المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِنْ " ذكرياتِ " علي الطنطاوي - رحمهُ الله - . . . فوائد وفرائد


 


شموخ نجد
03 03 2010, 03:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ وبعدُ ،

عليٌّ الطنطاوي - رحمهُ اللهُ - ارتبط اسمهُ في أذهاننا منذ الصغرِ من خلالِ برنامجهِ الذي كان يقدمهُ في الرائي بعنوان : " نور وهداية " ، وكان لهُ برنامجٌ بعد الإفطارِ في رمضان ، وكان من المعمرين ، فمات - رحمهُ اللهُ - وقد تجاوز التسعين .

قال الشيخُ سليمان الخراشي في " الطنطاوي في الميزان " ( ص 5 ) : " هذا الشيخُ قد عرفناهُ ونحن صغارٌ بأحاديثهِ الممتعةِ عبر الإذاعةِ ومن خلالِ الرائي ، وقد ارتبط اسمهُ لدينا بشهرِ رمضان حيث كان يقدمُ البرامجَ المميزةَ خلال الشهرِ الكريمِ ، وكان يجمعُ في برامجهِ بين الإصلاحِ الاجتماعي والحديثِ الشجي الجذابِ .

هذا الشيخُ هو عليٌّ الطنطاوي الذي يعرفهُ الصغارُ والكبارُ في بلادنا ، حيث حلَّ ضيفاً علينا منذ عشراتِ السنين ، مستقراً في أم القرى ، ناشراً دعوتهُ عبر القنواتِ والوسائلِ التي تيسرت له منذ قدومهِ إلى اليوم " .ا.هـ.

ترك الشيخُ عليٌّ الطنطاوي مؤلفاتٍ كثيرةً من أشهرها : " ذكريات " ، وهي سلسلةٌ في ثمانية مجلداتٍ ، كتب فيها ذكرياتهُ في أسلوبٍ أدبيٍّ بسيطٍ ، إلى جانبِ السرد التاريخي لحياتهِ - رحمهُ اللهُ - ، حوت جملةً كبيرةً من الفوائدِ الأدبيةِ ، والتاريخيةِ ، واللغويةِ ، والفقيةِ ، وغيرِ ذلك مما يحسنُ جمعهُ في مجلدٍ لطيفٍ .

وقد رأيتُ أن أضع بين أيديكم ما جمعتهُ من تلك الفوائدِ للاستفادة منها ، وبدأتُ بالمجلدِ الثامنِ ثم ننزل بالتدرج إلى الأول إن شاء اللهُ تعالى ، نسألُ اللهَ الإعانةَ والسداد .

فائدةٌ :

نقل الشيخُ محمدٌ المجذوب عن الطنطاوي أنه قال : " إنهُ نشأ أول أمرهِ في وسطٍ صوفي ، إذ كان والدهُ نقشبندياً مثل أكثرِ المشايخِ ، فتعلم منه كره ابنَ تيميةَ والوهابيةَ ، حتى إذا شخص إلى مصر ، وصحب خالهُ المرحوم الأستاذ محب الدين الخطيب ، بدأ ينظرُ إلى ذلك الموضوعِ بروحٍ جديدةٍ دفعتهُ إلى إعادةِ النظرِ في أمرِ القومِ . . . بيد أنه لم ينتهِ إلى الاستقرارِ إلا بعد اتصالهِ بالشيخِ بهجةٍ البيطار ، فمن هناك بدأت استقامتهُ على الطريقةِ والتزامِ الجادةِ ، وكان من أثرِ ذلك كتاباهُ اللذان أخرجهما عن حياةِ الشيخِ محمدِ بنِ عبد الوهاب [ قال الشيخُ سليمان الخراشي في الحاشية : وعليهما ملاحظات ] . . . إلا أن هذا الاستقرار لم يأتِ بالمجانِ بل كلفهُ وأخاهُ عبد الغني - كما يقولُ - طويلاً من النقاشِ مع الشيخِ بهجة ، غفر اللهُ لنا ولهُ ، فقد دخلا معه في معركةِ جدالٍ حادةٍ ، بلغت بهما حدَّ إغضابهِ ، وهو المعروفُ بوقارِ العلمِ وسعةِ الصدرِ ، والبعد عن التعصب ، حتى لم يعد لهما حجةٌ يصح الاعتدادُ بها بعد أن اتضحت معالمُ الحقِّ في أجلى بيانٍ . . " .ا.هـ.

سبحان الله ! فقد أراد اللهُ للشيخِ عليٍّ الطنطاوي أن يبحثَ عن الحقِّ فهداهُ اللهُ إليهِ .

والآن مع الفوائدِ . . .

حمى الدينِ مستباحٌ لكلِّ أحدٍ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/8) : " وللطبِّ حُماتهُ ، والذائذون عنهُ ، فإن انتحل صفةَ الطبيبِ من ليس من أهلهِ ، ففتح عيادةً ، أو كتب وصفةً لاحقوهُ قضائياً فعاقبوهُ ، وكذلك من ادعى أنهُ مهندسٌ وما هو بمهندسٍ ، فرسم خريطةً حاكموهُ وجازوهُ ، فما لنا نرى بابينِ مفتوحين لا حارس عليهما ، ولا بواب ، يدخلهما من شاء ، وهما أخطرُ من الطب ومن الهندسةِ ، هما : " الدينُ والسياسيةُ " .
فمن أراد تكلم في الدينِ ، ولو خالف الأئمةَ الأولين والآخرين ، أو أفتى ولو جاء بما لم يقل به أحدٌ من المفتين ...

فما للدينِ لا يجدُ من يحميهِ ؟ لقد كانوا يقولون قديماً :
لقدْ هزلتْ حتى بدا من هُزالها * * * * سلاها وحتى سامها كلُّ مفلسِ
فماذا نقولُ وقد زاد بها الهزالُ حتى لم يبق منها إلا العظام ، وحتى أقدمت عليها السباعُ والضباعُ والهوامُ " .ا.هـ.
وصدقَ - رحمهُ اللهُ - .

فائدةٌ لغويةٌ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/9) : " حتى أنّ مديرَ مدرستنا الابتدائية التي كنتُ أدرّسُ فيها في أوائلِ العشرينيات " لا العشرينات " من هذا القرنِ " .ا.هـ.

تصحيحٌ لمفهومٍ خاطىءٍ عن النعامةِ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/10) : " ... فهل نصيرُ كالنعامةِ التي كذبوا عليها فزعموا أنها تدفنُ رأسها في الرملِ تظنُ أنها إن لم ترَ عدوها فإنه لا يراها ، وهي لا تفعلُ ذلك ولكنها فريةٌ افتروها عليها ، وهي لا تملكُ لساناً تردُّ به عن نفسها ، أما أنا فإني أملكُ بحمدِ اللهِ لساني وقلمي " .ا.هـ.

مناظرةٌ مع نصراني :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي - رحمهُ اللهُ - (8/11 - 12) : " ذلك أنهُ كان من عادةِ رؤساءِ الجمهوريةِ في دمشق أنهم يدعون القضاةَ والعلماءَ ، ومن يسمونهم برجالِ الدينِ إلى مائدةِ الإفطارِ في رمضان ، وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسينِ هاشم بك الأناسي وشكري بك القوتلي رحمةُ اللهِ عليهما ، فجمع أحدهما بيننا نحن قضاة الشرعِ والمشايخِ ورجالِ الدين من النصارى ، وكانت أحاديث مما يُتحدثُ به في أمثالِ تلك المجالسِ ، أحاديث تمسُ المشكلاتِ ولا تخترقها ، وتطيفُ بها ولا تداخلها ، ففاجأنا مرةً واحدٌ من كبارهم يعتبُ علينا ، إننا ندعوهم كفاراً .

فجزع الحاضرون ووجموا ، وعرتِ المجلسُ سكتةً مفاجأةً ، فقلتُ للرئيسِ : تسمح لي أن أتولى أنا الجواب ؟ وسألتهُ : هل أنت مؤمنٌ بدينك ؟ قال : نعم ، قلتُ : ومن هم الذين تدعونهم مؤمنين بهِ : أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد ؟ قال : بلى ، قلتُ : وماذا تسمي من لا يعتقدُ بذلك ؟ ألا تدعوه كافراً ؟ فسكت . قلتُ إن الكافرَ عندك هو الذي يرفضُ أن يأخذَ بما تراهُ أنت من أسس الدينِ ، وأصولِ العقائدِ ، وكذلك نحنُ فالناسُ عندنا بين مسلمٍ يؤمنُ بما نؤمنُ به من رسالةِ محمدٍ - صلى اللهُ عليه وسلم - ، وإن القرآن أنزلهُ اللهُ عليهِ ، وآخرُ لا يؤمنُ بذلك فنسميه كافراً فهل أنت مسلم ٌ ؟ فضحك وقال : لا ، طبعاً ، قلتُ : وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمنٌ بما لدى النصارى أو كافرٌ به ؟ فسكت وسكتوا ، قلتُ : أنا أسألك ، فإن لم تجب أجبتُ عنك ، أنا عندك كافرٌ لأني لا أعتقدُ بأن المسيحَ ابنُ اللهِ ، ولا بأنهم ثلاثةٌ الأبُ والابنُ وروحُ القدسِ ، والثلاثةُ واحدٌ ، ولا بمسألةِ الفداءِ ، ولا بامثالِ ذلك مما هو من أصولِ عقائدِ النصارى . وأنت عندي كافرٌ لأنك تقولُ بها ، فلماذا تنكرُ عليّ ما تراهُ حقاً لك ؟ إن ديننا ظاهرٌ معلنٌ ، ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار ، والقرآنُ يتلى في كلِّ إذاعةٍ في الدنيا ، حتى أنني سمعتهُ مرةً في إذاعةِ إسرائيل ، والقرآنُ يقول : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ " [ المائدة : 17 ] ، ويقولُ في الآيةِ الثانيةِ : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " [ المائدة : 73 ] ، فالكفرُ والإيمانُ إذن مسألةٌ نسبيةٌ ، ما تسميه أنت كفراً أسميه أنا إيماناً ، وما أسميه أنا كفراً تسميه أنت إيماناً ، واللهُ هو الذي يفصلُ بيننا يومَ القيامةِ ، فسكتوا " .ا.هـ.

نسيانُ الأمةِ لعظمائها :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/36) : " وكان الرئيسُ هو الأستاذُ مصباح محرم ، وهو قاض كبير نسيهُ الناسُ كما نسوا من أمثالهِ الكثير ، لأن مكانهم في أذهانهم امتلأ بأسماءِ المغنين والممثلين ولاعبي الكرة في الملعبِ واللاعبين بمصالحِ الأممِ من السياسين في المجالسِ والأحزابِ " .ا.هـ.

عاقبةُ التفرقِ والانفرادِ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/38 - 39) : " ... حتى ظهر مصطفى كمال فألقى القناعَ الأبيضَ المزورَ ، فظهر من ورائهِ الوجهُ الأسودُ القبيحُ ، لما بدأت تظهرُ نوايا الاتحاديين ألفت أحزابٌ ، وتجمعت جماعاتٌ لمقاومةِ دعوتهم إلى تتريكِ العناصرِ العثمانيةِ ، فكان منها ) الجمعية المحمدية ( ومنها ) حزب الحرية والائتلاف ( الذي كان الشيخُ مسعودٌ من أكبر العاملين له ، والساعين لإنشائهِ .

تنبه العربُ لمكايدِ الاتحاديين ، ولكنهم على عادتهم يخالفون دائماً أمرَ ربهم ، فيعمدون إلى التفرقِ والانفرادِ ، بدل التجمعِ والاتحادِ ، فيعملُ كلٌ وحدهُ وفق اجتهادهِ ولا يعملون معاً ، لذلك لم تفلح واحدةٌ من هذه الجماعاتِ وهذه الأحزابِ وبقي حزبُ " الاتحادِ والترقي " هو الحاكمُ ، حتى أدخلنا بسوءِ رأيهِ ، وفسادِ طويتهِ في الحربِ العالميةِ الأولى ، وجعلنا في الجانبِ الخاسرِ ، فكان السبب في انهيارِ هذا الصرحِ العظيمِ الذي ظل يقارعُ الأحداثَ ويثبتُ على الزلازلِ والهزاتِ خمسةَ قرونٍ : صرحُ الدولةِ العثمانيةِ على ما كان منها " .ا.هـ.

خطبةٌ في مكانٍ أسفله وأعلاه بنكٌ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي )8/49( : " وكان إلى جنبِ المشيريةِ مسجدٌ ) هو مسجدُ عيسى باشا ( وأمامها مسجدٌ . أما الذي إلى جنبها فقد أقيمت في مكانهِ عمارةٌ كبيرةٌ جعلوا للمسجدِ طبقةً منها ، وفي الطبقةِ التي تحتها مصرفٌ ) بنك ( وفي الطبقةِ التي فوقها مصرفٌ ) بنك ( . خطبتُ فيه مرةً خطبةَ الجمعةِ ، فقلتُ للناسِ : " إني أقومُ على هذا المنبرِ أقولُ إن اللهَ حرم الربا ، فيقولُ لي من هو تحتي : " كذابٌ " ، ويقولُ الذين هم فوقي : " كذابٌ " .

وجعلُ المساجد طبقة في عمارةٍ كبيرةٍ بدعة لم أعرفها في غير الشام وبيروت ، وهي حرامٌ ، لأن أرضَ المسجدِ وسماءهُ له فلا يجوزُ أن يملك تحته ولا ما فوقه " .ا.هـ.

وصفٌ غالبٌ في السِّمَانِ :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/51) : " والسِّمانُ عادةً يكونون خفافَ الروحِ ويكونون من أظرفِ الناسِ ، كأن الذي زاد في شحمهم ولحمهم خفف من دمهم . هذا هو الغالبُ عليهم فإن وجدتم فيهم من ثقُل دمهُ كما ثقُل جسمهُ فتلك هي المصيبةُ الكبرى . ولحملُ صخرةٍ تصعدُ بها الجبل ، أهونُ من مجالسةِ سمينٍ ثقيل الدم " .ا.هـ.

هِمَّةُ الشيخِ عليًّ الطنطاوي في القراءةِ :

قال الشيخُ عليًّ الطنطاوي (8/58) : " قلتُ : ومن يقرأُ أكثر مني ؟ أنا من سبعين سنةِ إلى الآن ، من يوم كنتُ صبياً ، أقرأُ كلَّ يومٍ مئةَ صفحة على الأقل ،وأقرأُ أحياناً ثلاث مئة أو أكثر ، ما لي عمل إلا القراءة ، لا أقطعها إلا أن أكون مريضاً أو على سفرٍ ، فاحسبوا كم صفحة قرأتُ في عمري . لقد قرأتُ أكثرَ من نصفِ مليون صفحة وأعرفُ من قرأ أكثر مني كالأستاذ العقاد والأمير شكيب أرسلان ومحمد كرد علي ومحب الدين الخطيب رحمهم الله " .ا.هـ.

موقفٌ طريفٌ في مصر :

قال الشيخُ عليٌّ الطنطاوي (8/67) : " ذهبتُ في إحدى سفراتي أزورُ الأستاذَ الزيات ، وكان قد انتقل إلى ( المنيل ) إلى شارعٍ سماه لي شارع ( مسجد السلطان قايتباي ) فأخذتُ سيارةً وذهبتُ المنيل أسألُ عن هذا الشارع فلم يعرفهُ أحدٌّ ممن سألتهُ عنهُ ، وطُفتُ في المكانِ خمسةَ أشواطٍ وأنا لا أعرفُ أين يقعُ هذا الشارع حتى كانت مصادفةٌ من أعجب المصادفاتِ ، أرويها لكم على حقيقتها وأحسبكم ستشكون فيها ، هي أنني وقفتُ على بابِ محلٍ تجاريٍّ أسألُ صاحبهُ عن الشارعِ فاهتم بي ، ولكن ما عرفهُ ، فرفعتُ رأسي وغذا لوحةٌ باسم الشارعِ على الجدارِ فوق هذا المحلِ فلما نبهتهُ إليها عجب كثيراً وضحك طويلاً وأقسم أنه لم ير اللوحةَ إلا الآن " ا.هـ.

كتبه
عَـبْـد الـلَّـه بن محمد زُقَـيْـل

يتبع إن شاء الله بعض الفوائد من كتابة
من إقتباساتي الخاصة..

أخضر
03 03 2010, 04:39 PM
رحمه الله، كم اشتقنا له ولعلمه

جزاكِ الله خيراً على هذا الموضوع المفيد...
----------------

سؤال هام لأهل العلم:


وجعلُ المساجد طبقة في عمارةٍ كبيرةٍ بدعة لم أعرفها في غير الشام وبيروت ، وهي حرامٌ ، لأن أرضَ المسجدِ وسماءهُ له فلا يجوزُ أن يملك تحته ولا ما فوقه " .ا.هـ

هل هذه فتوى صحيحة؟ (أن المسجد يكون أعلاه وأسفله مسجد؟)


أخوكم
أخضر

شموخ نجد
04 03 2010, 02:00 AM
رحمه الله، كم اشتقنا له ولعلمه

جزاكِ الله خيراً على هذا الموضوع المفيد...
----------------



:A14:

بالنسبة لسؤال إن شاء الله أحد يتكرم ويجيب لكن عن علم ومعرفة مؤكدة بدون فلسفة من بنات الأفكار.

***

هذه إقتباسات أخترتها من الذكريات..

عهد جديد في حياتي
وذكرياتي عن الجامع الأموي

عهد (المدرسة الجمقمقية) : مدرسة معلم الشام الشيخ عيد السفرجلاني.

أما الشيخ عيد ...
هذا الرجل كان معلما عظيما ولم يكن يلقي علينا دروسا محددة الأبواب واضحة المنهج
بل كان ينثر أقواله ونصائحة نثراونحن متكومون عليه حول مكتبة...
وأمثال هذه الكلمات يلقيها معلم يجتمع له في قلب تلميذة الحب مع الإحترام هي
التي تبقى على كر الأيام وإن نسيت محاضرات الفصل التي يكون فيها الامتحان.
أضرب لكم عليها مثلا:
تجوز الصحراء فلا ترى إلا أرضا جرداء لا ظل ولا ماء ولا نبته خضراء فإذا
نزل المطر اهتزت وربت وكسيت ثوبا أخضرا من العشب والزهر وصارت مرعى
للسوائم فمن أين ترونه قد جاء هذا النبات؟
من بذور صغار قد لا تأخذها من دقتها الأبصار قد ركب الله لبعضها ما يشبه
الأجنحة القصار تحملها الرياح فتلقيها بين حبات الرمال فلا ترى إلا تلالا من
الرمال تتلظى تحت وهج الشمس...
فإذا أنزل الله الأمطار وجمع الله لها الظروف التي جعلها سبب الإنبات كان منها
هذا النبات وكان منه الزهر البارع والثمر اليانع أو كان منه الشوك الجارح
والسم الناقع.
وكذلك كل ما تسمعه لا سيما إن سمعته في الصغر إنه بذرة خير أو بذرة شر
إذا جاءها الظرف المناسب وضعتك على طريق الجنة أو على سبيل النار.
فانتبهوا يا أيها القراء لما تنظرون فيه من كتب ومجلات وما تسمعونه من
إذاعات ومحاضرات وما تشاهدونه من مسلسلات ومسرحيات ولا تظنوا أن أثر
ذلك يذهب مع إكمال الكتاب أو انتهاء المحاضرة أو إسدال الستار على المسرحية
بل إن بعضة يبقى ما بقيت الحياة.
فيا رحمة الله على الشيخ عيد السفرجلاني وعلى أمثالة من مشايخنا الأولين الذين
كانوا لنا آباء وكانوا مربين وكانوا مراقبين ناصحين.

المعتز بدينه2
04 03 2010, 10:58 AM
الفتوى رقم ( 19448 )
س : يوجد في قريتنا بجمهورية مصر العربية عدد (6) مساجد موزعة بالقرية ، وحيث إنني أملك قطعة أرض فضاء تبعد عن أقرب مسجدين لها حوالي (700 متر) بينها وبين كل مسجد ، ويوجد حول هذه القطعة الأرض ما يقرب عن ألف وخمسمائة مسلم ، وبودي بناء هذه القطعة سكن خاص لي ولكن أرغب في تخصيص الدور الأرضي منها مسجدا لهذه المنطقة ، والدور الثاني وما يليه سكن خاص بي ، أو للإيجار .
والسؤال : هل يجوز بناء سكن خاص أو للإيجار فوق المسجد ؟ علما بأن المسجد يحتوي على كتاب الله (المصحف الشريف) وكتب الفقه والحديث .
ج : إذا كانت هذه الأرض ليست وقفا على المسجد ، وأنت تملكها ملكا خاصا فلا مانع من بنائها من دورين أو أكثر وتخصيص الدور الأرضي مسجدا للحي الذي تسكنه ، وجعل الدور الثاني وما يليه سكنا خاصا بك ، أو للإيجار ؛ لأن النية بناء المسجد والسكن على هذا الوضع ، ولترجح المصلحة في ذلك
لحاجة أهل الحي إلى المسجد .
وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز


----------



[1783] عرض على اللجنة الاستفتاء المقدم من/ حسنين، ونصّه:

…أملك أرضا في بلدي مبني عليها مسجد شاركني بعض الأهالي في بنائه ثم يوجد فوق المسجد سكن لي فهل هناك حرج من وجود السكن فوق المسجد؟

*…أجابت اللجنة بما يلي:
…أنه لاما نع من إقامة مسجد في أحد أدوار العمارة على أن يحافظ عليه أن تناله النجاسة وينزه عن كل ما يشوش على المصلين ولا يجوز إنشاء محلات فوقه أو تحته لأغراض غير مشروعة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت
-----
على أنه ذكر بعض الفقهاء المالكية والحنفية عدم جواز ذلك بغير دليل وإنما بالرأي والله أعلم

الطائر الميمون
04 03 2010, 11:04 AM
:A7:

شموخ نجد
04 03 2010, 10:55 PM
:A14:


********
عن بعض معاشر الدكاترة !!!

قال الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليه :

وأنا لا أذم الشهادات ولا أحقّر الدكتوراة ، ولكنها كلما كثرت وانتشرت رخصت بعد عزّ وهَزُلت حتى سامها كل مفلس . ولكني لم أكن أتصور أنها تنزل إلى هذه الدركة الدنيا ! وأنا أعلم أن من الدكاترة علماء نلوها بحقّ وكانت شهادة عدل لا شهادة زور ، ومنهم من نالها ببعض الباطل ، أعدّ بحثًا عن شاعرٍ مثلاً ، فألمّ بجوانب حياته ودرَس شعره وجمع أخباره وأورد ما قيل فيه وما قاله ، ولكنه لم يعرف من شعراء عصره غيره ، بل هو لا يستطيع أن يُقيم لسانه بأبيات له ، وإن هو قرأها لم يفهمها ، وإن هو فهمها لم يقدر أن يشرحها !

ولقد رأيت مسوَّدات رسائل ماجستير ودكتوراة نالت بعد ذلك الدرجة العالية ، فكنت أجد فيها من الغلط والخبط والأخطاء والجهالات ما لا أرتضيه من طالب المدرسة المتوسطة . ولقد رأيت من حرص الدول على الشهادات واعتبارها وحدها مقياس العلم عجائب وغرائب ، حتى إنني كنت أُسأل هذا السؤال الذي يقول : ما هي مؤهّلاتك ؟

فكنت أتهرب منه لأنني إن اكتفيت بما قرأته في الجامعة وفي المدارس قبلها أظلم نفسي ، فالذي قرأته فيها لا يبلغ واحداً من ألف مما قرأته بعدها . ثم إن عملي في حياتي الذي انقطعت إليه واشتغلت به وكتبت فيه هو الأدب وعلوم الدين ، وليس عندي مؤهل رسمي في واحد منهما .

ولـمّا ذهبنا لوضع نظام الدراسات العليا يوم دعا إليها وعمل على إنشائها أخونا الدكتور محمد أمين المصري ، وحقّق له ما يريد حتى افتتح أول قسم للدراسات العليا في مكة معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ ، رحمه الله ورحم المصري وجزاهما خيراً .

كنا جماعة ، فرجعوا إلى أعمالهم وبقيت هناك أجادل أطلب أن لا تكون الشهادة وحدها هي مقياس الأستاذية في الجامعة . وكان مما قلته لهم : خبّروني عن الذي حمل أول شهادة دكتوراة في الدنيا ، من الذي منحه إياها ؟ إن قلت إنه دكتور دخلنا في متاهات الدور والتسلسل الذي لا يوصل إلى غاية ، وإن اعترفتم بأن الذي منح أول دكتوراة كان لا يحملها وهذا هو الواقع ) أقررتم معي بأن الشهادة ليست وحدها مقياس العلم .( وكان مما قلت لمعالي الشيخ حسن رحمة الله عليه : خبّرني يا سيدي ، لو بعث الله جدك الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو الإمام أحمد بن حنبل ، هل كنت تستطيع أن تعيّن واحداً منهما معلمًا في مدرسة ابتدائية وأنت لا تعترف بمقياس إلا مقياس الشهادة وحدها ؟! . اهـ

ذكريات علي الطنطاوي 8 / 314-316

شموخ نجد
10 03 2010, 10:12 PM
الجزء الأول ص36
ذكريات علي الطنطاوي

ومن ظريف أخبار ذوي الغفلة والوعاظون أن أحد مشايخنا جاءه من يقول أن منيرة المهدية تغني
في العباسية فأعلن غضبة في درسه في الأموي وقال كيف تغني و ترقص هذه المرأة وهي
متكشفة أمام الناس ؟أين الدين والنخوة ؟
قالوا: نعوذ بالله وكيف يكون هذا وأين ياسيدنا ومتى؟
قال: في العباسية في الليل بعد صلاة العشاء.
وكان نصف المقاعد خاليا فامتلأت تلك الليلة المقاعد كلها !
فاليتنبه الواعظون فكثيرا ما تكون المبالغة في وصف المنكر دعاية له.

د مهدي قاضي
11 03 2010, 01:36 AM
رحمه الله وجزاك الله خيرا

اللهم شهادة
11 03 2010, 01:42 AM
رحمة الله عليه،،

وجزيت كل خير@ موضوع طيب

شموخ نجد
11 03 2010, 07:16 PM
:A14:

شموخ نجد
28 03 2010, 03:38 PM
من خارج الذكريات

موضوع يتكلم عن مقال للشيخ علي الطنطاوي
رائع..

هنا الرابط وبعده المحتوى...(المقال)

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?p=2496953#post2496953


ما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عني


▄ ▄ ▄ ▄ ▄


ُمقالة رائعة للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله



نظرت البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة ، وأنا على أريكة مريحة ، أفكر في موضوع


أكتب فيه ، والمصباح إلى جانبي ، والهاتف قريب مني ، والأولاد يكتبون ، وأمهم تعالج صوفا


تحيكه ، وقد أكلنا وشربنا ، والراديو يهمس بصوت خافت ، وكل شيء هادئ ، وليس ما أشكو


منه أو أطلب زيادة عليه


فقلت الحمد لله


أخرجتها من قرارة قلبي



ثم فكرت فرأيت أن ' الحمد ' ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة ، ولكن


الحمد على النعم أن تفيض منها على المحتاج إليها



حمد الغني أن يعطي الفقراء ، وحمد القوي أن يساعد الضعفاء


وحمد الصحيح أن يعاون المرضى ، وحمد الحاكم أن يعدل في المحكومين


فهل أكون حامدا لله على هذه النعم إذا كنت أنا وأولادي في شبع ودفء وجاري وأولاده في


الجوع والبرد ؟ وإذا كان جاري لم يسألني أفلا يجب علي أنا أن أسأل عنه ؟



وسألتني زوجتي فيمَ تفكر ؟ فاخبرتها



قالت صحيح ، ولكن لا يكفي العباد إلا من خلقهم، ولو أردت أن تكفي جيرانك من الفقراء


لأفقرت نفسك قبل أن تغنيهم



قلت لو كنت غنيا لما استطعت أن أغنيهم ، فكيف وأنا رجل مستور ، يرزقني الله رزق الطير


تغدو خماصا ًوتروح بطاناً ؟



لا ، لا أريد أن أغني الفقراء ، بل أريد أن أقول إن المسائل نسبية


أنا بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقير ، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل عشرة


وما له إلا أجرته غني من الأغنياء ، وهذا العامل غني بالنسبة إلى الأرملة المفردة التي


لا مورد لها ولا مال في يدها ، وصاحب الآلاف فقير بالنسبة لصاحب الملايين ؛ فليس


في الدنيا فقير ولا غني فقرا مطلقا وغنىً مطلقا



تقولون : إن الطنطاوي يتفلسف اليوم


لا ؛ ما أتفلسف ، ولكن أحب أن أقول لكم إن كل واحد منكم وواحدة يستطيع أن يجد من هو


أفقر منه فيعطيه ، إذا لم يكن عندك – يا سيدتي – إلا خمسة أرغفة وصحن ' مجدّرة ' تستطيعين


أن تعطي رغيفا لمن ليس له شيء ، والذي بقي عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا


والرز وشيء من الفاكهة والحلو يستطيع أن يعطي منها قليلا لصاحبة الأرغفة والمجدّرة



ومهما كان المرء فقيرا فإنه يستطيع أن يعطي شيئا لمن هو أفقر منه



ولا تظنوا أن ما تعطونه يذهب بالمجان ، لا والله ، إنكم تقبضون الثمن أضعافا


تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة ، ولقد جربت ذلك بنفسي



أنا أعمل وأكسب وأنفق على أهلي منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وليس لي من أبواب الخير


والعبادة إلا أني أبذل في سبيل الله إن كان في يدي مال ، ولم أدخر في عمري شيئا وكانت


زوجتي تقول لي دائما يا رجل ، وفر واتخذ لبناتك دارا على الأقل


فأقول خليها على الله ، أتدرون ماذا كان ؟



لقد حسب الله لي ما أنفقته في سبيله وادخره لي في بنك الحسنات الذي يعطي أرباحا سنوية


قدرها سبعون ألفا في المئة ، نعم{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ}


وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ}



أرسل الله صديقا لي سيدا كريما من أعيان دمشق فأقرضني ثمن الدار ، وأرسل أصدقاء


آخرين من المتفضلين فبنوا الدار حتى كملت وأنا – والله – لا أعرف من أمرها إلا ما يعرفه


▄ ▄ ▄ ▄ ▄


المارة عليها من الطريق ، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسبا فوفيت ديونها جميعا ،


ومن شاء ذكرت له التفاصيل وسميت له الأسماء .



وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عني ، ولا احتجت لشيء إلا جاءني ، وكلما زاد


عندي شيء وأحببت أن أحفظه وضعته في هذا البنك .



فهل في الدنيا عاقل يعامل بنك المخلوق الذي يعطي 5%ربحاً حراماً وربما أفلس أو احترق


ويترك بنك الخالق الذي يعطي في كل مئة ربح قدره سبعون ألفا ؟


وهو مؤمن عليه عند رب العالمين فلا يفلس ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس .


فلا تحسبوا أن الذي تعطونه يذهب هدرا، إن الله يخلفه في الدنيا قبل الآخرة



وأسوق لكم مثلا واحدا


قصة المرأة التي كان ولدها مسافرا ، وكانت قد قعدت يوما تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام


وقطعة خبز ، فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة



فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى


قال ومن أعجب ما مر بي أنه لحقني أسد في الطريق ، وكنت وحدي فهربت منه ،


فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه ، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر


أمامي فيخلصني منه ويقول لقمة بلقمة ، ولم أفهم مراده.



