المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختارات من رسائل المجموعات البريدية


 


الصفحات : 1 [2] 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103

طالب عوض الله
20 08 2010, 10:12 AM
الشخصية الرومانتيكية

في عصر الحروب الصليبية

أشرف صالح





في الرابع عشر من ربيع الأخر سنة 583هـ/ 1187م التقى السلطان صلاح الدين الأيوبي ‏بجيوش الصليبيين في معركة حربية حاسمة وفاصلة في تاريخ الحروب الصليبية والأمة العربية آلا ‏وهي معركة حطين عند سفح جبل طبرية بفلسطين، فأنزل بهم صلاح الدين هزيمة عظيمة فارتدوا إلى ‏تل حطين، فحاصرهم وساعدته حرارة الصيف وندرة المياه فتم له النصر الحاسم على الغزاة، ووقع في ‏الأسر كثير من أمراء الصليبيين‎.‎‏ وقد حطمت حطين قوة الصليبيين، كما تجلت فيها عظمة صلاح ‏الدين، فقد كان السلطان المتحضر في عصر التعصب الصليبي المقيت.

وقد تلا هذه المعركة استعادة العرب مدينة القدس، فقد دخل صلاح الدين بيت المقدس في ‏‏12 أكتوبر 1187م وأظهر من العفو والتسامح مع أهلها ما جعل المؤرخين المسلمين وغير المسلمين ‏يذكرونه بالثناء. فقد ترك صلاح الدين الصليبيون يغادرون المدينة بعد دفع فدية معتدلة بلغت عشرة ‏دنانير للرجل، وخمسة للمرأة، ودينارين للطفل، بل إنه افتدى من ماله الخاص عناصر من أعدائه ممن ‏لم يتمكنوا من دفع الفدية. ويذكر أن صلاح الدين لم يحاول هدم الكنائس بل تركها، كما سمح أيضاً ‏لليهود بالعودة إلى المدينة المقدسة بعد أن طردهم الصليبيون منها.‏

وفي الحقيقة؛ يأتي موقف صلاح الدين التسامحي ومروءته على النقيض من تلك الفظائع التي ‏ارتكبها الصليبيون حين فتحوا بيت المقدس 1099م، حيث انطلق الصليبيون في شوارع المدينة وفي ‏المساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال والنساء والأطفال، فقد قتل هؤلاء الصليبيون الآلاف من ‏المسلمين الأبرياء بغير ذنب، فيذكر المؤرخ وليم الصوري أن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين ‏مذبحة رهيبة حتى أصبح البلد مخاضه واسعة من دماء المسلمين. ‏

الواقع أن؛ الصليبيين كانوا على علم بالترتيبات الإدارية للمعارك، فقد كانوا أساتذة في فن الحرب، ‏ويكفي أنهم قد نجحوا في سنوات قليلة في زرع إمارات صليبية في شمال الشام وبلاد العراق، وقد ‏اعترفت المصادر العربية بكفاءة الصليبيين الحربية، فلدينا شهادة أسامة بن منقذ في كتابه "الاعتبار"، ‏حيث تحدث عن مهارة الصليبيين وأن مهارتهم الوحيدة الفروسية، فيقول: "...إن الفرنج ليس لهم ميزة ‏إلا الحرب فكأنهم خلقوا لها". ونذكر أن الاندفاع والطيش والتهور والحمق هو الذي أضعف أحياناً كفاءة ‏الصليبيين الحربية، وليس الأمر له علاقة بالضعف أو الإهمال الإداري.‏

فقد كان لدى الصليبيين منطق حربي في معاركهم خلال تاريخهم الذي امتد قرنين من الزمان، ‏وفي حطين كان الصليبيون يواجهون عملاق مسلم نقل الحرب داخل فلسطين وتجهز ليضربهم ضربة ‏حازمة، وهم الذين تجنبوا الدخول في معركة حاسمة. فقد تكون الجيش الصليبي من عناصر المشاة ‏Infantry‏ والفرسان ‏Cavalry‏ وكان الفرسان أخطر عناصر الجيش وتكلفت مادياً الكثير، وكانت ‏وظيفة المشاة حماية الفرسان، فقد كان المشاة في الصفوف الأولى من الجيش ثم الفرسان المدرعين ‏بالأسلحة والدروع، وكان من الممكن تعويض المشاة، أما الفرسان فكان من غير الممكن تعويضهم ‏بسهولة لكفاءتهم الحربية، لذا يقال أن الصليبيين الذين كانوا يعانون من نقص العنصر البشري، تجنبوا ‏المعارك الحاسمة لتفادي الفاقد البشري. ‏


الجدير بالذكر؛ أن منطق الصليبيين إنهار أمام صلاح الدين في حطين، فقد كان الجيش الصليبي ‏يتضور جوعاً وعطشاً على بعد 12 ميل من قاعدته في صفورية على تحو يظهر إهمال العامل المنطقي ‏في الحرب، مما دفع أحد الكتاب الغربيين في التعليق على وضع الصليبيين في أنه "يقدم تناقضً تاماً ‏مع عبور خالد بن الوليد لخمسمائة ميل من الصحراء السورية القاحلة مع جيشه، متخذاً ترتيباته ‏لإطعام وسقاية الرجال والدواب". وهي مقارنة على جانب كبير من الأهمية بين حادثين، الأول عجز ‏فيه الصليبيين عن الحفاظ على خطوط تمويل في منطقة قصيرة بين صفورية وحصين، والثاني هو ‏كفاءة وعبقرية خالد بن الوليد في الحفاظ على خطوط تمويل طويلة مكنته من ضرب البيزنطيين وإلحاق ‏الهزيمة بهم في معركة اليرموك 636م.‏


لقد قدمت معركة حطين بطلاً مسلماً مخلصاً ورعاً هو صلاح الدين، ومن بين صفات كثيرة له ‏يذكر التاريخ التزامه الكامل بكل وعد وعهد قطعه على نفسه في عصر اشتُهر بعدم الالتزام بالعهود، ‏وهذا الأمر كان ميزة للسلطان الأيوبي وعيباً في نفس الوقت، لأنه كان يتعهد بالالتزام بالاتفاقات مع ‏الصليبيين وهم لا يلتزمون على نحو جر عليه مشكلات كبيرة، ويكفي أنه في أعقاب معركة حطين ‏تعهد الملك الصليبي جي لوزجنان بألا يرفع سيفاً على صلاح الدين وأقسم بذلك، ثم نكث بوعده وعاد ‏كي يحاربه، وهذا يوضح لنا الفارق الشاسع بين أخلاق صلاح الدين وأخلاق أعدائه. ‏


ومن الملاحظ؛ أن الصفات التي نصف بها صلاح الدين وردت صراحةً في الحوليات الصليبية، ‏فهذه شهادات الأعداء الذين انبهروا بأخلاقيات السلطان الأيوبي، فيذكر المؤرخ الصليبي وليم الصوري ‏أن صلاح الدين كان كريماً لدرجة السخاء، وهذه الصفات لم يوصف بها مثلاً ريتشارد ملك إنجلترا ‏وإنما وصف بها عملاق حركة الجهاد صلاح الدين. وقد يرى البعض أن هذه الصفات العديدة تعكس ‏إعجاب الكاتب بصفات السلطان مما يضر بموضوعية الكتابة التاريخية، والواقع أن هذه الصفات حقيقية ‏ولا تعكس أي تحيز للسلطان، مع ملاحظة أنه كان شخصية كاريزمية محبوبة ومؤثرة وجذابة للغاية.‏


لقد كان صلاح الدين رجل عسكري في العصور الوسطى ألف رؤية القتلى والجرحى إلا أنه كره ‏رؤية الدماء، ولدينا وثيقة عبارة عن نصائح قدمها لأحد أبنائه فيقول له: "إياك وسفك الدماء فإن الدم لا ‏ينام"، وهذا دليل واضح على أننا أمام شخص يوصف بأنه رحيم ومتحضر في عصر يوصف بالدموية. ‏كما أن صلاح الدين رغم احتدام المعارك بينه وبين الصليبيين إلا أنه كان قارئ جيد، وكان مجلسه ‏يتكون من عمالقة أعلام عصره، وربما يتبادر إلى ذهن البعض هنا ما ذكره المؤرخ العراقي الأصل ‏ابن الأثير(ت 630هـ/1232م) من أنه حضر مجلس نور الدين ومجلس صلاح الدين فوجد الفارق ‏شاسع، ففي مجلس نور الدين التَّقْوَى والورع، ومجلس صلاح الدين اللخط والكلام التافه، إلا أن رأي ‏ابن الأثير لا يؤخذ مأخذ الجد لأنه ربيب البيت الزنكي ويتسم بتحيزه لهذا البيت. ‏

ويكفي لصلاح الدين أن عاصره كبار أعلام عصره أمثال بهاء الدين بن شداد (ت632 ‏هـ/1234م)، والعماد الأصفهاني (ت 597 هـ/1201م)، والقاضي الفاضل(596هـ/ 1200م). ‏وعنه يذكر ابن شداد في كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية:"لقد كان حبه للجهاد والشغف به ‏قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في ‏آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه. لقد هجر في محبة الجهاد ‏في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسائر بلاده، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها ‏الرياح ميمنة وميسرة".‏


