المطلب والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما.


وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار.


وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة وحين خلق النفس جعلني من خير أنفسهم ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا.


وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا.


وأخرج أبو علي بن شاذان فيما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وهو في مسند البزار عن ابن عباس قال دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية فقالت صفية منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا فذكرت ذلك صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وأمر بلالا فنادى في الناس فقام على المنبر فقال أيها الناس من أنا قالوا أنت رسول الله قال أنسبوني قالوا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال فما بال أقوام ينزلون أصلي فو الله إني لأفضلهم أصلا وخيرهم موضعا.


وأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قوما نالوا منه فقالوا إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني في خير الفرقتين ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلا ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ثم قال أنا خيركم قبيلا وخيركم بيتا.


وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ولم أجد نبي أب أفضل من بني هاشم. قال الحافظ ابن حجر في أماليه لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن ومن المعلوم أن الخيرية والاصطفاء والاختيار من الله والأفضلية عنده لا تكون مع الشرك.


ذكر أدلة المقدمة الثانية


قال عبد الرزاق في المصنف عن معر عن ابن جريج قال: قال ابن المسيب قال علي بن أبي طالب لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع. وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن الذبري عن عبد الرزاق به.


وأخرج ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب قال لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده.


وأخرج ابن المنذر في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى {قلنا اهبطوا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي – الآية} قال ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم ما أخلى الله الأرض لإبليس إلا وفيها أولياء له يعملون لله بطاعته. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر روى ابن القاسم عن مالك قال بلغني عن ابن عباس أنه قال لا يزال لله تعالى في الأرض ولي ما دام فيها للشيطان ولي. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض، هذا أيضا له حكم الرفع.


وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن محمد قال لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها.




وأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعدا لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.


وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن كعب قال لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع بهم العذاب.


واخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زادان قال ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعدا يدفع الله بهم عن أهل الأرض.


وأخرج ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج في قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) قال فلن يزال من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم ناس على الفطرة يعبدون الله وإنما وقع التقييد في هذه الآثار الثلاثة بقوله من بعد نوح لأنه من قبل نوح كان الناس كلهم على الهدى.


وأخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم والحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين قال وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود كان الناس أمة واحدة فاختلفوا.


وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس في قوله كان الناس أمة واحدة قال على الإسلام كلهم.


وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحا وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض.


وأخرج ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن ابن عباس قال ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام. وأخرج ابن سعد من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.


وفي التنزيل حكاية عن نوح عليه السلام {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} وولد نوح سام مؤمن بالإجماع والنص لأنه نجا مع أبيه في السفينة ولم ينج فيها إلا مؤمن.


وفي التنزيل {وجعلنا ذريته هم الباقين} بل ورد في أثر أنه كان نبيا أخرجه ابن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر في تاريخه عن الكلبي وولده ارفخشد صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر. وفيه أنه أدرك جده نوحا وأنه دعا له أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده ولد ارفخشد إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم في أثر، أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط من السفينة هبط إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتا فسميت سوق الثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم نمروذ إلى عبادة الأوثان ففعلوا، هذا لفظ هذا الأثر.


فعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمروذ. وفي زمنه كان إبراهيم عليه السلام وآزر فإن آزر والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب وأن كان عمه فلا استثناء. وهذا القول أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم ورد عن جماعة من السلف. أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان تارح.


وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال ليس آزر أبا إبراهيم. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال ليس آزر بابيه إنما هو إبراهيم بن تيرح أو تارح بن شاروخ بن ناحور بن فالخ.


وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر فقال بل اسمه تارح. وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقا شائعا وإن كان مجازا، وفي التنزيل ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد آلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) فأطلق على إسماعيل لفظ الأب وهو عم يعقوب كما أطلق على إبراهيم وهو جده. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول الجد أب ويتلو {قالوا نعبد آلهك وإله آبائك . الآية}: وأخرج عن أبي العالية في قوله وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل قال سمي العم أبا. وأخرج عن محمد بن كعب القرظي قال الخال والد والعم والد وتلا هذه الآية. فهذه أقوال السلف من الصحابة والتابعين في ذلك.


ويرشحه أيضا ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب حتى إن كانت العجوز لتجمع الحطب فلما أن أرادوا أن يلقوه في النار قال حسبي الله ونعم الوكيل فلما ألقوه قال الله {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} فقال عم إبراهيم من أجلي دفع عنه فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته. فقد صرح في هذا الأثر بعم إبراهيم وفيه فائدة أخرى وهو أنه هلك في أيام إلقاء إبراهيم في النار.


وقد أخبر الله سبحانه في القرآن بأن إبراهيم ترك الاستغفار له لما تبين له أنه عدو لله ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركا وأنه لم يستغفر له بعد ذلك. أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له.


وأخرج عن محمد بن كعب وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم قالوا كان يرجوه في حياته فلما مات على شركه تبرأ منه ثم هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك في القرآن ثم بعد مدة من مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة وأخدمه هاجر ثم رجع إلى الشام ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة فنقلهما ودعا فقال {ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} إلى قوله {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} فاستغفر لوالديه وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة. فيستنبط من هذا أن الذكر في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له هو عمه لا أبوه الحقيقي فلله الحمد على ما ألهم.


روى ابن سعد في الطبقات عن الكلبي قال هاجر إبراهيم من بابل إلى الشام وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فأقام بها زمانا ثم أتى الأردن فأقام بها زمانا ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانا ثم رجع إلى الشام فنزل السبع أرضا بين ايلياء وفلسطين ثم أن بعض أهل البلد آذوه فتحول من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيلياء. وروى ابن سعد عن الواقدي قال ولد لإبراهيم إسماعيل وهو ابن تسعين سنة فعرف من هذين الأثرين أن بين هجرته من بابل عقب واقعة النار وبين الدعوة التي دعا بها بمكة بضعا وخمسين سنة.


تتميم
ثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم وإسماعيل قال الشهرستاني في الملل والنحل كان دين إبراهيم قائما والتوحيد في صدر العرب شائعا وأول من غيره واتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحي.


قلت وقد صح بذلك الحديث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب. وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو لن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه بالنار أنه أول من غير دين إبراهيم - ولفظ ابن إسحاق أنه كان أول من غير دين إسماعيل- ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي، وله طريق أخرى. وأخرج البزار في مسنده بسند صحيح عن أنس قال كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام وكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك قال فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.


قال السهيلي في الروض الأنف كان عمر بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة قد جعلته العرب ربا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم. وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها وكانت التلبية من عهد إبراهيم لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك حتى كان عمرو بن لحي فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فقال عمرو لبيك لا شريك لك فقال الشيخ إلا شريكا هو لك فأنكر ذلك عمرو وقال وما هذا فقال الشيخ قل تملكه وما مالك فإنه لا بأس بهذا فقالها عمرو ودانت بها العرب انتهى كلام السهيلي.


وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن ولي عمرو بن عامر الخزاعي مكة وانتزع ولاية البيت من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام وشرع للعرب الضلالات من السوائب وغيرها وزاد في التلبية بعد قوله لبيك لا شريك لك قوله إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فهو أول من قال ذلك وتبعته العرب على الشرك فشابهوا بذلك قوم نوح وسائر الأمم المتقدمة وفيهم على ذلك بقايا من دين إبراهيم. وكانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلثمائة سنة وكانت ولايتهم مشئومة إلى أن جاء قصي جد النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلهم واستعان على حربهم بالعرب وانتزع ولاية البيت منهم إلا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام وغير ذلك لأنهم رأوا ذلك دينا في نفسه لا ينبغي أن يغير انتهى.


فثبت أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو كلهم مؤمنون بيقين. ونأخذ في الكلام على الباقي وعلى زيادة توضيح لهذا القدر.


الأمر الثاني


مما ينتصر به لهذا المسلك آيات وآثار وردت في ذرية إبراهيم وعقبه.


الآية الأولى: وهي أصرحها قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه} أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عباس في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال لا إله إلا الله باقية في عقب إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال لا إله إلا الله. وقال عبد بن حميد حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال شهادة أن لا اله إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده. وقال عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده أخرجه ابن المنذر ثم قال وقال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يوحد الله ويعبده أخرجه ابن المنذر ثم قال وقال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يقول لا إله إلا الله قال وقول آخر فلم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله حتى تقوم الساعة. وأخرج عبد بن حميد عن الزهري في الآية قال العقب ولده الذكور والإناث وأولاد الذكور. وأخرج عن عطاء قال العقب ولده وعصبته.


الآية الثانية: قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}. أخرج ابن جرير في تفسيره عن مجاهد في هذه الآية قال فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمنا ورزق أهله من الثمرات وجعله إماما وجعل من ذريته من يقيم الصلاة. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه أن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فذكر الحديث بطوله في قصة البيت الحرام وفيه من قول الله لآدم في حق إبراهيم عليهما السلام واجعله أمة واحدا قانتا بأمري داعيا إلى سبيلي اجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم استجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم واجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته الحديث، هذا الأثر موافق لقول مجاهد المذكور آنفا ولاشك أن ولاية البيت كانت معروفة بأجداد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر ذرية إبراهيم إلى أن انتزعها منهم عمرو الخزاعي ثم عادت إليهم فعرف أن كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم فإن أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خصوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحدا بعد واحد فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليهم في قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام قال لا ألم تسمع قوله {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} قيل فكيف لم يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم قال لأنه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه فقال اجعل هذا البلد آمنا ولم يدع لجميع البلد بذلك فقال (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) فيه وقد خص أهله وقال (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة). فانظر إلى هذا الجواب من سفيان بن عيينة وهو أحد الأئمة المجتهدين وهو شيخ إمامنا الإمام الشافعي رضي الله عنهما. الآية الثالثة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي}.


أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} قال فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله. آية رابعة أخرج أبو الشيخ في تفسيره عن زيد بن علي قال قالت سارة لما بشرتها الملائكة {يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} فقالت الملائكة ترد على سارة {أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} قال فهو كقوله {فجعلها كلمة باقية في عقبة} فحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم داخل في ذلك وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير. وذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله أوحى إلى أرميا أن أذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحتمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل ارميا ذلك واحتمل معد إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن. وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا مضر فإنه كان قد أسلم. وقال السهيلي في الروض الأنف في الحديث المروي لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين.


قلت وقفت عليه مسندا فأخرجه أبو بكر محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في كتاب الغرر من الأخبار قال حدثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي ثنا أبو يعقوب الشعراني ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عثمان بن قايد عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مسلمين. واخرج بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا تميما وضبة فإنهما كانا مسلمين. وأخرج بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا قسا فإنه كان مسلما. ثم قال السهيلي ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا.


وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج. قال وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة وقيل هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم بأتباعه والإيمان به وينشد في هذا أبياتا منها قوله:


يا ليتني شاهدا فحواء دعوته
إذا قريش تبغي الحق خذلانا


قال وقد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الإعلام له انتهى. قلت هذا الخبر أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وفي آخره وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة والماوردي المذكور هو أحد أئمة أصحابنا وهو صاحب الحاوي الكبير له كتاب أعلام النبوة في مجلد كثير الفوائد وقد رأيته وسأنقل منه في هذا الكتاب.


فحصل مما أوردناه أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى كعب بن لؤي كانوا كلهم على دين إبراهيم وولد كعب مرة الظاهر أنه كذلك لأن أباه أوصاه بالإيمان وبقي بينه وبين عبد المطلب أربعة آباء وهم كلاب وقصي وعبد مناف وهاشم ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا. وأما عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها وهو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوى لأجل الحديث الذي في البخاري وغيره. والثاني أنه كان على التوحيد وملة إبراهيم وهو ظاهر عموم كلام الإمام فخر الدين وما تقدم عن مجاهد وسفيان بن عيينة وغيرهما في تفسير الآيات السابقة. والثالث أن الله أحياه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به وأسلم ثم مات حكاه ابن سيد الناس وهذا أضعف الأقوال وأسقطها وأوهاها لأنه لا دليل عليه ولم يرد قط في حديث لا ضعيف ولا غيره ولا قال هذا القول أحد من أئمة السنة إنما حكوه عن بعض الشيعة ولهذا اقتصر غالب المصنفين على حكاية القولين الأولين وسكتوا عن حكاية الثالث لأن خلاف الشيعة لا يعتد به قال السهيلي في الروض الأنف وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وابن أبي أمية فقال يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال له أبو جهل وابن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أنا على ملة عبد المطلب قال فظاهر هذا الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك قال ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد فالله أعلم غير أن في مسند البزار وكتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار عن ميتهم لعلك بلغت معهم الكدى فقالت لا فقال لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك قال وقد خرجه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك قال وفي قوله جد أبيك ولم يقل جدك تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به فالله أعلم. قال ويحتمل أنه أراد تخويفها بذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم حق وبلوغها معهم الكدى لا يوجب خلودا في النار هذا كله كلام السهيلي بحروفه.