فسألته امه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير


نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد .



والصدقة تدفع البلاء ويشفي الله بها المريض ، ويمنع الله بها الأذى وهذه أشياء مجربة ،


وقد وردت فيها الآثار ، والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلها هو يتصرف فيه وبيده العطاء


والمنع وهو الذي يشفي وهو يسلم ، يعلم أن هذا صحيح



والنساء أقرب إلى الإيمان وإلى العطف ، وأنا أخاطب السيدات واقول لكل واحدة


ما الذي تستطيع أن تستغني عنه من ثيابها القديمة أو ثياب أولادها ، ومما ترميه ولا تحتاج إليه


من فرش بيتها ، ومما يفيض عنها من الطعام والشراب ، فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها


فرحة الشهر .



ولا تعطي عطاء الكبر والترفع ، فإن الابتسامة في وجه الفقير ( مع القرش تعطيه له )


خير من جنيه تدفعه له وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع



ولقد رأيت ابنتي الصغيرة بنان – من سنين – تحمل صحنين لتعطيهما الحارس في رمضان


قلت تعالي يا بنيتي ، هاتي صينية وملعقة وشوكة وكأس ماء نظيف وقدميها إليه هكذا


إنك لم تخسري شيئا ، الطعام هو الطعام ، ولكن إذا قدمت له الصحن والرغيف كسرت نفسه


وأشعرته أنه كالسائل ( الشحاذ ) ، أما إذا قدمته في الصينية مع الكأس والملعقة والشوكة


والمملحة ينجبر خاطره ويحسّ كأنه ضيف عزيز


▄ ▄ ▄ ▄ ▄


انتهى كلامه رحمه الله

الرجاء النشر ليعم النفع بها

للفائدة

,,, من عجائب الصدقة ,,,
حمل من هنا
http://www.ktibat.com/showsubject-link-362.html (http://www.ktibat.com/showsubject-link-362.html)

شموخ نجد
02 05 2010, 05:22 AM
هذا المتصفح خصصته للشيخ الأديب علي الطنطاوي
كنت أنوي أن يكون مقتطفات من كتابه (ذكريات)
لكن تغيرت الخطة
سيكون (مقالات ..وأقوال ...ومقتطفات)
كل ما قرأت شيء له وأستطعت أن أضعه هنا سأضعه إن شاء الله

أقول للشيخ...منقول من موقعه الرسمي..

عن السعادة:

السعادة
يفتش عنها الناس ويبحث عنها الفلاسفة، ويهيم بها الأدباء، وهي تحت أيديهم، كالذي يفتش عن نظاراته في كل مكان، ويسأل عنها في الدار كل إنسان، والنظارات على عينيه!! إنها السعادة بالرضا والإيمان.
كتاب "مع الناس"، ص. 61

***
إنّ لذات الدنيا مثل السراب، ألا تعرفون السراب؟. تراه من بعيد غديراً، فإذا جئته لم تجد إلا الصحراء. فهو ماء ولكن من بعيد..
كتاب "صور وخواطر"، ص. 10

***

لماذا يبكي الشيخ على شبابه ولا يضحك الشاب لصباه؟
كتاب "صور وخواطر"، ص. 16

***

لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنا ولا نبصرها إلا غارقة في ظلام الماضي، أو متشحة بضباب المستقبل؟
كتاب "صور وخواطر"، ص. 16

***
كل يبكي ماضيه، ويحن إليه، فلماذا لا نفكر في الحاضر قبل أن يصير ماضياً؟
كتاب "صور وخواطر"، ص. 16

***

إناّ نحسب الغنى بالمال وحده، وما المال وحده؟ ألا تقدرون ثمن الصحة؟ أما للصحة ثمن؟.
كتاب "صور وخواطر"، ص. 16

****

ملاك الأمر كله ورأسه الإيمان، الإيمان يشبع الجائع ويدفئ المقرور، ويغني الفقير، ويسلي المحزون، ويقوي الضعيف، ويسخي الشحيح. ويجعل للإنسان من وحشته أنساً، ومن خيبته نجاحاً...
كتاب "صور وخواطر"، ص. 19

***

إنكم سعداء ولكن لا تدرون. سعداء إن عرفتم قدر النعم التي تستمتعون بها، سعداء إن عرفتم نفوسكم وانتفعتم بالمخزون من قواها، سعداء إن سددتم آذانكم عن صوت الديك ولم تطلبوا المستحيل فتحاولوا سد فمه عنكم، سعداء إن طلبتم السعادة من أنفسكم لا مما حولكم.
كتاب "صور وخواطر"، ص. 20

***

كل شيء بقدر الله والله قسم للعبد سعادته وشقائه ورزقه وعمره، فما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوّتك.
كتاب "فصول إسلامية"، ص. 38

شموخ نجد
04 05 2010, 08:32 AM
مقاله لــ الطنطاوي ظريفة جدا!

عنوان المقاله

مما حدث لي

أنا رجل يتصورني القراء من بعيد (شيئا) أكبر من حقيقتي، فلماذا أفضح نفسي عندهم؟ وعم أتحدث إليهم؟ والأحاديث كثيرة، وما حدث لي يملأ كتبا؟
ثم قلت: لماذا لا أتحدث عن هذا. عن حقيقتي في نفسي وصورتي عند القراء. ولي في هذا الباب طرائف عجيبة. وأنا أكتب منذ أكثر من عشرين سنة في جرائد الشام ومجلات مصر ولبنان كتابة شيخ مكتهل، فكان القراء يحسبونني شيخا أشيب الشعر محني الظهر يدبّ دبيبا. وعلى وجهه من كتابة الأيام والتجارب سطور من (الأخاديد) فوق سطور، وما كنت أحب أن أذيع هذه الطرائف لأنها لا تنفع السامعين وإن كانت قد تلذ لهم. ولكن المحطة أرادت أن أحدث المستمعين عن بعض ما حدث لي مضحكا كان أم غير مضحك. ولا بأس فالضحك ينفع الجسم ويدفع الدم، ويزيد الشهية، أما المصيبة أن تجيء النكتة باردة لا تضحك.. أو أن أكون ثقيلا يتخفف، والثقيل إذا تخفف صار طاعونا... والعياذ بالله.
سيداتي وسادتي!! مما وقع لي:
أن جاءني مرة وكنت في عنفوان الشباب أكتب في أوائل كتاباتي في الرسالة (عام 1933) ثلاثة من الغرباء عن البلد، لم يعجبني شكلهم، ولم يطربني قولهم، فوقفت على الباب أنظر إليهم فأرى الشكل يدل على أنهم غلاظ، وينظرون إليّ فيرون فيّ (ولدا)، فقالوا هذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟ قلت كارها: نعم… فقالوا: الوالد هنا؟ قلت: لا… قالوا: فأين نلقاه؟ قلت: في مقبرة الدحداح على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب. قالوا: يزور أمواته؟ قلت: لا. قالوا: إذن؟ قلت: هو الذي يزار... فصرخ أحدهم في وجهي صرخة أرعبتني وقال: مات؟ كيف مات؟ قلت: جاء أجله فمات... قالوا: عظم الله أجركم، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا خسارة الأدب. قلت: إن والدي كان من جل أهل العلم ولكن لم يكن أديبا... قالوا: مسكين أنت لا تعرف أباك.
وانصرفوا وأغلقت الباب وطفقت أضحك وحدي مثل المجانين، وحسبت المسألة قد انتهت فما راعني العشية إلا الناس يتوافدون عليّ فأستقبلهم، فيجلسون صامتين إن كانوا لا يعرفون شخصي، ومن عرفني ضحك وقال: ما هذه النكتة السخيفة؟ قلت: أي نكتة؟ فأخرج أحدهم الجريدة وقال: هذه؟ هل تتجاهل؟ فأخذتها وإذا فيها نعي الكاتب الـ … كذا وكذا.. علي الطنطاوي… هذه واحدة‍.
ومما حدث لي أنني:
لما كنت أعمل في العراق سنة 1936 نقلت مرة من بغداد إلى البصرة إثر خصومة بيني وبين مفتش دخل علي الفصل فسمع الدرس. فلما خرجنا (نافق) لي وقال أنه معجب بكتاباتي وفضلي. (ونافقت) له فقلت إني مكبر فضله وأدبه. وأنا لم أسمع اسمه من قبل. ثم شرع ينتقد درسي قفلت: ومن أنت يا هذا؟ وقال لي وقلت له..
وكان مشهدا طريفا أمام التلاميذ.. رأوا فيه مثلا أعلى من (تفاهم) أخوين، وصورة من التهذيب والأخلاق. ثم كتبت عنه مقالة كسرت بها ظهره، فاستقال و (طار) إلى بلده، ونقلت أنا عقوبة إلى البصرة.
وصلت البصرة فدخلت المدرسة، فسألت عن صف (البكالوريا) بعد أن نظرت في لوحة البرنامج ورأيت أن الساعة لدرس الأدب. توجهت إلى الصف من غير أن أكلم أحدا أو أعرفه بنفسي.
فلما دنوت من باب الصف وجدت المدرس، وهو كهل بغدادي على أبواب التقاعد، يخطب التلاميذ يودعهم وسمعته يوصيهم (كرما منه) بخلفه الأستاذ الطنطاوي، ويقول هذا وهذا ويمدحني... فقلت: إنها مناسبة طيبة لأمدحه أنا أيضا وأثني عليه ونسيت أني حاسر الرأس وأني من الحر أحمل معطفي على ساعدي وأمشي بالقميص بالأكمام القاصر، فقرعت الباب قرعا خفيفا، وجئت أدخل. فالتفت إليّ وصاح بي ايه زمال وين فايت؟ (والزمال الحمار في لغة البغداديين) فنظرت لنفسي هل أذني طويلتان؟ هل لي ذيل؟… فقال: شنو؟ ما تفتهم (تفهم) أما زمال صحيح. وانطلق بـ (منولوج) طويل فيه من ألوان الشتائم ما لا أعرفه وأنا أسمع مبتسما.
ثم قال تعال لما نشوف تلاميذ آخر زمان. وقف احك شو تعرف عن البحتري. حتى تعرف إنك زمال ولاّ لأ؟
فوقفت وتكلمت كلاما هادئا متسلسلا، بلهجة حلوة، ولغة فصيحة. وبحثت وحللت وسردت الشواهد وشرحتها، وقابلت بينه وبين أبي تمام وبالاختصار، ألقيت درسا يلقيه مثلي.. والطلاب ينظرون مشدوهين، ممتدة أعناقهم، محبوسة أنفاسهم، والمدرس المسكين قد نزل عن كرسيه وانصب أمامي، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من الدهشة، ولا يملك أن ينطق ولا أنظر أنا إليه كأني لا أراه حتى قرع الجرس..
قال: من أنت؟ ما اسمك؟ قلت: علي الطنطاوي؟
وأدع للسامعين الكرام أن يتصوروا موقفه!
والبصرة (بندقية العرب) فيها مع كل شارع قناة. فأنت إن شئت انتقلت بحرا، وإن شئت سرت برا، وفيها شط العرب، لا يعدل جماله وأنت تخطر فيه العشية بهذه الزوارق الحلوة مكان في الدنيا. والبصرة كانت دار الأدب، ومثابة الشعر ومنبع العربية، وتاريخها تاريخ البيان العربي، ولكن أيامي في البصرة، كانت شقاء دائما، وكانت إزعاجا مستمرا. ولي فيها أحاديث مضحكات، وأحاديث مبكيات، ولولا أن أجاوز هذه الدقائق التي منحتني إياها المحطة لعرضت لأحاديثها.
ولكن لا، ولك أيتها الإذاعة الشكر على أن حددت الوقت، فتركتني أتعلل بذكريات أمسي وحدي، وأن أعيش في ماضي على هواي، لا يراقبني المستمعون ولا يشاركني لذة الادكار أحد.

شموخ نجد
02 07 2010, 09:32 PM
http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=37&SectionID=13


قابلت صديقا لي فوجدته ضيق الصدر كأن به علة في جسده أو هما في قلبه فسألته أن يكشف لي أمره فتأبى ساعة وتردد ثم قال لي أنت الصديق لا يكتم عنه وأنى مطلعك على سري ومستشيرك فيه أني أريد الزواج.
قلت: وما فعلت ربة دارك وأم أولادك؟
قال: هي على حالها.
قلت: وهل أنكرت شيئا من خلقها أو من دينها أو من طاعتها لك وميلها إليك؟
قال: لا والله.
قلت: فلم إذن؟
قال: إني رجل أحب العصمة وأكره الفجور وقد ألفت زوجتي ....
قلت: ما أقبح والله ما جزيتها به عن صحبتها وإخلاصها وما أعجب أمرك تسمع صوت النفس وأن تظنه صوت العقل وتتبع طريق الهوى وأنت تحسبه سبيل الصلاح وهذا تلبيس إبليس أو من وساوسه.
وهل تحسب أن المرأة الجديدة تقنعك وتغنيك إن أنت لم تقهر نفسك وتزجرها؟ إن الجديدة تمر عليها الأيام فتصير قديمة وتطول ألفتها فتصير مملولة وتستقري جمالها فلا تجد فيها جمالا فتطلب ثالثة والثالثة تجر إلى الرابعة ولو أنك تزوجت مائة ولو أنك قضيت العمر في زواج لوجدت نفسك تطلب امرأة أخرى.
وهل يمضى زوج عمره ....؟ إن لذلك لحظات؟ وباقي العمر تعاون على الحياة وتبادل في الرأي وسعي للطعام واللباس وتربية للولد.. واسترجاع الماضي وإعداد للمستقبل.
وهل تظنك تسعد بين زوجتين وتعرف إن جمعتها ما طعم الراحة؟ وهل تحسب أن ولدك يبقى معك وقد عاديت أمه وصادقت غريبة جئت بها تشاركها مالها ودارها وزوجها؟ فهل يرضيك أن تثير في أسرتك حربا تكون أنت أول ضحاياها كلا يا صاحبي لقد تغير الزمان وحكم الله في التعدد باق أبدا ولكنه مباح؟ ليس واجبا أو مندوبا.. فعليك بزوجك عد إليها وانظر إخلاصها لا تنظر إلى وجهها ولا إلى جسمها فإني قرأت كتبا في تعريف الجمال كثيرة فلم أجد أصدق من تعريف طاغور "إن الجمال هو الإخلاص" ولو أن ملكة الجمال خانتك وغدرت بك لرأيتها قبيحة في عينك ولو أخلصت لك زوجة قبيحة لرأيتها ملكة الجمال.
وثق أن ما حدثتني به سيبقى سرا بيننا ولا أفشيه أبدا ولا اطلع عليه أحدا.
وهل سمعت أديبا (أفشى) سرا!!؟؟

كتبه : علي الطنطاوي. (الله يرحمة)

سليمان الجزائري
02 07 2010, 09:40 PM
رحمه الله

شموخ نجد
02 07 2010, 10:32 PM
الإيمان سبيل الاطمئنان

لما كنت في رحلة المشرق، و امتدت بي تسعة أشهر تباعاً كنت أفكر في بناتي هل عرّاهن شيء؟ هل أصابتهن مصيبة؟

ثم أقول لنفسي: يا نفس ويحك، هل كنت تخافين لو كان معهنّ أخ يحنو عليهنّ أو جد يحفظهنّ، فكيف تخافين و الحافظ هو الله، و لو كنت أنا معهن هل أملك لهنّ شيئاً إن قدر الله الضر عليهنّ؟ فلا ألبث أن أشعر بالاطمئنان.

ودهمني مرة هم مقيم مقعد، وجعلت أفكر في طريق الخلاص، و أضرب الأخماس بالأسداس، و لا أزال مع ذلك مشفقاً مما يأتي به الغد، ثم قلت: ما أجهلني إذ أحسب أني أنا المدبر لأمري و أحمل هم غدي على ظهري، و من كان يدبر أمري لما كنت طفلاً رضيعاً ملقى على الأرض كالوسادة لا أعي و لا أنطق و لا أستطيع أن أحمي نفسي من العقرب إن دبّت إليّ، و النار إن شبت إلى جنبي، أو البعوضة إن طنّت حولي؟ و من رعاني قبل ذلك جنيناً، و بعد ذلك صبياً؟ أفيتخلى الله الآن عني ؟

و رأيت كأن الهم ثقل كان على كتفي و ألقى عني، ونمت مطمئناً .

وباب الاطمئنان، و الطريق إلى بلوغ حلاوة الإيمان هو الدعاء، ادع الله دائماً، و اسأله ما جلّ ودقّ من حاجتك، فإن الدعاء في ذاته عبادة، و ليس المدار فيه على اللفظ البليغ، و العبارات الجامعة، و ما يدعو به الخطباء على المنابر، يريدون إعجاب الناس بحفظهم و بيانهم، أكثر مما يريدون الإجابة، فإنّ هؤلاء كمن يتكلم كلاماً طويلاً في الهاتف ( التليفون)، و شريط الهاتف مقطوع، بل المدار على حضور القلب، واضطرار الداعي، و تحقق الإخلاص، و رب كلمة عامية خافتة مع الإخلاص و الاضطرار أقرب إلى الإجابة من كل الأدعية المأثورة تلقى من طرف اللسان.

فإن أنت أدمت صحبة الصالحين و مراقبة الله، و لازمت الدعاء وجدت ليلة القدر في كل يوم، ولو لم تـفد من هذا السلوك إلا راحة النفس، ولذة الروح لكفى فكيف و أنت واجد مع ذلك سعادة الأخرى، و رضا الله

علي الطنطاوي,,

شموخ نجد
02 07 2010, 10:45 PM
موضوع قديم
في أنا المسلم

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=302426

^^الباذنجانة والمرأة^^

قال الشيخ علي الطنطاوي في مذكراته:

في دمشق مسجد كبير اسمه جامع التوبة، وهو جامع مبارك فيه أنس وجمال،
سمي بجامع التوبة لأنه كان خاناً تركب فيه أنواع المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري، وهدمه وبناه مسجداً.

وكان فيه منذ نحو سبعين سنة شيخ مربي عالم عامل اسمه الشيخ سليم السيوطي، وكان أهل الحي يثقون به ويرجعون إليه في أمور دينهم وأمور دنياهم، وكان مضرب المثل في فقره وفي إبائه وعزة نفسه، وكان يسكن في غرفة المسجد.

مرّ عليه يومان لم يأكل شيئاً، وليس عنده ما يطعمه ولا مايشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، وفكر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حدّ الاضطرار الذي يجوز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة، وآثر أن يسرق ما يقيم صلبه.

يقول الطنطاوي: وهذه القصة واقعة أعرف أشخاصها وأعرف تفاصيلها وأروي مافعل الرجل، ولا أحكم بفعله أنه خير أو شر أو أنه جائز أو ممنوع.

وكان المسجد في حيّ من الأحياء القديمة، والبيوت فيها متلاصقة والسطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من أول الحي إلى آخره مشياً على السطوح، فصعد إلى سطح المسجد وانتقل منه إلى الدار التي تليه فلمح بها نساء فغض من بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جانبها داراً خالية وشمّ رائحة الطبخ تصدر منها، فأحس من جوعه لما شمها كأنها مغناطيس تجذبه إليها، وكانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة، فصار في الدار، وأسرع إلى المطبخ، فكشف غطاء القدر، فرأى بها باذنجاناً محشواً، فأخذ واحدة، ولم يبال من شدة الجوع بسخونتها، عض منها عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه، وقال لنفسه: أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم أقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟؟
وكبر عليه ما فعل، وندم واستغفر ورد الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد، وقعد في حلقة الشيخ وهو لا يكاد من شدة الجوع يفهم ما يسمع، فلما انقضى الدرس وانصرف الناس، جاءت امرأة مستترة، ولم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة، فكلمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفت الشيخ حوله فلم ير غيره، فدعاه وقال له:هل أنت متزوج؟ قال: لا، قال: هل تريد الزواج؟ فسكت، فقال له الشيخ: قل هل تريد الزواج؟ قال: يا سيدي ما عندي ثمن رغيف والله فلماذا أتزوج؟
قال الشيخ:إن هذه الرأة خبرتني أن زوجها توفي وأنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عم عجوز فقير، وقد جاءت به معها- وأشار إليه قاعداً في ركن الحلقة- وقد ورثت دار زوجها ومعاشه، وهي تحب أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله ورسوله، لئلا تبقى منفردة، فيطمع فيها الأشرار وأولاد الحرام، فهل تريد أن تتزوج بها؟ قال:نعم.
وسألها الشيخ: هل تقبلين به زوجاً؟ قالت: نعم.

فدعا بعمها ودعا بشاهدين، وعقد العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: خذ بيدها، أو أخذت بيده، فقادته إلى بيته، فلما دخلته كشفت عن وجهها، فرأى شباباً وجمالاً، ورأى البيت هو البيت الذي نزله، وسألته: هل تأكل؟ قال: نعم، فكشفت غطاء القدر، فرأت الباذنجانة، فقالت: عجباً من دخل الدار فعضها؟؟

فبكى الرجل وقص عليها الخبر، فقالت له:هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام، فأعطاك الله الدار كلها وصاحبتها بالحلال.

شموخ نجد
03 07 2010, 05:26 AM
http://www.muslm.net/vb/images/icons/icon3.gif 乂 (يا بنتي انا رجل يمشي الى الخمسين ..)乂 نصائح للبنت المسلمة من الشيخ علي الطنطاوي乂

هنا المقال

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?p=2586283#post2586283

شموخ نجد
04 07 2010, 12:54 AM
هنا مقتطفات بحث تحليلي لطفولة علي الطنطاوي
تحليل من منظور سوسيولوجي
بسيط قمت بعمله قبل مدة ...كواجب
أسم (http://javascript<b></b>:DODownload()) الملف عشت بين الكتب

http://m5zn.com/download-05071005053...408lgjm4zh.pdf (http://m5zn.com/download-050710050539fwzs408lgjm4zh-050710050539fwzs408lgjm4zh.pdf)


******

شموخ نجد
04 07 2010, 12:57 AM
كلنا نموت

هل رأى أحد منكم يوماً جنازة؟ هل تعرفون رجلاً كان إذا مشى رج الأرض، و إن تكلم ملأ الأسماع، و إن غضب راع القلوب، جاءت عليه لحظة فإذا هو جسد بلا روح، و إذا هو لا يدفع عن نفسه ذبابة، و لا يمتنع من جرو كلب؟!!!

هل سمعتم بفتاة كانت فتنة القلب و بهجة النظر، تفيض بالجمال و الشباب، و تنثر السحر و الفتون، جاءت عليها لحظة فإذا هي قد آلت إلى النتن و البلى، ورتع الدود في هذا الجسد الذي كان قبلة عُبّاد الجمال، ؟!!

هل قرأتم في كتب التاريخ عن جبار كانت ترتجف من خوفه قلوب الأبطال، ويرتاع من هيبته فحول الرجال، لا يجسر أحد على رفع النظر إليه، أو تأمل بياض عينيه، قوله إن قال شرع، و أمره إن أمر قضاء، صار جسده تراباً تطؤه الأقدام، و صار قبره ملعباً للأطفال، أو مثابة ( لقضاء الحاجات) ؟!!!.

هل مررتم على هذه الأماكن، التي فيها النباتات الصغيرة، تقوم عليها شواهد من الحجر، تلك التي يقال لها المقابر ؟!!.

فلماذا لا تصدقون بعد هذا كله، أنّ في الدنيا موتاً ؟!.

لماذا تقرؤون المواعظ، و تسمعون النذر فتظنون أنها لغيركم؟ و ترون الجنائز و تمشون فيها فتتحدثون حديث الدنيا، و تفتحون سير الأمال و الأماني .. كأنكم لن تموتوا كما مات هؤلاء الذين تمشون في جنائزهم، و كأن هؤلاء الأموات ما كانوا يوماً أحياء مثلكم، في قلوبهم آمال أكبر من آمالكم، و مطامع أبعد من مطامعكم ؟.

لماذا يطغى بسلطانه صاحب السلطان، و يتكبر و يتجبر يحسب أنها تدوم له؟ إنها لا تدوم الدنيا لأحد، ولو دامت لأحد قبله ما وصلت إليه. و لقد وطئ ظهر الأرض من هم أشد بطشاً، و أقوى قوة، و أعظم سلطاناً؟ فما هي ... حتى واراهم بطنها فنسي الناس أسماءهم !.

يغتر يغناه الغني، و بقوته القوي، وبشبابه الشاب، و بصحته الصحيح، يظن أن ذلك يبقى له... و هيهات..!

و هل في الوجود شيء لا يدركه الموت ؟!

البناء العظيم يأتي عليه يوم يتخرب فيه، و يرجع تراباً، و الدوحة الباسقة يأتي عليها يوماً تيبس فيه، و تعود حطباً، و الأسد الكاسر يأتي عليه يوم يأكل فيه من لحمه الكلاب، و سيأتي على الدنيا يوم تغدو فيه الجبال هباءً، وتشقق السماء، و تنفجر الكواكب، و يفنى كل شيء إلا وجهه.

يوم ينادي المنادي: ** لمن الملك اليوم }

فيجيب المجيب: ** لله الواحد القهار }

لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت.

فاذكروا الموت لتستعينوا بذكره على مطامع نفوسكم، وقسوة قلوبكم، اذكروه لتكونوا أرق قلباً و أكرم يداً، و أقبل للموعظة، و أدنى إلى الإيمان، اذكروه لتستعدوا له، فإنّ الدنيا كفندق نزلت فيه، أنت في كل لحظة مدعو للسفر، لا تدري متى تدعى، فإذا كنت مستعداً: حقائبك مغلقة و أشياؤك مربوطة لبيت و سرت، وإن كانت ثيابك مفرقة، و حقائبك مفتوحة، ذهبت بلا زاد و لا ثياب، فاستعدوا للموت بالتوبة التي تصفي حسابكم مع الله، و أداء الحقوق، ودفع المظالم، لتصفوا حسابكم مع الناس.

و لا تقل أنا شاب... و لا تقل أنا عظيم... و لا تقل أنا غني ....

فإن ملك الموت إن جاء بمهمته لا يعرف شاباً و لا شيخاً، و لا عظيما و لا حقيراً و لاغنياً و لا فقيراً ..

و لا تدري متى يطرق بابك بمهمته ....!!

::أبوسليمان::
04 07 2010, 01:24 AM
رحم الله الشيخ علي رحمه واسعه ، وسبحان من اعطاه هذا السحر في الكتابه .

هل آجد عندك صفحة لكتب الشيخ علي ، بالتحديد كتاب قصص با اسلوب ساخر ، عنوان احد القصص اعرابي او بدوي في السينما ، لا اتذكر اسمه .

شموخ نجد
04 07 2010, 02:26 AM
رحم الله الشيخ علي رحمه واسعه ، وسبحان من اعطاه هذا السحر في الكتابه .

هل آجد عندك صفحة لكتب الشيخ علي ، بالتحديد كتاب قصص با اسلوب ساخر ، عنوان احد القصص اعرابي او بدوي في السينما ، لا اتذكر اسمه .


أسلوبة بسيط يصلح لكل المستويات ولا يتكلف..مباشر و واضح وصريح..
(وحر لا يعيش في قالب معين )
وثقافته واسعة ...وهذه الصفات تجذب كل المستويات والأذواق...وفيه من الحكمة
(ربما البعض يرى أني أبالغ لكن هذه وجهة نظري...)


هنا كتبه...رابط خاص بالكتب من موقعه الرسمي
http://www.alitantawi.com/2books/articles/index.main.html (http://www.alitantawi.com/2books/articles/index.main.html)

وهنا موقعه الرسمي
http://www.alitantawi.com/index.html (http://www.alitantawi.com/index.html)



كُتب علي الطنطاوي هي أبرز ما تركه رحمه الله... والقليل منها، هو الذي أُعدَّ كتابًا مستقلاً ذا موضوع واحد، وأكثرها جَمَع مجموعةً كبيرةً مما كتبه رحمه الله في الصحف والمجلات، أو تحدَّث به في الإذاعات أو على المنابر،

بالنسبة للقصة التي سألت عنها
لا لم يمر عليّ مثل ما قلت..مر عليّ مقال بعنوان(اعرابي في الحمام!)
لا أعلم إذا تقصده أو تقصد شيء آخر لم يمر عليّ
(...والحديث عن أعربي من أعرب نجد!!!...لا بأس أضعه!)
ظريفة القصة..
هنا رابط المقال
http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=29&SectionID=10 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=29&SectionID=10)





أعرابي في حمام
صحبنا في رحلتنا إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد يقال له صلَبى ما رأيت أعرابياً مثله قوةَ جَنَان، وفصاحة لسان، وشدة بيان ولولا مكان النبرة البدوية لحسبته قد انصرف الساعة من سوق عكاظ، لبيان لهجته، وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من فصيح الكلام. وكان أبيّ النفس، أشمّ المعطس، كريم الطباع، لكن فيه لوثة وجفاء من جفاء الأعراب، رافقنا أيام طويلة، فما شئنا خلة من خلال الخير إلا وجدناها فيه، فكان يواسينا إذا أصبنا، ويؤثرنا إذا أَضَقنا، ويدفع عنا إذا هوجمنا، ويفديّنا إذا تألمنا، على شجاعة نادرة، ونكتة حاضرة، وخفة روح، وسرعة جواب، قلنا له مرة:
- إن (صْلَبة) في عرب اليوم، كباهلة في عرب الأمس، قبيلة لئيمة يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت فيما علمنا سيّد كريم من سادة كرام، وليس لك في هذه القبيلة نسب؟ فما لك تدعى صلبى. فضحك وقال:
- صدقتم والله، ما أنا من صلبة، ولا صلبة مني، وإني لكريم العم والخال ولكنّ هذا الاسم نكتة أنا مخبركم بها.
قلنا: هات. قال:
- كان أبواي لا يعيش لهما ولد، فلما ولدت خشيا عليّ فسمياني صْلَبى. قلنا: ائن سمياك صْلَبى عشت؟ قال:
إن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صْلَبى.
وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صْلَبى؟ قال:
- لقد كنت متزوجاً بشرّ امرأة تزوجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إليّ، حتى ضقت باحتمالها ذرعاً فطلقتها ثلاثاً وثلاثين.
قلنا: إنها تبين منك بثلاث، فعلام الثلاثون؟
فقال على الفور: صدقة مني على الأزواج المساكين!
وطال بنا الطريق إلى تبوك، وملّ القوم، فجعلوا يسألونه عن تبوك، ويكثرون عليه، يتذمرون من بعدها، حتى إذا كثروا قال لهم:
ما لكم تلومونني على بعدها؟ والله لم أكن أنا الذي وضعها هناك. ولم يكن صْلَبي يعرف المدن، ولم يفارق الصحراء قط إلا إلى حاضرته تبوك (وتبوك لا تزيد عن خمسين بيتاً...) فلما بلغنا مشارف الشام أغريناه بالإبلاد ودخول المدينة، وجعلنا نصف إليه الشام، ونشوّقه فيأبى، وكنت صفّيه من القوم وخليله ونجيّه فجعلت أحاولره وأداوره، وبذلت في ذلك الجهد فلم أصنع معه شيئاً لما استقر في نفسه من كراهية المدن وإساءة الظن بأهلها، وكان عربياً حراً، ومسلماً موحداً، لا يطيق أن يعيش يوماً تحت حكم (الروم) أو يرى مرة مظاهر الشرك...
فودعناه وتركناه...

