المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مع الشيخ عبد العظيم بدوي وفقه الله


 


المفكرة
27 09 2009, 10:10 AM
أرتبه وانزله إن شاء الله

المفكرة
27 09 2009, 10:43 AM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ،وأسهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .. أما بعد :.
فلقد استمعت إلى شريط مسجل بعنوان ( التحذير من فتنة التكفير) وهو عبارة عن خطبة جمعة للشيخ عبد العظيم بدوي وفقه الله ثم فرغت بعد ذلك في رسالة صغيرة باسم : ( القول الفصل المبين في حكم من لم يحكم بما أنزل الله رب العالمين) .
ولي على ما تفضل به الشيخ في هذا الشريط وقفات وملاحظات أرى أن من واجب البلاغ والنصح للشيخ ولعموم المسلمين أن أذكرها وأنبه عليها وأسأل الله أن ينفع بها وان يخلص نياتنا وأقوالنا وأعمالنا لوجهه الكريم وأرجو أن يتسع لها صدر الشيخ وفقه الله وهو أهل لذلك إن شاء الله ، علما بأنني لن أقتصر على يورده الشيخ من دلائل في كل مسالة ولكني قد أتناول بعض ما يورده غيره ممن يذهب في المسالة نفس مذهب الشيخ وسيتضح ذلك من سياق الكلام .
وقبل أن أسجل هذه الوقفات أنبه بداية إلى سبب كتابتها رغم ما يمكن أن يقال أن هذا الكلام قد تكرر من آخرين غير الشيخ ونبه عليه أهل العلم فأقول :
-السبب الأول : أهمية ما ذكر في هذا الشريط من مسائل حري بكل مسلم أن يقف على المعتقد الصحيح فيها وحري بطالب ألعلم أن يحررها ويحقق الصواب فيها .
-ثانيا : طريقة عرض الشيخ لهذه المسائل حيث اتبع فيها الشيخ وفقه الله منهج التهميش للمخالفين حتى يخيل للمستمع أن الناس فيها على قول واحد ،وأن المخالف فيها خارج عن أهل ألسنة ، والحق أن ما ذكره الشيخ من مسائل بعضها قد ثبت فيها الخلاف بين أهل السنة ، وبعضها قد خالف فيه الشيخ المتفق عليه بين أهل العلم .
ثالثا : الشيخ في هذا الشريط وغيره يحاول أن يؤكد أنه لم يخرج عما قرره أهل العلم لاسيما علماء المملكة السعودية وعلماء اللجنة الدائمة على وجه الخصوص لما لهم من وزن علمي وقبول بين أطياف العاملين في العالم الإسلامي ولما هو معلوم عنهم من إتباعهم للسنة والقيام عليها علما وتعليما ودعوة ...
لذا فقد ركزت في هذه الوقفات على إبراز ما لم يكن يخطر ببال وهو أن ما من مسالة تكلم فيها الشيخ وفقه الله وأوهم انه موافق فيها لعلماء اللجنة الدائمة إلا واللجنة قد بدعت هذا القول الذي اختاره ،وأفتت بتحريم نشره ووجوب التوبة على من قاله !
- وقد يقول قائل : إن علماء اللجنة الدائمة بشر يصيبون ويخطئون والشيخ عالم معتبر ويوافقه فيما ذهب إليه علماء آخرون غير اللجنة ...
والجواب عن ذلك : أن هذا حق نقر به وندين الله سبحانه وتعالى به فهم كغيرهم بشر يصيبون ويخطئون ولكن المأخذ على الشيخ في أن يوهم أنه موافق لعلماء اللجنة الدائمة فيما ذكره من مسائل وهم في الحقيقة يخالفونه ويبدعوا كلامه ،وأيضا في إيهامه أن المسائل التي ستكلم فيها لا خلاف فيها أو أن الخلاف فيها واقع بين أهل السنة وأهل التكفير ثم يتبين بعد ذلك أن المخالفين له هم من يحتج بأقوالهم !
لهذه الأسباب وغيرها سجلت هذه الوقفات والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
الوقفة الأولى : التكفير ليس فتنه !
الشيخ وفقه الله يحذر من التكفير ويطلق القول بذلك كما في عنوان محاضرته " التحذير من فتنة التكفير" وكان الأليق بالشيخ أن يحذر من فتنة ( الغلو) في التكفير لان التكفير في ذاته ليس فتنة وليس بدعة بل هو حكم شرعي كغيره من الأحكام التي إذا أقيمت على وفق ما جاءت به الشريعة فليس بفتنة وإنما الفتنة في تجاوز حدود الله سبحانه وتعالى وذلك في كل أمر ونهي حيث قال سبحانه :( وليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب عظيم ) الآية ، فالمخالفة عن أمر الله سبحانه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهجه وطريقته هو الفتنة وهو سبب الفتنة وذلك يكون بالغلو في تطبيقه ومجاوزة الحد أو القصور عن تطبيقه ، أما التزام ما جاءت به الشريعة فليس بفتنة ولا يكون سببا فيها ...
ولا شك أن الغلو في التكفير والتكفير بغير موجب خطأ عظيم وجرم كبير والتحذير من ذلك واجب متحتم على أهل العلم وطلابه لما في ذلك من تعدي لحدود الله واعتداء على دين المسلمين وأعراضهم ودمائهم ، ولكن من الخطأ أيضا أن يجعل نفس التكفير الذي هو حكم الشريعة فتنة أو بدعة ، أو تقابل بدعة الغلو في التكفير ببدعة التفريط والإرجاء ! فتقابل الفتنة بفتنة أعظم والبدعة ببدعة أشد ، حتى يصل الأمر إلى التحذير من التكفير مطلقا بما يلزم من ذلك من رد أحكام الشريعة أو تعطيلها باسم التحذير من فتنة التكفير !
ولا شك أنه كما أن للغلو في التكفير آثاره وأضراره الجسيمة ، فإن عدم تكفير الكافرين له آثار أشد وأعظم على الإسلام والمسلمين وليس هذا من تقريري بل هذا هو منهج السلف حين قارنوا بين فتنة المرجئة وفتنة والخوارج - الحقيقيين - فقال إبراهيم النخعي : ( لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الازارقة ) يعني الخوارج .
وقال رحمه الله : ( تركت المرجئة الدين ارق من ثوب سابري )
وقالالإمام الزهري: ( ما ابتدعـت في الإسلامبدعة هي أضر على أهله من هذه.. يعنى الإرجاء)
وقال الإمام الاوزاعي : ( كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء ) ( السنة لعبد الله بن الإمام أحمد )
ومن أعظم آثار هذه الفتنة الخبيثة هو التباس الحق بالباطل وخفاء معالمه وحدوده عند أكثر الناس ، فإن عدم إنكار مظاهر الكفر والشرك وسائر أنواع المنكرات وإظهار أحكامها والدعوة إلى تصحيح مفاهيمها قد أدى لدى العامة إلى الاعتقاد بأن هذه الأعمال ليست منكرة وان هذه الكفريات لا تتعارض مع إيمانهم ، ثم إذا رأوا إنكار أصحاب هذه اللوثة أو غيرهم ينكرون على إخوانهم واتهامهم بأنهم أهل تكفير وخوارج ثبتوا على ما هم عليه من الشرك وترسخ اعتقادهم بصحته وتفانوا في الدفاع عنه وتحسينه والدعوة إليه ...
ومن أقدار الله سبحانه وتعالى في زماننا هذا أن سخر لكل طائفة من طوائف المشركين والكفار من يدافع عنهم ، ويجادل عن تكفيرهم بل ويتهم من يكفرهم بأنه خارجي يكفر المسلمين بغير حق ! فوجد عباد القبور والزنادقة والعلمانيون والحكام المبدلون وساب الدين المستهزئ بأحكامه وشرائعه من يدافع عنهم ويجادل عن تكفيرهم ويجعلهم في عداد المسلمين الموحدين . حتى صار الإسلام حمى مستباحا وبابا مفتوحا لكل زنديق ومارق ، وخفيت بل ضاعت أحكام هذه المسائل بسبب هذا الزخم الارجائي العنيد والبعد عند تطبيق أحكام الشريعة ، فإذا كان المرجئة القدامى قالوا لا يضر مع الإيمان معصية فقال السلف عنهم ( تركوا الدين أرق من ثوب سابري ) ، فكيف إذا رأوا من يقول بأنه قد يجتمع في المسلم الكفر الأكبر مع الإيمان ولا يضره ؟!