وقال الشهرستاني في الملل والنحل ظهر نور النبي صلى الله عليه وسلم في أسارير عبد المطلب بعض الظهور وببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه أنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكر وقال والله إن وراء هذا الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته وببركة ذلك النور قال لأبرهة إن لهذا البيت ربا يحفظه ومنه قال وقد صعد أبا قبيس:


لا هم إن المرء يمنع
رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم
ومحالهم عدوا محالك
فانصر على آل الصليب
وعابديه اليوم آلك


انتهى كلام الشهرستاني. ويناسق ما ذكره ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال كانت الدية عشرا من الإبل وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل واقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وينضم إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انتسب إليه يوم حنين فقال:


أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب


وهذا أقوى ما تقوى به مقالة الإمام فخر الدين ومن وافقه لأن الأحاديث وردت في النهى عن الانتساب إلى الآباء الكفار. روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي بن كعب ومعاذ بن جبل أن رجلين انتسبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما أنا فلان ابن فلان أنا فلان بن فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انتسب رجلان على عهد موسى فقال أحدهما أنا فلان بن فلان إلى تسعة وقال الآخر أنا فلان بن فلان ابن الإسلام فأوحى الله إلى موسى هذان المنتسبان أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة آباء في النار فأنت عاشرهم في النار وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين فأنت ثالثهما في الجنة. وروى البيهقي أيضا عن أبي ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وشرفا فهو عاشرهم في النار. وروى البيهقي أيضا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحدح الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية. وروى البيهقي أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأوضح من ذلك في التقرير أن البيهقي أورد في شعب الإيمان حديث مسلم أن في أمتي أربعا من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيهن الفخر في الأحساب - الحديث. وقال عقبة فإن عورض هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في اصطفائه من هاشم فقد قال الحليمي لم يرد بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم كرجل يقول كان أبي فقيها لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه قال وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء انتهى. فقوله أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم أو الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر فيه تقوية لمقالة الإمام وإجرائها على عمومها كما لا يخفى إذ الاصطفاء لا يكون إلا لمن هو على التوحيد ولا شك أن الترجيح في عبد المطلب بخصوصه عسر جدا لأن حديث البخاري مصادم قوي. وأن أخذ في تأويله لم يوجد تأويل قريب والتأويل البعيد يأباه أهل الأصول ولهذا لما رأى السهيلي تصادم الأدلة فيه لم يقدر على الترجيح فوقف وقال فالله أعلم وهذا يصلح أن يعد قولا رابعا فيه وهو الوقف واكثر ما خطر لي في تأويل الحديث وجهان بعيدان فتركتهما وأما حديث النسائي فتأويله قريب وقد فتح السهيلي بابه وأن لم يستوفه وإنما سهل الترجيح في جانب عبد الله مع أن فيه معارضا قويا وهو حديث مسلم لأن ذاك سهل تأويله بتأويل قريب في غاية الجلاء والوضوح وقامت الأدلة على رجحان جانب التأويل فسهل المصير إليه والله أعلم. ثم رأيت الإمام أبا الحسن الماوردي أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين إلا أنه لم يصرح كتصريحه فقال في كتابه أعلام النبوة لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه والإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر واجتباهم بمحكم الأواصر فلم يكن لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون القلوب لهم أصفى والنفوس لهم أوطا فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع وأن الله استخلص رسوله صلى الله عليه وسلم من أطيب المناكح وحماه من دنس الفواحش ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله {وتقلبك في الساجدين} أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيا فكان نور النبوة ظاهرا في آبائه ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية ولتفرده نهاية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل فيه فلذلك مات عنه أبواه في صغره. فأما أبوه فمات وهو حمل وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين. وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل ولا مغموز مستبذل بل كلهم سادة قادة وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة انتهى كلام الماوردي بحروفه.


وقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن في قوله {وتقلبك في الساجدين} روى عن ابن عباس أنه قال تقلبه في الظهور حتى أخرجه نبيا. وما أحسن قول الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:


تنقل أحمد نورا عظيما
تلألأ في جباه الساجدينا
تقلب فيهم قرنا فقرنا
إلى أن جاء خير المرسلينا


وقال أيضا:


حفظ الآله كرامة لمحمد
آباءه الأمجاد صونا لاسمه
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره
من آدم وإلى أبيه وأمه


وقال الشرف البوصيري صاحب البردة:


كيف ترقى رقيك الأنبياء
يا سماء ما طاولتها سماء
لم يساووك في علاك وقد حال
سنى منك دونهم وسناء
إنما مثلوا صفاتك للناس
كما مثل النجوم الماء
أنت مصباح كل فضل فما تصدر
إلا عن ضوئك الأضواء
لك ذات العلوم من عالم الغيب
ومنه لآدم الأسماء
لم تزل في ضمائر الغيب تختار
لك الأمهات والآباء
ما مضت فترة من الرسل إلا
بشرت قومها بك الأنبياء
تتباهى بك العصور وتسمو
بك علياء بعدها علياء
وبدا للوجود منك كريم
من كريم آباؤه كرماء
نسب تحسب العلا بحلاه
قلدتها نجومها الجوزاء


ومنها:


فهنيئا به لآمنة الفضل
الذي شرفت به حواء
من لحواء أنها حملت أحمد
أو أنها به نفساء
يوم نالت بوضعه ابنة وهب
من فخار ما لم تنله النساء
فأتت قومها بأفضل مما
حملت قبل مريم العذراء




فائدة


قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آدم تسعة وأربعون أبا. الأمر الثالث: أثر ورد في أم النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.


أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:


بارك فيك الله من غلام
يا ابن الذي من حرمة الحمام
نجا بعون الملك المنعام
فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام
أن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام
من عند ذي الجلال والإكرام
تبعث في الحل وفي الإحرام
تبعث بالتحقيق والإسلام
دين أبيك البر إبراهام
فالله أنهاك عن الأصنام
أن لا تواليها مع الأقوام


ثم قالت كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باق وقد تركت خيرا وولدت طهرا ثم ماتت فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك:


نبكي الفتاة البرة الأمينة
ذات الجمال العفة الرزينه
زوجة عبد الله والقرينة
أم نبي الله ذي السكينة
وصاحب المنبر بالمدينة
صارت لدى حفرتها رهينة.


فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهى عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف بدين إبراهيم ويبعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الإجلال والإكرام بالإسلام. وهذه الألفاظ منافية للشرك وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف ثم إني استقرأت أمهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات فأم إسحاق وموسى وهرون وعيسى وحواء أم شيث مذكورات في القرآن بل قيل بنبوتهن ووردت الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل وأم يعقوب وأمهات أولاده وأم داود وسليمان وزكريا ويحيى وشمويل وشمعون وذي الكفل. ونص بعض المفسرين على إيمان أم نوح وأم إبراهيم ورجحه أبو حيان في تفسيره.


وقد تقدم عن ابن عباس أنه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ولهذا قال {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} وقال إبراهيم {رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} ولم يعتذر عن استغفار إبراهيم في القرآن إلا لأبيه خاصة دون أمه فدل على أنها كانت مؤمنة. وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وإبراهيم. وإسماعيل. وإسحاق. ويعقوب. ومحمد عليهم السلام. وبنو إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر فأمهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلهم مؤمنات. وأيضا فغالب أنبياء نبي إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم فإن النبوة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.