وعلى الرغم من قوة صلاح الدين وسلطته وانتصاراته التي حققها إلا أن سلوكه دائماً كان لطيفاً، ‏فقد كره الفظاظة والخشونة والقسوة، وكان هادئ الطبع ومتواضع، وتلك الصفة لفتت أنظار معاصريه ‏من المسلمين والصليبين، فلم يترفع عن رجاله ولم ينفصل عنهم وكان يخوض المعارك بنفسه ويحمل ‏الحجارة والرمل لإقامة أسوار تحمي بيت المقدس هو وأبنائه والفقهاء، لذلك حظي بإعجاب الفريقين بل ‏إعجاب الصليبيين فاق إعجاب المسلمين. يقول المستشرق البريطاني ستانلي لين بول:" لقد أجمع الناس ‏على أن صلاح الدين كان نادر المثال في أخلاقه. فهو – بلا مراء- طاهر النفس، شجاع، غير أنه ‏هادئ النفس، رقيق الطبع، لين الجانب، رحيم الفؤاد، زاهد في الدنيا، مجاهد، ليس فيه كبر بل فيه ‏بساطة وورع".‏


لقد كان صلاح الدين وبحق واحداً من قادة الإسلام العظام، فقد حافظ على كفاح متساوي ضد ‏جيوش الصليبيين العديدة والمتفوقة لمدة ربع قرن من الزمان، إلا أننا عندما نركز على صلاح الدين ‏يجب آلا نغفل أن وراء هذا القائد الشعوب الإسلامية في مصر والشام والجزيرة الفراتية، حتى لا نقع ‏في مأزق الاعتماد على دور الفرد فقط في حركة التاريخ. ومن ناحية أخرى؛ إذا كانت إنجازات صلاح ‏الدين عظيمة، فلا ننسى أنه أكمل دور نور الدين محمود(1118 – 1174م) فقادة الجهاد الإسلامي كل ‏منهم يكمل الآخر، فلا يوجد انفصال بين قائد وأخر، ومن المؤكد أن أكثر ثلاثة قادة ارتبطت أدوارهم ‏ببعض هما عماد الدين زنكي (1126 – 1146م) ونور الدين محمود وصلاح الدين، وهذا يوضح ‏ضرورة دراسة أدوار قادة حركة الجهاد من خلال متواليات تاريخية، فقد أكمل صلاح الدين دور القادة ‏السابقين بدايةً من شرف الدين مودود (1108 – 1113م)، ولذلك يمكننا أن نعتبر عام 1187م هو ‏حصاد السنوات السابقة منذ عام 1099م. ‏


واقع الأمر؛ إن انتصارات صلاح الدين كانت نتاج عوامل متعددة تكمن في أخطاء الصليبيين، ‏والسياسة البعيدة النظر لأسلاف صلاح الدين، وإلى شخصية صلاح الدين نفسه، لكن أهم هذه العوامل ‏هو الإسلام واستجابته الحتمية للاعتداء الصليبي، وذلك يذكرنا بنظرية المؤرخ البريطاني الكبير أرنولد ‏توينبي صاحب نظرية "التحدي والاستجابة"، التي يقول فيها أن التاريخ البشري مجموعة من التحديات ‏والاستجابات، وإذا وجدت استجابة قوية فإن أهل الاستجابة يستطيعون التفوق على أعدائهم، وفسر بذلك ‏التاريخ كله على أساس التحدي والاستجابة. ‏

لقد كان انتصار صلاح الدين في حطين 1187م وإسقاط مملكة بيت المقدس الصليبية انتصاراً ‏حربياً وحضارياً جعله يحتل مكانة عظمى في تاريخ العصور الوسطى، ليس فقط للإنجاز العسكري بل ‏أيضاً لإنسانيته، فليس بالدماء تصنع المكانة التاريخية ولكن بالإنجازات ذات البعد الإنساني. فقد ورد في ‏كتابات المؤرخين اللاتين المعاصرين وشهود العيان أن الصليبين عندما دخلوا بيت المقدس عام 1099م ‏خاضوا في دماء ضحاياهم، فيذكر مؤرخ الجستا المجهول أن الخيول كانت تخوض في برك من الدماء، ‏وعندما نقارن بين ذلك وما فعله صلاح الدين عند دخول القدس، نجد أن دخوله للمدينة كان أبيض لم ‏تنزف فيه قطرة دماء واحدة، لذلك ذكر السير ستيفن رانسيمان أن صلاح الدين عبر عن روح الإسلام ‏واحتفل عند قرون حطين وأبواب بيت المقدس بانتصاره كما يحتفل الرجل الشريف. ‏

ذلكم صلاح الدين الأيوبي الذي طبقت شهرته الآفاق، فهو الشخصية الأكثر رومانتيكية لعصر ‏الحروب الصليبية، تمكن من غزو الصليبيين في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، وهذا ما لم يحدث بالنسبة ‏لأي قائد صليبي على نحو يكشف لنا تفوق المسلمين في صورة صلاح الدين الذي يكاد يكون الشخصية ‏المسلمة الوحيدة في عصر الحروب الصليبية – إن لم يكن في القرون الوسطى- الذي نُسج بشأنه ‏أسطورة عاشت في العقل الجمعي الأوربي، وأعجب به الصليبيون وصوره فارساً على خلق ونبل، ‏ولعل السبب الرئيسي في تكوين تلك الأسطورة الطابع الإنساني في طبيعته وتمكنه من غزو قلوب ‏أعدائه. ‏


إن العصور الوسطى هي عصور القديسين والأساطير، وتعد أسطورة صلاح الدين أكثر أساطير ‏القرون الوسطى التي تربط الشرق والغرب ارتباطاً وثيقاً، ولا يزال اسم صلاح الدين مجلجلاً في أسماع ‏الغرب حتى اليوم، وذلك دليلاً على أن صلاح الدين لم يمت في 1193م بل ظل أسطورة في عقول ‏أعدائه.‏


المصادر: ‏


‏(1) ابن شداد: (القاضي بهاء الدين ت632 هـ/1234م) ، النوادر السلطانية والمحاسن ‏‏اليوسفية/ تحقيق جمال الدين الشيال.- الطبعة الثانية.- ‏القاهرة: مكتبة الخانجي،1994.‏ ‏
‏(2) أسامة بن منقذ الكنانىمحب الدين أبو المظفر أسامه بن مرشد الشيرازى 488-584هـ)، الاعتبار / مراجعة ‏وتدقيق حسن الزين.- بيروت: دار الفكر الحديث، 1988. ‏
‏(3)‏ مؤرخ الجستا المجهول: ‏( فارس صليبي في جيش بوهيمند عاصر القرن5 هـ/11م)‏‏أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس/ ترجمة وتحقيق حسن ‏حبشي.- ‏القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ‏‏2000.‏
‏(4) وليم الصوري: ‏( ت 1185م/ 581 هـ)، تاريخ الأعمال المنجزة فيما وراء ‏البحار/ تحقيق سهيل زكار.- الطبعة الأولي.- دمشق: دار الفكر،1990.‏

المراجع: ‏
‏(5) ‏أشرف صالح، مقال بعنوان "حركة الجهاد الكبرى 583هـ/ 1187م".- موقع الركن الأخضر، ركن السياسة: ‏العالم الإسلامي.- منشور بتاريخ ‏‏4/4/2008. (‏www.grenc.com‏)‏ (http://www.grenc.com‏)‏/)
‏(6)‏ جمال الدين الرمادي، صلاح الدين الأيوبي.- الطبعة الأولى.- القاهرة: مطابع الشعب، 1958.‏
‏(7)‏ محمد مؤنس عوض، محاضرة بعنوان "بطل مسلم"؛ ألقيت في كلية الآداب (قسم التاريخ) – جامعة عين شمس.- ‏القاهرة، 12 فبراير2000.(غير منشورة)‏
‏(8) ‏محمد مؤنس عوض، مقال بعنوان "1099، 1187م عامان فارقان في تاريخ القدس في العصور الوسطى".- ‏مجلة الوعي التاريخي.- العدد السادس؛ مايو2009.- الشارقة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، ‏‏2009. ‏
‎(9)‎ Runciman: (Steven),‎The History of Crusades.- London : Cambridge University ‎press, ‎‎1954.‎‏ ‏
‎(10)‎ Lane-Poole:( Stanley ), Saladin : all-powerful sultan and the uniter of Islam.- 1st Cooper ‎Square Press ed.- New York : Cooper Square Press, 2002.‎