ومن أعظم آثار هذه اللوثة أن كانت من أعظم الأسباب في تسلط أعداء الله من الزنادقة والعلمانيين والمنافقين على رقاب المسلمين وحكمهم فيهم بالقوانين وتبديلهم لشرائع الإسلام دون إنكار من أصحاب هذه اللوثة بل إنهم أخذوا على عاتقهم فوق ذلك ترسيخ شرعيتهم وتصحيح ولايتهم ، ومحاربة من يدعوا إلى الكفر بهم أو بيان حالهم واتهامه بأنه تكفيري خارجي يتقرب إلى الله بقتله والإضرار به ، فكانوا سلما للطواغيت المبدلين حربا على إخوانهم الموحدين ، فلا هم أنكروا هذا المنكر وبينوه ولا هم تركوا غيرهم ينكرون،... فأي فتنة أعظم من هذه الفتنة !
وإن مما يجب على المسلم الغيور على دينه ، قبل أن يحذر من فتنة ( الغلو ) في التكفير ، أن يحذر أولا من فتنة الكفر والشرك الذي تطاير شراره وثار قتامه في كثير من بلاد المسلمين ، أما أن يكون للخائنين خصيما ، وللمنافقين ردءا وظهيرا ، ثم يتسلط على إخوانه الذين حركتهم الغيرة لتغيير مظاهر الكفر والشرك التي قد انتشرت في بلاد المسلمين كانتشار النار في الهشيم - وإن أخطئوا - فهذا غاية ما يكون عليه الوجه من صفاقة والدين من رقة ورعونة، وإلا فلو أنكر الكفر وحذر منه ، ثم حذر من الغلو في التكفير ، لكان خيرا له وأقوم .
- وفي زماننا قد وجد كثير ممن يحذرون من فتنة التكفير بل من التكفير رأسا، وألفت في ذلك الكثير من المؤلفات التي زعم أصحابها أنهم يحذرون من هذه الفتنة ثم تبين بعد ذلك أن الداء منهم والبلية فيهم وأن ثمة خلل في منهجهم واعتقادهم أدى بهم إلى رفع هذا الشعار وتقرير هذا المنهج وهو اعتقادهم في أن المسلم لا يكفر ولا يخرج من الملة وإن فعل من الكفر والشرك ما فعل ما لم يرد بذلك الخروج من الإسلام !
وهي عقيدة الإرجاء توارثها أهلها خلف عن سلف ،واستحكمت من عقول بعض من ينتسب إلى العلم والدعوة خاصة في زماننا هذا ،حتى سرت إلى عامة الناس فتشربتها قلوبهم الخاوية فشب عليها الصغير وشاب عليها الكبير فصارت فتنة بحق !
غيبت بسببها معالم الحق وضيعت حقائق الدين ،واشتبه على الناس حال الموحدين
والمشركين ومحيت عقيدة الولاء والبراء وتسلط الزنادقة والعلمانيون حتى غدا للكافرين على المؤمنين كل سبيل . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
- فلا يمكن عند هؤلاء أن يكفر من انتسب للإسلام بحال وإن ارتكب النواقض والموبقات فهو مع قيامه على الشرك والكفر وتبديل الشرائع ومظاهرة أعداء الله مسلم موحد مخلص صادق متيقن منقاد قد حقق جميع شروط لا إله إلا الله التي جعلها العلماء شروطا لقبولها وكونها نافعة !
فهؤلاء وإن تشعبت أقوالهم اتفقوا على جعل الإسلام - مجرد انتساب - لا يمكن أن يخرج من انتسب إليه إلا أن يقرر هو الخروج منه فيقول أنا كافر أو أنا نصراني أو أنا يهودي ، مهما فعل من صور الإشراك بالله والكفر به سبحانه ...
وقد حصر أغلبهم الكفر في الجحود والاستحلال صراحة ومنهم من وضع القيود الثقال التي تؤول بجميع المكفرات إلى ذلك .
و من هذه الكتب التي ابتلينا بها كتاب ( إحكام التقرير في أحكام التكفير ) لصاحبه الشيخ مراد شكري وكتاب (التحذير من فتنة التكفير ) للشيخ علي بن حسن الحلبي وغيرهم ، ولقد حذر من هذه الكتب وغيرها أهل العلم وخاصة علماء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله ،فقد حذروا منها ومن أصحابها وصدرت الفتاوى تحذر من قراءتها وطباعتها ونشرها وأكدت على وجوب توبة أصحابها من بدعة الإرجاء ولم يمنعهم من ذلك أن أصحاب هذه الكتب ينتسبون إلى العلم والحديث والسنة ويرفعون لواءها .
- ومما جاء في فتوى اللجنة الدائمة بخصوص كتاب إحكام التقرير قولهم :
( بعد الإطلاع على الكتاب المذكور وُجد أنه متضمن لما ذُكر من تقرير مذهب المرجئة ونشره . من أنه لا كفر إلا كفر الجحود والتكذيب ، وإظهار هذا المذهب المُردي باسم السنة.....
فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وطبعه ، ولا نسبة ما فيه من الباطل إلى الدليل من الكتاب والسنة ،ولا أنه مذهب أهل السنة والجماعة ، وعلى كاتبه وناشره إعلان التوبة إلى الله فإن التوبة تغفر الحوبة . )
- ومما جاء من كلام اللجنة بخصوص كتابي ( صيحة نذير والتحذير من فتنة التكفير) للشيخ علي الحلبي قولها : (وبعد دراسة اللجنة للكتابين المذكورين والاطلاع عليهما تبين للجنة أن كتاب (التـحذير من فتنة التكفير) جمع : علي حسن الحلبي فيما أضافه إلى كلام العلماء في مقدمته وحواشيه يـحتوي على ما يأتي :
( بناه مؤلفه على مذهب المرجئة البدعي الباطل ، الذين يـحصرون الكفر بكفر الجحود والتكذيب والاستـحلال القلبي كما في (ص6) حاشية 2 و(ص22) وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الكفر يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك.....
- تقوله على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، في (ص17/18) إذ نسب إليه جامع الكتاب المذكور : أن الحكم المبدل لا يكون عند شيخ الإسلام كفراً إلا إذا كان عن معرفة واعتقاد واستـحلال ! وهذا محض تقول على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى!! فهو ناشر مذهب السلف أهل السنة والجماعة ، ومذهبهم كما تقدم، وهذا إنما هو مذهب المرجئة . ..........
- تـحريفه لمراد سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى في رسالته : ( تـحكيم القوانين الوضعية ) إذ زعم جامع الكتاب المذكور أن الشيخ يشترط الاستـحلال القلبي ، مع أن كلام الشيخ واضح وضوح الشمس في رسالته المذكورة على جادة أهل السنة والجماعة ....