وأما العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل فقد ثبت إيمان أم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبقي أم هود وصالح ولوط وشعيب يحتاج إلى نقل أو دليل والظاهر إن شاء الله تعالى إيمانهن فكذلك أم النبي صلى الله عليه وسلم وكان السر في ذلك ما يرينه من النور كما ورد في الحديث. أخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني عبد الله لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام. ولا شك أن الذي رأته أم النبي صلى الله عليه وسلم في حال حملها به وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمهات الأنبياء كما سقنا الأخبار بذلك في كتاب المعجزات. وقد ذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت قال ومرضعاته أربع أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم ايمن انتهى. فإن قلت فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرها وأنها في النار وهي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت (ولا تسال عن أصحاب الجحيم) وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركا، وحديث أنه نزل فيها (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) وحديث أنه قال لابني مليكة أمكما في النار فشق عليهما فدعاهما فقال إن أمي مع أمكما.


قلت الجواب أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف ولم يصح في أم النبي صلى الله عليه وسلم سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له ولم يصح أيضا في أبيه إلا حديث مسلم خاصة. وسيأتي الجواب عنهما. وأما الأحاديث التي ذكرت فحديث ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت الآية لم يخرج في شيء من الكتب المعتمدة. وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه ولو جئنا نحتج بالأحاديث الواهية لعارضناك بحديث واه أخرجه ابن الجوزي من حديث علي مرفوعا هبط جبريل علي فقال إن الله يقرئك السلام ويقول إني حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك ويكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلا أنا لا نرى ذلك ولا نحتج به، ثم إن هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان وذلك أن الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلها في اليهود من قوله تعالى {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} إلى قوله {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} ولهذا ختمت القصة بمثل ما صدرت به وهو قوله تعالى {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} الآيتين فتبين أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب.


الأمر الثالث :


وقد ورد ذلك مصرحا به في الأثر أخرج عبد بن حميدو الفريابي وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل إسناده صحيح. ومما يؤكد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما خوطب فيها اليهود. ويرشح ذلك من حيث المناسبة أن الجحيم اسم لما عظم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار.


أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى أصحاب الجحيم قال الجحيم ما عظم من النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى {لها سبعة أبواب} قال أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية قال والجحيم فيها أبو جهل إسناده صحيح أيضا فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره واشتد وزره وعاند عند الدعوة وبدل وحرف وجحد بعد علم لا من هو بمظنة التخفيف وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذابا لقرابته منه صلى الله عليه وسلم وبره به مع اداركه الدعوة وامتناعه من الإجابة وطول عمره فما ظنك بأبويه اللذين هما أشد منه قربا وآكد حبا وابسط عذرا وأقصر عمرا فمعاذ الله أن يظن بهما انهما في طبقة الجحيم وأن يشدد عليهما العذاب العظيم هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم. وأما حديث أن جبريل ضرب في صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركا فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف.


وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضا والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب وقوله صلى الله عليه وسلم له لاستغفرن لك مالم أنه عنك.


وأما حديث أمي مع أمكما فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده بالتصحيح. ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح قال عقبه قلت لا والله فعثمان بن عمير ضعفه الدار قطني فبين الذهبي ضعف الحديث وحلف عليه يمينا شرعيا وإذا لم يكن في المسالة إلا أحاديث ضعيفة كان للنظر في غيرها مجال.


الأمر الرابع


مما ينتصر به لهذا المسلك أنه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهلية أنهم تحنفوا وتدينوا بدين إبراهيم عليه السلام وتركوا الشرك فما المانع أن يكون أبوا النبي صلى الله عليه وسلم سلكوا سبيلهم في ذلك. قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في التلقيح تسمية من رفض عبادة الأصنام في الجاهلية: أبو بكر الصديق، زيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش، عثمان بن الحويرث ورقة بن نوفل، رياب بن البراء، اسعد أبو كريب الحميري، قس بن ساعدة الأيادي، أبو قس بن صرمة انتهى. وقد وردت الأحاديث بتحنف زيد بن عمرو وورقة وقس، وقد روى ابن إسحاق وأصله في الصحيح تعليقا عن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مستندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم. قلت وهذا يؤيد ما تقدم في المسلك الأول أنه لم يبق إذ ذاك من يبلغ الدعوة ويعرف حقيقتها على وجهها. وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن عمرو بن عبسة السلمي رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة.


وأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أن عمير بن حبيب الجهني ترك الشرك في الجاهلية وصلى لله وعاش حتى أدرك الإسلام. وقال إمام الأشاعرة الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر ما زال بعين الرضا منه فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقال بعضهم أن الأشعري يقول أن أبا بكر الصديق كان مؤمنا قبل البعثة وقال آخرون بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار.


قال الشيخ تقي الدين السبكي لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر الصحابة في ذلك. وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق لم تحفظ عنه في حق غيره فالصواب أن يقال أن الصديق لم يثبت عنه حالة كفر بالله فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه فلهذا خصص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة انتهى كلام السبكي. قلت وكذلك نقول في حق أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما لم يثبت عنهما حالة كفر بالله فلعل حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بكر الصديق وأضرابهما مع أن الصديق وزيد بن عمرو إنما حصل لهما التحنف في الجاهلية ببركة النبي صلى الله عليه وسلم فإنهما كانا صديقين له قبل البعثة وكانا يوادانه كثيرا فأبوانه أولى بعود بركته عليهما وحفظهما مما كان عليه أهل الجاهلية. فإن قلت بقيت عقدة واحدة وهي ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار، وحديث مسلم وأبي داود عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له فاحلل هذه العقدة. قلت على الرأس والعين: الجواب أن هذه اللفظة وهي قوله أن أبي وأباك في النار لم يتفق على ذكرها الرواة وإنما ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وهي الطريق التي رواه مسلم منها وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر أن أبي وأباك في النار ولكن قال له إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار.


وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة وهو أثبت من حيث الرواية فإن معمر اثبت من حماد فإن حمادا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت قال الحاكم في المدخل ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة؟ وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبي قال في النار قال فأين أبوك قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار.


وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال فاسلم الأعرابي بعد فقال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان فأين هو قال في النار قال فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار قال فأسلم الأعرابي بعد قال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.


وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراوي وغيره أثبت منه كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة. وقد أعله الإمام الشافعي رضي الله عنه بذلك وقال إن الثابت من طريق آخر نفى سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي رضي الله عنه عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بما تقدم من الأدلة والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول. وبهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الأذن في الاستغفار لأمه على أنه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة بدليل أنه كان في صدر الإسلام ممنوعا من الصلاة على من عليه دين وهو مسلم فلعله كانت عليها تبعات غير الكفر فمنع من الاستغفار لها بسببها. والجواب الأول اقعد وهذا تأويل في الجملة.