* * *
وعدت إلى دمشق، فانغمست في الحياة، وغصت في حمايتها أكدّ للعيش، وأسعى للكسب، فنسيت صلَبى وصُحبته، وكدت أنسى الصحراء وأيامها، ومرّت على ذلك شهور... وكان أمس فإذا بي ألمح في باب الجابية وسط الزحمة الهائلة، وجهاً أعرفه فلحقت به أتبيّنه فإذا هو وجه صْلَبى، فصحت به:
- صْلَبى! قال: - لا صْلَبى ولا مْلَبى.
قلت: ولم ويحك؟ قال: أنا في طلبك منذ ثلاث ثم لا تأتي إليّ ولا تلقاني؟
فقلت له ضاحكاً: - وأي ثلاث وأي أربع؟ أتحسبها تبوك فيها أربعمائة نسمة؟ إنها دمشق يا صْلَبي، فيها أربعمائة ألف إنسان، فأين تلقاني بين أربعمائة ألف؟
قال: - صدقت والله.
قلت: هلم معي. فاستخرجته من هذه الزحمة الهائلة، وملت به إلى قهوة خالية، فجلسنا بها ودعوت له بالقهوة المرة والشاهي، فسرّ، وانطلق يحدثني قال:
- لمّا فارقتكم ورجعت وحيداً، أسير بجملي في هذه البادية الواسعة، جعلت نفسي تحدثني أن لو أجبت القوم ورأيت المدينة... فلما كان رمضان مرّ بنا بعض الحضريين فدعوني إلى صحبتهم لأرشدهم الطريق، ثم أغروني كما أغريتموني، وحاوروني كما حاورتموني حتى غلبوني على أمري ودخلوا بي دمشق، فما راعني والله يا ابن أخي إلا سيارة كبيرة كسيارتكم هذه، لكنها أهول وأضخم، لها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فأدخلوني إليها، فخشيت والله وأبيت، فأقسموا لي وطمأنوني، فدخلت ويدي على خنجري إن رأيت من أحد شيئا أكره وجأته به، وعيني على النافذة إن رابني من السيارة أمر قفزت إلى الطريق، وجلست، فما راعنا إلا رجل بثياب عجيبة قد انشق إزاره شقاً منكراً، ثم التف على فخذيه فبدا كأنما هو بسراويل من غير إزار، وعمد إلى ردائه فصف في صدره مرايا صغيره من النحاس، ما رأيت أعجب منها، فعلمت أنه مجنون وخفت أن يؤذينا، فوضعت كفي على قبضة الخنجر، فابتسم صاحبي وقال: هو الجابي. قلت: جابي ماذا، جبّ الله (...)!
قال: اسكت، إنه جابي (الترام) أعني هذه السيارة.
ثم مدّ يده بقرشين اثنين، أعطاه بها فتاتة ورق، فما رأيت والله صفقة أخسر منها، وعجبت من بلاهة هذا الرجل إذ يشتري بقرشين ورقتين لا تنفعان وجلست لا أنبس، فلم تكن إلا هنَيّة حتى جاء رجل كالأول له هيئة قِزْدية ألا أنه أجمل ثياباً، وأحسن بزّة، فأخذ هذه الأوراق فمزقها، فثارت ثائرتي، قلت: هذا والله الذل، فقّبح الله من يقيم على الذل والخسيفة، وقمت إليه فلبّبته وقلت له:
- يا اين الصانعة، أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا، ودفعنا به قروشنا فتمزقه، لأمزّقن عمرك.
وحسبت صاحبي سيدركه من الغصب لكرامته، والدفاع عن حقه مثل ما أدركني فإذا هو يضحك، ويضحك الناس ويعجبون من فعلي، لأن عمل هذا الرجل -فيما زعموا- تمزيق أوراق الناس التي اشتروها بأموالهم...
ولما نزلنا من هذه الآفة، قال لي صاحبي: هلّم إلى الحمام. فقلت: وما الحمام يا ابن أخي؟
قال: تغتسل وتلقي عنك وعثاء السفر.
قلت: إن كان هذا هو الحمام، فما لي فيه من مأرب، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل وأتنظف.
قال: هيهات... إن الحمام لا يعدله شيء، أو ما سمعت أن الحمام نعيم الدنيا؟
قلت: لا والله ما سمعت. قال: إذن فاسمع ورَهْ.
وأخذني فأدخلني داراً قوراء في وسطها بركة عليها نوافير يتدفق منها الماء، فيذهب صعداً كأنه عمود من البلور ثم يتثنى ويتكسر ويهبط كأنه الألماس، له بريق يخطف الأبصار، صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلا في الجنان، وعلى أطراف الدار دكك كثيرة، مفروشة بالأسرة والمتكآت والزرابيّ كأنها خباء الأمير، فلم نكد نتوسطها حتى وقثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد، يصيحون علينا صياحاً غريباً، فأدركت أنها مكيدة مدبرة، وأنهم يريدون اغتيالي، فانتضيت خنجري وقلت: والله لا يدنو مني أحد إلا قطعت رقبته، فأحجموا وعجبوا ورعبوا، وغضب صاحبي وظنني أمزح، ومال عليّ يعاتبني عتاباً شديداً. فقلت له: ويحك أو ما تراهم قد أحاطوا بنا؟ قال:
إنهم يرحبون بنا ويسلمون علينا. فسكت ودخلت. وعادوا إلى حركتهم يضحكون من هذا المزاح، ويدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاءوا ينزعون ثيابنا فتحققت أنها المكيدة، وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم قتلي، فقد عجزوا أن يقاتلوني وبيدي الخنجر، فأبيت وهممت بالخروج ولكن صاحبي ألحّ عليّ وأقسم لي، فأجبت واستسلمت وإن روحي لتزهق حزناً على إني ذللت هذا الذل حتى أسلمتهم سَلَبي يسلبونني وأنا حي. ولو كنت في البادية لأريتهم كيف يكون القتال... حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق عليّ شيء، قلت: أما من مسلم؟ أما من عربي؟ أتكشف العورات في هذا البلد فلا يغار أحد، ولا يغضب إنسان؟
فهدّأ صاحبي من ثورتي وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟ قلت: فكيف أتكشف بعد هذه الشيبة وتذهب عني في العرب فتكون فضيحتي إلى الأبد؟
قال: من أنبأك أنك ستتكشف؟ هلا انتظرت!
فانتظرت وسكت فإذا غلام من أغلمة الحمام، يأخذ بيده إزاراً فيحجبني به حتى أنزع أزراري وأتزرّ به، فحمدت الله على النجاة، وكان صاحبي قد تعرى فأخذ بيدي وأدخلني إلى باطن الحمام، فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتفّة متلوية، يضّل فيها الخرّيت وهي مظلمة كأنها قبر قد انعقدت فوقها قباب وعقود، فيها قوارير من زجاج تضيء كأنها النجوم اللوامع، في السماء الداجية، وفي باطن الحمام أناس عري جالسون إلى قدور من الصخر فيها ماء، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت هذه والله دار الشياطين وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أذكر منها شيئاً، فأيقنت أنها ستركبني الشياطين لما نسيت من آية الكرسي، وجعلت أبكي على شيبتي أن يختم لها هذه الخاتمة السيئة، وإني لكذلك، وإذا بالخبيث يعود إليّ يريد أن ينزع هذا الإزار الذي كسانيه، فصحت به: يا رجل، اتق الله، سلبتني ثيابي وسلاحي، وعدت تجردني وتعريني، الرحمة يا مسلمون، الشفقة أيها الناس! فوثب إليّ الناس، وأحدقوا بي، وجعلوا يضحكون، فقال صاحبي:
- ما هذا يا صْلَبى، لا تضحك الناس علينا، أعطه الإزار. قلت: وأبقى عرياناً؟ قال: لا، ستأخذ غيره، هذا كساء يفسد إذا مسه الماء، وإن للماء كساء آخر.
ونظرت فإذا عليه هيئة الناصح، وإذا هو يدفع إليّ إزاراً آخر، فاستبدلته به مكرهاً وتبعت صاحبي إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلسنا علا قدر من هذه القدور... وأنا أستجير بالله لا أدري ماذا يجري عليّ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل عار، كأنه قفص عظام، له لحية كثة، وشكل مخيف وقد تأبط ليفاً غليظاً يا شرّ ما تأبط، وحمل ماعوناً كبيراً، يفور فوراناً، فاسترجعت وعلمت أنه السمّ وأنه سيتناثر منه لحمي، فقصد إليّ، فجعلت أفرّ منه وأتوثب من جانب إلى جانب وهو يلحقني ويعجب من فعلي، ويظن أني أداعبه، وصاحبي يضحك ويقسم لي أنه الصابون، وأنه لا ينظف شيء مثله.
قلت: ألا شيء من سدر! ألا قليل من أشنان؟
قال: والله ما أغشك، فجرب هذا إنه خير منه.
فاستجبت واستكنت، وأقبل الرجل يدلكني دلكاً شديداً وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيراً فأزمعت شكره لولا أني وجدته يتغفلني فيمد يده تحت الإزار إلى فخذي، فيدلكه ويقرصه، فقلت هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شره أحد لتركني، ولصرفته عني شيبتي، وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أذني أنه ينظفك وكذلك يصنع مع الناس كلهم، فلما انتهى وصب عليّ الماء، شعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست الزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي فقلت: ما هذا، أينطق لساني مغنٍ من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً. واستخفني الطرب، فجعلت أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟
قلت: أي والله. قال: أفأدلك على باب القاضي؟
قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصة جحا؟
قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصته.
قال: كان جحا عالماً نحريراً، وأستاذاً كبيراً، لكن كان فيه فضائل نادرة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته -وكان أقبح رجل صوتاً- وراقه حسنه، فخرج من فوره إلى القاضي، فسأله أن ينصبه مؤذناً وزعم أن له صوتاً لا يدخل أذناً إلاّ حمل صاحبها حملاً فوضعه في المسجد... فقال القاضي: اصعد المنارة فأذن نسمع.
فلما صعد فأذّن، لم يبق في المسجد رجل إلا فر هارباً. فقال له القاضي: أي صوت هذا، هذا الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب:
قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟!..

* * *
ولمح الأعرابي صديقاً له من أعراب نجد، قد مرّ من أمام القهوة، فقطع عليّ الحديث وخرج مهرولاً يلحق به.


بقلم: علي الطنطاوي

شموخ نجد
04 07 2010, 02:38 AM
.............................

صفحات خاصة بالشيخ علي الطنطاوي

http://www.alnoor-world.com/ali/default.asp (http://www.alnoor-world.com/ali/default.asp)

http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=articles&scholar_id=108 (http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=articles&scholar_id=108)

::أبوسليمان::
04 07 2010, 01:02 PM
جزاك الله خير على هذه الروابط .

بالنسبة للقصة ، اعرابي في الحمام ، فهي من ضمن الكتاب التي سألت عنه ، واعرابي في السنما هي لنفس الاخ صلبي :) .


بارك الله فيك ..

شموخ نجد
04 07 2010, 10:37 PM
جزاك الله خير على هذه الروابط .

بالنسبة للقصة ، اعرابي في الحمام ، فهي من ضمن الكتاب التي سألت عنه ، واعرابي في السنما هي لنفس الاخ صلبي .


بارك الله فيك ..


وجدته..(حصلت على الكتاب لكن ليس الكتروني ويصف مع طابور الكتب الجاري قرأتها..)

أسم الكتاب صور وخواطر...وهي ثلاث خواطر عن (صلبي!)
أعرابي في حمام
أعرابي في سينما
الأعرابي والشعر

دار النشر
دار المناير -جدة

والخاطرة منشورة في النت أضعها هنا..

......
..
.




أعرابي في سينما


طالت غيبة "صْلَبى" فنسيته وطرحت همّه عن عاتقي، وعدت أدور مع الحياة كما تدور الساقية، مغمض العينين، أطوف في مفحص قطاة، فلا غاية أبلغ ولا راحة أجد، أغدو إلى كدّ العقل وعذاب النفْس، وجفاف الريق وانقطاع النَفَس، وأروح، وما بقي فيَّ بقية لعمل، ولا طاقة على كتابة، فألقي بنفسي على كرسي أو سرير، أنتظر عناء اليوم الجديد.

وإنِّي لغادٍ إلى المدرسة ذات يوم، وإذا أنا بأعرابي في شملته يشير إليَّ.. وهو يسير بين تلك المواخير: تريانون وليدو ولْوازيس .. حائراً يتلفّت.. فقلت: لعلّه ضالّ أحب أن يستهديني، ووقفت له، فلمّا دنا وتبيّنته، لم أملك من الفرح فمي.. فصحت في السوق وسط النَّاس.. وما لي لا أصيح وقد وجدت "صْلَبى" بعد طول الغياب.. وحييته وحيّاني تحية ذاكرٍ للصحبة، حافظ للود، وطفق يحدِّثني حديثه..

قال: أتذكر يا شيخ ما ابتلاني به الله من أمر الحمام؟ لقد وقعت في داهية أدهى.. ولقد والله كرهت الحضر، وعفت المدن، وأصبحت أخشى فيها على نفسي.. فما أدري ماذا سيكون من أمري بعد الذي كان؟..

... قدمت الشام قدمة أُخرى، فكان أوّل ما صنعت أن قصدت صاحبي، وكنت قد عرفت داره في (الميدان).. فأكرمني وأحسن استقبالي، أحسن الله إليه، وذبح لي خروفاً، ولم يكتف بذلك من إكرامي، بل أزمع أن يأخذني إلى سنمة.. قلت: ولكني لا أعرف سنمة هذا، ولا أدري من هو، فكيف تأخذني إليه؟ قال: لابدّ من ذلك. فاستحييت منه وكرهت أن أخالفه بعد الذي قد صنع في إكرامي.. وقلت في نفسي: لولا أنَّ سنمة هذا صديق له، عزيز عليه، ما سار بي إليه. ولقد قال المشايخ من قبيلتنا: صديق صديقك صديقك.. فرضيت وقلت له: على اسم الله!

ولكن الرجل لم يسر بل أدركه لؤم الحضر فصاح بابنه أن هات الجرائد حتى نرى الرواية، فتوجّست خيفة الشر، وقلت: إنَّ الرجل قد جنّ، وإلا فما بال الجرائد؟ وهل تراه يضربني بها؟ إذن والله لأريته عزّ الرجال ولضربته ضرباً يبلغ مستقرّ اللؤم في نفسه.. وخشيت أن أتريّث أو أتلوّم فأخيب وأفشل وذكرت حكمة حَمَدْ بن علْوي: "الغلبة لمن بدأ" فشدّ ذلك من عزمي وصرخت: "ياهُو.." ووثبت وثبة أطبقت بها على عنقه، وقلت: سترى لمن الجرائد والسياط، ألابن المدينة الخوار الفرار، أم لابن البر الحر؟

فارتاع وأبيك وجعل يصيح من جبنه: أدركوني، أنقذوني! النجدة، العون، يافلان (لابنه) أقبل.. ويلك ياصْلَبى.. يامجنون، كفّ عني، ويلك ماذا اعتراك؟

فأخذتني به رأفة فكففت عنه، وقعدت محاذراً أرقب أهل المنزل، وقد اجتمعوا ينظرون إليّ بعيون من يهمّ بفرْي جلدي، فقال لي: ما أردت بهذا ويلك؟ وبم أسأت إليك حتى استحققت منك هذا الصنيع؟ قلت: بالجرائد.. أمثلي يُضرب بالجرائد، لا أمّ لك؟

فضحك والله وجعل يكركر حتى لقد شبهت بطنه بقربة جوفاء أدخلتها الماء، وضحك كلّ من كان حاضراً من أهل وبنيه ضحكاً ما شككت معه أنَّ القوم قد أصابهم طائف من الجنّ، فقلت: قبَّحكم الله من قوم، وقبَّحني إذ أنزل بمثلكم، وهممت بالانصراف. فصاح بي وعزم عليّ إلاّ ما رجعت، فبررت بيمينه وقفلت راجعاً فقال لي:

وأنت حسبت الجرائد ممَّا يضرب به؟ ألم تبصر جريدة قط؟ قلت: ويحك فكيف إذاً؟ أنا من بلاد النخيل، تبوك حاضرتي، قال: وتحسبها جرائد نخيل؟ قلت: إذن فجرائد ماذا؟ قال: خذ؛ هذه هي الجرائد..

وألقى إليّ صحفاً سوداء بها من دقيق الكلم مثل دبيب النمل، فعجبت منها وسألته أن يقرأ عليّ ما فيها فأستفيد علماً ينفعني في آخرتي، فإنَّ الرجل لا يزال عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهل. ولقد سمعت أنَّه جاء في الأثر (كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابعة فتهلك).

فضحك وقال: هل تظنّها كتب علم؟ قلت: فماذا فيها ممَّا ينفع النَّاس؟ قال: فيها أخبار البشر، من سافر منهم أو حضر، أو تزوّج أو ولد له ولد، فما يصنع أحد من شيء إلا دوِّن فيها، ولا ينبغ من عالم أو أديب أو يقدم مغنّ أو تجيء قينة أو تأمر الحكومة أو تنهى إلا ذكر ذلك فيها، حتى إن فيها صفة الخمر والإعلان عن الميسر، وأخبار دور الدعارة، والدعوة إلى الروايات الخليعة..

فلمّا سمعت ذلك طار عقلي وأخذت هذه الجرائد فمزّقتها شرّ ممزّق، وعلمت أنَّ الله مُهلك هذه القرية، وعزمت على مفارقتها ونويت ألاّ أعود إليها بعد الذي سمعت من خبر جرائدها.. وما ظننت أنّ مثل ذلك يكون، ولم يجتزئ صاحبي بما أعلمني من علمها حتى وصف لي أخرى تكون في أيدي الصبيان والبنات فيها صور قوم عراة تبدو عوراتهم، ونساء ما يسترهنّ من شيء إلا شيء ليس بساتر، قلت: فهل يرضى الحضري بها؟ قال: نعم، فسقط والله من عيني وقلت: هذا القرنان الذي لا تأخذه على أهله غيرة، وما كنت أحسب أنَّ رجلاً يؤمن بالله واليوم الآخر يفعل ذلك.

ولست مطيلاً عليك الحديث..

.. وذهبنا نزور سنمة فسرنا حتى بلغنا قصراً عظيماً على بابه خلق كثير، وله دهليز تسطع فيه الأضواء، فقلت: هذا قصر أمير البلد، هذا الذي يدعونه رئيس الجماهير.. وألهاني ما رأيت وشغلني ففقدت صاحبي وسط الزحمة، ولكن لم أبال، وأقبلت أصعد الدرج فمنعني أغلمة بثياب ضيقة حمر مارأيت مثلها، وعلى رؤوسهم كُمَمٌ لها رواق من فوق عيونهم كالذي يوضع على عيني بغل العجلة.. وأفخاذهم مكشوفة فعل أهل الفسوق والتهتك، فهممتُ أن آخذ ثلاثة منهم فأكركبهم على الدرج فأزحلق مِعَدهم عن مواضعها، ثمّ قلت: ترفق يا صْلَبى لا تجنّ، فما أنت في البادية، أنت في قصر الأمير وهؤلاء مماليكه وإنّك إن مسستهم لم تجد أمامك إلا ضرب العنق.. ووضعت يدي على عنقي أتحسسها فعلمت أنِّي ما أزال أحتاج إليها.

ولو أنني في السوق أبتاع مثلها وجدِّك ما باليت أن أتقدما

وسألت الغلمان الكاشفي الأفخاذ ماذا يريدون مني أن أصنع، فأشاروا إلى كوّة ازدحم عليها النَّاس، فعلمت أنَّ الدخول من هناك، وأقبلت أزاحم وأدافع وهم يردونني حتى بلغت الكوّة، فإذا هي غرفة ضيِّقة كأنَّها القفص، وإذا فيها رجل محبوس والنَّاس يتصدَّقون عليه، فقلت في نفسي: هذا رجل ضرب مماليك الأمير فحبسه هنا لتضرب عنقه في غداة الغد، وحمد الله على السلامة، وتوجهت بوجهي إلى رجل توسمته أسأله: متى تضرب عنق السجين؟ فنظر إليّ ولم يجب، ثمّ ولاني قفاه وانصرف، فعلمت أنَّ الأمير يمنع النَّاس من الكلام في هذا، ولولا ذلك لأجابني. ودنوت من كوّة السجن فأعطيته قروشاً كانت معي وقلت له: هذه لأولادك من بعدك، لهم الله فلا تحزن، فلم يقبضها حتى عدّها فرآها كثيرة فردّ إليّ بعضها وقبل بعضاً، فلم أحلف عليه وأخذتها منه وأخذت معها ورقة صفراء أعطانيها لم أدر ماهي، ولكنني لم أشأ كسر قلبه بردّها، ووضعت ذلك كلّه في كمي وعدت إلى الكوّة لأدخل منها فوجدتها عالية، فوثبت فأصبت بقدمي وجه رجل ممّن كان هناك، فما باليته وقلت سأعتذر إليه، وقد رأيت أهل المدن يؤذون إيذاء العدوّ، ثمّ يعتذرون اعتذار الصديق.

وأدخلت رأسي في الكوّة، فصاح السجين صياحاً أرعبني والله، شبّهته بصراخ كلب ديس على ذنبه، وأجلب الناسُ، وطفقوا يشدّون برجلي وثيابي، وأنا أرفس بقدمي رفساً لا أبالي موقعه من أجساد النّاس، والسجين اللئيم الذي أحسنت إليه يدفع برأسي ويشدّ بشعري، ولم يكن عضو من أعضائي إلا وهو مشغول، فيداي أتمسك بهما، ورجلاي أذود بهما عن نفسي، ولم أجد ما أدفع به أذاه عني إلاّ أن بصقت في وجهه، فأقبل يضربني فعضضت يده، ثمّ دنوت من وجهه فعضضت أنفه.. وكان أنفاً ذليلاً لا يزال خبث طعمه على لساني.

ثمّ أخرجوني قسراً وجبراً، وجاء مماليك السلطان فحجزوا بيني وبينهم، وأخذوا الورقة الصفراء، وأدخلوني من باب كان هناك إلى بهو واسع صحّ معه ما كنت قدرت من أن سنمة هذا سلطان البلد..ورأيت النّاس قد صفّوا كراسيهم كصفّ الصلاة، وإذا بعضهم يولي بعضاً دبره، فقلت: ما ألأمَ أهل المدن، والله ما كنت مولياً مسلماً ظهري إلا في الصلاة، وعمدت إلى الكرسي لأديره فإذا هو مثبت بمسامير من حديد، فتركته واستدرت أنا، فجلست على قفاه، وجعلوا يضحكون مني، فما ألقي لهم بالاً، حتى جاءت امرأة، فجلست قبالتي، فقلت: يا أمة الله استتري. فأقبلوا يزبرونني، وإذا هي ـ فيما قالوا ـ شاب وليس امرأة، فجعلت أعجب.

ولبثت أنتظر خروج السلطان فإذا بالمماليك يديرونني فيجلسونني من حيث يجلس النّاس، فلم أملك إلا الطاعة، وقعدت أنتظر فلم أنشب أن جاء مملوك آخر، فقدّم إليّ صفحة من خشب قد صفّ عليها فراني وشطائر وقال: تريد؟ قلت: أريد والله.. وهل يأبى الكرامة إلا اللئيم؟ وأقبلت آكل فأجد طعاماً هشّاً تحت الأسنان، حلواً في الحلق، خفيفاً على البطن، فقلت: هذه هي البقلاوة التي وصفوها لنا، وجعلت آكل فلا أشبع، وهو يقدم إلي متعجباً حتى استنفدت ما كان معه، فمسحت شفتي بيدي وقلت: الحمد لله، جزاك الله خيراً.

فظلّ واقفاً ولم يمض، فقلت: الحمد لله، لقد شبعت. قال: يَدك على الفلوس؟ قلت: ويحك ماذا تريد؟ قال: أكلت ثلاثين قطعة كلّ قطعت منها بسبعة قروش فهذه مئتان وعشرة..

قلت: قبحك الله من عبد لئيم! تأخذ من ضيوف السلطان ثمن القِرى؟

وكان ما أكلت قد شدّ ظهري فوثبت إليه ووثب إليّ، وقام النّاس، وزلزل البهو بأهله، وكادوا والله يطردونني لولا أن ظهر صاحبي فانفرد بالمملوك فأرضاه عني، وجاء فقعد معي.

وإنا لكذلك ياشيخ، وإذا بالأنوار تنطفئ، وإذا بالخيل تهجم علينا مسرعة حتى كادت والله تخالطنا. فقلت: لك الويل ياصْلَبى، ثكلتك أمّك، إنَّه الغزو فما قعودك؟ وقفزت قفزاتي في البادية، وصرخت وهجمت أدوس على أجساد النَّاس وهم يضجُّون ويصخبون، فلما كدت أبلغ الخيل اشتعلت الأنوار وفرّ العدو من خوف بطشي هارباً، وجاء عبيد السلطان ليخرجوني فردّهم عني صاحبي وكلّمهم.

فقلت: هذا والله العجز والذل، فقبّح الله من يقيم عليهما. ترون العدوّ قد خالطكم وتلبثون قعوداً؟ ما أكرهكم إليّ يا أهل المدن، ما ظننت والله إلا أنّكم ستحملون إليّ صلة السلطان على أن رددت عدوّكم وهزمته..

فضحك اللئام، وجعل صاحبي يحذِّرني العودة إلى مثلها؛ ولم ألبث حتى أطفئت الأنوار كرّة أخرى، ففزعت ونظرت فما أحسست إلا امرأة قد قبض عليها رجل خبيث يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع؛ وهي تستغيث وأنا أسمع صياحها ولا من مغيث؛ فثارت الحمية في رأسي وسللت الخنجر وأقبلت أريده، فاختفي والله كأن لم يكن هنالك من أحد. وعادت الأضواء، ورجع الصخب؛ فقلت: والله ما أقيم، وجعلت أصيح: أخرجوني.. ويلكم.. أخرجوني..

قال صْلَبى: فخرجت وقد علمت أنّ جرائدكم يا أهل المدن تنشر الفجور وتهتك ستر الله عن النّاس وتفضحهم، وأنَّ شبابكم بنات، وأنّ أمراءكم سحرة يسحرون أعين النّاس حتى يروهم ما لايُرى.. ثمّ إنّكم لا تغارون على أعراضكم ولا تبالون كشف عورات أبنائكم وبناتكم.. لا والله ما أحبكم..

وذهب مولياً عني مسرعاً يمشي بين تلك المواخير القذرة: تريانون وليدو وأولميبيا.. تلقاء سوق الحميدية والأموي حيث المدن الطاهرة الفاضلة.. حيث دمشق التي سمّاها شوقي "ظئر الإسلام"!

::أبوسليمان::
05 07 2010, 01:22 AM
كنت في جرير قبل آيام وحاولت اتذكر اسم الكتاب ولم استطع ، ولم يكن المسؤل عن الكتب متعاون معي ، فلم استطيع الحصول عليه .

بارك الله فيك ، وبإذن الله نتحصل عليه قريب .

شموخ نجد
06 07 2010, 08:09 AM
جيد...
أخي الكريم

***





السعادة

كنت أقرأ في ترجمة ( كانت ) الفيلسوف الألماني الأشهر أنه كان لجاره ديك قد وضعه قبالة مكتبه ، فكلما عَمِدَ إلى شغله صاح الديك ، فأزعجه عن عمله ، وقطع عليه فكره.


فلما ضاق به بعث خادمه ليشتريه ، ويذبحه ويطعمه من لحمه ، ودعا إلى ذلك صديقاً له ، وقعدا ينتظران الغداء ، ويحدِّثه عن هذا الديك ، وما كان يلقى منه من إزعاج ، وما وجده بعده من لذة وراحة ؛ ففكر في أمان ، واشتغل في هدوء ، فلم يقلقه صوته ، ولم يزعجه صياحه.

ودخل الخادم بالطعام معتذراً أن الجار أبى أن يبيع ديكه ، فاشترى غيره من السوق ، فانتبه ( كانت) فإذا الديك لايزال يصيح !

فكرت في هذا الفيلسوف العظيم فرأيته قد شَقِي بهذا الديك لأنه كان يصيح ، وسَعِدَ به وهو لايزال يصيح .

ما تبدّل الواقع ، ما تبدّل إلا نفسه ، فنفسه هي التي أشقته لا الديك ، ونفسه في التي أسعدته ، وقلت : ما دامت السعادة في أيدينا فلماذا نطلبها من غيرنا ؟

ومادامت قريبة منا فلماذا نبعدها عنّا ؛ إذ نمشي من غير طريقها ، ونلجها من غير بابها ؟
إننا نريد أن نذبح (الديك) لنستريح من صوته ، ولو ذبحناه لوجدنا في مكانه مائة ديك ؛ لأن الأرض مملوءة بالدِيَكة ، فلماذا لا نرفع الديكة من رؤوسنا إذا لم يمكن رفعها من الأرض ؟ لماذا لا نسدُّ آذاننا عنها إذا لم نقدر أن نسدّ أفواهها عنّا ؟ لماذا لا نجعل أهواءنا وفقَ ما في الوجود إذا لم نستطع أن نجعل كل مافي الوجود وفق أهوائنا؟

أنام في داري فلا توقظني عربات الشارع وهي تزلزل بسيرها الأرض ، ولا أصوات الباعة وهي ترعد في الجو ، ولا أبواق السيارات وهي تُسمع الموتى ، وتوقظني همسة في جو الدارضعيفة ، وخطوة على ثراها خفيفة ، فإذا نمت في الفندق لم يوقظني شيء وراء باب غرفتي ، فإذا كان نومي في القطار لم يزعجني عن منامي حديث جيراني إلى جنبي ، ولا صوت القطار وهو يهتز بي ؛ فكيف احتملت هنا مالم أكن أحتمله هناك ؟ وآلمني هناك مالم يؤلمني هنا ؟.

ذلك لأن الحسّ كالنور ، إن أطلقته أضاء لك ما حولك فرأيت ما تحب وما تكره ، وإن حجبته حجب الأشياء عنك ، فأنت لا تسمع أصوات الشارع مع أنها أشد وأقوى ، وتسمع همس الدار وهو أضعف وأخْفَت ؛ لأنك وجَّهت إلى هذا حسَّك ، وأدخلته نفسك ؛ فسمعته على خُفُوته كما ترى في الضياء صغائر الأشياء ، وأغْفَلتَ ذلك وأخرجته من نفسك ، فلم تَسْمَعه على شدته ، وخَفِي عنك كما تختفي في الظلام عظائمُ الموجودات.

فلماذا لا تصرف حسّك عن كل مكروه ؟ إنه ليس كل ألم يدخل قلبك ، ولكن ما أدخلته أنت برضاك ، وقَبِلتَه باختيارك ، كما يُدْخِل الملك العدوّ قلعته بثغرة يتركها في سورها ، فلماذا لا نقوِّي نفوسنا حتى نتخذ منها سوراً دون الآلام ؟إني أسمعكم تتهامسون، تقولون : "فلسفة وأوهام" ؟نعم ، إنها فلسفة ،ولكن ليست كل فلسفة هذيانا ، وإنها أوهام ، ولكن الحياة كلها أوهام تزيد وتنقص ، ونسعد بها ونشقى ، أو شيء كالأوهام.