- لهذا فإن اللجنة الدائمة ترى أن هذين الكتابين لا يـجوز طبعهما ولا نشرهما ولا تداولهما ؛ لما فيهما من الباطل والتـحريف، وننصح كاتبهما أن يتقي الله في نفسه وفي المسلمين )
- ومما جاء أيضا في هذا الصدد تعليق الشيخ صالح الفوزان عضو اللجنة الدائمة على كتاب هزيمة الفكر التكفير لصاحبه الشيخ خالد العنبري حيث قال :
( وقد وصل إليَّ كتاب بعنوان ( هزيمة الفكر التكفيري ) تأليف خالد العنبري ، قال فيه :
(فما زال الفكر التكفيري يمضي بقوة في أوساط شباب الأمة منذ أن اختلقته الخوارج الحرورية )
- وأقول : التكفير للمرتدين ليس من تشريع الخوارج ولا غيرهم ، وليس هو فكرًا كما تقول ، وإنما هو حكم شرعي ، حَكمَ به الله ورسوله على من يستـحقه ، بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام القولية أو الاعتقادية أو الفعلية ، والتي بينها العلماء في باب أحكام المرتد ، وهي مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالله قد حكم بالكفر على أناس بعد إيمانهم ، بارتكابهم ناقضًا من نواقض الإيمان ، قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) التوبة ، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) التوبة. وقال عليه الصلاة والسلام : ( بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ) ، وقال ( فمن تركها فقد كفر ) ، وأخبر تعالى أن تعلم السحر كفر ، فقال عن الملكين اللذين يعلمان السحر ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نـحنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) البقرة ، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ أمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء
- وفرق بين من كفره الله ورسوله وكفره أهل السنة والجماعة إتباعا لكتاب الله وسنة رسوله ، وبين من كفرته الخوارج والمعتزلة ومن تبعهم بغير حق ، وهذا التكفير الذي هو بغير حق هو الذي يسبب القلاقل والبلايا من الاغتيالات والتفجيرات ، أما التكفير الذي يُبنى على حكم شرعي ، فلا يترتب عليه إلا الخير ونصرة الحق على مدار الزمان ، وبلادنا بحمد الله على مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير ، وليست على مذهب الخوارج .
- ثم قال العنبري: ( فالواجب في الكفر البواح وهو الكفر المجمع عليه التكفير ، والتوقف عنه إرجاء خطير)
أقول : الكفر البواح هو كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم : ما عليه برهان من الكتاب والسنة والإجماع يأتي به بعد الاستدلال بالكتاب والسنة ، نعم إذا كان الدليل محتملاً فهذا لا يـجزم بأحد الاحتمالات من غير مرجح ، أما إذا كان الدليل نصًا فهذا هو البرهان الذي لا يُعدَل عن القول بموجبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( عندكم فيه برهان ).
والعلماء المعتبرون مجمعون على تكفير من كفره الله ورسوله ، ولا يقولون بخلاف ذلك ولا عبرة بمن خالفهم .... ) ا.هـ
مما سبق يتبين أنه ليس بالضرورة أن يكون كل من يرفع لواء التحذير محقا في نفس الأمر ، بل قد يكون هذا الشعار عنوان خلل في منهجه واعتقاده ، وستارا يواري خلفه إرجاءه وتجهمه كما هو حال أولئك الذين حذر منهم أهل العلم وحرموا طباعة كتبهم ونشرها مع شعار هذه الكتب جميعها التحذير من فتنة التكفير !
الوقفة الثانية :
الشيخ وفقه الله افتتح خطبته بتقرير معنى قوله تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا ) تقريرا جيدا ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة مسائل جعلها كمقدمة للكلام في مسألة الحكم بما أنزل الله.
الأولى : وهي خطورة القول على الله بغير علم وهذا حق لا إشكال فيه لأن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات بل قرنها الله سبحانه بالشرك به في قوله تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) مما يدل على عظم هذا الجرم وإثم مرتكبه .
ولكن المتأمل يجد أن البعض قد اتخذ من هذا الكلام وسيلة يصد بها كل من يتكلم في هذه المسائل بحجة أنه لا يتكلم فيها إلا العالم ، ترسيخا منهم لمبدأ التقليد الأعمى والانقياد المطلق لما يقرروه ، حتى صار الحديث عن هذه المسائل التي هي من أصول الدين ودعائمه أعز من الكبريت الأحمر خاصة في محيط هؤلاء ، ،فلا تجد متكلما في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والولاء والبراء إلا متهما، ينظر إليه بريبة ويوضع حوله علامات استفهام ؟؟؟ كيف يتكلم في هذه المسائل وهو ليس بعالم ؟ فهو إما تكفيري أو عنده غلو أو تأثر بكتابات أهل البدع !
لذا يكاد لا يوجد تحرير وافي لهذه المسائل عند هؤلاء أو أتباعهم ، بل غاية ما يذكر في هذه المسائل تفريرات عامة لا تسمن ولا تغني وجلها إثارة للشبهات وإلقاء للتهم كما في هذا الشريط أو الكتيب الصغير الذي فرغ فيه .
الوقفة الثالثة:
انتقل الشيخ إلى مسالة التكفير ، والكلام عن مسالة ( العذر بالجهل ) والملاحظ أن الشيخ في هذه المسالة وغيرها يقتصر على ذكر ما يراه هو في المسالة وذكر من يوافقه من أهل العلم دون الإشارة إلى الخلاف الحاصل فيها بين أهل العلم ، فيعرض المسالة وكأنها إجماعية لم يخالف فيها أحد أو أن الخلاف فيها واقع بين أهل السنة وأهل البدعة والتكفير، وهذا التناول فيه من ترك الإنصاف والإخلال بالأمانة ما فيه ،وكان أحرى بالشيخ وهو الداعية السلفي أن يتسم بسمات أهلا لسنة حيث أنهم يذكرون ما لهم وما عليهم فيذكر من يخالفه في هذه المسائل لاسيما إذا كانوا أئمة كبارا لا ينكر هو ولا غيره فضلهم وعلمهم بل ويحتج بأقوالهم .
- وفي مسالة العذر بالجهل حكم الشيخ على من لا يقول بالعذر بالجهل بأنهم تكفيريون ، بل جعلهم من هواة التكفير وأن لديهم كروتا حمراء يوزعونها على الناس كافر كافر !
- وهذا التشنيع هو ديدن الذين يطلقون القول بالعذر بالجهل فتجدهم يشنعون دائما بأن الذين لا يعذرون بالجهل أناس متسرعون في إصدار الأحكام ، يكفرون من غير تحقيق ولا روية ولا حكمة ، بل بمجرد أن يروا أحدا قد ارتكب شركا يسارعون في تكفيره ،ويستحلون دمه وماله!
- يقول ابن القيم رحمه الله في مثل ذلك : ( وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى :
تقول هذا جنى النحل تمدحه ... وان نشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
فإذا أردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرده من لباس العبارة وجرد قلبك عن النفرة والميل ثم أعط النظر حقه ناظرا بعين الإنصاف ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تاما بكل قلبه ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ والناظر بعين المحبة عكسه وما سلم من هذا إلا من أراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق وقد قيل :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما إن عين السخط تبدي المساويا.
وقال آخر: نظروا بعين عداوة لو أنها... عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا)
ا.هـ مفتاح دار السعادة
- وهذا التصوير غير صحيح وغير واقعي وكثير ممن لا يقولون بالعذر بالجهل من أهل العلم وهم غالب علماء المملكة وبعض علماء مصر والكثير في بلدان العالم الإسلامي لا يصدق عليهم هذا الوصف مطلقا بل هم أصحاب دعوة ومنهج أصح وأقرب للسنة ممن يصفهم بالتسرع في التكفير أو يطلق القول بما يتضمن وصفهم بذلك ،بل غاية ما يصل إليه الشيخ وغيره من الدعاة أن يأخذ العلم عن هؤلاء ويوافقهم في فتاواهم وأقوالهم ،كما فعل في هذا الشريط وغيره !
فليست المسالة كما يصورها الشيخ أو غيره تسرع في التكفير أو إطلاق الأحكام جزافا ،بل إن بحث هؤلاء للمسالة كان في إطار علمي بحت يدور حول دلالة الشريعة على صحة وثبوت هذا العذر أو لا ، بحيث يجوز أن يطلق القول به أو يفصل فيه كما سيأتي تقريره ، فلا يمكن أن يصدق وصف التسرع في التكفير أو غيره في حق واحد من هؤلاء الأكابر فضلا من أن تشملهم جميعا هذه الأوصاف المبتذلة .
ومن أصول أهل السنة المتفق عليها في مسالة التكفير والتي يتميزون بها عن الخوارج :
- أن يكون التكفير بما دل عليه الدليل الشرعي أنه كفر أكبر مخرج من الإسلام كالشرك بالله والاستهزاء بدينه خلافا للخوارج الذين يكفرون بالكبائر دون الكفر .