ثم رأيت طريقا أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحا وذلك أنه صرح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وسلم فعدل عن ذلك تجملا وتأدبا. فأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر أنه خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق فقال قدمنا المدينة لانسلاخ رجب فصلينا معه صلاة الغداة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا فذكر الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهلية من خير فقال رجل من عرض قريش أن أباك المنتفق في النار فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل فقلت وأهلك يا رسول الله فقال ما أتيت عليه من قبل قرشي أو عامري مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك. هذه رواية لا إشكال فيها وهي أوضح الروايات وأبينها. "تقرير آخر": ما المانع أن يكون قول السائل فأين أبوك وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس أن أبي أن ثبت المراد به عمه أبو طالب لا أبوه عبد الله كما قال بذلك الإمام فخر الدين في أبي إبراهيم أنه عمه وقد تقدم نقله عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسدي. ويرشحه هنا أمران: الأول أن إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا كانوا يقولون له قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا وقال لهم أبو طالب مرة لما قالوا له أعطنا ابنك نقتله وخذ هذا الولد مكانه أعطيكم ابني تقتلونه وآخذ ابنكم أكفله لكم ولما سافر أبو طالب إلى الشام ومعه النبي صلى الله عليه وسلم نزل له بحيرا فقال له ما هذا منك قال هو ابني فقال ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا فكانت تسمية أبي طالب أبا للنبي صلى الله عليه وسلم شائعة عندهم لكونه عمه وكونه رباه وكفله من صغره وكان يحوطه ويحفظه وينصره فكان مظنة السؤال عنه.


والأمر الثاني أنه وقع في حديث يشبه هذا ذكر أبي طالب في ذيل القصة، أخرج الطبراني عن أم سلمة أن الحارث بن هشام أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال يا رسول الله إنك تحث على صلة الرحم والإحسان إلى الجار وإيواء اليتيم وإطعام الضيف وإطعام المسكين وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة فما ظنك به يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار. وقد وجدتعمي أبا طالب في طمطتم من النار فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ فجعله في ضحضاح من النار.


تنبيه


قد استراح جماعة من هذه الأجوبة كلها وأجابوا عن الأحاديث الواردة فيها منسوخة كما أجابوا عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار وقالوا الناسخ لأحاديث أطفال المشركين قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ولأحاديث الأبوين قوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ومن اللطائف كون الجملتين في الفريقين مقترنتين في آية واحدة متعاطفتين متناسقتين في النظم، وهذا الجواب مختصر مفيد يغني عن كل جواب إلا أنه إنما يتأتى على المسلك الأول دون الثاني كما هو واضح فلهذا احتجنا إلى تحرير الأجوبة عنها على المسلك الثاني.


تتمة


قد ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وانه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه. وهذا مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار لأنهما لو كان فيها لكانا أهون عذابا من أبي طالب لأنهما أقرب منه مكانا وأبسط عذرا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابا فليس أبواه من أهلها، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.


نصب ميداني جدلي


المجادلون في هذا الزمان كثير خصوصا في هذه المسألة وأكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال فالكلام معهم ضائع غير أني أنظر الذي يجادل وأكلمه بطريقة تقرب من ذهنه فإنه أكثر ما عنده أن يقول الذي ثبت في صحيح مسلم يدل على خلاف ما تقول.


فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب أقول له:


قد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وأنت لا تصحح الصلاة بدون البسملة وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وأنت إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده تقول سمع الله لمن حمده مثله وإذا صلى جالسا لعذر وأنت قادر تصلي خلفه قائما لا جالسا. وثبت في الصحيحين في حديث التيمم إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه وأنت لا تكتفي في التيمم بضربة واحدة ولا بالمسح إلى الكوعين فكيف خالفت الأحاديث التي تثبتت في الصحيحين أو أحدهما فلابد إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول قامت أدلة أخرى معارضة لهذه فقدمت عليها. فأقول له وهذا مثله لا يحتج عليه إلا بهذه الطريقة فإنها ملزمة له ولأمثاله.
وإن كان المجادل مالكي المذهب أقول له:


قد ثبت في الصحيحين البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وأنت لا تثبت خيار المجلس وثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ولم يمسح كل رأسه وأنت توجب في الوضوء مسح كل الرأس فكيف خالفت ما ثبت في الصحيح فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له فقدمت عليه. فأقول له وهذا مثله.


وإن كان المجادل حنفي المذهب أقول له:


قد ثبت في الصحيح إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا وأنت لا تشرط في النجاسة الكلبية سبعا وثبت في الصحيحين لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وأنت تصحح الصلاة بدونها وثبت في الصحيحين ثم ارفع حتى تعتدل قائما وأنت تصحح الصلاة بدون الطمأنينة في الاعتدال وصح في الحديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وأنت لا تعتبر القلتين وصح في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم باع المدبر وأنت لا تقول ببيع المدبر فكيف خالفت هذه الأحاديث الصحيحة. فيقول قامت أدلة أخرى معارضة لها تقدمت عليها. فأقول له وهذا مثله.


وإن كان المجادل حنبلي المذهب أقول له:


قد ثبت في الصحيحين من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم وثبت فيهما لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين وأنت تقول بصيام يوم الشك فكيف خالفت ما ثبت في الصحيحين فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له فقدمت عليه. فأقول له وهذا مثله.


هذا أقرب ما يقرب به لأذهان الناس اليوم. وإن كان المجادل ممن يكتب الحديث ولا فقه عنده يقال له قد قالت الأقدمون المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار يعرف ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده.‏


وإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف أقول وكيف استدل وكيف ارجح وأما أنت يا أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئا من الآلات والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم فاقتصر على ما آتاك الله وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه وضعفوه ولا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله:


لا تحسب المجد تمرا أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا


وثم أمر آخر أخاطب به كل ذي مذهب من مقلدي المذاهب الأربعة وذلك أن مسلما روى في صحيحه عن ابن عباس أن الطلاق الثلاث كان يجعل واحدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من أمارة عمر. فأقول لكل طالب علم هل تقول أنت بمقتضى هذا الحديث وأن من قال لزوجته أنت طالق ثلاثا تطلق واحدة فقط فإن قال نعم أعرضت عنه وإن قال لا أقول له فكيف تخالف ما ثبت في صحيح مسلم فإن قال لما عارضه أقول له فاجعل هذا مثله والمقصود من سياق هذا كله أنه ليس كل حديث في صحيح مسلم يقال بمقتضاه لوجود المعارض له.