يحمل الرجلان المتكافئان في القوة الحمل الواحد ، فيشكو هذا ويتذمر ؛ فكأنه حمل حملين ، ويضحك هذا ويغني ؛ فكأنه ما حمل شيئًا.
.
ويمرض الرجلان المتعادلان في الجسم المرض الواحد ، فيتشاءم هذا ، ويخاف ، ويتصور الموت ، فيكون مع المرض على نفسه ؛ فلا ينجو منه ، ويصبر هذا ويتفاءل ويتخيل الصحة ؛ فتسرع إليه ويسرع إليها .
.
ويُحكم على الرجلين بالموت ؛ فيجزع هذا ، ويفزع ؛ فيموت ألف مرة من قبل الممات ، ويملك ذلك أمره ويُحْكِم فكره ، فإذا لم تُنْجه من الموت حيلته لم يقتله قبل الموت وَهْمُهُ.
.
.
وهذا ( بسمارك ) رجل الدم والحديد ، وعبقري الحرب والسِلْم ، لم يكن يصبر عن التدخين دقيقةً واحدة ، وكان لا يفتأ يوقد الدّخينة من الدخينة نهاره كله فإذا افتقدها خلَّ فكرُه ، وساء تدبيره.
.
وكان يوماً في حرب ، فنظر فلم يجد معه إلا دخينة واحدة ، لم يصل إلى غيرها ، فأخَّرها إلى اللحظة التي يشتد عليه فيها الضيق ويعظم الهم ، وبقي أسبوعاً كاملاً من غير دخان ، صابراً عنه أملاً بهذه الدخينة ، فلما رأى ذلك ترك التدخين ، وانصرف عنه ؛ لأنه أبى أن تكون سعادته مرهونة بلفافة تبغ واحدة .
.
.
وهذا العلامة المؤرخ الشيخ الخضري أصيب في أواخر عمره بِتَوَهُّم أن في أمعائه ثعباناً ،فراجع الأطباء ، وسأل الحكماء ؛ فكانوا يدارون الضحك حياءً منه ، ويخبرونه أن الأمعاء قد يسكنها الدود ، ولكن لا تقطنها الثعابين ، فلا يصدّق ، حتى وصل إلى طبيب حاذق بالطب ، بصير بالنفسيات ، قد سَمِع بقصته ، فسقاه مُسَهِّلاً وأدخله المستراح ، وكان وضع له ثعبانًا فلما رآه أشرق وجهه ، ونشط جسمه ، وأحس بالعافية ، ونزل يقفز قفزًا ، وكان قد صعد متحاملاً على نفسه يلهث إعياءًا ، ويئن ويتوجع ، ولم يمرض بعد ذلك أبداً .
.
ما شَفِي الشيخ لأنَّ ثعباناً كان في بطنه ونَزَل ، بل لأن ثعباناً كان في رأسه وطار؛ لأنه أيقظ قوى نفسه التي كانت نائمة ، وإن في النفس الإنسانية لَقُوىً إذا عرفتم كيف تفيدون منها صنعت لكم العجائب .
تنام هذه القوى ، فيوقظها الخوف أو الفرح ؛أَلَمْ يتفق لواحد منكم أن أصبح مريضاً خامل الجسد ، وَاهِيَ العزم لا يستطيع أن ينقلب من جنب إلى جنب ، فرأى حيَّة تُقبل عليه ، ولم يَجِدْ مَنْ يدفعها عنه ، فوثب من الفراش وَثْبًا ، كأنه لم يكن المريض الواهن الجسم ؟ أو رجع إلى داره العصر وهو ساغب لاغب ، قد هَدَّه الجوع والتعب ، لا يبتغي إلا كُرْسِيَّـاً يطرح نفسه عليه ، فوجد برقية من حبيب له أنه قادم الساعة من سفره ، أو كتاباً مستعجلاً من الوزير يدعوه إليه؛ ليرقي درجته ، فأحسَّ الخفة والشبع ، وعدا عَدْواً إلى المحطة ، أو إلى مقر الوزير ؟
.
.
هذه القوى هي منبع السعادة تتفجر منها كما يتفجر الماء من الصخر نقيًّا عذبًا ، فتتركونه وتستقون من الغدران الآسنة ، والسواقي العكرة !
.
.
يا أيها القراء : إنكم أغنياء ، ولكنكم لا تعرفون مقدار الثروة التي تملكونها ، فترمونها ؛ زهداً فيها ، واحتقاراً لها



يصاب أحدكم بصداع أو مغص ، أو بوجع ضرس ، فيرى الدنيا سوداء مظلمة ؛ فلماذا لم يرها لما كان صحيحاً بيضاء مشرقة ؟ ويُحْمَى عن الطعام ويمنع منه ، فيشتهي لقمة الخبز ومضغة اللحم ، ويحسد من يأكلها ؛ فلماذا لم يعرف لها لذتها قبل المرض ؟

.
.
لماذا لا تعرفون النعم إلا عند فقدها ؟
لماذا يبكي الشيخ على شبابه ، ولايضحك الشاب لصباه ؟
لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنَّا ، ولا نُبْصِرها إلا غارقة في ظلام الماضي ، أو مُتَّشِحةً بضباب المستقبل ؟كل يبكي ماضيه ، ويحن إليه ؛ فلماذا لا نفكر في الحاضر قبل أن يصير ماضيًا ؟

.أيها السادة والسيدات :
.
إنا نحسب الغنى بالمال وحده ، وما المال وحده ؟ ألا تعرفون قصة الملك المريض الذي كان يُؤتى بأطايب الطعام ، فلا يستطيع أن يأكل منها شيئًا ، لمَّا نَظَر من شباكه إلى البستاني وهو يأكل الخبز الأسمر بالزيتون الأسود ، يدفع اللقمة في فمه ، ويتناول الثانية بيده ، ويأخذ الثالثة بعينه ، فتمنى أن يجد مثل هذه الشهية ويكون بستانياً؟
.
فلماذا لا تُقَدِّرون ثمن الصحة ؟ أمَا للصحة ثمن ؟من يرضى منكم أن ينزل عن بصره ويأخذ مائة ألف دولار؟ من يبيع قطعة من أنفه بأموال الشربتلي ؟
.
أما تعرفون قصة الرجل الذي ضلّ في الصحراء ، وكاد يهلك جوعًا وعطشًا ، لما رأى غدير ماء ، وإلى جنبه كيس من الجلد ، فشرب من الغدير ، وفتح الكيس يأمل أن يجد فيه تمرًا أو خبزًا يابسًا ، فلما رأى ما فيه ، ارتد يأسًا ، وسقط إعياءً .

لقد رآه مملوءً بالذهب !
.

وذاك الذي لقي مثل ليلة القدر ، فزعموا أنه سأل ربه أن يحوّل كل ما مسّته يده ذهبًا ، ومسّ الحجر فصار ذهبًا ؛ فكاد يجنّ من فرحته ؛ لاستجابة دعوته ، ومشى إلى بيته ما تسعه الدنيا ، وعمد إلى طعامه ؛ ليأكل ، فمس الطعام ، فصار ذهبًا وبقي جائعًا ، وأقبلت ابنته تواسيه ، فعانقها فصارت ذهبًا ، فقعد يبكي يسأل ربه أن يعيد إليه بنته وسُفرته وأن يبعد عنه الذهب !
.
وروتشلد الذي دخل خزانة ماله الهائلة ، فانصفق عليه بابها ، فمات غريقًا في بحر من الذهب .
.
.
يا سادة : لماذا تطلبون الذهب وأنتم تملكون ذهبًا كثيرًا ؟ أليس البصر من ذهب ، والصحة من ذهب ، والوقت من ذهب ؛ فلماذا لا نستفيد من أوقاتنا ؟ لماذا لا نعرف قيمة الحياة ؟
فيا سادة : إن الصحة والوقت والعقل ، كل ذلك مال ، وكل ذلك من أسباب السعادة لمن شاء أن يسعد .
.
وملاك الأمر كله ورأسه الإيمان ،الإيمان يشبع الجائع ، ويدفئ المقرور ، ويغني الفقير ، ويُسَلِّي المحزون ، ويُقوِّي الضعيف ، ويُسَخِّي الشحيح ، ويجعل للإنسان من وحشته أنسًا ، ومن خيبته نُجْحًا .
.
وأن تنظر إلى من هو دونك، فإنك مهما قَلّ مُرَتّبك ، وساءت حالك أحسن من آلاف البشر ممن لا يقل عنك فهمًا ولا علمًا ، وحسبًا ونسبًا .
.
وأنت أحسن عيشة من عبد الملك بن مروان ، وهارون الرشيد ، وقد كانا مَلِكَي الأرض.
.
فقد كان لعبد الملك ضرس منخورة تؤلمه حتى ما ينام منها الليل ، فلم يكن يجد طبيباً يحشوها ، ويلبسها الذهب ، وأنت تؤلمك ضرسك حتى يقوم في خدمتك الطبيب .

وكان الرشيد يسهر على الشموع ، ويركب الدواب والمحامل وأنت تسهر على الكهرباء ، وتركب السيارة ، وكانا يرحلان من دمشق إلى مكة في شهر وأنت ترحل في أيام أو ساعات .

.
فيا أيها القراء :
إنكم سعــداء ولكن لا تدرون ، سعداء إن عرفتم قدر النعم التي تستمتعون بها ، سعداء إن عرفتم نفوسكم وانتفعتم بالمخزون من قواها ، سعداء إن سددتم آذانكم عن صوت الديك ، ولم تطلبوا المستحيل ، فتحاولوا سدّ فمه عنكم ، سعداء إن طلبتم السعادة من أنفسكم لا مما حولكم .
.
سعداء إن كانت أفكاركم دائماً مع الله ، فشكرتم كل نعمة ، وصبرتم على كل بَلِيَّة ، فكنتم رابحين في الحالين ، ناجحين في الحياتين


( نُشرت المقالة في سنة 1948 م ، وهي في كتاب (صور وخواطر) ص 17-26 للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله )

.

شموخ نجد
11 07 2010, 01:42 PM
http://www.islamway.com/?iw_s=Article&iw_a=view&article_id=97

قال لي صديق ، معروف بجمود الفكر ، وعبادة العادة ، والذعر من كل خروج عليها أو تجديد فيها . قال:

- أتكتب عن زوجك في الرسالة تقول إنها من أعقل النساء وأفضلهن ؟ هل سمعت أن أحداً كتب عن زوجه ؟ إن العرب كانوا يتحاشون التصريح بذكرها ، فيكنون عنها بالشاة أو النعجة استحياء وتعففا ، حتى لقد منع الحياء جريراً من رثاء زوجه صراحة ، وزيارة قبرها جهارا . ومالك بن الريب لمّا عد من يبكى عليه من النساء قال :


فمنهن أمى وابنتاها وخالتى **** وباكية أخرى تهيج البواكيا


فلم يقل وامرأتى . . وكذلك العهد بآبائنا ومشايخ أهلنا . لم يكن يقول أحد منهم : زوجتى ؛ بل كان يقول : أهل البيت وأم الأولاد ، والجماعة ،والأسرة ، وأمثال هذه الكنايات . أفترغب عن هذا كله ، وتدع ما يعرف الناس ،وتأتى ما ينكرون ؟

قلت : نعم !

فكاد يصعق من دهشته مني ، وقال :

- أتقول نعم بعد هذا كله ؟

قلت : نعم ! مرة ثانية .

أكتب عن زوجتي فأين مكان العيب في ذلك ؟ ولماذا يكتب المحب عن الحبيبة وهي زوج بالحرام ،ولا يكتب الزوج عن المرأة وهي حبيبته بالحلال ؟ ولماذا لا أذكر الحق من مزاياها لأرغب الناس في الزواج . والعاشق يصف الباطل من محاسن العشيقة فيحبب المعصية إلى الناس؟ إن الناس يقرؤون كل يوم المقالات والفصول الطوال في مآسي الزواج وشروره ، فلم لا يقرؤون مقالة واحدة في نعمه وخيراته ؟

ولست بعد أكتب عن زوجي وحدها ؛ ولكنى كما كان هوجو يقول : "إني إذا أصف عواطفي أبا ، أصف عواطف جميع الآباء" .

لم أسمع زوجاً يقول إنه مستريح سعيد ، وإن كان في حقيقته سعيداً مستريحا ، لأن الإنسان خلق كفورا ، لا يدرك حقائق النعم إلا بعد زوالها ؛ ولأنه ركب من الطمع ، فلا يزال كلما أوتى نعمة يطمع في أكثر منها ، فلا يقنع بها ولا يعرف لذتها . لذلك يشكو الأزواج أبدا نساءهم ، ولا يشكر أحدهم المرأة إلا إذا ماتت ، وانقطع حبله منها وأمله فيها ؛ هنالك يذكر حسناتها ، ويعرف فضائلها . أما أنا فإني أقول من الآن – تحدثا بنعم الله وإقراراً بفضله – إني سعيد في زواجي وإني مستريح .

وقد أعانني على هذه السعادة أمور يقدر عليها كل راغب في الزواج ، طالب للسعادة فيه ، فلينتفع بتجاربي من لم يجرب مثلها ، وليسمع وصف الطريق من سالكه من لم يسلك بعد هذا الطريق.


أولها : أني لم أخطب إلى قوم لا أعرفهم ، ولم أتزوج من ناس لا صلة بيني وبينهم . . فينكشف لي بالمخالطة خلاف ما سمعت عنهم ، وأعرف من سوء دخيلتهم ما كان يستره حسن ظاهرهم ، وإنما تزوجت من أقرباء عرفتهم وعرفوني ، واطلعت على حياتهم في بيتهم واطلعوا على حياتي في بيتي . إذ رب رجل يشهد له الناس بأنه أفكه الناس ، وأنه زينة المجالس ونزهة المجامع ، وهو في بيته أثقل الثقلاء . ورب سمح هو في أهله سمج ، وكريم هو في أسرته بخيل ، يغتر الناس بحلاوة مظهره فيتجرعون مرارة مخبره . .

تزوجت بنتاً أبوها ابن عم أمي لحا ، وهو الأستاذ صلاح الدين الخطيب شيخ القضاء السوري المستشار السابق والكاتب العدل الآن . وأمها بنت المحدّث الأكبر ، عالم الشام بالإجماع الشيخ بدر الدين الحسينى رحمه الله . فهي عريقة الأبوين ، موصولة النسب من الجهتين.

والثاني : أني اخترتها من طبقة مثل طبقتنا . فأبوها كان مع أبي في محكمة النقض ،وهو قاض وأنا قاض ، وأسلوب معيشته قريب من أسلوب معيشتنا ،وهذا هو الركن الوثيق في صرح السعادة الزوجية ، ومن أجله شرط فقهاء الحنفية (وهم فلاسفة الشرع الإسلامي) الكفاءة بين الزوجين .

والثالث : أني انتقيتها متعلمة تعليماً عادياً ، شيئاً تستطيع به أن تقرأ وتكتب ، وتمتاز من العاميات الجاهلات ، وقد استطاعت الآن بعد ثلاثة عشر عاماً في صحبتي أن تكون على درجة من الفهم والإدراك ، وتذوق ما تقرأ من الكتب والمجلات ، لا تبلغها المتعلمات ،وأنا أعرفهن وكنت إلى ما قبل سنتين ألقي دروساً في مدارس البنات ، على طالبات هن على أبواب البكالوريا ، فلا أجدهن أفهم منها ، وإن كن أحفظ لمسائل العلوم ، يحفظن منها ما لم تسمع هي باسمه.

ولست أنفر الرجال من التزوج بالمتعلمات ، ولكني أقرر – مع الأسف – أن هذا التعليم الفاسد بمناهجه وأوضاعه ، يسيء على الغالب إلى أخلاق الفتاة وطباعها ، ويأخذ منها الكثير مه0ïزاياها وفضائلها ،ولا يعطيها إلا قشورا من العلم لا تنفعها في حياتها ،ولا تفيدها زوجاً ولا أما . والمرأة مهما بلغت لا تأمل من دهرها أكثر من أن تكون زوجة سعيدة وأما.

والرابع : أني لم أبتغ الجمال وأجعله هوو الشرط اللازم الكافي كما يقول علماء الرياضيات لعلمي أن الجمال ظل زائل ؛ لا يذهب جمال الجميلة ، ولكن يذهب شعوورك به ، وانتباهك إليه ، لذلك نرى من الأزواج من يترك امرأته الحسناء ويلحق من لسن على حظ من الجمال ، ومن هنا صحت في شريعة إبليس قاعدة الفرزدق وهو من كبار أئمة الفسوق ، حين قال لزوجه النوار في القصة المشهورة : ما أطيبك حراما وأبغضك حلالا !

والخامس : أن صلتي بأهل المرأة لم يجاوز إلى الآن ، بعد ثمن قرن من الزمان ، الصلة الرسمية : الود والاحترام المتبادل ، وزيارة الغب ، ولم أجد من أهلها ما يجد الأزواج من الأحماء من التدخل في شؤونهم ، وفرض الرأي عليهم ، ولقد كنا نرضى ونسخط كما يرضى كل زوجين ويسخطان ، فما دخل أحد منهم يوما في رضانا ولا سخطنا .
ولقد نظرت إلى اليوم في أكثر من عشرين ألف قضية خلاف زوجي ، وصارت لي خبرة أستطيع أن أؤكد القول معها بأنه لو ترك الزوجان المختلفان ، ولم يدخل بينهما أحد من الأهل ولا من أولاد الحلال ، لانتهت بالمصالحة ثلاثة أرباع قضايا الزواج.

والسادس : أننا لم نجعل بداية أيامنا عسلا ، كما يصنع أكثر الأزواج ، ثم يكون باقي العمر حنظلا مرا وسما زعافا ، بل أريتها من أول يوم أسوأ ما عندي ، حتى إذا قبلت مضطرة به ، وصبرت محتسبة عليه ، عدت أريها من حسن خلقي ، فصرنا كلما زادت حياتنا الزوجية يوما زادت سعادتنا قيراطا .

والسابع : أنها لم تدخل جهازا ، وقد اشترطت هذا لأني رأيت أن الجهاز من أوسع أبواب الخلاف بين الأزواج ، فإما أن يستعمله الرجل ويستأثر به فيذوب قلبها خوفاً عليه ، أو أن يسرقه ويخفيه ، أو أن تأخذه بحجز احتياطي في دعوى صورية فتثير بذلك الرجل . والثامن : أني تركت ما لقيصر لقيصر ، فلم أدخل في شؤونها من ترتيب الدار وتربية الأولاد ؛ وتركت هي لي ما هو لي ، من الإشراف والتوجيه، وكثيراً ما يكون سبب الخلاف لبس المرأة عمامة الزوج وأخذها مكانه ، أو لبسه هو صدار المرأة ومشاركتها الرأي في طريقة كنس الدار ، وأسلوب تقطيع الباذنجان ، ونمط تفصيل الثوب.

والتاسع : أني لا أكتمها أمراً ولا تكتمني ، ولا أكذب عليها ولا تكذبني ، أخبرها بحقيقة وضعي المالي ، وآخذها إلى كل مكان أذهب إليه أو أخبرها به ، وتخبرني بكل مكان تذهب هي إليه ، وتعود أولادنا الصدق والصراحة ، واستنكار الكذب والاشمئزاز منه . ولست والله أطلب من الإخلاص والعقل والتدبير أكثر مما أجده عندها . فهي من النساء الشرقيات اللائى يعشن للبيت لا لأنفسهن . للرجل والأولاد ، تجوع لنأكل نحن ، وتسهر لننام ، وتتعب لنستريح ، وتفني لنبقي . هي أول أهل الدار قياماً ، وأخرهم مناماً ، لا تني تنظف وتخيط وتسعى وتدبر ، همها إراحتي وإسعادي . إن كنت أكتب ، أو كنت نائماً أسكتت الأولاد ، وسكنت الدار ، وأبعدت عنى كل منغص أو مزعج .

تحب من أحب ، وتعادى من أعادى . إن حرص النساء على رضا الناس كان حرصها على إرضائي . وإن كان مناهن حلية أو كسوة فإن أكبر مناها أن تكون لنا دار نملكها نستغني بها عن بيوت الكراء.

تحب أهلي ، ولا تفتأ تنقل إلى كل خير عنهم . إن قصرت في بر أحد منهم دفعتني ، وإن نسيت ذكرتني ، حتى أني لأشتهي يوماً أن يكون بينها وبين أختي خلاف كالذي يكون في بيوت الناس ، أتسلى به ، فلا أجد إلا الود والحب ، والإخلاص من الثنتين ، والوفاء من الجانبين . إنها النموذج الكامل للمرأة الشرقية ، التي لا تعرف في دنياها إلا زوجها وبيتها ،والتي يزهد بعض الشباب فيها ، فيذهبون إلى أوربة أو أميركة ليجيئوا بالعلم فلا يجيئون إلا بورقة في اليد وامرأة تحت الإبط ، إمرأة يحملونها يقطعون بها نصف محيط الأرض أو ثلثه أو ربعه ، ثم لا يكون لها من الجمال ولا من الشرف ولا من الإخلاص ما يجعلها تصلح خادمة للمرأة الشرقية ؛ ولكنه فساد الأذواق ،وفقد العقول ، واستشعار الصغار ،وتقليد الضعيف للقوى . يحسب أحدهم أنه إن تزوج امرأة من أمريكا ، وأى امرأة ؟ عاملة في شباك السينما ، أو في مكتب الفندق ، فقد صاهر طرمان ، وملك ناطحات السحاب ، وصارت له القنبلة الذرية ، ونقش اسمه على تمثال الحرية . .

إن نساءنا خير نساء الأرض ، وأوفاهن لزوج ،وأحناهن على ولد ، وأشرفهن نفسا ، وأطهرهن ذيلا ، وأكثرهن طاعة وامتثالا وقبولا لكل نصح نافع وتوجيه سديد . وإني ما ذكرت بعض الحق من مزايا زوجتي إلا لأضرب المثل من نفسي على السعادة التي يلقاها زوج المرأة العربية (وكدت أقول الشامية) المسلمة ، لعل الله يلهم أحدا من عزاب القراء العزم على الزواج فيكون الله قد هدى بي ، بعد أن هداني !

الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليه

شموخ نجد
11 07 2010, 03:32 PM
بعد قراءة هذا المقال
جلست أتفكر بالشام الأن ...!!
سبحان الله
الإنحدار يمشي خطوة خطوة ...!

قصتي مع رقص السماح
"موقف فذ من الشيخ رحمه الله لإنكار المنكر..."



لي مع رقص السماح هذا قصة هزت دمشق هزا وشغلت صحفها ، و أبطال هذه القصة مدرسة (دوحة الأدب) في دمشق و شيوخ الموسيقى في حلب ...

أما مدرسة (دوحة الأدب) فهي ثانوية أهلية أنشأها بعض من يدعوهم الناس بالزعيمات النسائيات اللواتي يغلقـن عينا و ينظرن بالأخرى وحدها كما يفعل الصياد قبل أن يضغط على الزناد ؛ ينظرن إلى الغرب وعاداته بعين الرضى و يغمضن العين عن عيوبه و مفاسده كما يغمضنها فلا يبصرن بها جمال ما في الشرق المسلم من فضائل ومكرمات ...

استدعت هذه المدرسة من دمشق ( أكابر مترفيها ففسقوا فيها ) ، أو ليس من الفسوق في نظر الشرع أن يرسل أب بنته البالغة متكشفة مبدية زينتها إلى حيث تختلط برجال أجانب عنها ليسوا بمحارمها ؟ ولو كانوا أساتذة لها وان لم يكن بينها و بين واحد منهم حب ولا غرام ولا اتصال بالحرام ؟

كان فخري البارودي وطنياًصرفا وأمينا على المال و كان الناس يتهمونه تهمة شائعة وقالة سوء قيلت عنه ما حققتها وأستغفر الله من روايتها من غير تأكد منها ولكن الذي حققته وتأكدت منه أن ولعه بالموسيقى وحبه للفن أوصله إلى فكرة شيطانية ما أحسب أنها خطرت في بال إبليس نفسه وهي أن ينقل رقص السماح هذا من المشايخ والكهول ذوي اللحى إلى الغيد الأماليد والصبايا الجميلات من بنات دوحة الأدب التي دعوتها من يومئذ دوحة الغضب . فجيء من حلب بأستاذ كان في حفظ الموشحات ومعرفة الغناء القديم مفردا لا يجاريه في ذلك أحد ولا يدانيه هو الشيخ عمر البطش .

وفصلت للطالبات ثياب من الحرير بأزهى الألوان فضفاضة كثياب القيان و الإماء في بغداد وفي مدن الأندلس . واستمر التدريب ونحن لا ندري به و ما يدرينا بالذي وراء جدران مدرسة أهلية للبنـــات ونحن لا ندخلها ومالنا فيها قريبة و لا نسيبة تخبرنا بالذي فيها حتى سمعت أنها ستقام حفلة كبيرة في دار أسعد باشا العظم وهي أوسع الدور الدمشقية وقد صارت الآن متحف الفنون الشعبية فكتبت أنقد إقامتها و أحذر منها و أنصح آباء البنات وأولياءهن أن يمسكوا بناتهم فلا يبعثوا بهن إليها وكيف يرضى لبنته مسلم عربي أبي أن ترقص أمام الرجال الأجانب ؟ تتلوى وتتخلع وهي تغني أغاني كلها في الغرام والهيام ؟

ولكن الحفلة أقيمت وحضرها رئيس الوزراء وحضرها العقيد أديب الشيشكلي وحضرها قوم ممن يدعون بوجهاء الناس وكبرائهم . وعرفنا خبرها من الجرائد ومن الإذاعة ولم يكن قد جاءنا هذا الرائي ( التلفزيون ) وكنت يومئذ القاضي الممتاز في دمشق ولعل ذلك بمثابة رئيس المحكمة الشرعية الكبرى في المملكة وفي مصر و كنت أخطب مع ذلك في مسجد الجامعة...

فلما أقيمت هذه الحفلة رقص فيها هؤلاء البنات رقصة السماح وهن صفوة فتيات دمشق جمالا ومالا ودلالا و ألبسوهن ألبسة حريرية ملونة فضفاضـة كالتي يلبسها الجواري قديما ولم يكن في هذه الرقصة عورة مكشوفة ولا كانت رقصة هز البطن الظاهر التي تعرفها بعض البلاد ولا كان فيها عرض الأفخاذ بحركات متزنة كالذي يدعونه رقص الباليه ولكن فيها ما أظن انه اضر على الشباب من ذلك كله لأن فيها على الرغم من الثياب الواسعة من الإثارة ما كان يتعمد مثله في العصر العباسي الإماء الفاتنات المستوردات لإثارة ميول الرجال .

وكان من عادتي حين أصعد المنبر لأخطب الجمعة أن اعد الموضوع في ذهني لا أكتبه ولم أكن أنوي التعرض للحفلة لأنني تكلمت فيها وكتبت وحسبت أني أعذرت بذلك إلى ربي و لكني لما بلغت الدعاء في آخر الخطبة خطرت على بالي الحفلة وما كان فيها فخفت من الله أن يراني ساكتا عن إنكارها و أن أكون شيطانا أخرس و أنا لا أرضى لنفسي أن أكون شيطانا ناطقا بليغا أفأرضى أن أكون شيطانا وأخرساً ؟

وأحسست أن شيئا قد نبض في قلبي فهزه مثل هزة الكهرباء وسرى في أعصابي وعروقي و حين أحس بذلك أعلم أني إن تكلمت كان كلامي لله وأن الله لا يخذلني ، وقع لي ذلك عشرات المرات ما تخلى الله عني في واحدة منها . أما حين أتكلم للدنيا وأفكر في نفع أناله من كلامي أو ضرر أتحاشاه إن تكلمت في هذه الحال لم يكن في كلامي اثر في نفوس السامعين ...

لما بلغت الدعاء قلت كلاما صدقوني أنني لا احفظه لأنني لم أعده ولم أرصفه و إنما تكلم به إيماني على لساني . قال السامعون لي بعد ذلك أنني قلت كلاما ما معناه : إن دمشق ظئر الإسلام ومثابة الأخلاق لا ترضى بما يخالف الإسلام ولا بما يذهب بمكارم الأخلاق كائنا ما كان قائله أو فاعله وكانت منزلته بين الناس وأن هذه الحفلة منكر وإنها حرام وإنها تنافي الإسلام و إن كل من حضرها ورضي بها آثم وإن الذي لا يغار على محارمه ديوث و اقبل الناس علي بعدها داعين مهنئين خائفين علي فقلت لهم : إني فعلت ذلك لله و الله لا يتخلى عمن يعمل له و انقسم الناس قسمين : أما أهل الدنيا وفيهم بعض الحاكمين و بعض الصحفيين فحملوا علي و كتبوا عني ما شاؤوا وشاء لهم هوى نفوسهم و أقسم لكم أنني إلى هذه الساعة لم أدرِ ما الذي كتبوه فيها أما أهل الدين وهم الكثرة فهم معي حتى إن القاضي محمد الأهدلي رحمه الله كتب مقالة عنوانها ( كلنا علي الطنطاوي ) ذهب فيها في تأييدي كل مذهب ممكن . ونشرت الهيئات الإسلامية بيانا طبعت منه أكثر من مائة ألف ووزعته في أرجاء البلاد عنوانه (بيان الهيئات الإسلامية إلى الشعب الكريم ) كان مما قالت فيه : ( إن الجمعيات الإسلامية وعلماء المسلمين تعلن للحكومة باسم الدين و الكثرة الساحقة من هذا الشعب الذي تنكر أديانه على اختلافها وتنكر أعرافه و أخلاقه الفسوق و الدعارة والتهتك و إقامة الحفلات الراقصة المتكشفة باسم الفن والذوق والرياضة و التي غضبت من الحفلة التي أقامتها مدرسة دوحة الأدب وعرضت فيها البنات المسلمات راقصات أمام الرجال و نحن في مرحلة حرب مع اليهود ولا يستنزل نصر الله بمعصية الله . نعلن للحكومة أنه قياما بواجب الدين الذي يأمر بإنكار المنكر و تنفيذا لأحكام الدستور الذي يحمي الخلق والعفاف و ذودا عن عقائدها وأخلاقها لا ترضى بمخالفة شرع الله والسماح للفئة التي تتبع أهوائها وشهواتها باسم دعوى التقدمية و التجدد أن تتحكم بأخلاقها وأعراض بناتها و مستقبل أبنائها وتؤيد الشيخ علي الطنطاوي في كلمة الحق التي أعلنها في خطبته في مسجد الجامعة و عبر فيها عن حكم الدين وتنكر كل تحريف لها وتطلب وضع حد لمؤازرة بعض رجال الحكومة لهؤلاء الناس وحمايتهم للحفلات الماجنة... الخ ) . ولما قابل وفود العلماء رئيس الوزراء قال لهم إنه يحترمني و يقدرني و لكنه أنكر لفظا بذيئا لا يليق بي قد استعملته هو لفظ الديوث فصرخ به الشيخ عبدالقادر العاني و كان جهير الصوت حديد المزاج صداعا بالحق لقد كفرت وحرمت عليك امرأتك إلا أن تجدد إسلامك أتقول عن لفظ استعمله رسول الله وورد في الحديث انه لفظ بذيء ؟ ) فبهت ولم يجد بدا من الاعتذار .

ثم انتقلت القضية إلى المجلس النيابي و أثيرت في جلسة 26يونيو 1951م الموافق 22/9/1370هـ و تكلم في هذه الجلسة محمد المبارك رحمه الله فقال كلمة طيبة جاء فيها : ( إن رقص السماح أيها الإخوان الذي يريد بعض الناس أن يفخر به قد رافق عصر الانحلال والانحطاط في الأندلس و في بعض البلاد العربية الأخرى أفلا يجب أن نقلد عصور الحضارة والمد الذهبي الذي كانت فيه المرأة تجمع بين الخلق و الكرامة و الجهاد والكفاح ...الخ ) .