- و أن يلتزم بضوابط التكفير في حق من يفعل هذه المكفرات من توفر الشروط وانتفاء الموانع كاشتراط العقل والبلوغ والقصد والاختيار والإرادة ومن الموانع الإكراه والنسيان والخطأ والتأويل والجهل فيما ورد اعتباره فيه.
- فالذي يلتزم بهذه الأصول فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على تكفيره مع مراعاة ما اتفق عليه من ضوابط وشروط - وإن خالف في تفصيل مانع الجهل - فلا يصفه بأنه تكفيري أو خارجي إلا جاهل بأصول أهل السنة لا يدري ما تتعلق به الأحكام أو من لديه خلل في مفهوم الإيمان والكفر،وهذا لا اعتبار لقوله ولا يأبه لمخالفته ، بل عليه هو تصحيح منهجه ومراجعة أهل العلم في هذه المسائل .
ومما ينبغي أن يعلم يقينا أن وصف الخوارج وصف شرعي تتعلق به أحكام شرعية كثيرة ولا يصدق إلا على من تحقق فيه مناط الحكم به وهو التكفير بالكبيرة دون الكفر وما يلحق ذلك من استحلال الدماء والأعراض والقتل والخروج ، فهذا هو المناط الذي يصح ويصدق فيه وصف الخارجي والتعدي بهذا الوصف على غير مستحقة يعد من مقابلة البدعة ببدعة مماثلة والفتنة بفتنة أكبر ، ويترتب عليه من الآثار ما لا يقل عن الآثار المترتبة من فكر الخوارج أنفسهم عند من يتأمل أحكام الشريعة .
- قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى : ( وإذا أظهر قوم رأيالخوارج مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم،إلا أنهم لم يخرجوا عن قبضة الإمام ولم يسفكوا الدم الحرام، فحكى القاضي عن أبي بكرانه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم، وهذا قول أبي حنيفة و الشافعي وجمهور أهل الفقه..)
- وقال محمد بن أبي بكر الرازي رحمه الله تعالى : ( والخوارج يدعونإلى الإمام ، وتكشف شبهتهم . لا يبدؤهم الإمام بقتال حتى يبدأوا به ، أو يجتمعوا له، وعند ذلك يقاتلهم حتى يفرقهم . فإن كانت لهم فئة ، أجهز على جريحهم ، وأتبعموليهم ، وإلا فلاولا تسبى ذراريهم ، ولا تغنم أموالهم(
فالوصف بالخروج له مناط محدد يتعلق به لا يصح إلا على من يستحقه ، وهذا الوصف تتعلق بالموصوف به أحكام شرعية لذا كان من الضروري التحقق من انطباق الوصف على مناطه وفي تجاوز ذلك خروج عن أحكام الشريعة .
ولقد تسبب الإخلال بذلك أو الجهل به أن تعدى بعض الجهلة على إخوانهم فأخذوا في معاملتهم بموجب أحكام الخوارج السابق ذكرها لظنهم أن كل من يكفر - ولو بحق - فهو خارجي فاستحلوا أعراضهم واعتدوا على حرماتهم ولم يحفظوا لهم حقوق الأخوة والإيمان، بل زادوا على ذلك بأن استحل بعضهم أن يكون عينا للطواغيت وردءا لهم على إخوانه، فأي مروءة وأي دين يدعي هؤلاء بعد ذلك ؟!
- ولو اقتصر الخلاف حول دلالة النصوص على العذر أو عدم العذر لما كان يسوغ لأي من الفريقين أن يتهم الآخر،ولما كان لمثل هذه المسالة أن تأخذ هذا الحجم الذي نراه اليوم ولكن الأمر عظم واستفحل بسبب ما أقحم في هذه المسالة من أصول خارجة عن مجرد دلالات النصوص في سبيل إثباتها وتأصيلها .
-والخلاف في مسالة العذر بالجهل أو غيرها قد يكون وجيها ومقبولا إذا ما اقتصر فيه على دلالات النصوص التي وردت في شانها فتكون هي المنطلق الأساس لتحرير المسالة والمرجع في إثباتها أو نفيها ، ولكن لما تعدى البحث ذلك واتخذت أقوال وأصول أخرى في ثنايا البحث أنتقل الخلاف حول هذه الأصول تحت مظلة الخلاف في العذر بالجهل .
ومن تلك الأصول :
1- قول البعض أن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، لا يكون بالعمل.
2 - ومنها قولهم أن المسلم لا يكفر إلا بجحود ما أدخله فيه.
4- ومنها ما ذكره بعض الفضلاء من قولهم أن المسلم الذي ينطق بالشهادتين يتكون لديه إيمان مجمل بالتوحيد وبراءة مجملة من الشرك لا تتنافى مع جميع مفردات الشرك إذا تاها وأقام عليها منذ أن اسلم إلى أن يموت فهو مسلم بما لديه من الإيمان المجمل والبراءة المجملة من الشرك .
4- ومنها قولهم أن المسلم لا يخرج من الإسلام إلا بقصد الخروج منه ،فلابد من قصد الكفر وإرادته وانشراح الصدر به.
5- ومنها قولهم أن المسلم لا يكفر وإن فعل الكفر والشرك لأنه قد يجتمع فيه الكفر والإيمان.
إلى غير ذلك من أقوال جعلت الخلاف يعظم ويستفحل وإن كان شدة الخلاف عند التحقيق حول هذه الأقوال ليس في أصل المسالة (العذر بالجهل).
- فالقول الأول مخالف لما هو معلوم من أصول أهل السنة من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد والكفر يقابل ذلك فيكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد، فقصره الكفر على الاعتقاد أو تقرير ما يلزم منه ذلك يخالف هذا الأصل.
- والقول الثاني يحصر الكفر في الجحود فحسب ، والجحود نوع من أنواع الكفر ليس جميعها بل قد يكون الكفر بالجحود ويكون بالإباء والاستكبار ويكون بالإعراض والجهل والتولي ويكون بالسب والاستهزاء ويكون بالنفاق ويكون بالشرك وعبادة غير الله إلى غير ذلك مما يذكره العلماء في أبواب الردة.
- والقول الثالث مجرد إدعاء لا يختلف في حقيقته عند التأمل عن قول من يقول بأن المسلم لا يكفر ولا يخرج من الإسلام وإن فعل ما فعل !
وهي حجة قديمة لأعداء الدعوة الوهابية ذكرها الشيخ رحمه الله في كتاب كشف الشبهات وفندها حيث قال رحمه الله : ( وللمشركين شبهة أخرى يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أسامة قتل من قال : ( لا إله إلا الله ) . وكذلك قوله : ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ( لا إله إلا الله ) وأحاديث أُخر في الكف عمن قالها . ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ، ولا يقتل ولو فعل ما فعل ....) فهي صياغة جديدة بطريقة سلفية !
حيث أن كل مسلم لديه بالضرورة هذا الإيمان المجمل وهذه البراءة المجملة فإن كان الشرك بجميع صورة لا يتنافى مع هذه البراءة المجملة فلا سبيل لتكفير أي مسلم مطلقا وإن فعل ما فعل ! وهذا هو نفس القول الذي ذكره أعداء الدعوة في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهذا قول ظاهر البطلان .
وصاحب هذا لقول لم يشترط لحصول هذه البراءة المجملة إلا النطق بالشهادتين، وهذه يقولها كل مسلم ، فكل مسلم ينطق بالشهادتين وينتسب للإسلام يكون لديه هذا الإيمان وهذه البراءة ، فإذا حالت هذه البراءة دون تكفيره إذا ارتكب المكفرات فقد امتنع تكفير أحد من المسلمين مطلقا !
وإلا فليقولوا لنا ماذا يشترط للبراءة المجملة من الشرك غير الانتساب والنطق بالشهادتين ؟!