المسلك الثالث


أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من حفاظ المحدثين وغيرهم منهم ابن شاهين والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري والعلامة ناصر الدين بن المنير وغيرهم واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ والخطيب البغدادي في السابق واللاحق والدار قطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة قالت حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فنزل فمكث عني طويلا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم فقلت له فقال ذهبت لقبر أمي فسالت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله. هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين بل قيل إنه موضوع لكن الصواب ضعفه لا وضعه وقد ألفت في بيان ذلك جزءا مفردا، وأورد السهيلي في الروض الأنف بسند قال أن فيه مجهولين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما. وقال السهيلي بعد إيراده الله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختص بما شاء من فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته.


وقال القرطبي لا تعارض بين حديث الأحياء وحديث النهي عن الاستغفار فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل حديث عائشة أن ذلك كان في حجة الوداع ولذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار. وقال العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي في كتاب المقتفى في شرف المصطفى قد وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى بن مريم إلى أن قال وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين. وقال القرطبي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه قال وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلا ولا شرعا فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى قال وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته. وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الأحياء والأحاديث الواردة في التعذيب وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن وأن يكون الأحياء والإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث فلا تعارض انتهى.


وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء فقال بعد إيراده خبر حلمه خبر حليمة وما أسره صلى الله عليه وسلم إليها حين قدومها عليه:


هذا جزاء الأم عن إرضاعه
لكن جزاء الله عنه عظيم
وكذاك أرجو أن يكون لأمه
عن ذاك آمنة يد ونعيم
ويكون أحياها الآله وآمنت
بمحمد فحديثها معلوم
فلربما سعدت به أيضا كما
سعدت به بعد الشقاء حليم


وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي بعد إيراد الحديث المذكور منشدا لنفسه:


حبا الله النبي مزيد فضل
على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه
لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير
وإن كان الحديث به ضعيفا


خاتمة


وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم ونحوهما على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ومع ذلك قالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلم لقوله (لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات) وقال تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله} الآية. وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال أن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار. فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار. ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف، قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير الله أعلم بحال أبويه.


وقال الباجي في شرح الموطأ قال بعض العلماء: أنه لا يجوز أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذي بمباح وليس لنا المنع منه ولا يأثم فاعل المباح وأن وصل بذلك أذى إلى غيره قال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذ أراد علي بن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل إنما فاطمة بضعة مني وإني لا احرم ما أحل الله ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا فجعل حكمهما في ذلك أنه لا يجوز أن يؤذى بمباح واحتج على ذلك بقوله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله} الآيتين فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا وأطلق الأذى في خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط انتهى.


واخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي أغنية قال حدثنا نوفل بن الفرات وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز قال كان رجل من كتاب الشام مأمونا عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزن بالمنانية فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزن بالمنانية قال أصلح الله أمير المؤمنين وما على كان أبوه النبي صلى الله عليه وسلم مشركا فقال عمر آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال أأقطع لسانه أأقطع يده ورجله أأضرب عنقه ثم قال لا تلى لي شيئا ما بقيت. وقد سئلت أن أنظم في هذه المسالة أبياتا أختم بها هذا التأليف فقلت:


إن الذي بعث النبي محمد
أنجى به الثقلين مما يجحف
ولأمه وأبيه حكم شائع
أبداه أهل العلم فيما صنفوا
فجماعة أجروهما مجرى الذي
لم يأته خبر الدعاة المسعف
والحكم فيمن لم تجئه دعوة
أن لا عذاب عليه حكم يؤلف
فبذاك قال الشافعية كلهم
والأشعرية ما بهم متوقف
وبسورة الإسراء فيه حجة
وبنجو ذا في الذكر آى تعرف
ولبعض أهل الفقه في تعليله
معنى أرق من النسيم وألطف
ونحا الإمام الفخر رازي الورى
منحى به للسامعين تشنف
إذ هم على الفطر التي ولدوا ولم
يظهر عناد منهم وتخلف
قال الأولى ولدوا النبي المصطفى
كل على التوحيد إذ يتحنف
من آدم لأبيه عبد الله ما
فيهم أخو شرك ولا مستنكف
فالمشركون كما بسورة توبة
نجس وكلهم بطهر يوصف
وبسورة الشعراء فيه تقلب
في الساجدين فكلهم متحنف
هذا كلام الشيخ فخر الدين في
أسراره هطلت عليه الذرف
فجزاه رب العرش خير جزائه
وحباه جنات النعيم تزخرف
فلقد تدين في زمان الجاهلية
فرقة دين الهدى وتحنفوا
زيد بن عمر وابن نوفل هكذا
الصديق ما شرك عليه يعكف
قد فسر السبكي بذاك مقالة
للأشعري وما سواه مزيف
إذ لم تزل عين الرضا منه على
الصديق وهو بطول عمر أحنف
عادت عليه صحبة الهادي فما
في الجاهلية بالضلالة يقرف
فلأمه وأبوه أحرى سيما
ورأت من الآيات ما لا يوصف
وجماعة ذهبوا إلى إحيائه
أبويه حتى آمنا لا خوفوا
وروى ابن شاهين حديثا مسندا
في ذاك لكن الحديث مضعف
هذي مسالك لو تفرد بعضها
لكفى فكيف بها إذا تتألف
وبحسب من لا يرتضيها صمته
أدبا ولكن أين من هو منصف
صلى الآله على النبي محمد
ما جدد الدين الحنيف محنف



حديث متعلق بهما:


قال البيهقي في شعب الإيمان أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر الرزاز ثنا يحيى بن جعفر أنا زيد بن الحباب أنا يس بن معاذ ثنا عبد الله بن قريد عن طلق بن علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب تنادي يا محمد لأجبتها لبيك. قال البيهقي: يس بن معاذ ضعيف.


فائدة


قال الأزرقي في تاريخ مكة حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن عاصم الأسلمي قال لما خرجت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد فنزلوا بالأبواء قالت هند ابنة عتبة لأبي سفيان بن حرب لو بحثتم قبر آمنة أم محمد فإنه بالأبواء فإن اسر أحدكم افتديتم به كل إنسان بارب من أرابها فذكر ذلك أبو سفيان لقريش فقالت قريش لا تفتح علينا هذا الباب إذا تبحث بنو بكر موتانا.


فائدة


من شعر عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم أورده الصلاح الصفدي في تذكرته:


لقد حكم السارون في كل بلدة
بأن لنا فضلا على سادة الأرض
وإن أبي ذو المجد والسؤدد الذي
يشار به ما بين نشر إلى خفض
وجدي وآباء له اثلوا العل
قد يما بطيب العرق والحسب المحض


فائدة


قال الإمام موفق الدين بن قدامه الحنبلي في المقنع ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا.