عن مجلة أدب فن

طالب عوض الله
20 08 2010, 05:27 PM
بسم الله الرّحمن الرّحيم

غير المسلمين في دار الإسلام

الكاتب: ياسين بن علي

إنّ وجود غير المسلمين في دار الإسلام أمر طبيعي وحتمي. فهو طبيعي لأنّ سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه اقتضته. فقد شاء سبحانه وتعالى للبشر أن تتعارف، فتحتك ببعضها بعضا، وتعيش مع بعضها بعضا، وتتعامل مع بعضها بعضا. قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات13). وهو أمر حتمي لأنّ سياسة الدعوة إلى الإسلام حتمته، إذ إنّ احتكاك غير المسلمين بالمسلمين، وعيشهم في دار الإسلام، وخضوعهم لأحكام الإسلام العادلة قد يكون مدعاة لإسلامهم.
وقد بنى الإسلام وجود غير المسلمين في داره، سواء أكان وجودهم مؤقتا أم غير مؤقت، على فكرة العقد، وهو موثق وعهد بين طرفين يستلزم حقوقا وواجبات يراعيها العاقدان. والدليل على هذا قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}(التوبة6). والمراد إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره أي أمّنه أو أعطه العهد والميثاق على ذلك، لأنّ الجوار هو أن تعطي الرجل ذمة أي عهدا وضمانا، وهو ما يفيد معنى العقد. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ أخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا".وأخرج أبو داود عن عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرّيهمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِه". وأخرج ابن هشام في السيرة عن عمر مولى غَفْرَة [أخت أو بنت بلال رضي الله عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا". وفي هذه الأحاديث الثلاثة ألفاظ "العهد" و"الذمة" المفيدة للعقد؛ لأنّ الواقع اللغوي لهذه الألفاظ يدلّ على تقاربها.
جاء في لسان العرب: "العَقْد: نقيض الحَلِّ (...) وعَقَدْتُ الحبْلَ والبيع والعهد فانعقد. والعَقْد: العهد، والجمع عُقود، وهي أَوكد العُهود. ويقال: عَهِدْتُ إِلى فلانٍ في كذا وكذا، وتأْويله أَلزمته ذلك، فإِذا قلت: عاقدته أَو عقدت عليه فتأْويله أَنك أَلزمته ذلك باستيثاق. والمعاقدة: المعاهدة. وعاقده: عاهده. وتعاقد القوم: تعاهدوا". وجاء في القاموس المحيط: "عَقَدَ الحَبْلَ والبَيْعَ والعَهْدَ يَعْقِدُهُ: شدَّهُ (...) والعَقْدُ: الضَّمانُ والعَهْدُ".
فالأصل في العقد المعنى الحسي له، وهو الربط والشدّ والتوثيق، ثم استعير للدلالة على كل ما أفاد هذا المعنى في بقية الأمور المعنوية، كما في البيع والعهد. فيقال: عقدت البيع إذا ربطته بين طرفين، وعقدت العهد إذا ربطته بينك والطرف الآخر. ويقال أيضا: عقدت اليمين، إذا وثقتها باللفظ مع العزم عليها. ومنه أيضا الاعتقاد باعتباره عقد القلب على الشيء وإثباته في النفس.
ومن الألفاظ القريبة من العقد لفظة العهد، فيقال عاقده أو عاهده بمعنى واحد؛ لأن العهد موثق والتزام كالعقد. قال الجرجاني (في التعريفات): "العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، ثم استعمل في الموثق الذي تلزم مراعاته". وقال أبو البقاء الكفوي (في الكليات): "العهد: الموثق. ووضعه لما من شأنه أن يراعى ويتعهد كالقول والقرار واليمين والوصية والضمان والحفظ والزمان والأمر (...) والعهد: الإلتزام".
ومن الألفاظ القريبة أيضا لفظة الذمة. جاء في المصباح المنير للفيومي: "وتفسّر الذمة بالعهد وبالأمان وبالضمان أيضا (...) وسمي المعاهد ذميا نسبة إلى الذمة بمعنى العهد". وفي مختار الصحاح: "الذِّمامُ الحرمة وأهل الذِّمَةِ أهل العقد قال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله صلى الله عليه وسلم "ويسعى بذمتهم أدناهم". وجاء في لسان العرب: "والذِّمامُ والمَذَمَّةُ: الحق والحُرْمة، والجمع أَذِمَّةٌ. والذِّمَّة: العهد والكَفالةُ، وجمعها ذِمامٌ. وفلان له ذِمّ أي حق. وفي حديث عليّ كرم الله وجهه: ذِمَّتي رَهِينه وأَنا به زعيم أَي ضماني وعهدي رَهْنٌ في الوفاء به (...) والذِّمامُ: كل حرمة تَلْزمك إِذا ضَيَّعْتَها المَذَمَّةُ، ومن ذلك يسمى أَهلُ العهد أَهلَ الذِّمَّةِ، وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين كلهم. ورجل ذِمِّيٌّ: معناه رجل له عهد. والذِّمَّةُ: العهد منسوب إِلى الذِّمَّةِ. قال الجوهري: الذِّمَّةُ أَهل العقد".
وأما في اصطلاح الفقهاء فالعقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله. وقيل هو "ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعا". وقيل "هو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول. كما في عقد البيع، فهو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي البائع والمشتري. وكما في عقد الإجارة، فهو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي المؤجر والمستأجر".
والذمة والأمان والعهد كلها عقود، فيها ربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي المسلمين وغير المسلمين. فإذا أراد غير المسلم الإقامة في دار الإسلام عقد مع المسلمين عقدا يبيح له البقاء بينهم في دارهم. لذلك فإن سبب وجود غير المسلمين في دار الإسلام هو العقد الذي أبرم معهم.

أقسام غير المسلمين
قال ابن القيم - رحمه الله - (في أحكام أهل الذمة ج:2، ص 873): ".. الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان، وقد عقد الفقهاء لكل صنف باباً فقالوا باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة، ولفظ الذمة والعهد يتناول هولاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد، وقولهم هذا في ذمة فلان، أصله من هذا، أي: في عهده وعقده، أي: فألزمه بالعقد والميثاق، ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواء وجب بعقده أو بغير عقده، وهكذا لفظ الصلح عام، وفي كل صلح هو يتناول صلح المسلمين، بعضهم مع بعض وصلحهم مع الكفار، ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة، عبارة عمن يودي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام، كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان". وعليه، فإنّ غير المسلمين الذين يجوز لهم دخول دار الإسلام والإقامة فيها هم: المستأمنون والمعاهدون والذميون. والفرق بينهم هو أن المستأمنين والمعاهدين إقامتهم مؤقتة، في حين أن الذميين إقامتهم غير مؤقتة، وهم الذين ينطبق عليهم وصف كونهم من رعية دولة الخلافة.
ولما كان وجود أهل الذمة في دار الإسلام أمر واقعي، وكان أهل الذمة من رعية دولة الخلافة، فإننا نتعرض في هذا المقال إلى بعض الأحكام المتعلقة بهم خاصة. وذلك لأمرين: أولهما، أن على الأمة الإسلامية وهي تتهيأ لبزوغ شمس الخلافة أن تعي على الأحكام المتعلقة بمن يعيش بينهم ويشكل معهم رعية الدولة. ثانيهما، أن على هذا الجزء من الرعية الذي يطلق عليه اصطلاح "أهل الذمة" أن يعي على واقعه في دولة الخلافة وأن يطمأن لعدل هذه الدولة فلا يتخذها عدوا وقد اتخذته من رعيتها.

عقد الذّمة وأدلته
الذمة لغة هي العهد والأمان والضمان، لأن نقضها يوجب الذم. وأما في الاصطلاح فعقد الذمة هو: "التزام تقرير الكفار في ديارنا، وحمايتهم، والدفاع عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم"، أو هو "إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة"، أو هو "أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب – أو غيرهم – من الكفار على كفرهم بشرطين: الشرط الأول، أن يلتزموا أحكام الإسلام في الجملة. والشرط الثاني، أن يبذلوا الجزية."وعليه، فالذمي "هو كلّ من يتدين بغير الإسلام، وصار من رعية الدولة الإسلامية وهو باق على تدينه بغير الإسلام"

والدليل على مشروعية عقد الذمة أدلة الأمان والمعاهدة، لأن الذمة في واقعها تفيد الأمان والعهد وإن اختلفت عنهما في بعض الأمور. ومن الأدلة التي نصت على ذكر الذمة خاصة، نذكر ما يلي: أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ اخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا". وأخرج ابن هشام في السيرة عن عمر مولى غَفْرَة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا". وأخرج النسائي عن عَبْدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً مِنْ أَهْلِ الذّمّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنّةِ وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما". وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده، عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عن ذلك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيشد الله عز وجل قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم".

أركان عقد الذّمة وشروطه

أولا : الأركان
1 . العاقد
اتفق العلماء على أنّ عقد الذمة لا يصح إلا من الإمام أو نائبه، "لأنها من المصالح العظام فتحتاج إلى نظر واجتهاد، فلا يصح عقدها من غيرهما". قال ابن قدامة المقدسي (في المغني): "ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، لأنّ ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنّ عقد الذمة عقد مؤبّد، فلم يجز أن يُفتات به على الإمام، فإن فعله غير الإمام أو نائبه، لم يصح".

2. المعقود عليه
عقد الذمة هو عقد على منفعة بعوض. أما المنفعة فهي الإقامة الدائمة بدار الإسلام تحت حماية المسلمين. وأما العوض فهو جزية تؤدى في كل عام.

3. الصيغة
تكون صيغة عقد الذمة إما بنص أو لفظ صريح يدل عليه، وهو لفظ العهد والعقد على وجه مخصوص، وإما بدلالة أو فعل يدل على قبول به. ومن الصور اللفظية للعقد أن يقول الإمام أو نائبه: "أقركم بدار الإسلام أو أذنت في إقامتكم بها على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الإسلام". ومن الصور الفعلية، أن تضرب الجزية على صبي كافر بلغ في دار الإسلام، أو إذا دخل حربي دار الإسلام بأمان "ينبغي للإمام أن يتقدم إليه فيضرب له مدة معلومة على حسب ما يقتضي رأيه، ويقول له: إن جاوزت المدة جعلتك من أهل الذمة. فإذا جاوزها صار ذميا، لأنه لما قال له ذلك فلم يخرج حتى مضت المدة فقد رضي بصيرورته ذميا".
وتنعقد الذمة أيضا بإشارة أخرس مفهمة، أو بكتابة أو غير ذلك مما سبق بيانه في بحث الأمان، لأنّ عقد الذمة عقد كسائر العقود فيجري فيه ما يجري في سائره.