فإن كان لا يشترط لها إلا ذلك فكلامنا ملزم لهم بالضرورة ومجرد تصور ذلك القول يغني عن إبطاله ،وإن كان يشترط غير ذلك فليذكروه لنا .
وهذا القول يفتح الباب أمام كل دعي أن يقول بأن الشهادة بالإيمان توجب أيضا إيمان مجمل وبراءة مجملة من سائر صور الكفر ،فإنه إذا كان مقتضى النطق بالشهادتين أن يكون لدى المسلم إيمان مجمل بالتوحيد وبراءة مجملة من الشرك فإنه أيضا لا يمتنع أن يقال بأنه لديه براءة مجملة عامة من جميع أنواع الكفر ، فلماذا تقصر البراءة من الشرك فقط ؟
وعليه فلا يكفر مسلم قط لأنه مهما فعل من صور الكفر فإن ذلك لا يتنافي مع الإيمان المجمل والبراءة المجملة التي لديه وهذا أصل باطل يغلق باب الردة بالكلية ويعارض نصوصه جميعها .
- أما القول الرابع فهو حصر الكفر في كفر الجحود العناد وهذا معارض بالطبع لما في الكتاب والسنة من كفر أهل الضلال والجهل من الذين كفروا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا والذين كفروا ويحسبون أنهم مهتدون ، بل مخالف لما هو معلوم من أن أكثر الكفار هم من الجهال الضلال والأتباع المقلدين وسيأتي كلام أهل العلم في مسالة إرادة الكفر وقصده .
- أما القول الخامس فهو فهم مغلوط لقول أهل السنة في أن الإيمان أصل ذو شعب ، وأن والكفر أصل ذو شعب وأنه قد تجتمع شعبة من شعب الكفر مع أصل الإيمان فلا تبطله ولا يكفر من يرتكبها وهذا أمر تقرر لكن الفهم المغلوط والجهل المركب أن يقال بأنه قد يجتمع أصل الإيمان مع أصل الكفر! فقائل هذا ومسوده كيف يحل له أن يتكلم في هذه المسائل ؟!
- فهذه الأقوال المخالفة لهذه الأصول قد اضطرت هؤلاء إلى تفسير الإسلام وحقيقة الدين بما تستوعب جميع صور الشرك والكفر لذا قالوا يجتمع في المرء كفر وإيمان وشرك وتوحيد ! فلم يعد للإسلام حقيقة من فاتها فقد فات الإسلام ولكن الإسلام عنده يتسع دائما ليستوعب آخر ما يصل إليه هذا المشرك في شركه !
- فإذا كان من يشرك بربه جهلا مسلم في الدنيا ناج في الآخرة وأنه يحتمل إذا علَم ونبه عاند وكفر فلبقائه على الجهل حينئذ أولي من تعليمه !
- وصدق الشافعي رحمه الله حيث قال : ( لو عُذِرَ الجاهل ؛ لأجل جهله لكان الجهل خيراً من العلم ، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف و يريح قلبه من ضروب التعنيف ، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف و يريح قلبه من ضروب التعنيف... )
-وأيضا فإن إطلاق القول بالعذر بالجهل عند من يقول به وادعاء إفادة الأدلة على عموم ذلك لا يستقيم معه استثناء الكثير من صور الكفر بغير دليل ، فساب الدين والهازل به وساب الرسول والمستهزئ به صلى الله عليه وسلم يكفر وإن جهل ! ومن يقول إن الله ثالث ثلاثة يكفر وإن جهل ، ومن يقول بأن الله هو المسيح ابن مريم يكفر وإن جهل ! ومن يسجد للصنم يكفر وإن جهل ومن يسجد للشمس والقمر يكفر عند بعضهم وإن جهل وهكذا كلما استعظموا صورة من صور الكفر أخرجوها بلا دليل !
- فإن قيل أنتم تخرمون أصلكم باستثناء هذه الصور بلا دليل ، أجابوا بأن هذه الصور لا يتأتى فيها الجهل ! والواقع يكذب هذه الدعوى والفرض في أنهم جهلة ليس ممتنعا. ولقد أثبت بعض الأكابر الجهل بمثل هذه الصور وقرر عذرهم فيها بالجهل وسوء التربية ! فعلم أن قولهم بالعموم لا يصح لان أصولهم لا تطرد وخروج هذه الصور لا يمنع من خروج غيرها .
ثم يقال أيضا أين ذهبت البراءة المجملة والإيمان المجمل الذي عند هؤلاء ؟ ولماذا لم تمنع البراءة المجملة من تكفيرهم كما منعت من تكفير غيرهم ممن أشرك مع اشتراكهم في الجهل ؟!
- إني أتمنى من علمائنا الأفاضل أن يراجعوا أقوالهم مرة أخرى وان يعيدوا قراءة وتحرير المسألة من جديد ،حيث أن ما كتب فيها قد كتب منذ زمن بعيد قد يكون في بداية طلبهم ،وان يراجعهم طلابهم ومحبوهم لعل الله أن يفتح عليهم ويرجعوا عن هذه الإطلاقات المخالفة لأصول أهل السنة حتى وإن بقي الخلاف حول مسالة العذر بالجهل كما هو ولكن دون التزام هذه الأقوال الباطلة والله المستعان .
-أما فيما يخص هذه المسالة فأقول باختصار شديد :
- إن حقيقة الإسلام التي أرسل الله بها الرسل وأنزل بها الكتب منذ خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هي أن يعبد الله سبحانه بلا شريك وأن يعبد بما شرع على ألسنة رسله، فهذه حقيقة دين الإسلام وأصله وسبب خلقهم فمن لم يحقق هذا فليس بمسلم . سواء كان جاهلا أو عالما وسواء قلنا بعذره أو لم نقل بذلك ، فلا يجتمع مع التوحيد شرك إلا أفسده ولا مع الإيمان كفر إلا أحبطه ، فأنه " لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة " ، وأن " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" ،وأنه " من يشرك بالله فقد حرم عليه الجنة ومأواه النار "، " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " ، فهذه حقيقة دين الإسلام وثوابته وهذه أطلاقاته التي لم تقيد وعموماته التي لم تخصص وأصوله وأسسه التي قام عليها .
- فالإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله ورسوله فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم فإن لم يكن كافر معاندا فهو كافر جاهل .ومن يقل إن هذا الإسلام خاص بالكافر الأصلي فليراجع معتقده قبل أن يتكلم في دين الله !
-والإيمان والكفر متقابلان لا يجتمعان ولا يزولان عند أي إنسان...
والكفر يثبت بترك الإيمان أو بفعل ما يناقضه ....
فهذا هو المنطلق الأصيل في تقرير هذه المسالة.
- مع الوضع في الاعتبار أن مانع الجهل يختلف عن الموانع الأخرى كالخطأ والنسيان والإكراه حيث أن الجاهل إذا فعل الكفر والشرك وهو جاهل بحكمه فجهله لا يمنع من وصف فعله بالكفر ولا يمنع أن من تقوم بصاحبه حقائق الكفر والشرك بقلبه كرهبة الولي والخوف منه ومحبته واعتقاد النفع والضر والشركة والتدبير وغير ذلك من حقائق الكفر والشرك التي تقوم بقلب الجاهل - وهذا لا جدال فيه - وليس ذلك في المكره والناسي والمخطئ فلا يطلق على قولهم الكفر ولا تقوم في أنفسهم حقائقه حيث انتفت لديهم الإرادة والاختيار التي تعتبر بها الأعمال وتتنزل عليها الأحكام ،فالمكره لم يرتكب كفر أصلا والناسي والمخطئ كذلك بخلاف الجاهل الذي قصد فعله وأراده ،ولكنه جهل حكمه ، فيلزمه اسمه ووصفه ثم ينظر بعد ذلك في عذره.
- ومع ذلك فالإسلام يثبت للمرء بالنطق بالشهادتين أو بالولادة لأبوين مسلمين أو أحدهما أو بتبعية الدار أو بفعل ما يختص به المسلمين من شعائر وهو ما يطلق عليه أهل العلم النص والتبعية والدلالة .