تم بحمد الله

حفيد الصحابة1
09 04 2011, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

ما صحة حديث(أبي وأبيك في النار) وشرحه



سمعت من أحد العلماء الأفاضل هذا الحديث ونسأل عن صحته، وإذا كان صحيحاً فمن هو والد النبي المقصود بالحديث، ولماذا ينطبق عليه هذا الكلام؟ نص الحديث: (دخل يهودي على النبي-صلى الله عليه وسلم- وسأله: يا محمد! أين أبي؟ وكان أبو اليهودي ميتاً، فقال له الرسول: إن أباك في النار. فلما تغير وجه اليهودي قال له النبي: أبي وأبيك في النار!).

هذا الحديث صحيح ثابت في صحيح مسلم, عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه جاءه رجل فسأله, وليس في الحديث أنه يهودي, وإنما سأله إنسان والظاهر أنه من المسلمين الذين آباؤهم ماتوا في الجاهلية, أو بعد الدعوة ولكنه لم يسلم, فسأله قال: أين أبي؟ قال: (إن أباك في النار)، فلما راء ما في وجهه من التغير قال : ( إن أبي وأباك في النار), يخبره أن الأمر ليس خاصاً بأبيه بل كل من مات على الجاهلية وهو من أهل النار؛ لأنه مات على كفره بالله إلا من ثبت أنه من أهل الفترة ولم تبلغه رسالة ولا دعوة فهذا أمره إلى الله، لكن حكمه في الدينا حكم الكفار حكم الجاهلية لا يغسل, ولا يصلى عليه حكم الجاهلية, لكن إذا كان في نفس الأمر لم تبلغه دعوة ولا رسالة فهذا له حكم أهل الفترات يمتحنون يوم القيامة على الصحيح, فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، فالحاصل أنه حديث صحيح, لكن ليس فيه أن السائل يهودي فيما أعلم إنما هو من نفس المسلمين الذين مات آباؤهم في الجاهلية, أو بعد ظهور الإسلام لكنه لم يسلم, فقال له النبي: (إن أباك في النار), ثم بين له بقوله إن أبي وأباك في النار؛ لأن والد النبي-صلى الله عليه وسلم-مات في الجاهلية, والنبي حمل لم يولد بعد ذلك, وقيل إنه قد ولد ولكنه صغير جداً, والمشهور أنه مات ونبينا-صلى الله عليه وسلم-حملٌ, ثم ماتت أمه وهو صغير-عليه الصلاة والسلام- ابن خمس سنين أو ست سنين, فالحاصل أن أباه مات في الجاهلية, وهكذا أمه ماتت في الجاهلية, ولهذا قال في حق أبيه: (إن أبي وأباك في النار), والسر في ذلك والله أعلم أنه قد بلغته الدعوة لدين إبراهيم فلهذا حكم عليه بالنار, وأما الأم فقد ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-أنه استأذن ربه ليستغفر لها فلم يأذن له في استغفاره لها, هذا يدل على أن من مات في الجاهلية لا يستغفر له, وله حكم أهل الجاهلية لا يستغفر له, وهو متوعد بالنار إلا من ثبت أنه من أهل الفترة, من كان الله يعلم أنه من أهل الفترة لم تبلغه رسالة, ولا دعوة, ولا علم هذا على الصحيح يمتحن يوم القيامة, فإن أجاب فيما أمر به دخل الجنة, وإن عصا دخل النار.
http://www.ibnbaz.org.sa/mat/12127

رادع البدع
09 04 2011, 03:34 PM
ياjoshkof نسق الحوار لايكون أنت تتكلم في جهة وأخونا الفاضل حفيد الصحابة يتكلم في جهة الرجل أورد حديث أبي وأباك في النار ثم أورد كلام الإمام النووي ثم أورد مسألة إستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لوالدته ورفض الله لذلك فحاولوا أن يكون النقاش نقطة نقطة ثم تورد أنت أدلتك حتي نستفيد .

حفيد الصحابة1
09 04 2011, 08:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.






بارك الله فيك أخي الفاضل "رادع البدع" على المُتابعة الطيبة .

للأسف الزميل المُخالف " joshkof" هداه الله لا يعرف من الحوار سوى النسخ و اللصق بدليل أنه نقل لنا كتاب طويل عريض ليُثبت أنه أفحم خصومه وهو عن ذلك أبعد .

اللهم اهدِ الجميع إلى الإسلام الصحيح.

في أمان الله.

joshkof
10 04 2011, 01:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على الفاتح الخاتم و آله و صحبه و سلم تسليما

الحمد لله المنتصر لأوليائه، موذن من عادَاهم بالمحاربه، باسط آلائه لمن والاهم بأدنى مقاربه، نحمده حمد من أقر بعبوديته بين العباد، و نشكره شكر من اعترف له بنعمتي الإيجاد و الإمداد. ونصلي و نسلم على الواسطة المكرم و الحجاب الأعظم، عين الرحمة الربَّانية الياقوته الحقانيه.

محمَّد سيد الكونين و الثقلي ……ن و الفريقين من عرب و من عجم

و على آله الطيبين. و أصحابه الهادين و المهتدين. و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،

و لله الأمر من قبل و من بعد، فقد عثرنا على ما كتبه "علماء" الوهابيين جوابا عما ورد من السؤال حول مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، فرأينا ذلك الجواب مشتملا على الغث و السَّمين، إن لم نقل كله ضلال مبين، لا ينبغي الإلتفات إليه، فضلا عن الإستناد عليه، لصدوره عن قلوب ملئت في أهل الله وأهل البيت بغضا، و خَلا لهم الجو فانتصروا لبعضهم بعضا، وتمالئوا على تضليل المتمسكين بحبل الطريقة الحنيفة والسنة الشريفة، و طعنوا في سائر التآليف المؤلفة في هاته المسألة، ولم يرقبوا في مومن إلا و لا ذمَّة، و سفهوهم و هم المسفهون في الحقيقة عند من نظر ذلك من أعلام الأمة. ولعمري أن من اطلع عليه من ذوي الألباب، يقضي بأنه من أوله إلى آخره غير صواب، و كأني بمن وافقوا عليه من المفتين المفتونين، قد نظروا لنفس زعيمهم الموقد لنيران هذه الفتنة، فتابعوه لنيل الحظوة لديه، و لو راقبوا الله ما تجرِّءوا على أهل الله بتحاملهم في فتواهم، وهم عنها سيسألون بين يدي مولاهم.

و إنَّه ليتعين على المحقين نقضها عروة عروه، لكون السكوت عنها ليس من شيم ذوي الفتوّه، و نحن و إن كنا نتحقق بأن جل الموافقين عليها مدفوعون بأيدي التسفيه والتشهير، طبق ما يفهم من احتراسهم فيما خطوه ببنانهم، وأفصحوا عنه ببيانهم، فإننا نشكرهم في ملامتهم حيث لم يصرحوا على رؤوس الأشهاد بمخالفتهم، لأن المسألة علميّة، لا حظ لها من التنافس عند ذوي النفوس الأبية، في حط ذوي المراتب العليّة، و الحق لا يعدم أنصاره و لو بعد حين.