هذه هي القضية التي شغلت الناس والتي لم أرد من إثارتها يعلم الله إلا إنكار المنكر وقد حوكمت بعدها أمام مجلس القضاء الأعلى عليها وعلى مقالة كنت كتبتها في نقد قانون العقوبات الذي يكاد يبيح الزنا و قلت عنه انه قانون ( القطاط في شباط ) .

شموخ نجد
11 07 2010, 03:48 PM
قصة أب

دخل عليّ أمس بعدما انصرف كتّاب المحكمة ولبست معطفي رجل كبير في السن يسحب رجليه سحباً لا يستطيع أن يمشي من الضعف والكبر. فسلّم ووقف مستنداً إلى المكتب وقال:

إني داخل على الله ثم عليك أريد أن تسمع قصتي وتحكم لي على من ظلمني.

قلت: تفضل، قل أسمع.

قال: على أن تأذن لي أن أقعد فوالله ما أطيق الوقوف.

قلت: اقعد وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي فإن الحكومة ما وضعت في دواوينها هذه الكراسي وهذه الأرائك الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون الوقوف. ما وضعتها لتجعل من الديوان (قهوة) يؤمها الفارغون ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات والناس قيام ينتظرون لفتة أو نظرة من الـ(بك)!

لا، لسنا نريدها (فارسية) كسروية في المحكمة الشرعية فاقعد مستريحا فإنه كرسي الدولة ليس كرسي أبي ولا جدي، وقل ما تريد.

قال: أحب أن أقص القصة من أولها فأرجو أن يسعني صبرك ولا يضيق بي صدرك وأنا رجل لا أحسن الكلام من أيام شبابي فكيف بي الآن وقد بلغت هذه السن ونزلت علي المصائب وركبتني الأمراض ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقاً.

كنت في شبابي رجلاً مستوراً أغدو من بيتي في حارة (كذا) على دكاني التي أبيع فيها الفجل والباذنجان والعنب وما يكون من (خُضر) الموسم وثمراته فأربح قروشاً معدودات أشتري بها خبزي ولحمي وآخذ ما فضل عندي من الخُضر فيطبخه (أهل البيت) ونأكله وننام حامدين ربنا على نعائمه لا نحمل هماً ولا نفكر في غد ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة ولا نطالب أحداً بشيء ولا يطلب منا شيئاً ولم أكن متعلماً ولا قعدت في مدرسة ولكني كنت أعرف كيف أصلي فرضي وأحسب دراهمي... ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم أسرق ولم أربح إلا الربح الحلال وما كان ينغّص حياتي إلا أنه ليس لي ولد فجرّبنا الوسائل وسألنا القابلات ولم يكن في حارتنا طبيب ولم نحتج إليه فقد كان لنا في طب (برو العطار) وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدلي. وإذا احتجنا إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق أما أمراض النساء فمردّ أمرها إلى القابلة ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة فقد لبثت أربعين سنة تولّد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب.

أقول إنّا سألنا القابلات والعجائز فوصفن لنا الوصفات فاتخذناها وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناها فلم نستفد شيئا، فلم يبق إلا أن ننظر أول جمعة في رجب لنقصد (جامع الحنابلة) فلما جاءت بعثت (أهل البيت) فقرعت حلقة الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها- خرافة دمشقية وثنية من آمن لها أو بأمثالها من الخرزة الزرقاء لرد العين والسحر والشعوذات واعتقد أن لغير الله نفعاً أو ضرراً فيما وراء الأسباب الظاهر فقد خالف الإسلام - فنالت طلبها وحملت.

وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنزل لأريحها خشية أن تسقط حملها وأجرمها وأدللها وصرنا نعدّ الأيام والساعات حتى كانت ليلة المخاض فسهرت الليل كله أرقب الوليد فلما انبلج الفجر سمعت الضجة وقالت (أم عبد النافع): البشارة يا أبا إبراهيم! جاء الصبي.

ولم أكن أملك إلا ريالاً مجيدياً واحداً فدفعته إليها.

وقلّبنا الصبي في فرش الدلال، إن ضحك ضحكت لنا الحياة وإن بكى تزلزلت لبكائه الدار وإن مرض اسودّت أيامنا وتنغّص عيشنا وكلما نما أصبعاً كان لنا عيد وكلما نطق بكلمة جدّت لنا الفرحة وصار إن طلب شيئاً بذلنا في إجابة مطلبه الروح... وبلغ سن المدرسة فقالت أمه: إن الولد قد كبر فماذا نصنع به.

قلت: آخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة.

قالت: أيكون خضرياً.

قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه.

قالت: لا والله العظيم! لابد أن ندخله المدرسة مثل عصمة ابن جارنا سموحي بك. أريد أن يصير (مأموراً) في الحكومة فيلبس (البدلة) والطربوش مثل الأفندية.

وأصرّت إصراراً عجيباً فسايرتها وأدخلته المدرسة وصرت أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه فكان الأول في صفه فأحبه معلموه وقدروه وقدّموه.

ونجح في الامتحان ونال الشهادة الابتدائية فقلت لها: يا امرأة! لقد نال إبراهيم الشهادة فحسبنا ذلك وحسبه ليدخل الدكان.

قالت: يوهْ! ويلي على الدكان... أضيّع مستقبله ودراسته؟! لابد من إدخاله المدرسة الثانوية.

قلت: يا امرأة من علّمك هذه الكلمات؟ ما مستقبله ودراسته؟ أيترفع عن مهنة أبيه وجده؟ قالت: أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ على مستقبل ابنها ودراسته؟ قلت: يا امرأة اتركي البكوات… نحن جماعة عوام مستورون بالبركة فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا.

فولولت وصاحت. ودخل الولد الثانوية وازدادت التكاليف فكنت أقدمها راضياً... ونال البكالوريا.

قلت: وهل بقي شيء.

قال الولد: نعم يا بابا. أريد أن أذهب إلى أوربا.

قلت: أوربا؟ وما أوربا هذه.

قال: إلى باريس.

قلت: أعوذ بالله تذهب إلى بلاد الكفار والله العظيم إن هذا لا يكون.

وأصر وأصررت وناصرته أمه فلما رأتني لا ألين باعت سواري عرسها وقرطيها وذلك كل مالها من حلي اتخذتها عدة على الدهر ودفعت ثمنها إليه فسافر على الرغم مني.

وغضبت عليه وقاطعته مدة فلم أردّ على كتبه ثم رق قلبي وأنت تعلم ما قلب الوالد وصرت أكاتبه وأساله عما يريد... فكان يطلب دائما.

أرسل لي عشرين ليرة... أرسل لي ثلاثين... فكنت أبقى أنا وأمه ليالي بطولها على الخبز القفار وأرسل إليه ما يطلب.

وكان رفاقه يجيئون في الصيف وهو لا يجيء معهم فأدعوه فيعتذر لكثرة الدروس وأنه لا يحب أن يقطع وقته بالأسفار.

ثم ارتقى فصار يطلب مئة ليرة... وزاد به الأمر آخر مرة فطلب ثلاثمئة.

تصور يا سيدي ما ثلاثمائة ليرة بالنسبة لخضري تجارته كلها لا يساوي ثمنها عشرين ليرة وربحه في اليوم دون الليرة الواحدة؟ وياليته كان يصل إليها في تلك الأيام التي رخت فيها الأسعار وقل العمل وفشت البطالة ثم إنه إذا مرض أو اعتل علة بات هو وزوجته على الطوى…
فكتبت إليه بعجزي ونصحته ألا يحاول تقليد رفاقه فإن أهلهم موسرون ونحن فقراء فكان جوابه برقيّة مستعجلة بطلب المال حالاً.

وإنك لتعجب يا سيدي إذا قلت لك أني لم أتلق قبلها برقية في عمري فلما قرع موزع البريد الباب ودفعها إلي وأخذ إبهام يدي فطبع بها في دفتره انخرطت كبدي في الخوف وحسبتها دعوة من المحكمة وتوسلت إليه وبكيت فضحك الملعون مني وانصرف عني، وبتنا بشر ليلة ما ندري ماذا نصنع ولا نعرف القراءة فنقرأ ما في هذه الورقة الصفراء حتى أصبح الله بالصباح ولم يغمض لنا جفن وخرجت لصلاة الغداة فدفعتها لجارنا عبده أفندي فقرأها وأخبرني الخبر ونصحني أن أرسل المبلغ فلعل الولد في ورطة وهو محتاج إليه.

فبعت داري بنصف ثمنها أتسمع يا سيدي؟ بعت الدار بمئتي ليرة وهي كل ما أملك في هذه الدنيا واستدنت الباقي من مرابٍ يهودي دلوني عليه بربا تسعة قروش على كل ليرة في الشهر أي أن المئة تصير في آخر السنة مئتين وثمانية! وبعثت إليه وخبرته أني قد أفلست.

وانقطعت عني كتبه بعد ذلك ثلاث سنوات ولم يجب على السيل من الرسائل التي بعثت بها إليه.

ومر على سفره سبع سنين كوامل لم أر وجهه فيها وبقيت بلا دار ولاحقني المرابي بالدين فعجزت عن قضائه فأقام علي الدعوى وناصرته الحكومة عليّ لأنه أبرز أوراقاً لم أدر ما هي فسألوني: أأنت وضعت بصمة أصبعك في هذه الأوراق.

قلت: نعم. فحكموا علي بأن أعطيه ما يريد وإلا فالحبس. وحبست يا سيدي. نعم حبست وبقيت (المرأة) وليس لها إلا الله فاشتغلت غسّالة للناس وخادمة في البيوت وشربت كأس الذل حتى الثمالة.

ولما خرجت من السجن قال لي رجل من جيراننا: أرأيت ولدك؟ قلت: ولدي؟! بشّرك الله بالخير. أين هو؟ قال: ألا تدري يا رجل أم أنت تتجاهل؟ هو موظف كبير في الحكومة ويسكن مع زوجته الفرنسية داراً فخمة في الحي الجديد.

وحملت نفسي وأخذت أمه وذهبنا إليه وما لنا في العيش إلا أن نعانقه كما كنا نعانقه صغيراً ونضمه إلى صدورنا ونشبع قلوبنا منه بعد هذا الغياب الطويل. فلما قرعنا الباب فتحت الخادمة فلما رأتنا اشمأزت من هيئتنا وقالت: ماذا تريدون؟ قلنا نريد إبراهيم. قالت: إن البك لا يقابل الغرباء في داره اذهبا إلى الديوان. قلت: غرباء يا قليلة الأدب؟ أنا أبوه وهذه أمه.

وسمع ضجتنا فخرج وقال: ما هذا؟ وخرجت من وراءه امرأة فرنسية جميلة.

فلما رأته أمه بكت وقالت: إبراهيم حبيبي؟ ومدّت يديها وهمّت بإلقاء نفسها عليه. فتخلى عنها ونفض ما مسته من ثوبه وقال لزوجته كلمة بالفرنساوي، سألنا بعد عن معناها فعلمنا أن معناها (مجانين).

ودخل وأمر الخادم أن تطردنا… فطردتنا يا سيدي من دار ولدنا.

وما زلت أتبعه حتى علقت به مرة فهددني بالقتل إذا ذكرت لأحد أني أبوه وقال لي: ماذا تريد أيها الرجل؟ دراهم؟ أنا أعمل لك راتباً بشرط ألا تزورني ولا تقول أنك أبي.

ورفضت يا سيدي وعدت أستجدي الناس وعادت أمه تغسل وتخدم حتى عجزنا وأقعدنا الكبر فجئت أشكو إليك فماذا أصنع.

فقلت للرجل: خبرني أولا ما اسم ابنك هذا وما هي وظيفته.

فنظر إليّ عاتباً وقال: أتحب أن يقتلني.

قلت: إن الحكم لا يكون إلا بعد دعوى والدعوى لا تكون إلا بذكر اسمه.

قال: إذن أشكو شكاتي إلى الله.

وقام يجرّ رجله يائساً... حتى خرج ولم يعد.

::أبوسليمان::
11 07 2010, 04:03 PM
متابع للموضوع .

أبودانية
11 07 2010, 04:15 PM
جزاك الله خيرا ..

شموخ نجد
11 07 2010, 05:19 PM
شكر وتقدير
للجميع
وإن شاء الله
يستمر الموضوع على خير

شموخ نجد
12 07 2010, 02:57 PM
هكذا بدأ الاختلاط



قال الشيخ علي الطنطاوي: أما الحرب التي تواجه الإسلام الآن فهي أشد وأنكى من كل ما كان، إنها عقول كبيرة جداً، شريرة جداً، تمدها قُوى قوية جداً، وأموال كثيرة جداً، كل ذلك مسخَّر لحرب الإسلام على خطط محكمة، والمسلمون أكثرهم غافلون.

يَجِدُّ أعداؤهم ويهزلون، ويسهر خصومهم وينامون، أولئك يحاربون صفاً واحداً، والمسلمون قد فرَّقت بينهم خلافات في الرأي، ومطامع في الدنيا.


يدخلون علينا من بابين كبيرين، حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها، أما البابان الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات.

أما الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل من يصيبه، ولكن سريانه بطيء وعدواه ضعيفة. فما كل شاب ولا شابة إذا ألقيت عليه الشبه في عقيدته يقبلها رأساً ويعتنقها.

أما الشهوات فهي داء يمرض وقد لا يقتل، ولكن أسرع سرياناً وأقوى عدوى، إذ يصادف من نفس الشاب والشابة غريزة غرزها الله، وغرسها لتنتج طاقة تستعمل في الخير، فتنشيء أسرة وتنتج نسلاً، وتقوي الأمة، وتزيد عدد أبنائها، فيأتي هؤلاء فيوجهونها في الشر، للذة العاجلة التي لا تثمر. طاقة نعطلها ونهملها ودافع أوجد ليوجه إلى عدونا، لندافع بها عن بلدنا، فنحن نطلقها في الهواء، فنضيعها هباء، أو يوجهها بعضنا إلى بعض.

هذا هو باب الشهوات وهو أخطر الأبواب. عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلوه، وأول هذا الطريق هو الاختلاط.


بدأ الاختلاط من رياض الأطفال، ولما جاءت الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات.

ثم إنه قد فسد الزمان، حتى صار التعدي على عفاف الأطفال، منكراً فاشياً، ومرضاً سارياً، لا عندنا، بل في البلاد التي نعدُّ أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربا وأمريكا.


كان أعداء الحجاب يقولون أن اللواط والسحاق، وتلك الإنحرافات الجنسية سببها حجب النساء، ولو مزقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها، ورجعتم إلى الطريق القويم. وكنا من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا نصدقهم، ثم لما عرفناهم وخبرنا خبرهم، ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة.

إن كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ، فخبروني هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجبات الحجاب الشرعي ؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سَنّوا قانوناً يجعله من المباحات ؟


ثم إن أصول العقائد، وبذور العادات ومبادئ الخير والشر، إنما تغرس في العقل الباطن للإنسان، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الست الأولى من عمره، فإذا عودنا الصبي والبنت الاختلاط فيها، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان ؟ ثم تصير أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى ، وتشب الفتاة، فيكبران وهما عليه ؟ وهل تنتقل البنت في يوم معين من شهر معين، من الطفولة إلى الصبا في ساعات معدودات، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب ؟

أم هي تكبر شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه في الصباح ثابتاً فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه. فهو إذن يمشي وإن لم تر مشيه، فإذا عودنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم ؟

والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير، ولا يحس إن نظر إليها بمثل ما يحس به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكراته فيخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة. أنا أذكر نساء عرفتهن وأنا ابن ست سنين، قبل أكثر من سبعين سنة. وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن، وتكوين أجسادهن.


ثم إن من تُشْرِف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياته كلها، يظهر في عاطفته، وفي سلوكه، في أدبه، إذا كان أديباً.
ولا تبعد في ضرب الأمثال، فهاكم الإمام ابن حزم يحدثكم في كتابه العظيم الذي ألَّفه في الحب " طوق الحمامة " حديثاً مستفيضاً في الموضوع.

خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَلِهِ العذاب. فمن طلب الرحمة والمودة واللذة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج. ومن تسوَّر الجدار أو نقب السقف، أو أراد سرقة متعة ليست له بحق، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس، وتأديب الضمير، وكان له في الآخرة عذاب السعير ...
" ذكريات الشيخ على الطنطاوي (5/268-271) "


هذا ما قاله الشيخ عن بلادٍ غير بلادنا، والسعيد من وُعِظَ بغيره ولم يتعظ به الناس، فليحذر الذين يدندنون حول هذا الموضوع في بلادنا أن يشملهم قوله تعالى: ** إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة } [النور:19].

جنبنا الله مسالك أهل الفساد والإفساد، وجعلنا من الهُداة المهتدين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شموخ نجد
13 07 2010, 01:12 AM
"للمبتعثين"

هذا مقال كتبة الشيخ علي الطنطاوي لأخيه المسافر لباريس للدراسة.

إلى أخي النازح إلى باريس


يا أخي!


لمّا دخلتَ (مسابقة البعثة) أملت لك الفوز لما عوَّدك الله من التوفيق والمعونة،وخفت عليك الخيبة لأن (الوزارة) لا تريد إلا مبعوثاً واحداً في (العلوم الرياضية) من سورية كلها، أنَّى لك أن تكون ذلك الواحد؟
فلما ظهرت النتيجة، وكنت أنت الناجح في (فروع الرياضة)، وكنت الناجح في (الطبيعة) أيضاً، حمدتُ الله على هذه المنَّة، وذهبتُ أستعجلك بالسفر، ولما عزمت أعددتُ لك ما تريد وأنا فرح مستبشر مسرور.
كنتُ مسروراً لأني أعلم أنك ذاهب تطلب العلم، وتخدم الوطن، وتقوم بالواجب.
ولكن لم يكد يتحقق الأمر، ويزف الرحيل، وأرى الباخرة الفخمة (مارييت باشا) رابضة حيال المرفأ (في بيروت) تسطع أنوارها وتتلألأ، وألقي نظري على هذا البحر الهائل الذي يمتد في الفضاء أسود مثل الليل، حتى يغيب في السماء، أو تغيب فيه السماء… لم أكد أرى ذلك حتى أدركت الحقيقة الواقعة وعلمتُ أنك مودع نازح، فغلبت عليَّ العاطفة، وفاضت نفسي رقة وحناناً.
لم أستطع أن أودعك، ولم أقوَ على رؤيتك وأنت في الباخرة، ماخرة بك عباب اليمّ، تنأى بك عنِّي، حتى تصير نقطة صغيرة على شاطئ الأفق، ثم تنحدر إليه، وتختفي وراءه، وتختفي أنت معها، وتصبح في نظري عدماً، لأني لا أحس لها وجوداً.
والوداع –يا أخي- جماع آلام الحياة وأساسها ومصدرها، وأشد ألوان الوداع وآلمها وأمرّها وداعٌ في البحر، ذاك الذي لا يطيقه ذو قلب.
ودعتك وداعاً عادياً، ولبثت في مدرستي ألقي دروسي وأنا هادىء الجوارح ساكن الطائر، ولكن في القلب مني زلزلة، وفي الأعصاب ناراً.
حتى إذا عاد أخوك ناجي الذي صحبك إلى الباخرة فخبرني أنك سرت (على اسم الله)، أحسست كأن قلبي قد هبط من هذا الزلزال كبناء هوى، وأن هذه النار قد تركت أعصابي رماداً منطفئاً فسقطت على كرسيّ لا أدري فيم هذا الضعف، ولا أحبه من نفسي، ولكني أدري أني تخيلتك الآن وحيداً فريداً لا ترى حولك قريباً ولا صديقاً، تطل من شرفة الباخرة فلا ترى إلا السماء والماء، وقد أخذك دوار البحر فلم تجد معيناً ولا مسعفاً.
وأتصورك في ذلك البلد الغريب الذي ترى فيه إلا وجوهاً تنكرها، وأنت الذي لم يفارق بلده قط، ولم يغب عن أهله ليلة، ولم يسافر وحده أبداً فلذلك ما أحزن، وفي ذلك أفكر.
ولكنها – يا أخي – خطيئة تربيتنا الاتكالية. ولو أنَّ آباءنا عوَّدونا، ولو أنَّا عودناك على الحياة الإستقلالية الصحيحة، وتركناك وأنت في الثانية عشرة تذهب وحدك وتعود وحدك، وعوَّدنا حمل التبعات وأيقظنا فيك شخصيتك ولم ندعها ضائعة في شخصياتنا، ودفعناك إلى استثمار مواهبك ولم نتركها معطلة، لو فعلنا ذلك وأنت في الثانية عشرة، لما خفت عليك السفر وحدك إلى باريز (باريس) وانت في طريق العشرين!
يا أخي!


إنك تمشي إلى بلد مسحور (والعوذ بالله)، الذاهب إليه لا يؤوب، إلا أن يؤوب مخلوقاً جديداً وإنساناً آخر غير الذي ذهب… يتبدل دماغه الذي في رأسه، وقلبه الذي في صدره، ولسانه الذي في فيه، وقد يتبدل أولاده الذين هم في ظهره إذا حملهم في بطن أنثى جاء بها من هناك!
إي والله يا أخي، حال أكثر من رأينا وعرفنا (إلا من عصم ربي)، يذهبون أبناءنا وإخواننا وأحباءنا، ويعودون عداة لنا، دعاة لعدونا، جنداً لاستعمارنا… لا أعني استعمار البلاد، فهو هين لين، ثم إننا قد شفينا منه بحمد الله أو كدنا… وإنما أعني استعمار الرؤوس بالعلم الزائف، والقلوب بالفنِّ الداعر، والألسنة باللغة الأخرى، وما يتبع ذلك من الأرتستات والسينمات وتلك الطامّات، من المخدرات والخمور، وهاتيك الشرور.
فانتبه لنفسك واستعن بالله، فإنك ستقدم على قوم لا يبالي أكثرهم العفاف، ولا يحفل العرض. سترى النساء في الطرقات والسوح والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، وقد أذلتهن مدنية الغرب وأفسدتهن، وهبطت بهن إلى الحضيض فلا يأكلن خبزهن إلا مغموساً بدم الشرف، وأنت لا تعرف من النساء إلا أهلك مخدَّرات معصومات كالدُّرّ المكنون، شأن نساء الشرق المسلم، حيث المرأة عزيزة مكرمة، محجوبة مخدَّرة، ملكة في بيتها، ليست من تلك الحِطَّة والمذلة في شيء… فإياك أن تفتنك امرأه منهن عن عفتك ودينك، أو يذهب بلبك جمال لها مزور، أو ظاهر خداع، هي والله الحية، ملمس ناعم، وجلد لامع، ونقش بارع، ولكن أنيابها السم… إياك والسم!
إن الله قد وضع في الإنسان هذه الشهوة وهذا الميل، وجعل له من نفسه عدواً (لحكمة أرادها)، ولكنه أعطاه حصناً حصيناً يعتصم به، وسلاحاً متيناً يدرأ به عن نفسه، فتحصن بحصن الدين، وجرد سلاح العقل تُوَقَّ الأذى كله… و اعلم أن الله جعل من الفضيلة مكافأتها: صحة الجسم، وطيب الذكر وراحة البال. ووضع في الرذيلة عقابها: ضعف الجسد، وسوء القالة وتعب الفكر. ومن وراء ذلك الجنة أو جهنم.
فإن عرضت لك امرأة بزينتها وزخرفتها فراقب الله، وحكم العقل، واذكر الأسرة والجدود… لاتنظر إلى ظاهرها البرّارق، بل انظر إلى نفسها المظلمة القذرة، وماضيها الخبيث المنتن، أتأكل من إناء ولغت فيه كل الكلاب؟؟
يا أخي!


إن في باريز (باريس) كل شيء: فيها الفسوق كله، ولكن فيها العلم. فإن أنت عكفت على زيارة المكتبات وسماع المحاضرات وجدت من لذة العقل ما ترى معه لذة الجسم صفراً على الشمال (كما يقول أصحابك الرياضيون)، ووجدت من نفعها مايعلقك بها حتى لا تفكر في غيرها.فعليك بها، استق من هذا المورد الذي لاتجد مثله كل يوم. راجع وابحث وألف وانشر، وعش في هذه السماء العالية، ودع من شاء يرتع في الأرض، ويَغْشَ على الجيف المعطرة.
غير أنك واجد في ثنايا هذه الكتب التي كتبها القوم المستشرقون عن العربية والإسلام، وفي غضون هذه المحاضرات التي يلقونها، عدواناً كثيراً على الحق، فانتبه له. واقرأ ما تقرأ واصغ لما تسمع وعقلك في رأسك، وأيمانك في صدرك. لا تأخذ كل ما يقولون قضية مسلَّمة وحقيقة مقرَّرة، فالحق هو الذي لا يكون باطلاً، وليس الحق ما كان قائله أوروبياً، فانظر أبداً إلى ما قيل، ودع من قال!
ثم إنك سترى مدينة كبيرة، وشوارع وميادين، ومصانع وعمارات… فلا يَهولنَّك ما ترى، ولا تحقر حياله نفسك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من رواد باريس. واعلم أنها إن تكن عظيمة، وإن يكن أهلها متمدنين، فما أنت من أواسط أفريقية ولا بلدك من قرى التبت… وإنما أنت ابن المجد والحضارة ابن الأساتذة الذين علموا هؤلاء القوم وجعلوهم ناساً، ابن الأمة التي لو حذف اسمها من التاريخ لآض تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها، إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوِّن التاريخ سواهم… فمن هؤلاء الذين ترى إنما هم أطفال أبناء أربعة قرون، ولكن أمتك بنت الدهر، لما ولد الدهر كانت شابة، وستكون شابة حين يموت الدهر.
لا. لا أفخر بالعظام البالية، ولا أعتز بالأيام الخالية، ولكن أذكره لك لأهز فيك نفسك العربية المسلمة، لأستصرخ في دمك قوى الأجداد التي قتلت وأحيت، وهدمت وبنت وعلمت، واستاقت الدهر من زمامه فانقاد لها طيعاً… إن هذه القوى الكامنة في عروقك، نائمة دمك، فليفر هذا الدم وليثر ويضطرم لتظهر ثانية وتعمل عملها.
لاتقل: مايصنع طالب مثلي ضعيف في أمة قوية، فإن الأندلس المسلمة كانت بالنسبة لعصرها أقوى، وكان روادها من طلاب الفرنجة أضعف، ولكنهم استطاعوا – على ضعفهم – أن يصنعوا (هذه القوة) التي تعجب بها أنت، ويذوب فيها غيرك… إن الدهر يا أخي دولاب، والأيام دول. وإنّ في الشرق أدمغة؛ وفي الشرق سواعد، وفي الشرق مال، ولكن ينقص الشرق العلم فاحمله أنت وأصحابك، وعودوا إلى الشرق شرقيين معتزين بشرقيتكم الخيرة العادلة كما يعتز الغربيون بغربيتهم الظالمة الطاغية. واعلموا أنّ مهمتكم ليست في ورقة تنالونها، قد تنال بالغش والاستجداء والسرقة… ولكن مهمتكم أمه تحيونها.
يا أخي!


إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العادل الذي يدوّن الحسنة لنتعلمها، والسيئة لنتجنبها. ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريز (باريس) من أبناء العرب، فلم يروا إلا المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب، فلم يبصروا إلا المخازي والعيوب، ولكن كن عادلاً صادقاً أميناً.
وإياك وهذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يعلمون، كهذا الأخرق الصفيق الذي عمل أطروحة موضوعها (الحج) قدمها إلى جماعة كبرى وهو يجهل العربية، ولا يعرف أي كتاب من كتب المسلمين بحث في الحج، وإنما جمع الأخبار من الصحب ومن أفواه العامة؛ وكتب في نظام الريّ في الغوطة، وزعم أنه وفَّى البحث وأتمه، وهو لايعرف منه إلا ما أخبره به ثلاثة فلاحين، لقيهم في قرية ذهب إليها، مع أن نظام الريّ في الغوطة لايكاد يعرفه في دمشق إلا نفر قليل… وذاك الذي كان معلماً أوَّليّاً في بلده فصار عندنا مدير دار المعلمين العالية، فذهب مع طلابه إلى ظاهر دمشق، فمشى ينظر إلى جانبي طريق (الربوة) هنا وهناك.. فوجد في الجبل أثراً للماء، فقال: من أين جاء هذا الماء؟ لا بد أن يكون جاء من بردي، إذ لا ماء في دمشق إلا من بردي. فماذا تكون نتيجة (البحث العلمي) في هذه المسألة؟ هي أن بردي كان يصل إلى هنا… إذن، فقد كان عرض بردى في الماضي أربعمائة متر… وانطلق يقرِّر دائماً هذه الحقيقة!
وبعد، يا أخي، فاعلم أنَّ أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان، فاعرف قدرها، واحمد الله عليها وكن مع الله تر الله معك وراقب الله دائماً، واذكر أنه مطلع عليك، يعصمك من الناس ويُعذْك من الشيطان، ويوفقك إلى الخير.
وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر، احزِم أمتعتك وعُد إلى بلدك، وخلِّ (السوربون) تنع من بناها… وانفض يدك من العلم إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والأخلاق.
أستوع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

شموخ نجد
13 07 2010, 01:20 AM
هذا مقال كتبة الشيخ علي الطنطاوي لأخيه المسافر لباريس للدراسة.

إلى أخي النازح إلى باريس


يا أخي!

لمّا دخلتَ (مسابقة البعثة) أملت لك الفوز لما عوَّدك الله من التوفيق والمعونة،وخفت عليك الخيبة لأن (الوزارة) لا تريد إلا مبعوثاً واحداً في (العلوم الرياضية) من سورية كلها، أنَّى لك أن تكون ذلك الواحد؟
فلما ظهرت النتيجة، وكنت أنت الناجح في (فروع الرياضة)، وكنت الناجح في (الطبيعة) أيضاً، حمدتُ الله على هذه المنَّة، وذهبتُ أستعجلك بالسفر، ولما عزمت أعددتُ لك ما تريد وأنا فرح مستبشر مسرور.
كنتُ مسروراً لأني أعلم أنك ذاهب تطلب العلم، وتخدم الوطن، وتقوم بالواجب.
ولكن لم يكد يتحقق الأمر، ويزف الرحيل، وأرى الباخرة الفخمة (مارييت باشا) رابضة حيال المرفأ (في بيروت) تسطع أنوارها وتتلألأ، وألقي نظري على هذا البحر الهائل الذي يمتد في الفضاء أسود مثل الليل، حتى يغيب في السماء، أو تغيب فيه السماء… لم أكد أرى ذلك حتى أدركت الحقيقة الواقعة وعلمتُ أنك مودع نازح، فغلبت عليَّ العاطفة، وفاضت نفسي رقة وحناناً.
لم أستطع أن أودعك، ولم أقوَ على رؤيتك وأنت في الباخرة، ماخرة بك عباب اليمّ، تنأى بك عنِّي، حتى تصير نقطة صغيرة على شاطئ الأفق، ثم تنحدر إليه، وتختفي وراءه، وتختفي أنت معها، وتصبح في نظري عدماً، لأني لا أحس لها وجوداً.
والوداع –يا أخي- جماع آلام الحياة وأساسها ومصدرها، وأشد ألوان الوداع وآلمها وأمرّها وداعٌ في البحر، ذاك الذي لا يطيقه ذو قلب.
ودعتك وداعاً عادياً، ولبثت في مدرستي ألقي دروسي وأنا هادىء الجوارح ساكن الطائر، ولكن في القلب مني زلزلة، وفي الأعصاب ناراً.
حتى إذا عاد أخوك ناجي الذي صحبك إلى الباخرة فخبرني أنك سرت (على اسم الله)، أحسست كأن قلبي قد هبط من هذا الزلزال كبناء هوى، وأن هذه النار قد تركت أعصابي رماداً منطفئاً فسقطت على كرسيّ لا أدري فيم هذا الضعف، ولا أحبه من نفسي، ولكني أدري أني تخيلتك الآن وحيداً فريداً لا ترى حولك قريباً ولا صديقاً، تطل من شرفة الباخرة فلا ترى إلا السماء والماء، وقد أخذك دوار البحر فلم تجد معيناً ولا مسعفاً.
وأتصورك في ذلك البلد الغريب الذي ترى فيه إلا وجوهاً تنكرها، وأنت الذي لم يفارق بلده قط، ولم يغب عن أهله ليلة، ولم يسافر وحده أبداً فلذلك ما أحزن، وفي ذلك أفكر.
ولكنها – يا أخي – خطيئة تربيتنا الاتكالية. ولو أنَّ آباءنا عوَّدونا، ولو أنَّا عودناك على الحياة الإستقلالية الصحيحة، وتركناك وأنت في الثانية عشرة تذهب وحدك وتعود وحدك، وعوَّدنا حمل التبعات وأيقظنا فيك شخصيتك ولم ندعها ضائعة في شخصياتنا، ودفعناك إلى استثمار مواهبك ولم نتركها معطلة، لو فعلنا ذلك وأنت في الثانية عشرة، لما خفت عليك السفر وحدك إلى باريز (باريس) وانت في طريق العشرين!
يا أخي!