وهذا إسلام حكمي يثبت لكل من جاء به ويثبت للمؤمن والمنافق والصغير والمجنون.
- وما يذكره بعض الأفاضل من أدلة في مسالة العذر بالجهل لا يفيد العموم مطلقا بما يتضمن نقض حقيقة الإسلام من التوحيد ونبذ الشرك فليس ثمة نص صريح في المسالة يفيد هذا العموم وهذا هو المنطلق الثاني في تقرير هذه المسالة.
- فالمنطلق لأول : راجع لحقيقة الإسلام والتوحيد وهي أن يعبد الله بلا شريك وهذه الحقيقة لم يأت بهذا الجاهل وقد انتقضت بفعله الشرك .
- والمنطلق الثاني : أنه لا يوجد نص صريح في المسالة يفيد العذر بالجهل أو عموم العذر بالجهل بما يتضمن نقض التوحيد والشرك الأكبر.
أما المنطلق الثالث : فهو أن الحجة تقوم على العبد إما ببلوغه العلم أو بتمكنه من العلم ..
- والجهل إما أن يكون عن إعراض وتقصير وإما أن يكون لعدم البلاغ والعجز عن إدراك العلم وهذا لا أحد يختلف فيه ، فسبب الجهل إما أن يكون إعراضا فصاحبه مفرط لا يعذر وإما أن يكون عجزا فصاحبه معذور .
فالجاهل قد يتمكن من العلم ولا يرفع له رأسا غفلة وإعراضا وانشغالا بالدنيا فتقوم عليه الحجة مع جهله لأنه معرض ودليل إعراضه هو بلوغه العلم واهتداء مثله به مع بقاءه على جهله .
ولا يمكن أن يسوى بين الجاهل العاجز عن دفع الجهل عن نفسه لعدم بلوغه إليه أو عدم تمكنه من إدراكه مع رغبته فيه وسعيه إليه وبذله فيه وبين الجاهل المتمكن من العلم المعرض عنه ، فهذا لا يتماشى مع نصوص الشريعة مطلقا ولا يقول به عالم معتبر.
-وأهل السنة لا يفرقون بين المتماثلين كما لا يجمعون بين المختلفين فلو أن أخوين في مكان واحد وقد سمعا بدعوة النبي عليه الصلاة السلام فآمن أحدهما وأعرض الآخر وظل على كفره وشركه ، فلا شك أن الحجة قد أقيمت على كليهما في أصل الرسالة ،هذا فيما أعرض عنه وهذا فيما آمن به ، فإذا فعل من آمن بعد إسلامه ما كان يفعله قبل إسلامه من الشرك فلا يفرق بينها في وصف الكفر بحجة أن هذا مسلم والآخر كافر أصلي حيث أن الحجة قد أقيمت على كليهما من قبل ،فكيف يقال بعد ذلك أن المسلم لم تقم عليه الحجة ؟
- إن هذا تفريق ظاهر بين متماثلين بل الأولى أن يقال إن الحجة مقامة على من آمن أبلغ من قيامها على الأخر الذي لم يؤمن، هذا مقتضى النصوص الشرعية وهذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى وعدله.
- فالجاهل قد يبقى على جهله مع قيام الحجة عليه ببلوغه العلم وتمكنه منه وإعراضه عن ذلك يقول ابن القيم رحمه الله :
(فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أو جهل فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه قال الله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) مدارج السالكين1/217
فقوله : ( سواء علم أو جهل ) واضح في أنه ليس من شرط قيام الحجة العلم المحقق بها لأنه مع إعراضه لا يمكن أن يعلم أو يتعلم حتى وإن كان العلم بين يديه والعبرة بتمكنه من العلم .
ويقول ابن تيمية رحمه الله : (والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين، أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلاً...) وأقوال أهل العلم في هذا لمعنى كثيرة لا تحصى ...
- أما بماذا تقوم الحجة ؟
فالحجة تقوم في اصل الرسالة وحقيقة الدين والتوحيد ببلوغ القرآن لقوله تعالى (لأنذركم به ومن بلغ ) فالقرآن هو النذارة والحجة فمن بلغه القرآن بلغة يفهمها فقد قامت عليه الحجة في أصل الرسالة وهو ما يعرف بالسماع العام الذي جاء في الحديث الصحيح ( ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار ) وإن كان الأمر فيه تفصيل ليس هذا محلة .
- قال ابن كثير في هذه الآية : ( فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم، وأسود وأحمر، وإنس وجان، فهو نذير له )
- وقال الطبري رحمه الله : ( قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك( الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به) عقابه، وأنذر به من بلغه من سائر الناس..)
- وروى بسنده عن قتادة قوله : (..لأنذركم به ومن بلغ) ...، فإنه من بلغه آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله، أخذه أو تركه)
- وروى بسنده عن محمد بن كعب القرظي : ( لأنذركم به ومن بلغ) ، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم..)
- وروى نحوه عن مجاهد والليث والسدي وروي مرفوعا عن ابن عباس أيضا

- قال ابن تيمية رحمه الله :
(...خاطب بالقرآن جميع الثقلين كما قال : ( لأنذركم به ومن بلغ ) ، فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول به ،والإنذار هو الإعلام بالمخوف والمخوف هو العذاب ينزل بمن عصى أمره ونهيه ...) ا.هـ
وكلام أهل العلم في هذا المعنى أيضا كثير لا يحصر ولكن أكتفي بهذه الإشارات لعلها تفيد في هذا المقام .
-ومن الشبهات العجيبة قول البعض أنكم إن لم تعذروا بالجهل في صور الشرك الأكبر جميعها فقد أوجبتم على من يدخل الإسلام معرفة جميع الشريعة وتعلم جميع أنواع العبادات فور إسلامه ، وحيث أن هذا ليس ممكنا فإنه يعذر بالجهل حتى يعلم أن هذا العمل عبادة فإن صرفه لغير الله بعد ذلك فهو مشرك ، وعليه فالذي يسجد لغير الله إن لم يعلم بأن السجود عبادة فهو معذور بالجهل ، والذي لا يعرف أن الدعاء عبادة لا تقوم عليه الحجة إذا توجه إلى غير الله بالدعاء إلا بعد العلم بأن هذا العمل عبادة ،والذي لا يعرف بأن النذر عبادة لا تقوم عليه الحجة إذا نذر لغير الله حتى يعلم بأن النذر عبادة ،فإذا لم تعذروا هؤلاء بالجهل فأنتم أوجبتم تعلم جميع الشرائع وأنواع العبادات عند النطق بالشهادتين وهذا باطل بالضرورة .
-فيقال لهم أولا: يلزم من قولكم هذا أن الناس قبل نزول الشرائع ليسوا على التوحيد !
-فإن قالوا بلى كانوا على التوحيد فيقال لهم وكيف كانوا موحدين ولم تنزل الشرائع ؟! فإن قالوا التوحيد يكون قبل الشرائع وبدونها ، قلنا لهم وكذلك الشرك في هذا التوحيد قد يكون قبل الشرائع وبدونها ،فالتوحيد يقابله الشرك وحيثما وجد أمكن حصول الشرك فيه ...
ويقال لهم ثانيا : لو أن هذا الشخص توجه بهذه العبادات للولي فسجد له ونذر له ودعاه من دون الله اعتقد بأن هذا الولي شريك لله في الملك والتدبير والنفع والضر وقام في قلبه موجب ذلك الاعتقاد من الرهبة والرغبة والمحبة والخضوع لهذا الولي أكنتم تعذرونه بذلك ؟
فإن قالوا نعم نعذره في ذلك أيضا إن كان جاهلا ...
فيقال لهم هذا الرجل الذي كفر وأشرك بالقول والفعل والاعتقاد ماذا عنده من الإسلام ؟
أجابوا بالضرورة بأنه نطق بلا إله إلا الله وانتسب للإسلام !
فحينئذ يلزمهم القول بأن الإيمان عند أهل السنة قول فقط ، وكفى بقول بطلانا أن يلزم منه عقيدة أسوأ من عقيدة الجهمية .