ثانيا: الشروط

أ. الجزية
الجزية هي مال مخصوص يؤخذ من غير المسلمين من أهل الذمة، أو هي "حق أوصل الله المسلمين إليه من الكفار، خضوعا منهم لحكم الإسلام"، أو هي "الوظيفة المأخوذة من الكافر، لأقامته بدار الإسلام في كل عام، وهي فعلة من جزى يجزي: إذا قضى (...) تقول العرب: جزيت ديني، إذا قضيته". وقيل هي مأخوذة من الإجزاء، لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه.
والجزية شرط في الذّمة باتفاق أهل العلم. والدليل عليها قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. (التوبة29) وأخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: "فأمرنا نبينا، رسول ربنا صلى الله عليه وسلم: أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدّوا الجزية". وأخرج مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "...فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم...".
ويشترط عند العقد ذكر قدرها، وممن تؤخذ، ومتى تؤخذ.

ب. لمن تعقد الذّمة
تعقد الذّمة لكلّ الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، وهم لا وجود لهم في زمننا هذا. فقد انتهى وجودهم منذ السنة العاشرة من الهجرة.
والدليل على كون الذمة تعقد لكلّ الكفار، سواء أكانوا أهل كتاب، أم شيوعيين، أم هندوس أم غير ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم:"... إنيّ أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً واحدةً تَدِينُ لَهُمْ بهَا العربُ وتُؤَدّي إلَيْهِمُ الْعَجَمُ الجِزْيَةَ...". (أخرجه الترمذي وأحمد عن ابن عباس) والعجم هم خلاف العرب، بغض النظر عن دينهم، فتشمل النصارى، واليهود، والمجوس وغيرهم. وأخرج مسلم عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثم قال: "اغزوا باسم الله. وفي سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال). فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (...) فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم...". وقوله صلى الله عليه وسلم "قاتلوا من كفر بالله" وقوله "عدوك من المشركين" تشمل كل الكفار سواء أكانوا أهل كتاب أم لا.

حقوق أهل الذمة
إن دخول غير المسلم في عقد الذمة يوجب على الدولة والمسلمين الوفاء بعهده وحسن معاملته، فيصبح من رعايا الدولة له ما للمسلمين وعليه وما عليهم، إلا ما استثناه الشارع من ذلك. وقد وردت أدلة كثيرة تحثّ على حسن معاملة الذمي وتبيّن حقوقه وما يجب له منها:
·قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.(الممتحنة 8)
·وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما".
·وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ اخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا".
·وأخرج أبو داود عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه [أي أخاصمه] يوم القيامة".
·وروى مسلم أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض [أي من أهل الذمة المقرين بأرضهم على أداء الجزية] فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: "أليست نفساً".
·وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال ما هذا؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".
· وأخرج البيهقي في السنن عن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال : نزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ومعه من معه من أصحابه وكان صاحب خيبر رجلا ماردا منكرا فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمارنا وتضربوا نساءنا فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا بن عوف اركب فرسك ثم ناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة قال فاجتمعوا ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام فقال: "أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله عز وجل لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإن الله عز وجل لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم".
·وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تدخلوا بيوت أهل الذمة إلا بإذن".
·وأخرج ابن زنجويه في الأموال: "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته".
·وأخرج أبو عبيد في الأموال: "كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها".
·وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا عاد رجلا على غير الإسلام لم يجلس عنده، وقال: كيف أنت يا يهودي، كيف أنت يا نصراني، بدينه الذي هو عليه".

شواهد من التاريخ
في تاريخ المسلمين شواهد كثيرة تدل على حسن معاملة دولة الخلافة لهل الذمة، منها:
·أخرج البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: "أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا، أن يعرف لهم حقّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان، أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم".
·ذكر ابن كثير (في البداية والنهاية): لما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه.
·وذكر أبو عبيد (في الأموال) أنه في خلافة معاوية نقض أهل بعلبك عهدهم مع المسلمين، وفي أيدي المسلمين رهائن من الروم، فامتنع المسلمون من قتلهم، ورأوا جميعا تخلية سبيلهم، وقالوا: "وفاء بغدر خير من غدر بغدر".
·وذكر مثله عن الأوزاعي فقيه الشام حين أجلى الأمير صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس أهل ذمة من جبل لبنان، كتب إليه الأوزاعي: "فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} (النجم: 38)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه" ... فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة".
·وذكر أبو يوسف (في الخراج): كتب علي بن أبي طالب إلى عماله على الخراج: "إذا قدمت عليهم فلا تبيعنّ لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك".
·وذكر أيضا: كتب خالد بن الوليد لنصارى الحيرة: " وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله".
·وروى ابن زنجويه أن عمر بن الخطاب رأى شيخا كبيرا من أهل الجزية يسأل الناس فقال: "ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير".
·وذكر أبو عبيد (في الأموال) أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب إلى واليه عدي بن أرطأة: "وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه".

من أقوال العلماء
هذه بعض النقول عن أهل العلم تدل على اعتنائهم بحق أهل الذمة:
·قال مالك (كما في التمهيد لابن عبد البر): "إذا زنى أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام؛ إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويدخلوا عليهم الضرر؛ فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين".
·وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني (في السير الكبير): "لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام ... وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام .. ولنا أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين} (البقرة: 256)".
·وقال أيضا: "قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة فحالهم كحال أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم؛ لأنّهم تحت ولايته...".
·وقال الطحاوي (في اختلاف الفقهاء): "وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر وأكل لحم الخنازير واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصراً ليس فيه أهل إسلام".
·وقال الماورديّ (في الأحكام السلطانية): "ويلتزم - أي الإمام - لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين".
·وقال القرطبيّ (في تفسيره): "الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه".
·وقال القرافي (في الفروق): "عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض احدهم، أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام، وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".
الخلاصة
إنّ أهل الذمة في دولة الخلافة رعية لها كسائر الرعية، لهم حق الرعوية، وحق الحماية، وحق ضمان العيش، وحق المعاملة بالحسنى، وحق الرفق واللين، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام الحاكم والقاضي، وعند رعاية الشؤون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات، كما ينظر للمسلمين دون تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

منقول : مجلة الزيتونة

طالب عوض الله
21 08 2010, 09:27 AM
"الإسلام المعتدل"
الكاتب: ياسين بن علي




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
اتخذت أمريكا - بعد سقوط الاشتراكية المتمثلة في الاتحاد السوفيتي - من الإسلام عدوا لها. لذلك تعالت الصيحات في الغرب المنذرة بخطر هذا الدين، وخطر عودته إلى الحكم والحياة والدولة والمجتمع، خصوصا وقد بدأت الأمّة الإسلامية تتحسّس طريق نهضتها، وتدرك أن لا خلاص لها وللعالم إلا بعودة الإسلام وتطبيقه.
وبما أنّ الغرب، وعلى رأسه أمريكا، يدرك مدى هشاشة بنية قاعدته الفكرية الرأسمالية، وعدم قدرته على صراع الإسلام صراعا فكريا، فقد اعتمد خطة: أفضل طرق الدفاع الهجوم. فطفق يكيل الاتهّام تلو الآخر للإسلام والمسلمين، مستخدما لفظ الأصولية، والإرهاب، والراديكالية والتطرّف، حريصا – كما قيل - " كلّ الحرص على إظهار الأصولية كأكثر أشكال التعبير عن الإسلام وضوحا.. فكلّ ما يفرزه الإسلام سيكون في مواجهة الغرب". وقد وصفت المستشرقة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو هذا الوضع بدقة فقالت: "الغرب كان وما يزال بحاجة إلى (اختراع) عدو حتى يضمن لنفسه خطاً دفاعياً ويظل مترفعاً ومتعالياً على ما تبقى من العالم لسنين طويلة أو حتى لعقود، كان هذا العدو متمثلاً بالشيوعية وبالمعسكر الشرقي، وعندما انهارت الشيوعية برز لدى الغرب التساؤل التالي: من سيكون عدونا المقبل؟!. وإذا به يسحب من خزانة تراكم عليها غبار الزمن صورة العدو التاريخي القديم المتمثل بالعالم الإسلامي. لكن الغرب كان أيضاً بحاجة إلى وسيلة لإقناع مواطنيه بمصداقية هذا الاكتشاف (الجديد والقديم)، لذا كان طبيعياً أن يحاول ترسيخ ملامح (البعبع) من خلال تقديم (الأصولية الإسلامية) في صورة (العدو العنيف)…".(1)
لذلك كثر الحديث عن الأصولية الإسلامية، وعن الإرهاب الإسلامي، وتعدّدت المقولات المنذرة بهذا الخطر.
قال شمعون بيرس:" لقد أصبحت الأصولية الخطر الأعظم في عصر ما بعد انهيار الشيوعية." وقال جان فرنسوا روفيل في كتابه "الإنعاش الديمقراطي": " إنّ الإسلام هو مصدر تسعة أعشار الإرهاب العالمي الرسمي…".(2) وقال أموس بيرلموتر AMOS PERLMUTTER – البروفيسور الأمريكي – في مقال نشرته صحيفة الواشنطن بوست في 19 /1/1992 : " إنّ الأصولية الإسلامية هي حركة عدوانية وقائمة على الإرهاب والفوضى كالحركات الإرهابية والحركات البلشفية والفاشية والنازية". وقال الرئيس اليهودي الأسبق "هرتسوغ" أمام البرلمان البولندي عام 1992م:" إنّ وباء الأصولية الإسلامية ينتشر بسرعة ولا يمثّل خطرا على الشعب اليهودي فحسب بل وعلى البشرية جمعاء". وقال ويلي كلاس الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي في مقابلة له مع المجلة الألمانية (سودويتشه تسايتونغ): "إن الأصولية الإسلامية تشكل تهديداً للغرب بالقدر الذي كانت تشكله الشيوعية".(3)
وعرّفت موسوعة "سبكتروم" مصطلح الأصولية بقولها: "الأصولية، مصطلح جامع يشير إلى المجموعات الإسلامية المتعددة التي تعتمد الإسلام كسلاح سياسي، وتتطلّع إلى دولة إسلامية. وهذا يعني، قيام نظام الدولة بأكمله على الشريعة الإسلامية…".
وممّا ساهم في تأكيد الاتّهام بالأصولية والتطرّف والإرهاب، أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001م التي استغلّتها حكومة بوش الابن ونسبتها إلى جماعة إسلامية.