إنك تمشي إلى بلد مسحور (والعوذ بالله)، الذاهب إليه لا يؤوب، إلا أن يؤوب مخلوقاً جديداً وإنساناً آخر غير الذي ذهب… يتبدل دماغه الذي في رأسه، وقلبه الذي في صدره، ولسانه الذي في فيه، وقد يتبدل أولاده الذين هم في ظهره إذا حملهم في بطن أنثى جاء بها من هناك!
إي والله يا أخي، حال أكثر من رأينا وعرفنا (إلا من عصم ربي)، يذهبون أبناءنا وإخواننا وأحباءنا، ويعودون عداة لنا، دعاة لعدونا، جنداً لاستعمارنا… لا أعني استعمار البلاد، فهو هين لين، ثم إننا قد شفينا منه بحمد الله أو كدنا… وإنما أعني استعمار الرؤوس بالعلم الزائف، والقلوب بالفنِّ الداعر، والألسنة باللغة الأخرى، وما يتبع ذلك من الأرتستات والسينمات وتلك الطامّات، من المخدرات والخمور، وهاتيك الشرور.
فانتبه لنفسك واستعن بالله، فإنك ستقدم على قوم لا يبالي أكثرهم العفاف، ولا يحفل العرض. سترى النساء في الطرقات والسوح والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، وقد أذلتهن مدنية الغرب وأفسدتهن، وهبطت بهن إلى الحضيض فلا يأكلن خبزهن إلا مغموساً بدم الشرف، وأنت لا تعرف من النساء إلا أهلك مخدَّرات معصومات كالدُّرّ المكنون، شأن نساء الشرق المسلم، حيث المرأة عزيزة مكرمة، محجوبة مخدَّرة، ملكة في بيتها، ليست من تلك الحِطَّة والمذلة في شيء… فإياك أن تفتنك امرأه منهن عن عفتك ودينك، أو يذهب بلبك جمال لها مزور، أو ظاهر خداع، هي والله الحية، ملمس ناعم، وجلد لامع، ونقش بارع، ولكن أنيابها السم… إياك والسم!
إن الله قد وضع في الإنسان هذه الشهوة وهذا الميل، وجعل له من نفسه عدواً (لحكمة أرادها)، ولكنه أعطاه حصناً حصيناً يعتصم به، وسلاحاً متيناً يدرأ به عن نفسه، فتحصن بحصن الدين، وجرد سلاح العقل تُوَقَّ الأذى كله… و اعلم أن الله جعل من الفضيلة مكافأتها: صحة الجسم، وطيب الذكر وراحة البال. ووضع في الرذيلة عقابها: ضعف الجسد، وسوء القالة وتعب الفكر. ومن وراء ذلك الجنة أو جهنم.
فإن عرضت لك امرأة بزينتها وزخرفتها فراقب الله، وحكم العقل، واذكر الأسرة والجدود… لاتنظر إلى ظاهرها البرّارق، بل انظر إلى نفسها المظلمة القذرة، وماضيها الخبيث المنتن، أتأكل من إناء ولغت فيه كل الكلاب؟؟
يا أخي!

إن في باريز (باريس) كل شيء: فيها الفسوق كله، ولكن فيها العلم. فإن أنت عكفت على زيارة المكتبات وسماع المحاضرات وجدت من لذة العقل ما ترى معه لذة الجسم صفراً على الشمال (كما يقول أصحابك الرياضيون)، ووجدت من نفعها مايعلقك بها حتى لا تفكر في غيرها.فعليك بها، استق من هذا المورد الذي لاتجد مثله كل يوم. راجع وابحث وألف وانشر، وعش في هذه السماء العالية، ودع من شاء يرتع في الأرض، ويَغْشَ على الجيف المعطرة.
غير أنك واجد في ثنايا هذه الكتب التي كتبها القوم المستشرقون عن العربية والإسلام، وفي غضون هذه المحاضرات التي يلقونها، عدواناً كثيراً على الحق، فانتبه له. واقرأ ما تقرأ واصغ لما تسمع وعقلك في رأسك، وأيمانك في صدرك. لا تأخذ كل ما يقولون قضية مسلَّمة وحقيقة مقرَّرة، فالحق هو الذي لا يكون باطلاً، وليس الحق ما كان قائله أوروبياً، فانظر أبداً إلى ما قيل، ودع من قال!
ثم إنك سترى مدينة كبيرة، وشوارع وميادين، ومصانع وعمارات… فلا يَهولنَّك ما ترى، ولا تحقر حياله نفسك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من رواد باريس. واعلم أنها إن تكن عظيمة، وإن يكن أهلها متمدنين، فما أنت من أواسط أفريقية ولا بلدك من قرى التبت… وإنما أنت ابن المجد والحضارة ابن الأساتذة الذين علموا هؤلاء القوم وجعلوهم ناساً، ابن الأمة التي لو حذف اسمها من التاريخ لآض تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها، إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوِّن التاريخ سواهم… فمن هؤلاء الذين ترى إنما هم أطفال أبناء أربعة قرون، ولكن أمتك بنت الدهر، لما ولد الدهر كانت شابة، وستكون شابة حين يموت الدهر.
لا. لا أفخر بالعظام البالية، ولا أعتز بالأيام الخالية، ولكن أذكره لك لأهز فيك نفسك العربية المسلمة، لأستصرخ في دمك قوى الأجداد التي قتلت وأحيت، وهدمت وبنت وعلمت، واستاقت الدهر من زمامه فانقاد لها طيعاً… إن هذه القوى الكامنة في عروقك، نائمة دمك، فليفر هذا الدم وليثر ويضطرم لتظهر ثانية وتعمل عملها.
لاتقل: مايصنع طالب مثلي ضعيف في أمة قوية، فإن الأندلس المسلمة كانت بالنسبة لعصرها أقوى، وكان روادها من طلاب الفرنجة أضعف، ولكنهم استطاعوا – على ضعفهم – أن يصنعوا (هذه القوة) التي تعجب بها أنت، ويذوب فيها غيرك… إن الدهر يا أخي دولاب، والأيام دول. وإنّ في الشرق أدمغة؛ وفي الشرق سواعد، وفي الشرق مال، ولكن ينقص الشرق العلم فاحمله أنت وأصحابك، وعودوا إلى الشرق شرقيين معتزين بشرقيتكم الخيرة العادلة كما يعتز الغربيون بغربيتهم الظالمة الطاغية. واعلموا أنّ مهمتكم ليست في ورقة تنالونها، قد تنال بالغش والاستجداء والسرقة… ولكن مهمتكم أمه تحيونها.
يا أخي!

إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العادل الذي يدوّن الحسنة لنتعلمها، والسيئة لنتجنبها. ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريز (باريس) من أبناء العرب، فلم يروا إلا المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب، فلم يبصروا إلا المخازي والعيوب، ولكن كن عادلاً صادقاً أميناً.
وإياك وهذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يعلمون، كهذا الأخرق الصفيق الذي عمل أطروحة موضوعها (الحج) قدمها إلى جماعة كبرى وهو يجهل العربية، ولا يعرف أي كتاب من كتب المسلمين بحث في الحج، وإنما جمع الأخبار من الصحب ومن أفواه العامة؛ وكتب في نظام الريّ في الغوطة، وزعم أنه وفَّى البحث وأتمه، وهو لايعرف منه إلا ما أخبره به ثلاثة فلاحين، لقيهم في قرية ذهب إليها، مع أن نظام الريّ في الغوطة لايكاد يعرفه في دمشق إلا نفر قليل… وذاك الذي كان معلماً أوَّليّاً في بلده فصار عندنا مدير دار المعلمين العالية، فذهب مع طلابه إلى ظاهر دمشق، فمشى ينظر إلى جانبي طريق (الربوة) هنا وهناك.. فوجد في الجبل أثراً للماء، فقال: من أين جاء هذا الماء؟ لا بد أن يكون جاء من بردي، إذ لا ماء في دمشق إلا من بردي. فماذا تكون نتيجة (البحث العلمي) في هذه المسألة؟ هي أن بردي كان يصل إلى هنا… إذن، فقد كان عرض بردى في الماضي أربعمائة متر… وانطلق يقرِّر دائماً هذه الحقيقة!
وبعد، يا أخي، فاعلم أنَّ أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان، فاعرف قدرها، واحمد الله عليها وكن مع الله تر الله معك وراقب الله دائماً، واذكر أنه مطلع عليك، يعصمك من الناس ويُعذْك من الشيطان، ويوفقك إلى الخير.
وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر، احزِم أمتعتك وعُد إلى بلدك، وخلِّ (السوربون) تنع من بناها… وانفض يدك من العلم إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والأخلاق.
أستوع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

شموخ نجد
16 07 2010, 08:12 PM
مجانين

إذا رأيتم رجلاً يمشي في الطريق منفوش الشعر ، شارد النظر ، قد لبس
معطفه على القفا ، ومشى على غير هدى ... قلتم إنه ( مجنون ) وقد يكون (مجنوناً ) ولكنه قد يكون
فيلسوفاً ... أو شاعراً ... أو رياضياً ...!

وإذا سمعتم أن رجلاً لا يفرق بين السروايل والقميص ، ولا بين الجمعة والخميس ، قلتم إنه ( مجنون ) ... ولكن " أناتول فرانس " - والعهدة على الراوي جاك جان روسو - دُعي يوماً إلى وليمة يوم الأحد ، فذهب يوم السبت ولبث ينتظر متعجباً من تأخر الغداء ، ولبثت ربَّة الدار تنظر متعجبة من هذه الزيارة المفاجئة ، ثم لم يرض أن يصدق أنه يوم السبت ... فهل كان " أناتول " نابغة قومه في البلاغة وباقعة العصر .. مجنوناً ؟



!وإذا شاهدتم رجلاً يعتزل في كوخ ، أو ينفرد في غار ، ولا يقبل على الدنيا ، ولا يكلم الناس قلتم إنه مجنون ولكن " الإمام الغزالي " عاف الدنيا وقد اجتمعت له ، والمجد وقدم أقبل عليه ، والرياسة وقد أتته منقادة تسعى له .. وحبس نفسه في أصل منارة الجامع الأموي في دمشق فهل كان " الغزالي " حجة الإسلام وعلم الأعلام .. مجنوناً ؟!


وإذا بلغكم أن إنساناً نسي اسمه قلتم إنه ( مجنون ) ، ولكن " الجاحظ" نسي كنيته .. وطفق يسأل عنها حتى جاءه ابن حلال بالبشارة بلقياها ، فقال له أنت أبو عثمان ! فهل كان " الجاحظ " عبقري الأدب ، ولسان العرب .. مجنوناً ؟!



ونيوتن .. وقد كانت في داره قطة كلما أغلق عليه بابه وقعد إلى كتبه ومباحثه ، أقبلت تخرمش الباب وتخشخش بأظفارها فتشغله عن عمله حتى يقوم فيفتح لها ، فلما طال عليه الأمر كدَّ ذهنه وأطال بحثه ، فاهتدى إلى المخلص ... ففتح في أسفل الباب فتحة تمر منها فاستراح بذلك من شرها .... ثم ولد لها ثلاث قُطّيطات ففتح لكل واحدة منها فتحة ..!! لم يستطع هذا العقل الكبير الذي وسع قانون الجاذبية أن يتسع لحقيقة صغيرة : هي أن الفتحة تكفي القطة الأم وأولادها !



وأمبير ... وقد كانت تعرض له مسائل في الطريق ، فلا يجد قلماً لها وورقاً ، فحمل معه (حوَّاراً ) فكلما عرضت له مسألة ، ورأى جداراً أسود ، وقف فخط عليه .. فرأى مرة عربة سوداء واقفة فجعل يكتب عليها أرقامه ورموزه ، واستغرق فيها حتى سارت العربة ، فجعل يعدو خلفها وحوَّاره في يده وهو لا يدري ما يصنع !



و" هنري بوانكاريه "... وقد دعا قوماً إلى وليمة في داره ، وضرب لها الساعة السابعة موعداً ، فلما حل الموعد وجاء القوم كان مشغولاً ... فدعوه فلم يسمع وألحّوا عليه فلم ينتبه ، وكان يعرفون شذوذه فأكلوا وانصرفوا ... وقام بعد ساعتين فأمَّ غرفة المائدة ، فرأى الصحون الفارغة والملاعق المستعملة وبقايا الطعام فجعل يفكر : هل أكلَ ، أم هو لم يأكل ؟؟ ثم غلب على ظنه أنه قد أكل ، فعاد إلى عمله !



واللغوي العراقي " عبد المسيح وزير " ... وقد دخل مرّة غرفة ليست بغرفته
في وزارة الدفاع ، وكان من كبار موظّفيها ، فرأى أثاثها على خلاف ما كان يعهد ،
فغضب ودعا الفرّاش ، وقال له : حوّل هذه المنضدة ، انقل هذا الهاتف ،
اعمل كذا .. افعل ذاك ... فلمّا استوت له كما يُريد ، نظر فقال :
أهـــــذه غُرفتي ؟؟!!
قال الفرّاش : لا يا سيّدي .
فانتقل إلى غرفته !!!!!!




وأمر الله أفندي .. العالم التركي المشهور صاحب المَعْلَمة التركية ( أي دائرة المعارف) ، وقد كان يركب في البحر كل يوم ما بين داره في ( إسكدار) وعمله في ( إسطامبول) ، فركب يوماً وكان إلى جنبه موظف كبير في السفارة البريطانية ، وقد كان في جيبه فستق حلبي ،
وكان " أمر الله أفندي " مشغول الفكر فجال بيده وهو لا يشعر فسقطت في جيب البريطاني ، ووقعت على الفستق فأخرج منه فأكل ! .. وظن الرجل أنه مزاح فسكت ولكن الشيخ عاد وأوغل في الأكل حتى كاد يستنفد الفستق كله .. وكان الفُلْك (المركب ) مزدحماً ما فيه مفر للبريطاني من هذه الورطة ، فأحب أن يتلطف بالشيخ حتى يكف ، فسأله : كيف وجدت الفستق ؟
قال : ((عال! )) وعاد إلى تفكيره وأكله .. فقال له : ولكن ليس في جوار الدار مثله أشتريه للأولاد ، وإذا دخلت عليهم من غير فستق بكوا ... قال الشيخ : ((عجيب !)) وعاد إلى الأكل والتفكير ، فقال له : أفلا تتكرم بإبقاء شيء لهم ؟ قال : (( بلى ، بكل امتنان )) ، وأخرج طائفة من الفستق فدفعها إلى الانكليزي وأكل الباقي ! ..


وقد وُلِّي وزارة المعارف وأعطي عربة ، فكان كلما بلغت به العربة المنزل ، وفتح له الباب السائق ، أخرج كيسه وسأله : كم تريد ؟ ..فيقول له : يا سيدي هذه العربة لمعاليك ، فيتذكر ويقول : طيب ..


وقد سألته امرأة مرة ، وكان يمشي أمام داره : أين دار وزير المعارف يا سيدي ؟. فقال لها : ومن هو وزير المعارف الآن ؟!



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ


أفكان كل هؤلاء ، وفيهم كل عبقريّ علم ، وكل نابغة إمام ...
أكانوا كلهم مجانين ..؟؟؟؟
أمّا في رأي العامّة ، فنَعم ..!!!


ذلك لأن القافلة تمشي ، فمن سايّرها عدّه اهلها عاقلا ، ومن تقدّم عنها يسلك
طريقا جديدا .. قد يكون أقرب وآمن ، عدّوه مجنونا ، كَمَن تأخّر عنها ليتيه في مجاهل الصحراء !


لكن ذاك ( جنون ) العبقريّة ، وهذا جنون المارستان !


إن العبقريّ شغل بالعلم فكره كله ، فلم يبقَ منه شيء لفهم الحياة ،
فصار عند أهلها ( مجنونا ) !

شموخ نجد
16 07 2010, 09:49 PM
بركة التقوى مع الغافلين!!!

ذكر أن شابا فيه تقى وفيه غفلة.. طلب العلم عند أحد المشايخ حتى إذا أصاب منه حظا قال الشيخ: لا تكونوا عالة على الناس فإن العالم الذي يمد يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها.. وليتقِ الله فيها
وذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان أبي يشتغل بها..؟؟ فاضطربت المرأة فقالت: أبوك قد ذهب إلى رحمة الله فما بالك وللصنعة التي يشتغل بها..؟؟ فألحّ عليها وهي تتملص منه.. حتى اضطرها إلى الكلام أخبرته وهي كارهة أن أباه كان لصا..!! فقال لها: إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كل بصنعة أبيه ويتقي الله فيها.. قالت الأم: ويحكِ.. وهل في السرقة تقوى..؟؟ وكان في الولد غفلة وحمق فقال لها: هكذا قال الشيخ
وذهب فسأل.. وتسقط الأخبار حتى عرف كيف يسرق اللصوص فأعدّ عدّة السرقة.. وصلى العشاء وانتظر حتى نام الناس وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ.. فبدأ بدار جاره وهمّ أن يدخلها ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى وليس من التقوى إيذاء الجار.. فتخطى هذه الدار ومرّ بأخرى.. فقال لنفسه: هذه دار أيتام والله حذّر من أكل مال اليتيم.. وما زال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني وليس فيه حرس ويعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيده عن حاجته.. فقال: ههنا.. وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدها.. ففتح ودخل فوجد دارا واسعة وغرفا كثيرة.. فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال.. وفتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئا كثيرا.. فهمّ بأخذه ثم قال: لا يؤدّ زكاة أمواله لنخرج الزكاة أولا.. وأخذ الدفاتر وأشعل فانوسا صغيرا جاء به معه.. وراح يراجع الدفاتر ويحسب.. وكان ماهرا في الحساب خبيرا بإمساك الدفاتر.. فأحصى الأموال وحسب زكاتها فنحّى مقدار الزكاة جانبا واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات فنظر فإذا هو الفجر فقال: تقوى الله تقضي بالصلاة أولا
وخرج إلى صحن الدار فتوضأ من البركة وأقام الصلاة.. فسمع رب البيت فنظر.. فرأى عجبا: فانوسا مضيئا..!! ورأى صندوق أمواله مفتوحا ورجلا يقيم الصلاة فقالت له امرأته: ما هذا..؟؟ والله لا أدري.. ونزل إليه فقال: ويلك من أنت..؟؟ وما هذا..؟؟ قال اللص: الصلاة أولا ثم الكلام.. فتوضأ تقدم فصل بنا فإن الإمامة لصاحب الدار.. فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح ففعل ما أمره.. والله أعلم كيف صلى
فلما قضيت الصلاة قال له: خبّرني من أنت..؟؟ وما شأنك..؟؟ قال: لص. قال: وما تصنع بدفاتري..؟؟ قال: أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنوات وقد حسبتها وفرزتها لتضعها في مصاريفها.. فكاد الرجل يجن من العجب وقال له: ويلك ما خبّرك..؟؟ هل أنت مجنون..؟؟ فخبّره خبره كله فلما سمعه التاجر ورأى ضبط حسابه.. ذهب إلى زوجته فكلمها.. وكان له بنت ثم رجع إليه فقال له: ما رأيك لو زوّجتك بنتي وجعلتك كاتبا وحاسبا عندي.. وأسكنتك أنت وأمك في داري ثم جعلتك شريكي..؟؟ قال أقبل.. وأصبح الصباح فدعا المأذون بالشهود وعقد العقد (1) وهذه الحادثة إنما ذكرتها لطرافتها على ما فيها من غرابة إستئناسا بها..

شموخ نجد
17 07 2010, 09:53 PM
من غزل الفقهاء1

http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=31&SectionID=12 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=31&SectionID=12)

من غزل الفقهاء2

http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=32&SectionID=12 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=32&SectionID=12)

من غزل الفقهاء3

http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=33&SectionID=12 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=33&SectionID=12)

من غزل الفقهاء4

http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=43&SectionID=12 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=43&SectionID=12)

من غزل الفقهاء5

http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=44&SectionID=12 (http://www.alnoor-world.com/ali/topicbody.asp?TopicID=44&SectionID=12)


****

شموخ نجد
17 07 2010, 10:03 PM
لقد وعدتكم أن أضرب لكم في هذه الأحاديث بكل سهل، وأسلك كل واد، وأتحدث عن رجال الفن كما أتحدث عن رجال العلم، وأن أجيئكم مرة مع شاعر أو موسيقي، كما أجيئكم مرات مع الأئمة والقواد.

وهاأنذا آتي اليوم ومعي شاعر.

شاعر لم يغن مع الحمائم في الروض الأغنّ، ولم يَهِم مع السواقي في الوادي الضائع، ولم يدلج مع النجم في الأسحار الندية بعطر الفجر، ولم يتبع الشمس في العشايا السكرى بخمر الغروب، ولم يرقب طيف الحبيب في الليالي التي تكتم أسرار الهوى.

ولأن سابقت شاعرية الشعراء الزمان فسبقت الشباب، وظهرت بوادرها في مدارج الصبا، وملاعب الفتوة، فإن هذا الشاعر لم تنبثق شاعريته إلا على سرير الموت، وشفا المردى، على عتبة الدنيا خارجاً منها، وعتبة الآخرة داخلاً إليها. في الساعة التي يَعيا فيها الشاعر، ويؤمن فيها الكافر، ويضعف فيها القوي، ويفتقر فيها الغني، ولم تنبثق إلا بقصيدة واحدة، ولكنها كانت نفحة من عالم الخلود فخلد فيها.

* * * * * * * * * *

قصيدة وهبها للموت، إن تغنى له فيها، فوهب له الموت بها الحياة.

لم يتفلسف فيها تفلسف المعري، ولا تجبر تجبر المتنبي، ولا أغرب إغراب الدريدي، ولكنه جاء بأقرب الأفكار، في أسهل الألفاظ، فجاءت من هذه السهولة عظمة القصيدة.

والفنون كلها تموت يا سادة إن أكرهتها على الحياة في جو التكلف، التكلف في التفكير أو التعبير. إن الفنون لا تحيا إلا في الانطلاق والحرية.

كل الفنون: الكتابة والشعر والتصوير والموسيقى، حتى الإلقاء، فليفهم ذلك من يظن أن الإلقاء الجيد هو التشدق والتقعر، وإمالة اللسان، وقلب الحناجر، وضخامة الأصوات... وما نسمعه كل يوم في الإذاعات.

* * * * * * * * * *

شاعر لم يعش شاعراً، ولكنه مات شاعراً.

عاش عمره كله يغني بسنانه للحرب، لا يغني بلسانه للحب، لا يعمل لوصال الأحبة، وسلب القلوب، ولكن يعمل لقطع الطرق، وسلب القوافل. كان لصاً من أشهر لصوص العصر، ثم تاب ومشى إلى الجهاد في جيش ابن عفان، حتى أدركته الوفاة وهو على أبواب خراسان، فرثى نفسه بهذه القصيدة، التي لا أعرف في موضوعها ((أي رثاء الشاعر نفسه)) إلا قصائد معدودة في آداب الأمم كلها.

وإنها لتختلف الألسنة والألوان، وتتبدل المذاهب والأديان، وتتباعد المنازل والبلدان، ولكن شيئاً واحداً لا يختلف بين نفس ونفس، ولا يتبدل بتبدل الأعصار والأمصار، هو العواطف البشرية، إن أناشيد المجنون لليلى أناشيد كل عاشق أينما كان، وقصة (بول وفرجيني) قصة كل شاب مغرم في كل زمان، وخطب (فيخته) هي خطب كل أمة قد هبت تبني المجد، وتعمل للحياة.

ومن هنا جاءت عظمة الأدب، وجاء خلوده، إنه ليس كالعلوم. إن قرأ طالب الطب في كتاب ألّف قبل أربعين سنة فقط سقط في الامتحان، أما طالب الأدب فيقرأ شعراً قيل من ألف وخمسمائة سنة ولا يزال جديداً كأنه قيل اليوم، لا، لا تقولوا إن العلوم تترقى وتتقدم وتسعى إلى الكمال، لأن الجواب حاضر، إن الأدب قد بلغ سن الرشد، وحدّ الكمال، من قبل أن يولد العلم، وقد عاش البشر دهوراً بلا علم، ولكنهم لم يعيشوا يوماً بلا أدب. إن آدم قال لحواء كلمة الحب، لم يحدثها في الكيمياء، ولا حل معها مسائل الجبر في رياض الجنة ((هذا كلام الأدباء)).

الشعر أخلد من الكيمياء، وأبقى من الرياضيات. كم مرة تبدلت نظريات العالم، منذ نظم هوميروس قصيدته، إلى اليوم. وأشعار هوميروس لا يزال لها رونقها ومنزلتها.

لا أعني الشعر الذي هو الرنات والأوزان، ولا الألفاظ المنمقة التي تحمل معنى، ولكن أعني بالشعر، حديث النفس، ولغة القلوب، وكل ما يهز ويشجي ويبعث الذكريات، وينشئ الآمال، ويقيم النهضات، ويحيي الأمم. الشعر الذي يشعرك أنه يحملك إلى عالم غير هذا العالم. وسواء بعد ذلك أكان منظوماً أم كان نثراً. إن عقد اللؤلؤ لا ينزل قيمته أن ينتثر، لأن ثمن الخيط نصف قرش!

وإليكم الآن مقاطع من هذه القصيدة، ولو اتسع المجال لشرحتها شرحا ينسي الناس الأصل، ولكن أين المجال، والوقت ربع ساعة؟

عربي عاش عمره كله في جزيرته، ما استمتع بحياته، ولا ناجى طيف ذكرياته، ولا انتشى برحيق آماله، لأنه لم يجد يوم راحة، يخلو نفسه إلى نفيه فيحس لذة الأحلام، وجمال التذكر، وسحر الأمل، لينبثق في نفسه الشعر المخبوء فيها، كما يختبئ الماء في بطن الجبل، يرقب معولاً يفتح له الطريق.

وهاهو ذا الآن ملقى على صعيد غريب عنه، في بلاد لا يعرفها ولا تعرفه، ولا يألفها ولا تألفه، فهو يتذكر الآن (الآن فقط) بلده وأرضه، ويدرك قيمة تلك النعم الجسام، ولا يدرك المرء قيمة النعم إلا بعد زوالها، وتثور في نفسه الأماني، فلا يتمنى إلا أن يبيت ليلة أخرى بجنب الغضى، وأن يسوق كرة أخرى إبله إلى المرعى، ويذكر كيف كان يزدري هذه النعمة التي يراها الآن عظيمة، ويتمنى (وليس ينفع التمني) لو أنه لم يسر من تلك الديار، أو لو أنه طال الطريق حتى يستمتع بها.

واسمعوه الآن يقول بألفاظه ورنّته، وقافيته الباكية التي تذكركم بقصيدة أخرى من وزنها وروّيها، لشاعر يماني غريب هو عبد يغوث:

ألا ليـت شعـري هـل أبيتـن ليلـة * * * * * بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا 1

فليـت الغضى لم يقطع الركب عرضه * * * * * وليـت الغضى ماشى الركـاب لياليا

لقد كان في أهل الغضى (لو دنا الغضا) * * * * * مـرار ولكـن الغـضى ليـس دانيـا

ويلوم نفسه ويعجب منها كيف سوّغت له أن يقبل بهذا النفي راضياً مختاراً، ويعجب من أبويه كيف لم ينهياه، وما الذي جاء به إلى باب خراسان وقد كان نائياً عنه:

ألم تراني بعت الضـلالة بالهدى * * * * * وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا 2

لعمري لئن غالت خراسان هامتي * * * * * لقـد كنت عن بـابي خراسـان نائيـا

فلله درّي يـوم أتـرك طـائعـاً * * * * * بنيّ بـأعلى الرقمتيـن ومـالـيـا 3

ودرّ الظـبـاء السانحات عشية * * * * * يخبِّـرن أني هـالـك مـن ورائـيـا

ودرّ كبيـريّ اللذيـن كلاهـمـا * * * * * عليّ شفيـق نـاصـح لـو نهـانيـا

واسمعوه كيف يفتش عمن يبكي عليه فلا يجد أحداً، لا يجد من يبكيه إلا سيفه وفرسه، وليس ينفع الميت أن يذكره ذاكر إلا ذاكراً بدعاء أو صدقه، ولا يضره أن ينساه الناس، وما حفلات التأبين للميت ولكن للأحياء يصعدون على قبر الميت ليقولوا للناس انظروا إلينا، واسمعوا بياننا، وصفقوا لنا، ولقد صدق سبنسر إذ قال: كلنا يبكي في المآتم وكل يبكي على ميته.

ليس ينفع بكاء ولا نواح ولكنها غريزة التمسك بالحياة والاستكثار منها.

تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد * * * * * سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا 4

وأشقـر خنذيـذ يجرَّ عنانـه * * * * * إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيـا 5

وأرجو أن تتجاوزوا عن كلمة (خنذيذ) التي ترونها غريبة ولم تكن غريبة أيامه. وانظروا إلى جمال الصورة وروعتها. هذا الحصان يتلفت يمنة ويسرة ويدور وينعطف ويفتش عن صاحبه فلا يلقاه، فينسى الطعام والشراب، حتى يبرّح به العطش ولا يجد من يسقيه، فيجر عنانه (انتبهوا إلى دقة الوصف في جر العنان أي الرسن) إلى الماء.

لو أن مصوراً صور معنى هذا البيت لكان لوحة من لوحات العبقرية، وما أكثر ما في هذه القصيدة من صور.

* * * * * * * * * *

وهاكم هذه اللوحة التي بلغت من الروعة أبعد الغايات، والتي تذيب القلوب، فتسيلها دموعاً.