فإن قالوا نحن لا نعذره في شرك الاعتقاد ونعذره في شرك العمل، فيقال لهم قد فرقتم بين أنواع الشرك الأكبر بلا دليل .ويقال لهم بأن حقيقة العبادات التي توجه من هؤلاء إلى أوليائهم قد سبقها بالضرورة اعتقاد خصائص الربوبية فيهم فهم مشركون في الربوبية قبل شركهم في الإلوهية ، فما طلب هذا الشخص من الولي ما لا يقدر عليه إلا الله إلا لاعتقاده بأن هذا الولي يقدر على إجابته إما استقلالا وإما شركا مع الله ،وما يخرج هذا الفقير دينارا ولا درهما لهذا الولي إلا لاعتقاده بان هذا الدينار سيأتي مقابله من وجوه النفع وكشف ضر أضعافا مضاعفة فليس الشرك فيهم أمرا عابرا بل عن اعتقاد فاسد في هؤلاء، فإن كنتم لا تعذرون من يشرك في الاعتقاد جهلا فهذا أولى بعدم العذر حيث جمع مع شرك الاعتقاد في الربوبية شرك العمل المنافي لتوحيد الإلوهية .
وبقال لهم ثالثا : إذا علم هذا الشخص أن هذا العمل الذي صرفه لغير الله عبادة ولكنه جهل أن صرفه لغير الله شرك اكبر هل يقولون بعذره بالجهل أم لا يعذرونه بذلك ؟
-فإن كانوا يعذرونه بالجهل مع علمه بأن هذا العمل عبادة فلا معنى للقول بأنه يجهل بأن هذا العمل عبادة ، لأن علمه وجهله بهذا سواء ...
وإن كانوا لا يعذرونه مع جهله بأن هذا العمل شرك أكبر فقد نقضوا جميع أدلتهم التي بنوا عليها عذر جاهل الحكم ، ويحتاجوا من جديد أن يقيموا الأدلة على لزوم اشتراط العلم بأن العمل عبادة للحكم على صاحبه بأنه مشرك .
-ويقال لهم رابعا : أن معرفة أن هذا العمل عبادة ، لا تأثير له في كون صرفه لغير الله شركا أكبر ولا يجادل مسلم أن الجاهل لو نذر لولي أو دعاه من دون الله ، أو سجد لصنم أنه قد ارتكب شركا اكبر فإن كان جهله بأن هذا العمل عبادة لا يؤثر في وصف فعله بأنه شرك أكبر وأنه قد ارتكب الشرك الأكبر فلا تأثير لجهله بأن هذا عبادة .
-ويقال لهم خامسا : إذا تقرب هذا الشخص إلى غير الله بما ليس بعبادة في شرعنا أو بعبادات أهل الجاهلية لأصنامهم فلا خلاف في أنه قد ارتكب شركا اكبر ، وحيث أن العبادة في أصلها هي غاية الحب وغاية الذل ولذا كان التعبد من التذلل والتقرب والتنسك والتأله ، فإذا كان الشرك لا ينحصر في توجيه العبادات المشروعة فقط لغير الله بل يكون بالمشروع وغير المشروع ، فلا تأثير لجهله بكون هذا العمل عبادة أم لا ...
-ويقال لهم سادسا : العبرة في جميع صور الشرك بالقصد والتوجه إلى غير الله فإن كان المتوجه به عبادة فمجرد التوجه به وصرفه إلى غير الله شرك وإن كانت ليست عبادة فالتوجه به إلى غير الله تقربا شرك كذلك ،كما لو تقرب إلى الولي بقتل بعوضة مثلا أو تقرب إليه بذبابة أو تقرب إليه بالوقوف على رأسه أو الجلوس أو البكاء أو تقرب إليه بعبادات كانت في شرائع سابقة أو غير ذلك مما يزينه المشركون لأوليائهم ، فهذه ليست عبادات في شريعتنا ،ومع ذلك فالتوجه بها لغير الله شرك أكبر ، فتبين أن اشتراط العلم بأن هذه عبادات ليس له أي تأثير في كون العمل شركا.
-ويقال لهم سابعا : ما جاء في الحديث من قول عدي رضي الله عنه حين سمع قوله تعالى : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) (ما عبدناهم يا رسول الله ) فقال له النبي عليه الصلاة والسلام ( أو لم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم قال بلى ) فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( فتلك عبادتكم إياهم ) فبين له أن عبادتهم كانت بطاعتهم في قبولهم تحريمهم وتحليلهم من دون الله فدل على أن جهلهم بأن هذا لعمل عبادة لا يؤثر في وصفهم بها ودل أيضا على أن نفي العابد للعبادة إذا قام بها لا اعتبار له حيث نفى عدي كونهم عبدوا الأحبار والرهبان ، ولعل هذا نص صريح على من يقول بأن عباد القبور لم يقصدوا عبادتها فها هو عدي رضي الله عنه ينفي كونهم عبدوا الأحبار والرهبان ومع ذلك فقد اثبت النبي عليه الصلاة والسلام عبادتهم.
-ويقال لهم ثامنا : لما كان التوحيد يسبق الشرائع، كان الموحد موحدا قبل ذلك ،والمشرك مشركا قبل ذلك ، ومعلوم حال المتحنفين في الجاهلية ، فقد كانوا موحدين قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام وقبل نزول الشرائع ، بل ظل المسلمون ثلاثة عشر عاما في مكة على التوحيد دون شرائع يلتزمونها والمشركون في شركهم بكل أنواعه وصوره ...
- وما ذكر من أدلة على العذر بالجهل يمكن جعله على أقسام:
- قسم يختص بمسائل العذاب وان الله سبحانه لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسول ، وهذا حق نقول به ونعتقده فإن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا من قامت عليه الحجة بالرسول لقوله جل شانه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ولكنا مع ذلك نثبت انفكاكا بين استحقاق العذاب وبين الوصف الشرعي لمرتكب الكفر والفسق وغير ذلك حيث لا تلازم بينهما ، فالمنافق مثلا يحكم له بالإسلام في الدنيا ومع ذلك فهو من أشد الناس عذابا في الآخرة ، وأطفال الكفار ومجانينهم كفار في الدنيا ومع ذلك فالخلاف في تعذيبهم في الآخرة حاصل بين أهل السنة ، ومن نحكم عليه بالفسق والبدعة في الدنيا قد يحول دون عذابه في الآخرة حسناته العظيمة أو شفاعة شافع أو عفو من الله سبحانه وتعالى وهكذا...
فإذا ثبت الانفكاك وعدم التلازم بين الأحكام في الدنيا وبين استحقاق العذاب في الآخرة فلا يصح الاستدلال بهذه الأدلة أو كلام أهل العلم في ذلك على رفع الوصف الشرعي الثابت للمكلف والمنوط بفعله أو قوله ، لأننا نقر أن العذاب لا يستحق إلا بعد العلم أو التمكن منه وأن الله لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسول ولكن من لم تقم عليه الحجة إن لم يحقق التوحيد فليس بمسلم لأنه لم يأت بالإسلام .
- أما القسم الثاني من الأدلة التي يذكرونها – فبعضه حق لدلالته على العذر بالجهل ولا ينكر ذلك إلا مكابر، ولكنا نقول كما سبق بأنه ليس شيئا من هذه الأدلة يصح اعتباره دليلا على العذر بالجهل في الشرك الأكبر وعبادة غير الله ونقض حقيقة الإسلام بل مجموع الأدلة لا تفيد العموم الذي يتضمن ذلك .
وتوجيه هذه الأدلة أن يقال : حيث وردت هذه النصوص تطبق فيما وردت فيه وفيما هو من نظيره فهذا هو الصحيح فيها إن شاء الله .