إنّ هذه الخطة الغربية القائمة على نعت الإسلام والمسلمين بنعوت مستفزة للرأي العام العالمي، أكسبت الغرب ثلاثة مكاسب مهمّة هي:
أولا: تحويل وجهة الصراع عند المسلمين من كرّ وهجوم إلى ردّ ودفاع، وإشغالهم بقضايا فرعية وهمية مختلقة عن القضايا الرئيسية المصيرية.
ثانيا: كسب تأييد الرأي العام للشعوب الغربية حول خطر الإسلام السياسي الذي يتهدّد البشرية، وإقناعهم بوجوب محاربته ومحاربة من يدعو إليه بوصفه السياسي. وقد دعمت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 فكرة خطر الإسلام، ومكّنت الغرب من فرصة تاريخية لمحاولة القضاء عليه.
ثالثا: إيجاد الوسط الصالح والمناخ الملائم لذوي العقلية الواقعية، حتى يبتدعوا إسلاما حديثا منساقا مع الواقع ومبرّرا لوجوده، قوامه الوسطية وشعاره الاعتدال. وقدّ عرّف جون اسبوزيتو (بروفيسور الأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون) الحركات المعتدلة بقوله: "وأعني بالحركات الإسلامية المعتدلة الحركات التي تشارك بالفعل في النظام السياسي في الدول الإسلامية أو التي لديها الاستعداد لهذه المشاركة".
يقول أنطوني ليك مستشار الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لشؤون الأمن القومي: «إنّ واشنطن تحترم ما قدّمه الإسلام للعالم منذ 1300 عام وتعرض كل تعابير الصداقة لأولئك المؤمنين بالإسلام الذين يلتزمون السلام والتسامح لكننا سنوفر كل مقاومة لمواجهة المتطرفين اللذين يشوهون العقائد الإسلامية ويسعون إلى توسيع نفوذهم بالقوة».(4)
ويقول مارتن أنديك المساعد الخاص للرئيس الأمريكي السابق كلينتون، مدير الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي في معرض إعلانه عن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط: «إنّ عقوداً من الإهمال والآمال المحيطة بالمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية غذّت حركات عُنفية تنكرت بأقنعة دينية وبدأت تتحدى الحكومات في أنحاء العالم العربي ما ينطوي على خطر كامن لزعزعة الاستقرار في المنطقة. ينبغي علينا أن لا نبسط تحدياً معقداً تطرحه الينابيع المختلفة الإقليمية والوطنية. ويجب ألاّ نرفض جميع الإصلاحيين الدينيين باعتبارهم متطرفين… ولذا فالتحدي الثالث أمامنا هو أن نساعد شعوب الشرق الأوسط وحكوماتها لمواجهة هذا التهديد الناشئ بالسعي الحثيث إلى السلام من جهة وباحتواء التطرف في أنحاء المنطقة من جهة أخرى وبالتمسك برؤيتنا كبديل للتطور السياسي الديمقراطي والتطور الحر لاقتصاد السوق».(5)
ويقول وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكية في عهد كلينتون: «إننا نبقى ملتزمين أن تبقى قوى الاعتدال (حركات أو أنظمة) في المنطقة أقوى من قوى التطرف.. وأن الولايات المتحدة وأصدقاءها وحلفاءها سيتخذون الخطوات الضرورية لضمان فشلكم (قوى التطرف)».(6)
ويقول الكاتب والمفكر السياسي دانيال بايبس المعروف بقاعدة: "الإسلام المتطرف هو المشكلة، والإسلام المعتدل هو الحل" ("radical Islam is the problem, moderate Islam is the solution."): "الرئيس بوش لم يتوقف منذ الحادي عشر من سبتمبر عن تكرار أن الإسلام هو "دين سلام" لا صلة له بمشكلة الإرهاب، فهل تؤمن إدارة بوش حقا أن الإسلام هو "دين سلام" لا صلة له بمشكلة الإرهاب؟ توحي مؤشرات عديدة إلى أن فهم الإدارة هو أفضل من ذلك، ولكن عاما بعد عام ظل اتجاه الإدارة كما هو. من الخارج بدا أن الإدارة في حالة من الضلالة الذاتية.
في الواقع كانت الأمور أفضل مما بدت عليه، الأمر الذي دلل عليه دافيد إ. كابلان في دراسة هامة، قائمة على 100 مقابلة وفحص ما يزيد عن عشرة وثائق عن الشئون الداخلية، نشرت في (يو اس نيوز اند ورلد ربورت) أخبار الولايات المتحدة وتقرير العالم. لقد تمت تسوية وحل الخلافات الأولى حول طبيعة العدو- الإرهاب في مقابل الإسلام المتطرف - : يتفق كبار موظفي الإدارة الأمريكية على أن "العدو العقائدي الأكبر هو الصورة المُسَيسة بدرجة كبيرة للإسلام المتطرف وأن واشنطن وحلفائها لا يستطيعون مواجهتها" لأنها تزداد قوة. من أجل محاربة هذه العقيدة، تساند حكومة الولايات المتحدة الآن التفسير غير المتطرف للإسلام. في مقالة بعنوان "القلوب والعقول والدولارات: في جبهة غير مرئية للحرب على الإرهاب أميركا تنفق الملايين لكي تغير صورة الإسلام" نشرت اليوم يفسر كابلان أن واشنطن تدرك أن لها مصلحة أمنية ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن داخل الإسلام ذاته. ولذلك يجب عليها أن تنشط وتشارك في إعادة تشكيل وصياغة الإسلام كدين. تركز واشنطن على الأسباب الجذرية للإرهاب – ليس الفقر أو السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولكن عقيدة سياسية ضاغطة قاهرة.
كانت الإستراتيجية القومية في محاربة الإرهاب الصادرة عن البيت الأبيض في فبراير 2003 هي وثيقة أساسية في الوصول إلى هذه النتيجة، وكانت الأساس لوثيقة أكثر جرأة وأكثر تفصيلا هي (موسلم وورلد أوتريتش) التي تم الانتهاء منها في منتصف 2004 والتي هي الآن الدليل الرسمي. (يوجد على شبكة المعلومات مناقشة حكومية لهذا الموضوع منذ أغسطس 2004.) تواجه حكومة الولايات المتحدة، بوصفها مؤسسة علمانية غالبية أعضائها من غير المسلمين، الكثير من الصعوبة في أمر هو في أساسه جدل ديني، لذا فهي تلجأ إلى منظمات إسلامية تشاركها نفس الأهداف بما فيها حكومات ومؤسسات وجماعات غير ربحية.
وتختلف أساليب محاربة الإسلام الراديكالي المتطرف ودعم ومؤازرة الإسلام المعتدل من إدارة (وزارة) حكومية إلى أخرى: عمليات سرية في وكالة الاستخبارات الأمريكية، عمليات نفسية في وزارة الدفاع، والدبلوماسية الشعبية في وزارة الخارجية. بغض النظر عن الاسم والطريقة فإن العامل المشترك هو الحث على التطور المسالم المتسامح للإسلام. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يكتب كابلان، فإن حكومة الولايات المتحدة "تقود حملة من الحرب السياسية لا مثيل لها منذ قمة الحرب الباردة." الهدف هو: التأثير ليس فقط في المجتمعات الإسلامية ولكن في الإسلام ذاته… بالرغم من أن رجال السياسة بالولايات المتحدة يقولون أنهم منزعجون من كونهم مضطرين لدخول معركة دينية لاهوتية، فإن العديد منهم يرون أن أميركا لا تستطيع الاستمرار في موقف الحياد بينما المتطرفون والمعتدلون يتقاتلون على مستقبل دين مسيس يزيد عدد أتباعه عن البليون. لقد كانت النتيجة جهداً رائعاً استثنائياً - ومتناميا- للتأثير فيما أطلق عليه موظفي الإدارة الأميركية الإصلاح الإسلامي. فيما يزيد عن عشرين دولة، يكتب كابلان: قامت واشنطن وبهدوء بتمويل برامج إسلامية للراديو والتلفزيون، تدريس مقررات بالمدارس الإسلامية، مؤسسات وجماعات بحث إسلامية، ورشات عمل سياسية، أو أي برامج تدعم الإسلام المعتدل. وتتجه المساعدات الفيدرالية إلى ترميم المساجد والمحافظة على نسخ القرآن التاريخية القديمة وصيانتها، وحتى بناء مدارس إسلامية… وتقوم محطات فردية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية تعمل خارج الوطن بتحركات شجاعة وجديدة. من بينها: ضخ المال من أجل تحييد الأئمة الجهاديين والمعادين للولايات المتحدة وأتباعهم. يفسر لنا الموقف أحد الموظفين الرسميين المتقاعدين حديثا قائلا: "إذا وجدت الملا عمر يفعل هذا في أحد أركان الطريق، فكن أنت الملا برادلي على ركن الطريق الآخر لتقاوم وتفسد ما يفعل،" ويضيف أنه في الحالات الأكثر خطورة يتم إلقاء القبض على الأتباع "واستجوابهم". لقد قام عملاء الاستخبارات بتشييد مواقع جهادية زائفة على شبكة المعلومات وبرصد وسائل الإعلام والأنباء العربية.
إن العديد من إدارات وأجهزة الحكومة الأمريكية تشارك بنشاط في هذه المهمة الإسلامية في 24 دولة إسلامية على الأقل. ويتضمن هذا المشروع: ترميم المساجد التاريخية في مصر وباكستان وتركمستان. في قيرقيزستان ساعد اعتماد مالي قدمته السفارة في ترميم مقام أو مزار صوفي هام. في أوزبكستان أنفقت الأموال في صيانة مخطوطات إسلامية أثرية تشمل 20 نسخة للقرآن يعود بعضها للقرن الحادي عشر. في بنجلاديش تقوم هيئة المعونة الأمريكية بتدريب أئمة المساجد على قضايا التنمية. في مدغشقر تقوم السفارة بتمويل المسابقات الرياضية التي تتم داخل المساجد. ويتم تمويل أيضا وسائل الإعلام الإسلامية بكافة صورها، من ترجمة الكتب إلى محطات الإذاعة والتلفزيون في ستة دول على الأقل. وتمثل المدارس الإسلامية أمرا مقلقا لأنها تدرب الجيل القادم من الجهاديين والإرهابيين، وواشنطن تستعين بالعديد من الأساليب لمقاومة هذا التأثير:
• في باكستان تمول الولايات المتحدة في تكتم وحذر أطراف ثالثة كي تدرب معلمي المدارس الإسلامية من أجل إضافة مقررات دراسية عملية (الرياضيات، العلوم، والصحة فضلا عن حصص الدراسات الاجتماعية). والآن يتم تنفيذ برنامج "المدرسة النموذجية" الذي سوف يضم في النهاية أكثر من ألف مدرسة.
• في القرن الأفريقي (وتحدده وزارة الدفاع الأمريكية بحيث يشمل جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال والسودان واليمن) يرصد العسكريون الأمريكيون أي مكان يخطط الإسلاميون لإنشاء مدرسة إسلامية به فيبدءون في بناء مدرسة عامة كي تنافسها وبطريقة مباشرة.
• في أوغندا وقعت السفارة الأمريكية على تمويل بناء ثلاث مدارس للتعليم الأساسي.
ويستشهد كابلان بقول أحد المحللين الأمريكيين المختصين بقضايا الإرهاب "نحن منشغلون بمسألة المدارس الإسلامية". ولكن لا تذهب كل المعونة لأمور إسلامية صريحة. يمول المال الأمريكي تمويلا جزئيا نسخة عربية (لسيزم سترييت) تبث عن طريق أحد الأقمار الصناعية تهتم وتؤكد على الحاجة إلى التسامح الإسلامي.
لقد تضاعفت ثلاث مرات ميزانية هيئة المعونة الأميركية لتصبح أكثر من 21 بليون دولار أمريكي أكثر من نصفها تذهب إلى العالم الإسلامي. بالإضافة إلى برامج التنمية الاقتصادية المعروفة، تكتسب المشاريع السياسية التي تتضمن جماعات إسلامية، مثل التدريب السياسي وتمويل وسائل الإعلام، أهمية وتتصدر قائمة الاهتمامات. لقد ازداد إنفاق وزارة الخارجية على الدبلوماسية الشعبية بما يقارب النصف منذ الحادي عشر من سبتمبر ليصل إلى حوالي ألف وثلاثمائة مليون دولار أمريكي، ويتوقع أن يزيد عن ذلك في المستقبل. تمول هذه الأموال برامج من بينها راديو سوا ومحطة الحرة التليفزيونية وهما يبثان باللغة العربية. وبالرغم من العديد من الشكاوى، يقول كابلان أن هناك علامات على نجاحهما. وتتضمن خطط المستقبل بث الحرة في أوروبا والبث باللغة الفارسية وغيرها من اللغات الهامة في العالم الإسلامي".(7)
ويقول حمدي عبد العزيز : "وعقب أحداث 11/9 حدثت تحولات دراماتيكية فيما يخص تناول الظاهرة وكيفية مواجهتها حيث سيطر الاتجاه (المتحامل) - الذي يربط بين الأصولية والحركة الإسلامية - على وسائل الإعلام ومراكز البحث الداعمة لصناع الاستراتيجيات. وسعى ليس إلى صياغة سياسات جديدة للمواجهة مع الحركة الإسلامية، وإنما إلى القيام بدراسات تبحث عن "تحويل دين عالم بكامله" أو إقامة مراكز بحثية لدعم ما يسمى (الإسلام المعتدل). ومن ذلك التقرير الذي مولته مؤسسة راند للمحافظة الأمريكية وعنوانه: "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات" ويدعو إلى خلق صلات وثيقة مع القوى الإسلامية المحبة للغرب مثل الصوفيين والعلمانيين والحداثيين.. ومساعي اليهودي الأميركي المثير للجدل دانيال بايبس لتأسيس معهد إسلامي تحت اسم (مركز التقدم الإسلامي) للدفاع عما يسميه الإسلام المعتدل، ومواجهة التجمعات الإسلامية التي تدافع عما يسميه المقاتلين الإسلاميين".(8)
ويقول سلامة نعمات: "وتراهن إدارة بوش على أن الإسلام السياسي المعتدل قادر على مواجهة ودحر الإسلام السياسي المتطرف الذي يمثله زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، ومساعده أيمن الظواهري، والذي يعتبر المنشق الأردني أبو مصعب الزرقاوي أبرز ممثليه الناشطين في العراق والمنطقة. وترى أن التيارات الإسلامية المعتدلة، متمثلة بحركة «الإخوان المسلمين»، هي إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لضرب التطرف البنلادني المعادي لفكرة الديموقراطية. إذ اعتبر مسؤولون أميركيون في مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع والأمن الوطني أن قرار جماعة «الإخوان» في مصر، و «حماس»، ومعهما السنة في العراق المشاركة في انتخابات ديموقراطية، خلق شرخاً بينها وبين تنظيم «القاعدة» الذي «كفر» الانتخابات الديموقراطية على أنها «بدعة» غربية يرفضها الإسلام".(9)