هذه اللوحة التي أعرضها كما هي، لا أحب أن أفسدها بشرح أو تعليق:

ولما تراءت عند مرو منـيّـتـي * * * * * وخلَّ بها جسمـي وحـانت وفـاتـيـا

أقـول لأصحـابي: ارفعوني فإنني * * * * * يقـرّ لعينـي أن سُهيـلٌ بـدا ليـا 6

فيا صاحبي رحلي دنا الموتُ فانزلا * * * * * برابيـة ؛ إني مـقـيـم لـيـالـيـا

أقيما علي اليـوم أو بعض ليلـة * * * * * ولا تعجـلاني؛ وقـد تبيـّن مـا بيـا

وقوما إذا ما استُلّ روحي وهيئـا * * * * * لي السَّدر والاكفـان ثم ابكيـا ليـا 7

وخطّا بأطـراف الأسنّـة مَضْجَعي * * * * * ورُدّا على عيـنـي فضْـلَ ردائـيـا

ولا تحسداني – بارك الله فيكما - * * * * * من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا

خـذاني فجـراني ببُردي إليكمـا * * * * * فقد كنت قبل اليـوم صعبـاً قيـاديـا

ويعلم أنه لن يجد من يقوم على قبره، ويشيد بذكره، فيرثي نفسه، ويكشف عن فعاله بمقاله:

وقـد كنت عطّافـاً إذا الخيـل أدبـرت * * * * * سريعاً إلى الهَيْجا إلى من دعانيـا

وقد كنت محمـوداً لدى الزاد والقـرى * * * * * وعن شتمي ابن العم والجار وانيا

وقد كنت صبّاراً على القرن في الوغى * * * * * ثقيلاً على الأعداء عَضْباً لسانيـا

ويعود إلى إتمام هذه اللوحة الرائعة، فيتصور مسيرة أصحابه وبقاءه، وحيداً في هذه الفلاة:

غذاة غد يالَهْف نفسي على غد * * * * * إذا أدلجوا عني وخُلّفـت ثـاويـا

وأصبح مالي من طريـف وتالد * * * * * لغيري وكان المال بالأمس ماليا

* * * * * * * * * *

ويسأل رفيقيه حاجة له هي آخر حاجاته من دنياه، أن يحملوا نعيه إلى أهله، إلى بئر الشبيك، حيث يزدحم بنات الحيّ، يملأن الجرار، ويستقين، فيصرخ، فيدعن ما هنّ فيه، ويلتفتن إليه، وتسمع زوجته، فيلقي إليها بوصاته، وما وصاته إلا أن تقف على القبور. علَّها تذكرها بقبره الضائع، حيث لا زائر ولا ذاكر:

وقوما على بئر الشُّبَيك فأسمعا * * * * * بها الوحش والبيض الحسان الروانيا

بأنـكـما خَلّفتُمـاني بِقَفْـرَةٍ * * * * * تهيـل عليّ الريـحُ فيها السوافيـا

ولا تنسيـا عهدي خليليّ إنني * * * * * تَقَطّـعُ أوصـالـي وتبلى عظاميـا

فلن يعدم الوالون بيتـاً يُجنُّني * * * * * ولن يعـدم الميـراث مني المواليـا

* * * * * * * * * *

ويا ليت شعري هل تغيرت الرحى * * * * * رحى المثل أو أضحت بفلج كما هيا 8

إذا مـت فاعتادي القبـور فسلمي * * * * * على الرّيم أسقيتِ الغمام الغواديـا 9

ويعود إلى حاضره، ويشتغل بنفسه، ويرجع إلى ذكر بلده وأهله، ويختم القصيدة بهذا المقطع:

قلِّب طرْفي فوق رحلي فلا أرى * * * * * به من عيون المؤنسات مراعيا

وبالـرمل منا نسـوة شَهِدنني * * * * * بكَين فَدينَ ا لطبيـب المداويـا

فمنهن أمي وابنتـاها وخـالتي * * * * * وباكية أخرى تهيج البواكيا 10

وما كان عهد الرّمل مني وأهله * * * * * ذميما ولا بالرمل ودّعتُ قاليـا

* * * * * * * * * *

يا سادة. لقد مات مع مالك في تلك السفرة آلاف وآلاف، ولا يزال الناس قبله وبعده يموتون، فينساهم ذووهم، ويسلوهم أهلوهم، وهذا الشاعر جعلكم تذكرونه، وتبكونه بعد ألف وثلاثمئة سنة، وأنتم لا تعرفونه.

وهذه هي عظمة الشعر، وهذا هو خلود الشاعر.

* * * * * * * * * *

الغضى: نبت من نبت البادية. أزجي: أسوق سوقا رفيقاً. القلاص: الأبل. النواجي: السريعة.

هو سعيد بن عفان، وباع الظلالة بالهدى، أي اهتدى بعد الضلال، لأن ما تدخل عليه الباء يكون هو ثمن المبيع

هما موضعان في بداية البصرة

الرمح الرديني: منسوب إلى ردينة، وهي امرأة كانت تثقف الرماح، أي تقومها

خنذيذ: الفرس الطويل الصلب

سهيل نجم يطلع من نحو بلده

السدر: شجر كالأشنان يغسل بمائه الميت

مواضع في ديار قومه

القبر

باكية: زوجته وكانوا يكنون عن الزوجة

شموخ نجد
19 07 2010, 03:08 AM
متى نتحرر من الاستعمار الاجتماعي والاستعمار العقلي كما تحررنا من الاستعمار السياسي والعسكري؟ ومتى نعتز بعاداتنا ونتمسك بها كما يتمسكون هم بعاداتهم؟ إذا أردتم أن نسود وأن يعود لنا مجدنا، فأعيدوا لنا ثقتنا بأنفسنا واعتزازنا بعربيتنا وشرقيتنا وخلائقنا، ولنأخذ بعد ذلك كل نافع نجده عند الأمم، لنقتبس علومهم وفنونهم ...الخ من عاداتهم، ولنتعلم ألسنتهم ولندرس آدابهم، بشرط أن يسلم ديننا ولساننا.

شموخ نجد
04 08 2010, 01:36 AM
وكنت كسائر الناس أفزع من الوحدة و أحس ثقلها عليّ, وأحاول أن أفر منها
إلى رفيق أناقلة لغو الحديث , أو كتاب اقرأ فيه فارغ الكلام, فصرت ذلك اليوم
أحب الوحدة وأطمئن إليها
وما يكون في وحدة من يراقب الله ويحس بأنه معه يسمع ويرى
ويتوجّه إليه بالدعاء بلسانة وبقلبه يسأله ما دق وما جل
معتقدا أن كل شيء بيده وأنه إن لم يعطه ما طلب أعطاه خيرا منه
والدعاء بهذا المعنى عبادة بل هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح
وغدوت منفردا عن الناس وأنا منغمس فيهم , داخل بينهم.


~علي الطنطاوي~
مقطع من مقالة طويلة
بعنوان يوم مع الشيطان من كتاب صور وخواطر

شموخ نجد
05 08 2010, 09:15 PM
أيضا جزء من المقالة الطويلة

بعنوان يوم مع الشيطان من كتاب صور وخواطر

***

جعلت أرصد الشيطان فإذا هو مرابط لي عند كل طريق يؤدي إلى الجنة, يأتيني كما أخبر الله عن يميني وعن شمالي ومن أمامي ومن خلفي، ولكنه لا يستطيع أن يأتيني من فوقي, ولا يستطيع أن يسد عليّ طريق الاستنجاد بربي, ورأيت الإيمان كالحصن الذي يحصني منه, ولكن له في جدار هذا الحصن مداخل وثغرات احتفرها ليدخل منها, منها المداخل الكبار ومنها المداخل الخفية، وعلى المؤمن أن يبقى ساهراً أبداً يحرس حصنه, وأن يسد هذه المداخل سداً محكماً ليأمن عدم دخوله منها, وربما اغتنم الخبيث انشغال الإنسان بمراقبة مدخل منها فدخل عليه من غيره, كما صنع بي لما رأى أني لم أصدقه أن صلاتي باطلة, فعاد يدخل على من باب العُجب فيريني أنها الصلاة المقبولة الكاملة, وعلى مقدار سهر العبد في سد مداخل الشيطان وحراسة مالا يمكن سده منها يكون خلاصه من وسواسه في الدنيا, وينال نعيم الله في الآخرة.

والله لم يترك الإنسان في هذه الحراسة أعزل بل وضع في يده سلاحا ماضياً قاطعاً ( رشاشاً ) يستطيع أن يرد به أعتى الشياطين, هو ذكر الله حتى يخنس الشيطان ويبلس وينكمش وينقطع وسواسه, وليس المراد الذكر باللسان فقط, بل الذكر بالقلب, وهو الأصل فيه, والمسافر الذي يذكر وطنه و أهله, لا يقول بلسانه ولكنه يستحضر الوطن والأهل بقلبه, وذكرك الله هو ألا تنساه, وأن يكون دائماً في قلبك, وأن تتصور أنه مطلع دائماً عليك, وأنه معك, فإن صحب ذلك الذكر المأثور باللسان فهو أحسن وأكمل.
* * * *
وكان لي مع الشيطان ذلك اليوم مواقف تستعصي على العد, أذكر منها هذا على سبيل المثال على وسواسه....
حاول أن يسخطني على الله, ويكفرني بنعمه علي, حينما مر بي في الطريق رجل كان معنا في المدرسة, فخاب وقصر, وكان مضرب المثل في السوء, فطرد من المدرسة, فما هي إلا أن جال ههنا وههنا حتى صار له الجاه العريض, والمال الكثير, فجاء الشيطان يقول لي أما ترى هذا, أتكون أنت في علمك وفضلك دونه مالا وجاهاً, ما هو ذنبك حتى تقصر بك الأقدار عنه؟ فقلت أخرس يا عدو الله, تريد أن أكفر نعمة الله عليّ, وهل في الدنيا أحد نال الخير كله حتى ما يزيد عليه فيه أحد؟ فلماذا انظر إلى هذا ولا أنظر إلى أناس هم مثلي ( إن لم يفضلوني ) علماً وخلقاً, وهم دوني في الجاه والمال؟ ولماذا تريدني أن أنظر إلى من هم فوقي في الدنيا لأحسدهم, ولا أنظر إلى من هم فوقي في الدين؟ لماذا أزاحم على زيادة درجات في دار البقاء؟ لماذا أحسد هذا إن صار ماله أكثر من مالي, ولا أحسد ذاك على أنه صلى أكثر من صلاتي, ونال أكثر من ثوابي, وكان له في بنك الحسنات رصيد أكبر من (رصيدي)؟ ولِمَ أحسده على ماله ولا يحسدني هو على علمي؟ أليس العلم والخلق والذكاء نعماً كنعمة المال والجاه؟ وبعد فماذا ينقصني؟ إنه لا ينقصني والحمد لله شيء احتاج إليه: صحتي جيدة وموردي يقوم بحاجتي ويفضل منه عنها, وأنا في سلام في بيتي, وفي راحة في عملي, وأنا راضٍ عن ربي, وليس لي مطلب إلا أن يبعدك الله عني!
* * * *
وحاول أن يثير ما أخمدته السنون من شهوتي, حين واجهت في الترم فتاة إفرنجية كأنها فلقة بدر, وقد كشفت عن النحر والصدر, والقدم والساق, وقد ألممت بهذا كله منها بالنظرة الخاطفة, وذكرت حديث النظرتين وأن ( لك الأولى وعليك الثانية) فغضضت عنها وملت ببصري إلى الطريق, وبفكري إلى مسائل أخر, فرجع الشيطان بفكري إليها, وجعل يعيد عليّ تصور مفاتنها, ويمثلها لي على صور لا أستطيع أن أعرض لها بالوصف, وإن كان كل قارئ يدرك مثلها بالتصور, فسرقت عيني نظرة أخرى إليها, منى غير عزم مني عليها, فاستعذت بالله وقرأت الآية: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19/غافر) متعجباً من دلائل الإعجاز فيها, وأنها ألمت بأربع كلمات فقط, بحالات النفوس البشرية ودخائلها,( خائنة الأعين)؟! لقد خانتني عيني حقيقة, فما أعظم أسلوب القرآن!
ولما رأيت أن المعركة مع الشيطان قد طالت وخِفت أن لا أثبت في الميدان فررت بديني, ونزلت فوقفت أنتظر ( تراماً) أخر, هذا وإن أبن الخمسين فكيف بابن العشرين والثلاثين؟!
وجاء الترام الآخر فركبته, وأحسست أن الملعون قد ركبه معي, فما أن أخذت مكاني في غرفة الدرجة الأولى, وسلم عليّ الجابي وسلم عليّ بعض الركاب, وأثنوا على أحاديثي ومواعظي.....حتى وسوس لي الشيطان يقول: أرأيت أن ألسنة الخلق أقلام الحق, وأن ثناءهم عليك يكتب لك ويشهد لك بالصلاح.
فقلت: أعوذ بالله منك أن تخدعني عن نفسي, وأن تجعلني أصدق كلامهم فيّ.
وصعد رجل ما عليه إلا أسمال ممزقة وسخة, لها رائحة تزكم الآناف فضممت عنه ثيابي ليمر, فلم يسعه إلا أن جاء فقعد إلى جنبي, وأحسست بنار الغضب تشتعل في أعصابي, ووثق الشيطان من انتصاره هذه المرة علىّ, فرجعت وقلت لا والله, لا أشمِّت الشيطان بي, وذكرت الله وتوجهت إليه مستعينا به, فأنزل سكينته عليّ, وبدل مقاييس الرجال في عيني, وما أكثر ما تبدل هذه المقاييس.......وقلت لعل هذا بثيابه القذرة ورائحته المنتنة يكون مع الناجين, وأكون أنا لا قدر الله, مع الهالكين, ولعل من حقه هو أن ينفر مني, ويضم ثيابه عني, واستغرقت في هذه الخواطر حتى بلغ (الترام) الغاية.


~علي الطنطاوي~

شموخ نجد
06 08 2010, 05:27 AM
مقتطفات من الذكريات

http://www.lahaonline.com/media/images/articles//lahaauthor/tantawyzcxvzcx.jpg

(1)
قال الشيخ علي الطنطاوي في " فصول إسلامية " (ص 96): "يا سادة إن السيل إذا انطلق دمر البلاد، وأهلك العباد، ولكن إن أقمنا في وجهه سداً، وجعلنا لهذا السد أبواباً نفتحها ونغلقها، صار ماء السيل خيراً ونفع وأفاد".
وسيل الفساد، المتمثل في العنصر الاجتماعي، مر على مصر من خمسين سنة وعلى الشام من خمس وعشرين أو ثلاثين، وقد وصل إليكم الآن [يعني: المملكة العربية السعودية] ، فلا تقولوا: نحن في منجاة منه، ولا تقولوا: نأوي إلى جبل يعصمنا من الماء، ولا تغتروا بما أنتم عليه من بقايا الخير الذي لا يزال كثيراً فيكم، ولا بالحجاب الذي لا يزال الغالب على نسائكم، فلقد كنا في الشام مثلكم ـ إي والله ـ وكنا نحسب أننا في مأمن من هذا السيل، لقد أضربت متاجر دمشق من ثلاثين سنة أو أكثر قليلاً وأغلقت كلها، وخرجت مظاهرات الغضب والاحتجاج ؛ لأن مديرة المدرسة الثانوية، مشت سافرة ـ إي والله ـ فاذهبوا الآن فانظروا حال الشام !! دعوني أقل لكم كلمة الحق، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، إن المرأة في جهات كثيرة من المملكة، قريب وضعها من وضع المرأة المصرية يوم ألف قاسم أمين كتاب تحرير المرأة فلا يدع العلماء مجالاً لقاسم جديد .... لقد نالوا منا جميعاً، لم ينج منهم تماماً قطر من أقطار المسلمين.
إنه لا يستطيع أحد منا أن يقول:"إن حال نسائه اليوم، كما كانت حالهن قبل أربعين أو ثلاثين سنة".
ولكن الإصابات كما يقال، ليست على درجة واحدة، فمن هذه الأقطار ما شمل السفور والحسور نساءه جميعاً، أو الكثرة الكاثرة منهن، ومنها ما ظهر فيه واستعلن وإن لم يعمّ ولم يشمل، ومنها ما بدأ يقرع بابه، ويهم بالدخول، أو قد وضع رجله في دهليز الدار كهذه المملكة، ولا سيما جهات نجد وأعالي الحجاز.
فإذا كان علينا مقاومة المرض الذي استشرى، فإن عملكم أسهل وهو التوقي وأخذ (اللقاح) الذي يمنع العدوى" .ا.هـ.

(2)
وقال في " ذكرياته " (8/279) : "إنه لا يزالُ منا من يحرص الحرص كله على الجمع بين الذكور والإناث، في كل مكان يقدر على جمعهم فيه، في المدرسة، وفي الملعب، وفي الرحلات، الممرضات مع الأطباء والمرضى في المستشفيات، والمضيفات مع الطيارين والمسافرين في الطيارات، وما أدري وليتني كنتُ أدري: لماذا لا نجعل للمرضى من الرجال ممرضين بدلا من الممرضات؟ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ هل لديكم برهان فتلقوه علينا؟ إن كان كل ما يهمكم في لعبة كرة القدم أن تدخل وسط الشبكة، أفلا تدخل الكرة في الشبكة إن كانت أفخاذ اللاعبين مستورة؟ خبروني بعقل يا أيها العقلاء؟

لقد جاءتنا على عهد الشيشكلي من أكثر من ثلاثين سنة، فرقة من البنات تلعبُ بكرة السلة، وكان فيها بنات جميلات مكشوفات السيقان والأفخاذ، فازدحم عليها الناس حتى امتلأت المقاعد كلها، ووقفوا بين الكراسي، وتسوروا الجدران، وصعدوا على فروع الأشجار، وكنا معشر المشايخ نجتمعُ يومئذ في دار السيد مكي الكتاني رحمة الله عليه، فأنكرنا هذا المنكر، وبعثنا وفدًا منا، فلقي الشيشكلي، فأمر غفر الله له بمنعه، وبترحيل هذه الفرقة وردها فورًا من حيث جاءت، فثار بي وبهم جماعة يقولون أننا أعداء الرياضة، وأننا رجعيون، وأننا متخلفون، فكتبتُ أرد عليهم، أقول لهم: هل جئتم حقا لتروا كيف تسقط الكرة في السلة؟ قالوا نعم. قلتُ: لقد كذبتم والله، إنه حين يلعب الشباب تنزلُ كرة السلة سبعين مرة فلا تقبلون عليها مثل هذا الإقبال، وتبقى المقاعد نصفها فارغاً، وحين لعبت البنات نزلت الكرة في السلة ثلاثين مرة فقط، فلماذا ازدحمت عليها وتسابقتم إليها؟ كونوا صادقين ولو مرة واحدة، واعترفوا بأنكم ما جئتم إلا لرؤية أفخاذ البنات!.
وهذا الذي سردته ليس منه والحمد لله شيء في مدارس المملكة، ولا تزال على الطريق السوي، ولكن من رأى العبرة بغيره فليعتبر، وما اتخذ أحد عند الله عهدًا أن لا يحل به ما حل بغيره إن سلك مسلكه، فحافظوا يا إخوتي على ما أنتم عليه، واسألوا الله وأسأله معكم العون.
إن المدارس هنا لا تزال بعيدة عن الاختلاط ، قاصرة على المدرسات والطالبات ... "

شموخ نجد
09 08 2010, 03:11 PM
را ئعـــــــــة
مقالة بعنوان

..فن الكلام..




زارني الليلة البارحة صديق لي فاستقبلته واعتذرت إليه بأني مشغول، عندي مقالة، قال: كل يوم مقالة، أو حديث؟ متى تنتهي هذه المقالات وهذه الأحاديث؟

قلت: حتى أنتهي أنا.

قال: إنك تنشر باستمرار من أربعين سنة فمن أين تجيء بهذه الموضوعات كلها؟

قلت: أسمع كلمة من تكلم أو أبصر مشهداً في طريق فأدير ذلك في ذهني ولا أزال أولِّد من الكلمة كلمة، ومن المشهد مشهداً حتى يجيء من ذلك حديث أو مقالة.

قال: أرني كيف تصنع حتى أتعلم!

فضحكت وقلت: إنها عملية تتم في ذهني لا في يدي، فكيف أريك مالا يرى؟.

وكنا قد شربنا القهوة ولكني لم أكتف بها ووجدت أنها لا تزال بي رغبة إلى الشاي وأنا كالإنكليز ( في هذه فقط ) أشرب الشاي في الصباح وفي الأصيل وفي الليل لا أنتهي منه حتى أعود إليه.

فقلت للبنت: قولي لأمك أن بابا يسألك: هل من آداب الضيافة أن نقدم الشاي بعد القهوة؟

فذهبت فقالت لها: بابا عاوز شاي.

قلت له: أسمعت؟ هذا موضوع حديث.

قال متعجباً: هذا؟ قلت: نعم. لقد بعثتها لتنقل إليها عبارة معناها إني أريد شاياً. ولكني جعلتها نكتة لطيفة، ليس فيها أمر وليس فيها جفاء... فأضاعت البنت هذه المزايا كلها حين بلغتها المعنى المجرد جافاً قاسياً كأنه أمر عسكري.

أفلا يوحي إليك هذا بشيء؟

فنظر وقال: لا!

قلت: أما أنا فقد ذكرني بقصة الأمير الذي رأى رؤيا مزعجة فدعا بمن يعبرها له، فقال له: تفسيرها أنها ستموت أسرتك كلها. فغضب الملك وأمر به فجلد عشر جلدات وطرد. ودعا بآخر، فقال له... أيها الأمير إن تعبير رؤياك واضح أنك أطول عمراً من أسرتك كلها.

فسر الأمير وأمر أن يعطى عشرة دنانير.

والمعنى واحد ولكن هذا قذف به في وجه الأمير عارياً صلداً كأنه يقذفه بحجر فخرج مضروبًا وذلك لفه بثوب جميل من حسن التعبير وقدمه إليه بيمينه برفق وتعظيم فخرج بالجائزة.

إن هذا هو الموضوع؟

قال: إني لم أفهم شيئاً إلى الآن؟ فما هو الموضوع؟

قلت: فن الكلام.

إن الإنسان كما يقولون حيوان ناطق، وليس النطق أن يخرج الحروف ويصفَّ الكلام، بل أن يعرف كيف يتكلم، ورب كلمة تدخل الجنة، وكلمة تدخل النار وكلمة أنجت من القتل وكلمة دفعت صاحبها إلى القتل، ورب صاحب حاجة عند وزير أو كبير، عرف كيف يطلبها فقضيت له، وآخر طلبها فلم يصل إليها. وكثيراً ما كان يقصدني أرباب الحاجات يسألونني أن أكلم لهم من أعرف من الوزراء والكبراء وأنا أكره أن أسأل في حاجة لي أو لغيري، فكنت أعتذر إليهم ولكني أفيدهم فائدة أكبر من وساطتي، هي أن ألقنهم الكلام الذي يقولونه للوزير أو للكبير ولولا أن الوقت يضيق عن التمثيل لضربت لذلك أمثالا ً.

وفي كتب الأدب العجائب في هذا الباب ولعلي أعود إلى الكلام فيها يوماً.

وهذا فن لا يتعلم تعلماً ولكن يوصل إليه بالقلب الذكي، وبأن تعرف خلق من تكلمه والطريق إلى نفسه. وكل نفس لها باب، وإليها طريق، لم يخلق الله نفساً مغلقة لا باب لها، فهذا يدخل إليه من باب التعظيم، وهذا من باب العاطفة وهذا من باب المنطق، وهذا من باب التهديد والتخويف، وهذا يزعجه التطويل ويحب الاختصار وهذا يؤثر الشرح والبيان ولا بد لك من قبل أن تكلم أحداً أن تعرف من أي باب من هذه الأبواب تدخل عليه.

ولا أذهب بك بعيداً معك في الدار، أليس لك أولاد؟

قال: بلى.

قلت: قد يجيئك ولدك وهو عابس مبرطم ( الكلمة عربية ) فيقول لك بلا سلام ولا كلام: أبغي نصف ريال.

فتقول له: أما أخذت البارحة نصف ريال؟ أكل يوم نصف ريال؟ وتطرده.

ويجيء الولد الآخر فيقبل يدك، ويسلم عليك، ويقول لك بابا أنا أشكرك لأنك أعطيتني أمس نصف ريال ولكني أنفقته وأنا أريد غيرها ولكني مستحي منك. وسأقتصد ولن أنفقها كلها مثل المرة الماضية.

فتقول له: لماذا تستحي مني؟ هل يستحي أحد من أبيه؟ خذ هذا ريال.

إنك لا تفضل ولداً على ولد، ولا تبخل بنصف الريال ولكن الأول أساء الأدب فعاقبته بالحرمان والثاني أحسن الأدب فأجبت له الطلب.

والمرأة الحكيمة التي تعرف خلق زوجها وتعرف كيف تكلمه تصل إلى كل ما تريده منه، والمرأة الحمقاء تحرم نفسها من كل شيء.

الأولى تعرف الوقت المناسب لعرض طلبها فلا تجيء زوجها وهو غضبان أو متضايق، بل تنظر ساعة رضائه وانطلاق نفسه فتطلب منه. ولا يكفي الرضا منه بل يجب أن يكون مع رضا النفس امتلاء اليد فإذا كانت تعلم أن الزوج ليس لديه من المال ما يلبي به الطلب لم يفدها حسن العرض ولا جمال القول.

وليست العبرة بألفاظ الكلام فقط بل باللهجة التي يلقى بها هذا الكلام والتحية إن ألقيت بلهجة جافة كانت شتيمة والشتيمة إن ألقيت بلهجة حب كانت تحية، والولد الصغير يعرف هذا بالفطرة. إن قلت وأنت ضاحك ( أخ يا خبيث) سر وابتسم، وإن قلت وأنت عابس مهدد: تعال يا آدمي يا – منظوم – خاف وهرب.

وإن قلت لصديقك في الدار: تفضل اقعد كانت مكرمة وإن قالها رئيس المحكمة للمحامي في وسط دفاعه كانت إهانة.

مع أن الكلمة واحدة وإن كتبت لم يكن بين حاليها اختلاف وما نقلها من حال إلى حال إلا اللهجة.

وخذ مثلاً أقرب كلمة صباح الخير.

إن صباح الخير قد يكون معناها إني لا أبالي بك ولا أحس غيابك ولا حضورك... وذلك إن قلتها ووجهك خال من كل تعبير وصوتك خال من الحرارة، كأنك تردد جملة محفوظة.

وقد يكون معناها إني أعطف عليك ولكني أراك دوني وأحس أني أرفع منك – إن قلتها وأنت باسم بسمة دبلوماسية وقد أحنيت رأسك ربع سانتي انحناءة مصطنعة.

وقد يكون معناها إني صديقك المخلص لك – إن قلتها بابتسامة صادقة وبلهجة طبيعية.

وإن برقت عيناك وأنت تقولها وارتجف صوتك حتى كأنه صوت ( أحمد علام ) في رواية مجنون ليلى كان معناها إني أعشقك وأموت حباً فيك.

وقد يكون معناها، إني أحتقرك وأزدريك إن قلتها وأنت مصغر خدك زاو نظرك شامخ بأنفك.

وقد يكون معنى صباح الخير سب الأب فإذا عوتب القائل قال: ( وهل شتمته، هل قلت له شيئاً؟ إنما قلت له صباح الخير ).

وقد يكون للكلمة أحياناً عكس معناها، الذي يدل عليه لفظها، يفهم ذلك من قرائن القول وظروف الكلام.

فإذا خرجت من الوزارة أنت وزميلك، فاصطحبتما في الطريق، حتى بلغت دارك، تقول له: تفضل معنا.

فيقول لك: في أمان الله.

لأن ( تفضل معنا ) هنا. معناها، فارقنا واذهب عنا، بدليل أنه لو أخذها على حقيقتها وتفضل معك، لضقت به واستقبلته وعجبت منه.

وقد يطيل الزائر السهرة، ثم يتهيأ للقيام فتقول له: بدري ( كمان شوي ) ومعنى ذلك لقد أطلت فاذهب.

وإذا مللت من حديث محدثك، تقول: ( لا يمل ) وهو في الحقيقة قد مل.

وتقول: ( غير مقطوع حديثك ) وقد قطعته وفصلت رأسه عن جسده، أو بترت ذنبه عن جسمه.

وقد يفقد الكلام كل معنى، ويصير جملاً فارغة، كقولك لمن تلقاه.

كيف حالك؟

ولا يهمك حقيقة أن تعرف حاله ولا ماله.

ويقول لك: مشتاقون، وما هو بالمشتاق إليك ولا المفكر فيك.

ويقول: طمني عن الصحة؟.

كأن صحته تشغل فكرك، وتطرد النوم عن عينيك ولا تطمئن حتى تثق بكمالها وتمامها.

كنت مرة خارجاً من المستشفى، بعد عملية جراحية، لا أزال أقاسي آلامها، فلقيني صديق لي فقال: كيف الصحة؟

فظننته يسأل عنها حقيقة ورحت أشرح له ما بي و أصور ما أجد وتكلمت خمس دقائق بمقدار حديثي في الإذاعة – على مائدة الإفطار – في رمضان فلما انتهيت سكت ونظرت إليه، أسمع منه، فقال: كيف الصحة إن شاء الله بخير.

وإذا به لم يسمع من شرحي وبياني شيئاً.

ودليل آخر، هو أسلوب التحية هنا وفي مصر وفي الشام يقول لك، من تلقاه. كيف أصبحت؟ كيف الأولاد، فتجيبه بما تيسر، فيعود فيقول: وكيف أصبحت وكيف الأولاد؟

يعيدها – كما تعاد ( ازيك ) في مصر، و( ايش لونك) في الشام والعراق، سبع عشرة مرة على الأقل – فلا تدري بماذا تجيب.

ومن الكلام الذي لا يدري المراد منه سؤال إخواننا الصحفيين كل من يلقونه، في كل مناسبة، وفي غير مناسبة، (عن شعوره ) عند رؤيته هذا المشهد، و ( انطباعه ) – وما أدري ما معنى ( انطباعه) - لذلك الحادث.

ولو حققت عن مراد السائل من سؤاله. وجدت السائل لا يعرف حقيقة ما يريده، فضلاً عن أن يعرفه المسؤول.

ولهجة الكلام وملامح الوجه، تقلب المعني قلباً. تصوروا رجلاً يدخل المأتم الحزين، وهو باسم الثغر، منطلق الوجه، ويقول بلهجة مرحه: ( عظم الله أجركم، والله تألمنا لمصابكم ). أو يدخل الفرح وهو دامع العين، ويقول بلهجة باكية: لكم تهانينا، إننا فرحون لفرحكم.

إن من يسمعه، يقول إنه أحمق، أو كاذب، ومثله مثل هؤلاء المغنين الذين يسمون أنفسهم قراء وما هم بالقراء، يتلون آية العذاب من كتاب الله التي تقشعر لها الجلود بصوت مرح ونغمة مرقصة، ويتلون آية البشرى والنعيم بنغمة حزينة وصوت باك.

وإن من إمارات الحكم على شخصية إنسان لهجة كرمه، فمن كان يتكلم بصوت هادئ ولهجة متزنة، وحروف واضحة، كانت له شخصية المهذب النبيه، ومن كان مرتفع الصوت، حاد اللهجة يتشدق في كلامه أو يمط الحروف لم تكن له هذه الشخصية وقد ترى امرأة جميلة الوجه وأخرى دونها جمالاً، ثم تسمع كلامهما، فتجد الأولى خشناً ولهجتها قاسية، وهي مسترجلة في نطقها، وتجد للثانية صوتاً رقيقاً ولهجة ناعمة ونغمة حبيبة فيزيد في عينيك جمالها حتى لتجدها أجمل من صاحبتها بل ربما شوه كلام الأولى صورتها في بصرك حتى رأيت جمالها قبحاً.