والسلام

Joshkof

بتاريخ 10 04 2011 الساعة 01:49 AM

حفيد الصحابة1
10 04 2011, 04:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.






والدا النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أو في النار ؟


أين والدا الرسول صلى الله عليه وسلم هل هما في الجنة أم في النار ؟ نرجو الإفادة بالحديث الشريف الدال على ذلك .


الحمد لله

ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على أن أبويه في النار .

روى مسلم ( 203 ) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ : فِي النَّارِ . فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّار .

(فَلَمَّا قَفَّى) أي انصرف .

قال النووي رحمه الله :
فِيهِ : أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار , وَلا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار , وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة , فَإِنَّ هَؤُلاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلامه عَلَيْهِمْ اهـ .

وروى مسلم (976) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي .

قال في "عون المعبود" :
( فَلَمْ يَأْذَن لِي ) : لأَنَّهَا كَافِرَة وَالاسْتِغْفَار لِلْكَافِرِينَ لا يَجُوز اهـ .

وقال النووي رحمه الله :
فِيهِ : النَّهْي عَنْ الاسْتِغْفَار لِلْكُفَّارِ اهـ .

وقال الشيخ بن باز رحمه الله :
" والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : ( إن أبي وأباك في النار ) قاله عن علم ، فهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/1-4 . فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم قد قامت عليه الحجة ؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ما قاله ، فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة من جهة دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدثوا ما أحدثه عمرو بن لحي الخزاعي، وسار في الناس ما أحدثه عمرو ، من بث الأصنام ودعائها من دون الله ، فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن ما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم ؛ فلهذا قامت عليه الحجة. وهكذا ما جاء في الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له ، فاستأذن أن يزورها فأذن له، فهو لم يؤذن له أن يستغفر لأمه ؛ فلعله لأنه بلغها ما يقيم عليها الحجة ، أو لأن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا، فلا يدعى لهم ، ولا يستغفر لهم ؛ لأنهم في ظاهرهم كفار ، وظاهرهم مع الكفرة ، فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة " اهـ . فتاوى "نور على الدرب" .

وقد ذهب السيوطي رحمه الله إلى نجاة أبوي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأن الله تعالى أحياهما له بعد موتهما وآمنوا به .

وهذا القول أنكره عامة أهل العلم ، وحكموا بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو ضعيفة جداً .

قال في "عون المعبود" :
"وَكُلّ مَا وَرَدَ بِإِحْيَاءِ وَالِدَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيمَانهمَا وَنَجَاتهمَا أَكْثَره مَوْضُوع مَكْذُوب مُفْتَرًى , وَبَعْضه ضَعِيف جِدًّا لا يَصِحّ بِحَالٍ لاتِّفَاقِ أَئِمَّة الْحَدِيث عَلَى وَضْعه كَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْجَوْزَقَانِيّ وَابْن شَاهِين وَالْخَطِيب وَابْن عَسَاكِر وَابْن نَاصِر وَابْن الْجَوْزِيّ وَالسُّهَيْلِيّ وَالْقُرْطُبِيّ وَالْمُحِبّ الطَّبَرِيّ وَفَتْح الدِّين بْن سَيِّد النَّاس وَإِبْرَاهِيم الْحَلَبِيّ وَجَمَاعَة . وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَام فِي عَدَم نَجَاة الْوَالِدَيْنِ الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الْحَلَبِيّ فِي رِسَالَة مُسْتَقِلَّة , وَالْعَلامَة عَلِيّ الْقَارِي فِي شَرْح الْفِقْه الأَكْبَر وَفِي رِسَالَة مُسْتَقِلَّة , وَيَشْهَد لِصِحَّةِ هَذَا الْمَسْلَك هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح (يعني حديث : إن أبي وأباك في النار) وَالشَّيْخ جَلال الدِّين السُّيُوطِيّ قَدْ خَالَفَ الْحَفاظ وَالْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ وَأَثْبَتَ لَهُمَا الإِيمَان وَالنَّجَاة فَصَنَّفَ الرَّسَائِل الْعَدِيدَة فِي ذَلِكَ , مِنْهَا رِسَالَة التَّعْظِيم وَالْمِنَّة فِي أَنَّ أَبَوَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّة" اهـ .

وسُئِلَ شَّيْخ الإسلام رحمه الله تعالى :
هَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ ذَلِكَ ؟

فَأَجَابَ : لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; بَلْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ . .. وَلا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مِنْ أَظْهَر الْمَوْضُوعَاتِ كَذِبًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لا فِي الصَّحِيحِ وَلا فِي السُّنَنِ وَلا فِي الْمَسَانِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ وَلا ذَكَرَهُ أَهْلُ كُتُبِ الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَرْوُونَ الضَّعِيفَ مَعَ الصَّحِيحِ . لأَنَّ ظُهُورَ كَذِبِ ذَلِكَ لا يَخْفَى عَلَى مُتَدَيِّنٍ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِمَّا تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الأُمُورِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : مِنْ جِهَةِ إحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَمِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ . فَكَانَ نَقْلُ مِثْلِ هَذَا أَوْلَى مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ . . .

ثُمَّ هَذَا خِلافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالإِجْمَاعِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) النساء/17، 18 . فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا . وَقَالَ تَعَالَى : ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ الإِيمَانُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ ; فَكَيْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ . . . . ثم ذكر الحديثين الذين تقدما في أول الجواب اهـ . "مجموع الفتاوى" (4/325-327) . باختصار .

الإسلام سؤال وجواب


http://www.islam-qa.com/ar/ref/47170/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%88%D8%B7%D9%8A

حفيد الصحابة1
10 04 2011, 04:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.




من هو السيوطي


من هو السيوطي ؟ وهل صحيح أن استخدام المسبحة أفضل من الأصابع ؟.


الحمد لله
السيوطي : هو الحافظ عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر بن عثمان السيوطي ، ويلقب بجلال الدين وكنيته أبو الفضل ولد سنة 849 هـ ، ونَشَأَ يَتِيماً ، وحفظ القرآن دون سن الثامنة ، واشْتَغَلَ بالعلم من صِغَرِه ، وَكَثُرَت رحلاته في طلب العلم ، فرحل إلى بلاد الشام والحجاز والهند والمغرب ، وله مصنفات كثيرة في شتى الفنون فألف في التفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ وقد اشتغل بالجمع والتأليف ولكثرة جمعه يوجد في كتبه الصحيح والضعيف والموضوع والحق والباطل

ويقال إن مصنفاته تقارب600 كتاب تقريبا ، وكانت وفاته رحمه الله سنة 911 هـ .

أما بشأن استخدام المسبحة فيراجع سؤال رقم 3009.

الإسلام سؤال وجواب
http://www.islam-qa.com/ar/ref/10383/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%88%D8%B7%D9%8A