إذا، هكذا أوجد الغرب الوسط السياسي والفكري المناسب لظهور فكرة الوسطية والاعتدال. فهل يستفيق أصحاب هذه الدعوة من غفوتهم، أم أنهم سيواصلون السير في هذا الدرب الذي عبّده الغرب لهم؟ وهل سيدرك أصحاب هذه الدعوة أنّ دعوتهم، رغم حسن نية بعضهم، لا تخدم أمتهم بقدر ما تخدم أعداء أمتهم، أم لا حياة لمن تنادي؟

17 ربيع الثاني 1428هـ



_____________________________
(1) نقلا عن مجلة الوسط، رقم 101 ص60
(2) نقلا عن الوعي، نيسان 1992 عدد 60
(3) نقلا عن مجلة البلاد العدد 222 شباط 1995 ص32
(4) نقلا عن مجلة الفكر الجديد عدد 8 السنة 2 مارس 1994م / شوال 1414هـ
(5) المصدر نفسه
(6) المصدر نفسه
(7) نقلا عن مقال: أخيرا واشنطن تتحمس لمواجهة الإسلام المتطرف، بقلم دانيال بايبس، (FrontPageMagazine.com)،
25 أبريل 2005م. العنوان الأصلي: (Washington Finally Gets It on Radical Islam).
(8) الاتجاهات الغربية نحو الحركة الإسلامية، حمدي عبد العزيز، ميدل ايست اونلاين 108\2004م.
(9) كيف تتعاطى الإدارة الأميركية مع وصول أحزاب أصولية إلى الحكم بوسائل ديموقراطية؟ … فوز الإسلاميين في الانتخابات يقلق واشنطن … لكنها فرصة لاختبار معنى وصولهم إلى الحكم– سلامة نعمات، الحياة - 19/02/06

طالب عوض الله
22 08 2010, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم





كلام ربي.. كلام ربي"!!







بقلم : د. صنهات بدر العتيبي

http://www.qahtaan.com/works/up/get.php?hash=gfajzrkvcu1256245756












كلام ربي.. كلام ربي؟!!







يُذكر أن عكرمة ابن أبي جهل (رضي الله عنه) كان إذا جاء يقرأ القرآن يـبكي ويقول "كلام ربي.. كلام ربي"!!







هذا وهو الفتى الذي تسري في شرايـينه جـينات أكبر أعداء الله في تاريخ الإسلام (المدعو أبو جهل)؟!







فما بال أبناء الشيوخ المؤمنين يخوضون في علوم القرآن... أو يهملون القرآن...







أو يستهزؤون بمن يدرس القرآن... أو يقللون من شأن من يحفظ كلام ربه لعل ربه يحفظه؟!...







يا لهذا الزمن الغريب الذي ظهر في آتونه من يقول أن تحفيظ القرآن أو تدريس العلوم الشرعية "سر" تخلفـنا عن الأمم!!!