قال صاحبي: لقد اكتملت المقالة.

قلت: نعم، وكان موضوعها جديداً، هو ( فن الكلام ).

شموخ نجد
30 08 2010, 06:48 AM
بســـم الله الرحمن الرحيـــم

"رائعـــــــــــــــــة"
من أروع المقالات التي قرأتها

لا أؤمن بالإنسان

(ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا)

(وكان الإنسان كفورا )

(وكان الإنسان أكثر شئ جدلا)

(وخلق الإنسان ضعيفا)

(قتل الإنسان ما أكفره)

صدق الله العظيم..

كلام من هذا يا أخي عبدالمنعم أفبعد الله قول لقائل إذا كان الذي
خلق الانسان علي احسن تقويم وكرمه ونعمه يقول أنه ضعيف
هلوع جزوع من الشر منوع للخير منكر للنعمه كفور قتور كنود
عجول جدل .. يطغي اذا استغني وهذا كله في طبيعته وتركيبته..

اذا كان المراد الانسان الذي اصلح انسانيته بالايمان العمل الصالح
فأنا أؤمن..
فأذا لم يفعل عادت هذه الانسانيه خسرا لصاحبها ووبالا عليه ..
وكانت حمارية الحمار وكلبية الكلب خيرا من هذه الانسانيه في الدنيا.
وأنجي منها من العذاب في الاخره.. ولست انا الذي يقول هذا الكلام
وليس هذا رأيا أراه ولكنه قول ربك الذي اقسم عليه رب هذا الانسان.

(وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3))
صدق الله العظيم.

فأذا كنت تؤمن بالانسان الذي أدرك ماخلق له وسعي اليه وعرف الله فأطاعه
فأنا معك .. وإذا كنت تؤمن بالانسان من حيث كان انسانا فلا
يا أخي إني لم
أجد دواعي هذا الايمان .. وهذا تاريخ الانبياء كله نح منه الانبياء ومن ساروا
علي هديهم وأصلحوا فساد انسانيتهم بشرائعهم ثم انظر ماذا بقي .. وقل لي
أين الانسان الذي تؤمن به ؟
أهو الذي قتل أخاه وتركه في العراء حتى علمه غراب اسود كيف يواري سوءة
أخيه ؟؟ أم الانسان الذي ارتقي حتي صار يقتل بالقنبله الذريه آلالاف من النساء
والولدان لايجدون حيلة ولايهتدون سبيلا ولم يذنبوا ذنبا ولاأعلنوا حربا .. أم الإنسان
الذي استغل هذه الحروب وهي مأتم الإنسانيه .. فأخذ اللقمه من فم المرأة التي سيق
زوجها الى القتال والولد الذي أخذ أبوه الى الحرب ..حتى إذا ماتوا من الجوع
لبس الحرير ودان بالفجور ورقص علي جثثهم في هذا المأتم الباكي..
أم الانسان الذي يخون عهده وينسي الخبز والملح علي حين تفي الكلاب ..
أم الذي يجزع ويضيق صدره ويبيد صبره على
حين تصبر الحمير ؟؟ أم الذي يشقي
غيره ليسعد ..علي حين يتعاون النمل والنحل علي مافيه خير للجميع ...

الانسان الذي انفرد دون سائر الاحياء من ملائكه وحيوانات بالكفر بالله لايشاركه
هذا الشرف إلا الشياطين..وهم كفار الجن..
علي حين يسبح لله كل شئ ؟؟ أهذا الذي تؤمن به ؟؟ وأين دواعي الإيمان حتي أؤمن
مثلك ..
دلني عليها يا اخي فأني لا أراها ..
إني لأتلفت حولي فلا أكاد أرى إلا أكل الدنيا بأسم التجاره أو حافرا بئرا لأخيه
وهو يبتسم ابتسامة الاخاء .. أو متعاليا على الناس بأسم الوظيفه وهو أجيرهم..
أو استاذا يستغل منصب التعليم وهو من عمل الانبياء ليتعدي علي عفاف تلميذته
أو طبيبا يسطو على عرض مريضته أو ممرضته أو محاميا يأخذ اجرة الوكاله من
جمال موكلته ... وامرأه تخون زوجها وزوجها يخالف الى غير امرأته وكل يكذب
بقوله وعمله ويظهر غير حقيقته .. والكبير يأكل الصغير كما تاكل الحيتان السمك ..
ويتربص به ليلدغه كما تلدغ الحيه ..
إين الإنسان الذي تؤمن به يا أخ ..إني لأقوم على الطريق فلا أكاد أري إلا ذئبا يلبس
الثياب ثم يسطو كما تسطو الذئاب .. أو ثعلبا من الثعالب أو ثعبانا ناعم الملمس..
ناقع السم .. أو ضفدعا لها صوت الثور ولكن لاتجر المحراث .. أو ضبعا تأكل أجساد
الموتي أوجرثومة فتاكة ..في الخفاء فأقول سامح الله عبدالمنعم .. واقول أهؤلاء البشر
الذين نؤمن بهم..

وأنقل البصر الي ديار المتمدنين فلا أري مدينتهم إلا أظافر من حديد ومخالب من فولاذ
كأظافر الوحش ومخالبه..
ولكن الوحش يفترس ليعيش هو وهؤلاء يحاربون ليعيش غيرهم ووجدتهم استخدموا
قوى الطبيعة ولكن للشر واستخدموا عقولهم ولكن في الظلال ..

بقلم :
علي الطنطاوي رحمه الله
في رد علي الاستاذ عبدالمنعم خلاف في دعوته للايمان بالانسان..

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=395168

شموخ نجد
30 08 2010, 07:11 AM
~ رائـــعة ~

وكنت كسائر الناس أفزع من الوحدة و أحس ثقلها عليّ, وأحاول أن أفر منها
إلى رفيق أناقلة لغو الحديث , أو كتاب اقرأ فيه فارغ الكلام, فصرت ذلك اليوم
أحب الوحدة وأطمئن إليها
وما يكون في وحدة من يراقب الله ويحس بأنه معه يسمع ويرى
ويتوجّه إليه بالدعاء بلسانة وبقلبه يسأله ما دق وما جل
معتقدا أن كل شيء بيده وأنه إن لم يعطه ما طلب أعطاه خيرا منه
والدعاء بهذا المعنى عبادة بل هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح
وغدوت منفردا عن الناس وأنا منغمس فيهم , داخل بينهم.

~علي الطنطاوي~
مقطع من مقالة طويلة
بعنوان يوم مع الشيطان من كتاب صور وخواطر

شموخ نجد
06 10 2010, 05:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

"كل لون في المقال يمثل قصة"

الباب الذي لا يُغلق في وجه سائل.
يقول الشيخ على الطنطاوي: « أسرد عليكم قصة أسرة
أمريكية فيها ستة أولاد، أبوهم فلاح متين البناء قويّ الجسد
ماضي العزم، وأمهم امرأة عاقلة مدبّرة حازمة، فتربى
الأولاد على الصبر والاحتمال حتى صاروا رجالاً قبل
أوان الرجولة. وخرج الصغير يومًا يلعب، وكان في ا
لثالثة عشرة، فقفز من فوق صخرة عالية قفزة وقع
منها على ركبته، وأحس بألم فيها، ألم شديد لا يصبر
عليه ولد مثله، ولكنه
احتمله وصبر عليه، ولم يخبر أحدًا وأصبح فغدا على
مدرسته يمشي على رجله، والألم يزداد وهو يزداد
صبرًا عليه،
حتى مضى يومان فظهر الورم في رجله وازرقَّ، وعجز
أن يخطو عليها خطوة واحدة، فاضطربت أمه وجزع أبوه
وسألاه عن خبره؟ فأخبرهما الخبر فأضجعوه في فراشه
وجاءوا بالطبيب فلما رآها علم أنه قد فات أوان العلاج
وأنها إن لم تُقطع فورًا مات الولد من تسمم الدم، فانتحى
بأبيه ناحية وخبّره بذلك همسًا، يحاذر أن يسمع الولد
قوله، ولكنّ الولد سمع، وعرف أنها ستقطع رجله، فصرخ:
لا، لا تقطعوا رجلي، لا تقطعوا رجلي، أبي أنقذني، حاول أن
يقفز على رجل واحدة ويهرب منهم فأمسك به أبوه وردَّه إلى
فراشه، فنادى أمه نداء يقطع القلوب: أمي، أمي، أنقذيني،
أمي ساعديني، لا يقطعوا رجلي، ووقفت الأم المسكينة
حائرة تحس كأن كبدها تتمزق؛ قلبها يدعوها إلى نجدة
ابنها ويفيض حنانًا عليه وحبًا له، وعقلها يمنعها ويناديها
أن تفتدي حياته برجله، ولم تدر ماذا تصنع؟ فوقفت وقلبها
يتفطر ودمعها يتقاطر، وهو ينظر إليها نظر الغريق إلى من
ظن أنه سينقذه، فلما رآها لا تتحرك، يئس منها، كما يئس
من أبيه من قبل، وجعل ينادي أخاه [إِدغار] بصوت يختلط فيه النداء
بالبكاء والعويل: إِدغار إِدغار، أين أنت يا إِدغار؟أسرع فساعدني
،إنهم يريدون أن يقطعوا رجلي،إدغار إدغار، وسمع أخوه
إدغار ـ وهو أكبر منه بقليل ـ صراخه، فأقبل مسرعًا،
فشد قامته ونفخ صدره، ووقف دون أخيه متنمِّرًا مستأسدًا،
وفي عينيه بريق من عزيمة لا تُقهر، وأعلن أنه لن يدع أحدًا
يقترب منه، وكلمه أبوه، ونصحته أمه، وهو يزداد حماسة،

وأخوه يختبئ وراءه ويتمسك به، فيشدّ ذلك من عزمه،
وحاول أبوه أن يزيحه بالقوّة، فهجم على أبيه وعلى
الطبيب الذي جاء يساعده، واستأسد واستيأس، والإنسان
إذا استيأس صنع الأعاجيب. ألا ترون الدجاجة إذا
هجم أحد على فراخها كيف تنفش ريشها وتقوم دون فراخه؟
والقطة إذا ضويقت كيف تكشِّر عن أنيابها وتبدي مخالبه؟ إن الدجاجة
تتحول صقرًا جارحًا، والقطة تغدو ذئبًا كاسرًا، و [إدغار]
صار رجلا قويًا، وحارسًا ثابتًا، يتزحزح الجدار ولا يتزحزح
عن مكانه. وتركوه آملين أن يملَّ أو يكلَّ، فيبعد عن أخيه
ولكنه لم يتزحزح، وبقي يومين كاملين واقفًا على باب
غرفة
أخيه يحرسه، لم يأكل في اليومين إلا لقيمات، قربوها إليه،
ولم ينم إلا لحظات، والطبيب يجئ ويروح، ورجل الولد تزداد
زرقة وورمًا، فلما رأى الطبيب ذلك نفض يده وأعلن أنها لم

تبق فائدة من العملية الجراحية وأن الولد سيموت وانصرف،
ووقفوا جميعًا أمام الخطر المحدق. ماذا يصنع الناس في
ساعة الخطر؟! إن كل إنسان مؤمنًا كان أو كافرًا يعود
ساعة الخطر إلى الله؛ لأن الإيمان مستقر في كل نفس حتى
في نفوس الكفار، ولذلك قيل له: [كافر]، والكافر في لغة
العرب [الساتر] ذلك أنه يستر إيمانه ويغطيه، بل يظن
هو نفسه أن الإيمان قد فقد من نفسه، فإذا هزّته الأحداث
ألقت عن غطاءه فظهر. قريش التي كانت تعبد هُبل
واللات والعزى، إنما كانت تعبدها ساعة الأمن،
تعبدها هزلا منها، فإذا جدَّ الجدُّ، وركب القرشيون السفينة،
وهاج البحر من حولها بموج كالجبال، وصارت سفينتهم
بيد الموج كريشة في كفّ الرياح، وظهر الخطر،
وعمّ الخوف، بدأ الإيمان الكامن في أعماق النفس،
فلم تُدْعَ اللات والعزى ولا هاتيك [ المَسْخرات]، ولكن
دعت الله رب الأرض والسماوات، وعندما تغرق السفينة
وتبقى أنت على لوح من الخشب بين الماء والسماء، لا تجد

ما تصنع إلا أن تنادي: يا الله. هذا فرعون الذي طغى
وبغى، وتكبّر وتجبر، حتى قال أحمق مقالة قالها إنسان قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ ... [النازعات:24] لما أدرك الغرقُ
فرعون قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو
إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ... [يونس:90].
وعندما تضل في الصحراء، ويحرق العطش جوفك،
وترى الموت يأتيك من كل مكان، لا تجد ما تصنع
إلا أن تنادي: يا الله!، وعندما تتعاقب سنوات القحط،
ويمتد انقطاع المطر. وفي غمرة المعركة العابسة
التي يرقص فيها الموت، وعندما يشرف المريض
ويعجز الأطباء يكون الرجوع إلى الله. هنالك ينسى الملحد
إلحاده، والماديُّ ماديته، والشيوعيّ شيوعيّته ويقول الجميع:
يا الله !. لما ذهب الطبيب واستحكم اليأس وملأ قلوب الجميع:
قلب الولد الخائف، وأخيه المستأسد المتنمّر، وأبيه وأمه،
واستشعروا العجز، ولم تبق في أيديهم حيلة، وبلغوا مرتبة
[المضطر]، مدّوا أيديهم إلى الله يطلبون منه الشفاء وحده،
ويطلبونه بلا سبب يعرفونه. لأنها قد تقطعت بهم الأسباب،
والله الذي يشفي بسبب الدواء والطبّ، قادر على أن
يشفي بلا طب ولا دواء. مدّوا أيديهم وجعلوا يقولون:
يا الله!! يدعون دعاء المضطر، والله يجيب دعوة المضطر
ولو كان فاسقًا، ولو كان كافرًا، ما دام قد التجأ إليه،
واعتمد عليه، ووقف ببابه، وعلق أمله به وحده،
يُجيب دعوته إن طلب الدنيا، أما الآخرة فلا تُجاب
فيها دعوته لأنه كافر لا يؤمن بالآخرة. هؤلاء كفار
قريش لما دعوا الله مخلصين له الدين استجاب دعاءهم
ونجاهم إلى البر، بل هذا شرّ الخلق إبليس لمّا دعا دعاء
المضطر، قال: ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
... [الحجر:36]، قال له: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴾
... [الحجر:37].

ولو أمعنتم النظر في أسلوب القرآن لوجدتم أن الله لم يخبر
في القرآن إِخبارًا أنه يجيب دعوة المضطر، لأن
ذلك مشاهد معلوم، ولكن ذكره حجة على المشركين
فقال: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ
السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن
تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿60﴾
أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ
لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ
اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿61﴾ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ
مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ... [النمل: 60 - 62].

يا أيها القراء إنهم لما دعوا نظروا فإذا الورم بدأ يخف
والزُّرقة تمحى والألم يتناقص، ثم لم يمض يومان حتى
شفيت الرِجل تمامًا، وجاء الطبيب فلم يكد يصدق ما يراه!!.
ستقولون هذه قصة خيالية أنت اخترعتها وتخيلتها،
فما قولكم إن دللتكم على صاحبها، إن هذا الولد صار
مشهورًا ومعروفًا في الدنيا كلها، وهو الذي روى
القصة بلسانه، هذا الولد هو: أيزنهاور القائد
العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية،
ورئيس أمريكا بعد ذلك!!.

وقد وقعت لي أنا حوادث رأيتُها وعشتُها، أو وقعت لمن
كان حولي سمعتُها وتحققت منها. سنة 1957،
مرضت مرضة طويلة لخيانة من طبيب شاب شيوعي،
وضع لي جرثومة يسمونها العصيّات الزرقاء، قليلة نادرة
في بلادنا، وكانت شكواي من حصاة في الكلية أقاسي
من نوباتها آلامًا لا يعرف مداها إلا من قاساها، فانضممت
إليها أمراض أخرى لم يكن لي عهد بها، وقضيت في المستشفى؛
مستشفى الصحة المركزي الكبير في دمشق، ثم في مستشفى
كلية الطب بضعة عشر شهرًا، أقيم فيه، ثم أخرج منه ثم أعود
إليه، وكانوا كل يوم يفحصون البول مرتين، وينظرون ما فيه،
فلما طال بي الأمر، وضاق مني الصدر، توجهت إلى الله فسألته
إحدى الراحتين، الشفاء إن كان الشفاء خيرًا لي، أو الموت

إن كان في الموت خيرٌ لي ـ وكان يدعو لي كثير ممن يحبني
وإن كنت لا أستحق هذا الحب من الأقرباء ومن الأصدقاء ـ
فلما توجهت ذلك اليوم إلى الله مخلصًا له نيتي، واثقًا بقدرته
على شفائي، سكن الألم، وتباعدت النوبات، وفحصوا
البول كما كانوا يفحصونه كل يوم،
فإذا به قد صفا، وزال أكثر ما كان فيه وعجب
الأطباء واندهشوا، اجتمعوا يبحثون. فقلت لهم:
لا تتعبوا أنفسكم فهذا شيء جاء من وراء طِبِّكم،
إن الله الذي أمرنا أن نطلب الشفاء من الطب ومن الدواء،
قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء.

ولما قدمت المملكة سنة 1382هـ أقمت سنة في الرياض،
ثم جئت مكة فلبثت فيها إلى الآن، كان معنا فيها رجل من
الشام لا أسميه، كان مقيمًا في الرياض هو وأمه، فعرض
له عمل اقتضى سفره إلى لبنان، كرهت أمه هذا السفر
لئلا تبقى وحدها، فلما حلّ موعده حمل ثقله
[أي حقائبه وأشياءه] إلى المطار فسلمه إلى الشركة وذهب
إلى بيته على أن يأتي الفجر ليسافر. ورجا أمه أن توقظه
قبيل الفجر، فلم توقظه حتى بقى لموعد قيام الطيارة ثلاث
أرباع الساعة، فقام مسرعًا وأخذ سيارة وحثَّ السائق
على أن يبلغ به المطار ويضاعف له الأجر، وجعل

يدعو الله أن يلحق بالطيارة قبل أن تطير، ولما وصل
وجد أنه لا يزال بينه وبين الموعد ربع ساعة،
فدخل المقصف وقعد على الكرسي فنام،
ونودي من المكبر على ركاب الطائرة أن يذهبوا إليها،
فلم يسمع هذا النداء وما صحا حتى كانت
الطيارة قد علت في الجو، وكنت معه،
فجعل يعجب كيف دعا الله بهذا الإخلاص دعاء المضطر
ولم يستجب له؟. وجعلت أهون الأمر عليه، وأقول له:
إن الله لا يردّ دعوة داعٍ مخلص مضطر أبدًا، ولكن
الإنسان يدعو بالشر دعاءه بالخير،
والله أعلم بمصلحته منه،
وأهمّ الغضب والحزن عن إدراك ما أقول. أفتدرون
ماذا كانت خاتمة هذه القصة؟ لعل منكم من يذكر
طيارة شركة الشرق الأوسط التي سقطت تلك السنة،
وهلك من كان فيه؟ هذه هي الطيارة التي حزن على
أنها فاتته. إن الإنسان قد يطلب من الله ما يضره،
ولكن الله أرحم به من نفسه، وإذا كان الأب يأخذ
ولده الصغير إلى السوق فيرى اللعبة فيقول: أريدها،
فيشتريها له، ويبصر الفاكهة الجميلة، فيوصله إليه،
ويطلب الشُّكولاته فيشتري له ما يطلبه فإذا مرَّ على
الصيدلية ورأى الدواء الملفوف بالورقة الحمراء،
فأعجبه لونه، فطلبه، هل يشتريه له وهو يعلم أنه
يضره؟ إذا كان الأب وهو أعرف بمصلحة ولده لا
يعطيه كل ما يطلب لأنه قد يطلب ما لا يفيده، فالله
أرحم بالعباد من آبائهم ومن أمهاتهم ومن ذويهم » ....

[ كتاب الباب الذي لا يغلق في وجه سائل ص 1 – 20: الشيخ على الطنطاوي].

الهزبر التميمي
06 10 2010, 06:30 AM
درر وفوائد
بوركتي أختي الفاضلة

المُناظر
06 10 2010, 10:59 AM
اللهم اجمعنا بالشيخ علي الطنطاوي في الفردوس الاعلى من الجنة آمين يا رب العالمين

شموخ نجد
06 10 2010, 12:41 PM
آمين
:A14:

شموخ نجد
14 11 2010, 10:54 PM
لقد كنت أول رجل في سوريا تكلم جهراً في المجامع في إنكار ماكان أيام الوحدة،
أيام الإرهاب ،خوفاً من أن نتعرض بسكوتنا جميعاً إلى عذاب جهنم. أفأدعُ الأن الإنكار
وقد زال الإرهاب ؟ إن دين الله أعزّ علي من أن أضيعه في المجاملات ،والله أكبر في
قلبي من أن أسخِطه لرضا مخلوق مهما بلغ من السلطان. وأسأل الله أن يثبتني على
...الحق. الذكريات ج6 ص 121

احمدو
14 11 2010, 11:39 PM
:A6::A5::A3::A7:

شموخ نجد
15 11 2010, 01:59 AM
:A14:

شموخ نجد
21 12 2010, 08:31 PM
بمناسبة قرب الأمتحاانات : /
نصائح عملية للطلاب قبل الامتحان

علي الطنطاوي


كنت في مصر فزرت صديقا لي قبيل المغرب فجاء ولده يسلم علي وهو مصفر الوجه، بادي الضعف، فقلت: خيرا إن شاء الله. هل هو مريض؟
قال أبوه: ما به شيء، ولكنه كان نائما.
فسألته: وما له ينام في غير الوقت المناسب؟
قال: ليسهر في الليل، إنه يبقى ساهرا كل ليلة إلى الفجر.
قلت: وليه؟ قال: يستعد للامتحان.
قلت: أعوذ بالله، هذا أقصر طريق للوصل إلى السقوط في الامتحان، لقد دخلت خلال دراستي الابتدائية والثانوية والعالية امتحانات لا أحصي عددها، فما سقطت بحمد الله في واحد منها بل كنت فيها من المجلين السابقين، وما سهرت من أجلها ساعة بل كنت أنام أيام الامتحان أكثر مما أنام في غيرها.
فعجب الولد، وقال: تنام أكثر؟
قلت: نعم! وهل إلا هذا الامتحان؟ الامتحان مباراة، أفرأيت رياضيا، ملاكما أو مصارعا يهد جسمه ليالي المباراة بالسهر أم تراه ينام ويأكل ويستريح ليدخل المباراة قويا نشيطا؟ إن أول نصيحة أسديها لمن يدخل الامتحان من الطلاب والطالبات أن يحسن الغذاء وأن ينام ثماني ساعات.
فسألني: والوقت؟ قلت: إن الوقت متسع وإن ساعة واحدة تقرأ فيها وأنت نشيط مستريح، تنفعك أكثر من أربع ساعات تقرؤها وأنت نعسان تعبان تظن أنك حفظت الدرس وأنت لم تحفظه.
فقال: إن كانت هذه هي النصيحة الأولى، فما الثانية؟ قلت أن تعرف نفسك أولا، ثم تعرف كيف تقرأ فإن من الطلاب من يسمع الدرس من المعلم فينساه فإذا قرأه بنفسه استقر فيها. ومنهم من يقرأ فينسى فإذا سمع بأذنه حفظ، أي إن من الناس من هو (بصري) يكاد يذكر في الامتحان صفحة الكتاب ومكان المسألة منها، ومنهم من هو (سمعي) يذكر رنة صوت الأستاذ. فإن كنت من أهل البصر فادرس وحدك وإن كنت من أهل السمع فادرس مع رفيق لك مثلك. واجعله يقرأ عليك.
قال: وكيف أعرف نفسي؟ قلت: أنا أكتب لك عشر كلمات لا رابط فيها مثل ( كتاب، مئذنة، سبعة عشر، هارون الرشيد) وأقرؤها عليك مرة واحدة ثم تكتب أنت ما حفظته منها، وأكتب مثلها وأطلعك عليها لحظة وأرى ما حفظته منها، فإن حفظت بالسمع أكثر فأنت (سمعي) وإلا فأنت (بصري). فسألني: والنصيحة الثالثة؟ قلت: أن تجعل للدراسة برنامجا تراعي فيه تنويع الدروس، فإذا تعبت من الحساب أو الجبر اشتغلت بعده بالتاريخ أو الأدب فيكون ذلك كالراحة لك من تعب الأول.
وأحسن طريقة وجدتها للقراءة، أن تمر أولا مرا سريعا على الكتاب كله، ثم تفهم فصلا فصلا منه على أن يكون القلم في يدك إن كنت تقرأ بنفسك، فالجملة المهمة تخط تحتها خطا بالأحمر، والشرح الذي لا ضرورة له تضرب عليه بخط خفيف، والفقرة الجامعة تشير عليها بسهم.
ثم يأتي دور المراجعة، فتأخذ الكتاب معك وتمشي في طريق خال، وتستعرض في ذهنك مسائله مسألة مسألة تتصور أنك في الامتحان وإن هذا السؤال قد وجه إليك فإذا وجدت أنه حاضر في ذهنك تركته وإلا فتحت الكتاب فنظرت فيه نظرة تقرأ فيها الفقرات والجمل التي كنت قد أشرت إليها فقط فتذكر ما نسيته. وإن وجدت أنك لا تذكر من المسألة شيئا أعدت قراءة الفصل كله. ثم لا تجعل الخوف يتملكك، فبعض الطلاب ينظرون إلى الكتاب الكبير والوقت القصير الباقي ويريدون أن يحفظوه كله في ساعة فلا يستطيعون فيدخل عليهم الخوف من أن يجيء الامتحان وهم لم يكملوا حفظه. ومثلهم مثل الذي يريد أن يمشي على رجليه من البلد إلى المطار ليدرك الطيارة وما معه من الوقت إلا ساعة فإن قال لنفسه، كيف أصل؟ فإن ركض كالمجانين فتعب حتى وقع لم يصل أبدا، وإن قسم الوقت والخطى، وقال لنفسه: إن علي أن أمشي في الدقيقة مئة خطوة فقط سار متمهلا مطمئنا، ووصل سالما.
إن بعض الطلاب يقف أمام غرفة الامتحان يعرض في ذهنه مسائل الكتاب كلها، فإذا لم يذكرها اعتقد أنه غير حافظ درسه واضطرب وجزع مع أنه يستحيل أن يذكر المسائل كلها دفعة واحدة وإن كان يعرفها.
كم اسما تعرف من أسماء إخوانك وأصدقائك؟ هل تستطيع أن تسردها كلها سردا في لحظة واحدة؟ لا، ولكن إذا مر الرجل أمامك، أو وصف لك، ذكرت اسمه إذ إن غياب هذه المعلومات عن ذهنك ليس معناه إنها فقدت من ذاكرتك.
إنك كلما قرأت درسا استرحت بعده أو انصرفت إلى شيء بعيد عنه ليستقر في ذهنك، ومن الطلاب من يقرأ الدرس فإذا فرغ منه عاد إليه ويكرر ذلك مرات يحسب إن ذلك خير، مع إن ذلك كمن يأخذ صورة (بالفوتوغراف) ثم يأخذها مرة ثانية من غير أن يبدل اللوحة أو يدير الفيلم فتطمس الصورتان.
عليك أن تستريح ليلة الامتحان وتدع القراءة وتأخذ قصة خفيفة، أو تزور أهلك أو أصدقائك أو تتلهى بشيء يصرفك عن التفكير في الامتحان، وأن تنام تلك الليلة تسع ساعات أو عشرا، إن استطعت، ولا تخش أن تذهب المعلومات من رأسك فإن الذاكرة أمرها عجيب ولا سيما عند من كان في أوائل الشباب. إن ما ينقش فيها في الصبا لا ينسى، وإني قد أنسى اليوم ماذا تعشيت البارحة ولكني أذكر ما كان قبل أربعين أو خمس وأربعين سنة كأني أراه الآن.
وعليك أن تعلم أن الامتحان ميزان يصح غالبا، وقد يخطئ حينا، وإن المصحح بشر يكون مستريحا فيقرأ بإمعان وقد يتعب فلا يدقق النظر.
وأنه ينشط ويمل ويصيب ويخطئ وقد يختلف حكمه على الورقة وعلى أخرى مثلها باختلاف حالتي راحته وتعبه، ورضاه وسخطه.
وقد جربوا في أمريكا مصححا مرة أعطوه أوراقا فوضع لها العلامات والدرجات ثم محوا علامته وجاءوه بها مرة ثانية ليصححها فإذا هو يبدل أحكامه عليها، وتختلف درجاته في المرتين أكثر من عشرين في المئة.
وطلبوا من مصحح مرة أخرى أن يكتب هو الجواب الذي يستحق العلامة التامة ثم أخذوا جوابه فكتبوه بخط آخر وبدلوا فيه قليلا وعرضوه عليه مع الأوراق فأعطاه علامة دون الوسط. والمصحح ليس في يده ميزان الذهب، وقد يتردد بين الستين من مئة وبين السبعين وقد يكون في هذه العلامات العشر نجاح التلميذ أو سقوطه، وربما وقعت الورقة في يد مصحح مشدد فأسقطها ولو وقعت في يد آخر مهون لمشاها.
تسألني ماذا أعمل؟ وأنا أقول لك – اعمل الذي هو عليك ودع الباقي لله. إن عليك بعد حفظ الدرس أن توضح خطك، فإن سوء الخط وخفاءه ربما كانا السبب في غضب المصحح أو نقمته فأساء حكمه على الورقة فأسقطها. ثم عليك أن تكثر من العناوين وأن تقطع الفقرات وتميزها وأن تتجنب الفضول والاستطراد، وقد يستطرد التلميذ فيذكر أمرا لم يطلب منه، يريد بذلك أن يكشف عن عمل، فيقع في خطأ يكشف جهله فيكون سبب سقوطه. هذا الذي عليك وهذا الواجب في الامتحان وغيره.
على المرء أن يسعى ويعمل، ولكن ليس النجاح منوطا دائما بالسعي والعمل، وقد يمرض اثنان فيستشيران الطبيب الواحد ويتخذان العلاج الواحد ويكونانا في المشفى في الغرفة الواحدة وتكون معاملتهما واحدة فيموت هذا ويبرأ هذا، فمما كان ذلك؟ من الله!.
ويفتح اثنان متجرين ويأتيان بالبضاعة الواحدة ويتخذان طريقة للبيع واحدة فيقع هذا على صفقة تجعله من كبار الأغنياء ويبقى ذلك في موضعه، فمما كان ذلك؟ من الله.
وأنا لا أقول لأحد أن يترك السعي، لا، فالسعي مطلوب وعلى التلميذ أن يقرأ الكتاب كله حتى الحاشية التي لا يهتم غيره بها إذا ربما كان السؤال في الامتحان منها، وبعد ذلك يتوجه إلى الله فيطلب منه النجاح.

:A2:

المُناظر
21 12 2010, 08:33 PM
جزاكم الله تعالى كل خير آمين

أبو المهند التيمي
20 12 2011, 10:19 PM
ذكريات - علي الطنطاوي


مجلد 1-5:

http://abokalid.com/book/000490.rar


مجلد8:
http://abokalid.com/book/000487.pdf



المصدر:
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=94097