هكذا بدون رتوش وبدون مواربة؟! يا للجراءة على القرآن في ارض القرآن؟!!!
















الغريب حقاً في زمن الغربة هذا أن التقليل من شأن القرآن لم يعد "فعلا" منقطعا أو "صدفة" حادثة...







ولكنه فعل ضمن سلسلة مخطط لها من الأفعال والأقوال والتصريحات المتلفزة لتـتوافق مع "شـنشـنة"




أعرفها من جوقة الليبراليين الفاسدة؟!


فقد ترددت الدعوات لمنع "ميكروفونات" الأذان لأنها قد تزعج بني رغال؟!!
ويطرح الآن استـفـتاء وراء استـفـتاء في صحف صفراء حول موضوع إغلاق المحلات وقت الصلاة!!!
(هل ضيقت عليهم ربع ساعة من ذكر الله)؟! ومازال الهجوم مستمرا على خطبة الجمعة وزيارة القبور
ومدارس التحفيظ والدعوة إلى الله وبطبيعة الحال ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!
هناك من يقول أن كل ذلك يأتي من باب "جس النبض"؟! ولكن اعتقد أنها تأتي من منطلق "تسجيل أهداف"
واستغلال فرصة الغوغاء التي حدثت في خضم الحرب العالمية على الإرهاب؟! إنها محاولات لتكسير "المقدس" تدريجياً ونزع القيم الإسلامية عروة عروة وفي ذلك مصداقا لحديث المصطفى صلى الله علية وسلم حول تغريب الإسلام حيث قال
(بدأ الإسلام غريـبا وسيعود غريـبا كما بدأ فطوبى للغرباء) وزاد جماعة من أئمة الحديث في رواية أخرى: قيل يا رسول الله من الغرباء؟ قال (الذين يصلحون إذا فسد الناس (وفي لفظ آخر (الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي) وفي لفظ آخر (هم النزاع من القبائل) وفي لفظ آخر (هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير) رواه مسلم.
هذا القران هو "الحياة" لنا والفخر لأجيالنا وقد وصفه من لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم
(كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ،
ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم..)
إلى أن قال (هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) أخرجه الدارمي.
القرآن هو معجزة الإسلام الأولى... وسلاحه الأشد في الحرب والسلم... به يُطلب العدو ...
وبه تدفع الغزاة ...وفي باطنه جل ثـقافة الإسلام وتعاليمه...
لذلك كان القرآن دائما المستهدف الأول في المعركة الأزلية بين الحق والباطل ...
فهذا كذاب اليمامة حاول تقليد القرآن والتقليل منه.... ثم تولى القساوسة زمام المبادرة في التهجم على القرآن
- بدءً من يوحنا الدمشقي والقس البيزنطي نيكيتاس- الذي فرغ حياته الكسيفه للطعن في القرآن
فخاب وخسر وسقطت بيزنطة في يد الأتراك العثمانيين...
لأنهم كانوا يحملون القرآن... وعندما بدلوه تبدلت حياتهم إلى فقر وتـشرذم وتواضع في ميزان القوة الدولي...
وهاهي أوروبا تضن عليهم من الدخول في الاتحاد الأوروبي؟!
وعمل المستشرقون عملتهم بالتشويش والتقليل من القرآن!!!
وعملت استخبارات الانجليز النون وما يعملون من اجل السيطرة على الهند المغولية المسلمة بفصل القرآن عن حياة الناس وتفكيرهم فغدوا مثل الهندوس لا يهشون ولا ينـشون؟!
ولعل اكبر هجوم على القرآن نـشاهده الآن من الهولندي البغيض >_< فيدلر والأمريكي المتعصب مايكل سافدج
ثم في صحف الفئة التغريـبـية الضالة حيث يتم التسويق لمفهوم "العقلانية"
وهي بلا شك تمثل المسمار الأول في نعش كل المفاهيم الإيمانية التي يحفل بها القرآن ويدعو إليها؟!
"العقلانية" منهج فاسد ينفي أول ما ينفي الوحي وفي ذلك هلاك الأول والتالي من قيمنا ومنهجنا الفكري...
فكيف يصعد مناصروا هذه الفلسفة الخائبة على المنابر الإعلامية ويحتلوا مساحة كان من الأفضل أن تُـنشر فيها إعلانات الوفيات؟!
اليوم كما نرى في صحف الوطن المعطاء، شحذ كتّاب المارينز أقلامهم ورموا عن قوس واحدة يسعون لإبدال القرآن بالفلسفة والهرطقة و"كلام نواعم"؟!
وتقديم أقوال كانط وسارتر وروسو وغيرهم من حثالة الغرب على قال الله وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟!
وقد تجرأ دكتور اللسانيات (قطع الله لسانه) ليقلل من شأن الإعجاز العلمي في القرآن
في حين اعترف الباحثون والمتخصصون في الطب والعلوم والفلك بالإعجاز الرهيب والتحدي الكبير الموجود في كتاب الله؟!
ثم جاءت الطامة بمستوى متطور عندما كتب أحدهم يدعو إلي التخفيف :""( من حصص أو دروس القرآن والعلوم الدينية على طلاب المدارس؟!
عندها تذكرت "كذاب اليمامة"؟! وعروسته الحمقاء سجاح التي امهرها بالتخفيف على الناس من الصلاة؟!
كما تهتـز الأرض تحت العيص...لابد وأن تهتـز مشاعر المسلم وهو يستمع لمن يقترح التخفيف من تدريس القرآن للأجيال الصغيرة؟! ليت شعري، ماذا ندرسهم غير القرآن؟! إذا كانت الاقتراحات مقبولة وتأتي من أي كان؟
والصبـيان باتوا يتحدثون عن مجتمعنا ومشاكله
(وحتى شواذ الإعلام اللبناني يناقـشون حجابنا وقيمنا ومناهجنا التعليمية على الفزاء مباشرة>_<؟!)،

فأنا احمل دكتوراة الفلسفة في الإدارة الإستراتيجية من جامعة أمريكية معروفه

لذا اقترح أن نعود اليوم وليس غدا إلى "عصر الكتاتيب" ونركز على تحفيظ القرآن للأجيال الصغيرة...
فذلك لهم شرف ولأمتهم رفعة ولن يأتي لهم إلا بالعزة والتمكين
(هيا بنا نـقرأ "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون")؟!

على الأقل إذا لم يستـفيدوا من النفط في بلاد الذهب الأسود فليغادروا هذه الدنيا وفي قلوبهم آيات بـينات من كتاب عظيم؟!

**في عصر الكتاتيب اخترعنا الجبر... وأدهشنا العالم بالخوارزميات ...وأرسلنا "ساعة" هدية إلى ملك ألمانيا فجمع رجاله وقال لهم "اخرجوا الجني من هذه الملعونة"؟! ...في عصر الكتاتيب أسر المصريون ملك فرنسا ولم يطلقوا سراحه إلا بفدية ثمينة- وليتهم والله علقوه كما عُلق صدام؟! -في عصر الكتاتيب دفع الروس الجزية لبـيت مال المسلمين غصب(ن) عليهم ...وبقي الفرنسيون على وجل لأن جيوش الحافظين تعسكر على بعد 20 كيلومتر فقط من عاصمة النور؟!
ولم ينم الناس في روما قرونا عدة لأن جيوش التوحيد تسيطر على صقلية ويفصلهم معبر مائي صغير عن ارض الطليان؟!
وفي عصر الكتاتيب كتب زعيمنا هارون الرشيد لزعيم الروم يقول "من هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم: الجواب ما تراه لا ما تسمعه"؟!
أما اليوم فقد ولغت كلاب الروم في دماء أهل عاصمة الرشيد كما لم يفعل المغول من قبل؟!

في عصر الكتاتيب إذا صفعت امرأة عربية في أي بلدة من المعمورة أصبحت بلدة مطمورة ...حيث تستـنفر الجيوش وتـتحرك الكتائب فتدك القلاع والحصون (بلا أمم متحدة بلا هم)؟!

أما اليوم فقد بحت أفواه الصبايا اليتم في بلداتـنا العربية ذاتها والمعتصم يتمشى في الشانزيليزية؟!

إذا أهملنا القرآن وآياته البـينات أين سنذهب؟ وماذا سنحقق؟ هل سنصل إلى المريخ (لا نريده)؟! هل سنصنع صواريخ (لا نريدها)؟ هل سندخل نادي القوى النووية (لا نريدها)؟
نحن لا نريد إلاالقرآنفهو يوصلك إلى ما هو أبعد من المريخ (الله عز وجل يذكرك فيمن عنده)؟!
قال صلى الله عليه وسلم (إن القوم الذين يجتمعون يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم تـنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده)، وأي شرف أكبر من هذا الشرف!!
هذه الحمر المستـنفرة كأنها فرت من قسورة هل تضن علينا أن لا يذكرنا ربنا فيمن عنده؟!
وقد اثبت القران انه أقوى من الصواريخ والقنابل النووية؟!
فكل ما في مفاعل ديمونة من صواريخ وقنابل توازنت في الرعب والأثر مع شاب فلسطيني حافظ للقران على صدره يتجه إلى مطعم إسرائيلي يحمل لهم "هدية صغيرة" مربوطة على صدره؟ فأنسحب يهود شارون من غزة وهم صاغرون؟!
والقران أقوى من الحواسيب والتـقنية فاليوم مثلا قد لا تستطيع أكثر نظم مساندة القرارات تطورا حساب قسمة الميراث ...
ولكن القرآن حسمها في آيات معدودات تـتلى منذ أربعة عشر قرنا إلى يوم يبعثون؟!


سنظل نسمع كلامهم ونرفع اكفنا ونقول "اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، اللهم اجعله شفيعاً لنا، وشاهداً لنا لا شاهداً علينا، اللهم ألبسنا به الحلل، وأسكنا به الظلل، واجعلنا به يوم القيامة من الفائزين، وعند النعماء من الشاكرين، وعند البلاء من الصابرين، اللهم حبِّب أبناءنا في تلاوته وحفظه والتمسك به، واجعله نوراً على درب حياتهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحانك ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين"

طالب عوض الله
23 08 2010, 08:54 PM
هذه هي ممارسات حماس، وهذا نهجها!..
بقلم :رشاد أبوشاور




عندما استحوذت حماس على السلطة في قطاع غزّة، لجأت لاستخدام العنف غير المسبوق بهذه الضراوة فلسطينيّا- مع عدم تناسي بطش أجهزة أمن السلطة بأعضاء حماس، وغيرها من الفصائل، ولا سيّما الجهاد الإسلامي، والتي كان كثيرون في فتح يتنصلون منها، وكنّا في مقدمة من فضحوها، وأدانوها- وبطشت بألوف المنتسبين لأجهزة السلطة، وكثير منهم تربّوا في جيش التحرير الفلسطيني، وقاتل بعضهم ببطولة في معركة بيروت 82 قبل أن تظهر حماس على الساحة بأعوام طويلة!

عندما رأيت أحد الشباب على فضائية فلسطين، وهو يعرض ساقيه المبتورتين برصاص أعضاء ( كتائب القسّام)، لم اصدّق ما أرى، رغم دقّة رواية الشاب، ولكن الرواية تكررت بألسنة كثيرين من ضحايا حماس (المجاهدة)، وبروايات شهود عيان صادقين، وهو ما لم تستطع أن تنكره قيادة حماس، وتهربت من تحمّل وزره بردّه إلى أخطاء فرديّة في ( الميدان).. ميدان الحرب على السلطة!

لقد راجت ( طرفة) سوداء حقيقيّة عن حوار مع الدكتور محمود الزهّار، فقد سأله أحدهم مستنكرا: كيف تطلقون الرصاص على أرجل شباب تختلفون معهم يا دكتور؟ فكان أن أجاب ببراءة: وأين تقترحون أن نطلق عليهم الرصاص؟!

ذكرتني هذه الطرفة بجواب رئيس المحكمة الثورية التي تشكلت بعد انتصار آية الله الخميني، والذي أصدر 600 حكم إعدام، فضجت الناس من عسفه، وسرعة إصداره الأحكام بالإعدام، فأقيل من منصبه، وذات يوم توجه إليه صحفي بالسؤال: يا مولانا ألست نادما على إصدارك 600 حكم إعدام في غضون أيّام؟ بكى آية الله حتى اخضلت لحيته، وأجاب: بل أنا نادم لأنني لم أعدم 600 آخرين كنت في سبيلي لحكمهم.. يا بني!

حماس لن تندم، لماذا؟ لأنها فازت بالاستئثار والإنفراد ( بحكم) غزّة، وهي ماضية في بسط هيمنتها على مليون ونصف مليون لا تستشيرهم في حكمها، فلا انتخابات، ولا رأي لأحد، ولا مشورة، فالجميع علمانيون كفرة.. وهذا هو الحكم على كل من يخالفها الرأي، حتى لو كان يخالفها من موقع إسلامي كالجهاد، وحزب التحرير، وأي مسلم مستقل الرأي والاجتهاد!

في صبيحة الجمعة 6 آب الجاري، أُتحفنا بخبر من غزّة عن الصحفي أحمد فيّاض الذي صادرت حماس كاميرته، وتناوب المجاهدون - كما روى بنفسه - على ضربه وبهدلته والتنكيل به، لأنه كان ينقل وقائع ما جرى من فوضى في حفل (فرقة طيور الجنّة الإنشاديّة) في المدينة الرياضيّة بخان يونس، حيث تتسع لثلاثة آلاف، بينما المشرفون يحاولون حشر 10 آلاف في مكان ضاق بهم، وحرم كثيرين من الدخول، رغم أن ثمن البطاقة 10 شيكل.. فكم ستدفع أسرة لديها 5 أطفال، خاصة والناس هناك يشكون الفاقة، رغم وجود الأنفاق التي تدر على حكومة حماس ما تدر من ملايين الشواكل، والتي تُزلق عبرها الثلاجات، والسيارات، وكل ما لذ وطاب لمن يملكون، و( للمؤمنين) الحلويين، ولكن ليس لأبناء السبيل الصامدين الصابرين من الفلسطينيين!

كعادتي صبيحة كل يوم، دخلت إلى موقع القدس العربي على الإنترنت لأتصفحها، فقرأت خبرا عجيبا عن (مجاهد) من سرايا القدس (الجهاد الإسلامي)، بعد مشاجرة سويّت بتسليم الجهادي لأجهزة حماس الأمنيّة، و.. لتفاجأ الجهاد صبيحة اليوم التالي بوجوده في المستشفى، وقد أطلقت النار على قدميه!..طبعا كان هذا عقابا حمساويا له، رغم أنه يخرجه من ( المعركة) مع العدو الصهيوني.. ولكن يبدو أن قيادات حماس وبعد أن استقّر لها التحكّم في قطاع غزّة ما عادت تفكّر في المعركة مع العدو، رغم تصريحات قادتها عن متابعة المقاومة!

هناك احتقان دائم وقديم بين الجهاد - التي بدأت جهادها قبل ظهور حماس بسنوات، بقيادة الدكتور المؤسس فتحي الشقاقي - وحماس، فالحركتان إسلاميتان، وهما من أصول إخوانية، وإن كانت الجهاد قد ابتعدت عن تلك الجذور، واختارت خطابا منفتحا متسامحا، وإن بقيت إسلامية، وحافظت على خطها المقاوم، ورفضت كل أشكال ومبررات الاقتتال الداخلي، والانشغال بالصراع على السلطة، لا بانتخابات، ولا بغيرها.

ذات يوم سمعت أحد ابرز قادة الجهاد يقول: نحن وحماس ننتمي لإيديولوجيا واحدة، مع الاختلاف في التفسير، والاجتهاد، والرؤية.. ونحن لسنا السلطة لنسمح لحماس ومقاتليها أن يكتسحوا مواقعنا ببساطة وسهولة، فنحن وإيّاهم سنقتتل بضراوة حتى ينهي طرف منّا الآخر، وهذا ما لا نريده، ونتجنبه، ونقدم التنازلات لدحره بعيدا، حفاظا على قضيتنا، وعلى وحدة شعبنا.

سمعت كثيرا عن تجاوزات حماس على الجهاد، ويشهد الله أنها مروّعة، وبخاصة مع من يتوجهون للاشتباك مع دوريات العدو التي تنشط حول القطاع، ناهيك عن الاحتكاكات مع ناشطي الجهاد في مدن وبلدات ومخيمات القطاع، وتابعت الدور الذي تلعبه قيادة الجهاد داخل القطاع، وفي الخارج لتخفيف التوترات بين حماس وبقيّة الفصائل، ومع ذلك فحماس لا ( تبلع) وجود وانتشار الجهاد وترتاح لما تتمتع به من احترام كونها نأت بنفسها عن الصراعات، وواصلت خيارها المقاوم.

عندما تقترف حماس هكذا أخطاء، فهي خطايا، وليس مجرّد غلطات صغيرة لأشخاص تنفيذيين.
مجاهد يتسلمونه، ويؤتمنون عليه، ف.. يطلقون الرصاص على ساقيه، ثمّ ينقلونه إلى المستشفى.. أي بشر هؤلاء، وأي ثقافة هذه، وأية أخلاق؟!

نحن مع فك الحصار عن القطاع، لأننا مع أهلنا هناك، ومرارا دعونا حماس للتخلّي عن السلطة، والعودة للمقاومة، ولكن قادتها يصرحون بين يوم وآخر أنهم مع ( دولة) في حدود ال67 .. وهنا المشكلة الحمساوية، فهي تهدّيء ( الأجواء) حول القطاع، وهي تطارد بخاصة عناصر الجهاد لأنها ترفض( توريطها) في معركة غير مناسبة راهنا!

بماذا يختلف خطاب حماس عن خطاب السلطة؟! بادعاء المقاومة! وبماذا تختلف ممارساتها؟! بأن أجهزة السلطة في الضفة بناها ويأمرها دايتون، وبأن أجهزة حماس بنتها حماس.. و.. الممارسات واحدة: سلطوية، قمعية، قهرية، استبدادية، متطاولة على الشعب الفلسطيني، ولا قانون يسندها، ويشكّل مرجعية لها، سوى قانون القوّة الآثمة المارقة!

حادثتان داميتان تفصل بينهما ساعات، إهانة صحفي، ومصادرة كاميرته، والتناوب على ضربه، و.. إطلاق الرصاص على قدمي شاب فلسطيني، قدميه اللتين بهما يمشي إلى فلسطين، وعليهما يسير إلى ميدان المعركة.. حدث هذا من قبل، ويحدث اليوم، وسيحدث غدا، ما دام ثمّة جهلة يصرخون: دعني أدخل به الجنّة!
أي جنّة وأنتم والسلطة قد أدخلتم قضيتنا وشعبنا في الجحيم؟!

http://www.arabs48.com/display.x?cid=7&amp...25&id=72895 (http://www.arabs48.com/display.x?cid=7&sid=25&id=72895)