وغالب ما يذكر من هذه النصوص يمكن أن يقال بأن صاحبها في حال مظنة جهل لعدم البلوغ فيعذر لعدم بلوغه لا لجهله أو لعدم تمكنه من العلم كحديث عهد بالإسلام أو من في مكان لا يصله العلم أو في المسائل الخفية كحديث الذي أمر أهله أن يحرقوه إذا مات ، وحديث عائشة رضي الله عنها وسؤالها النبي عليه الصلاة والسلام : مهما يكتم الناس الله يعلمه ؟ – إن صحت الرواية بذلك – فهذا جهل بكمال القدرة وكمال العلم مع الإيمان بأصلهما وإلا فإن كان لا يؤمن بالقدرة ابتداء فلم يأمر أهله أن يحرقوه أصلا ؟ ولم يخاف ممن يثبت عجزه ؟
أما صفة العلم فقد كان المشركون يثبتونها قبل البعثة (خلقهن العزيز العليم ) فهل تجهل عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق هذه الصفة ؟!
والحق أن هذه النصوص وما شاكلها إنما يصلح للاحتجاج به في المسائل الخفية والمسائل الدقيقة سواء في مسائل الأصول أو مسائل الفروع والتي يخفى دليلها في نفسها ولا تشتهر عند أكثر الناس وهذه لا إشكال في العذر به لمظنة الجهل بها ولخفائها ، ولكن يحتج بهذه النصوص على ما جاءت فيه وما هو من نظيره ولذا فإن شيخ الإسلام رحمه الله وفي قرابة ثلاثة عشر موضعا من كتبه يحتج بهذا الحديث على عذر أصحاب المقالات من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ممن تكلموا في مسائل الصفات والقدر وغيرها وعدم تكفيرهم بهذه المقالات لأنها من خفي المسائل ودقائقها ولذا قال ابن الوزير رحمه الله في إيثار الحق : إن هذا الحديث أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل .
- فهذه الأدلة وما في معناها حق لا إشكال فيها نقول بها ونصدق بدلالتها على ما وردت فيه وليس منها شيء في الشرك الأكبر ولا في ما ينقض حقيقة الإسلام ، ومن ذلك ما ذكر من قصة ذات أنواط فنفس القول الذي صدر من الصحابة ليس بكفر وإن كان يشبه بوجه قول الكفار وهم قالوا ولم يقيموا على قولهم بل رجعوا في الحال لتحذير النبي وغضبه من هذا القول الذي شبهه بقول بني إسرائيل اجعل لنا إلها ، وهو نفس الغضب الذي انتابه عليه الصلاة والسلام لما قال له الرجل ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا فمثَل هذه الكلمة بجعله لله ندا .ولا شك أن من جعل لله ندا فهو كافر، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان بأقواله وأفعاله يقطع كل علائق الشرك وذرائعه وما يؤدي إليه خفيا كان أم جليا أصغر كان أو أكبر .
- أما سجود معاذ فهو سجود تحية وإكرام وليس سجود عبادة وهو في شريعتنا كبيرة من الكبائر وقد حرم في حديث معاذ رضي الله عنه فلا يسجد لغير الله مطلقا تعظيما أو إكراما أو تحية أو عبادة ومن سجد تحية وإكراما لغير الله فهو مرتكب كبيرة ليس كفر ولا شرك وعلى هذا نص العلماء ومثله الطواف فقد أختلف فيه هل هو عبادة مجردة يكفر من يفعلها بمجرد فعله أم هو عبادة بقصد التعظيم فهذه صور وغيرها فيها تفصيل لا تصلح للاستدلال على ما نحن بصدده وهكذا بقية الأدلة ...
- والبعض من الأدلة ليس فيه دلالة أصلا على ما جاء فيه فهو مردود.
ومنه ما يزعم أنه إجماع ، كما ينقل البعض عن ابن حزم رحمه الله ما ذكره فيمن يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة أو ينقص كلمة جهلا منه فيأتي البعض فيقول هذا الإجماع على العذر بالجهل ! ومثل هذا الكلام كثير وهو عند التأمل يدل على أن من يستدل به لم يحرر محل النزاع أو لم يتأمل فيما ينقل .
-ومن يدعي أن من لم يقل بعموم العذر بالجهل لا يعتبر هذه النصوص ولا يعمل بها فهو مخطئ ، بل نقول بها جميعا ويعملها فيما وردت فيه ،وليس منها شيء في الشرك الأكبر .
ولا يلزم من تقرير ذلك – كما يدعي البعض - القول بتكفير الناس بالعموم بل لا يلزم منه تكفيرهم أصلا وإن ارتكبوا هذه المكفرات ، ومن يزعم أن من لا يعذر بالجهل فهو يكفر الناس بالعموم أو أنه يمتهن تكفيرهم فهو مخطئ أتي من سوء فهمه وجهله بأحكام الشريعة أو لعله حكم على العموم بما قد رآه من أحوال أهل الغلو ،وهذا أبعد ما يكون عن الإنصاف والتحقيق !
- بل نحن نقرر عقائد الإسلام وحقائق التوحيد والإيمان فنحول دون تغيير هذه الحقائق أو الإخلال بهذه الثوابت - بقصد أو بدون قصد - وهذا حقيقة الصراع بيننا وبين من يخالفنا في هذه المسائل ، ومع ذلك فنحن أرحم الناس بالناس ندعوهم ونعلمهم ونبين لهم ونشفق عليهم ونبذل لهم من أنفسنا وأموالنا وأعراضنا في سبيل دعوتهم وبيان الحق لهم والأخذ بأيدهم للخروج من هذه الظلمات متحملين في ذلك ألوان الابتلاءات من الطواغيت الذين سلطوا على رقاب المسلمين وعملوا على نشر الكفر والشرك وحرسوه ودعموه وحالوا دون وصول أهل الحق إلى هؤلاء تارة بسجنهم وقتلهم وتارة بالتشنيع عليهم وتشويه صورهم .
- وإن مما نعتقده ونربي عليه أنفسنا وإخواننا بل وندعو إليه أن الواقع الذي نعيش فيه واقع قد التبس فيه الحق بالباطل وعم فيه الجهل بمسلمات الشريعة والتبست على أكثر الناس حقائق الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، بل التبست عليهم حقيقة الدين الذي جاء به الرسول ونزل به الكتاب ،فلابد في طريق الدعوة أن يراعى هذا الحال وأن يؤخذ الناس بالرفق واللين وأن ينظر على مآلات الأقوال والأفعال ،وإذا كان النبي في وقته قد ترك تكفير من علم كفره بنص الكتاب لئلا يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه فيصد عن قبول الحق أقوام ، فإن لنا في ذلك أسوة ودليل في ترك التكفير والتشهير حتى لمن أتى بالكفر الصريح لعظيم الجهل الواقع بهذه الأحكام ولما يترتب عليه من التنفير الشديد ممن يتوجه إليهم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ،فنحن في واقع دعوة لا واقع إصدار أحكام ، فما يفيد تكفير هؤلاء ثم تركهم على ما هم عليه من الشرك؟ أو تكفيرهم ثم دعوتهم بعد ذلك إلى التوحيد ؟ والنفس تأبى اشد الإباء أن توصف بهذا لوصف ابتداء .فإن التكفير أشد ما ينفر منه ، ولأن يوصف المرء بكل نقيصة خير له من أن ينسب إلى الكفر ،حتى إن الكافر الأصلي ليأبى أن يوصف بذلك . ويروى أنه ما اشتد أذى المشركين للمسلمين إلا بعد ما نزلت قل يا أيها الكافرون ، فإذا كان هذا في الكافر الذي لم يؤمن بالإسلام فكيف بمن ينتسب إليه ويولد فيه ويطبق بعض أحكامه ؟
وكيف إذا كان التكفير بما ليس بمكفر أصلا كما يحدث من بعض أهل الغلو ؟!
لذا فإن أصحاب الدعوة عليهم في سبيل دعوتهم ترك مسائل التكفير وأحكامه والتعامل مع هؤلاء على أصلهم وانتسابهم الذي هو الإسلام ،ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حيث علم كفر الكثير من المنافقين والكفار ومع ذلك لم يحكم بكفرهم وقتلهم ،بل عاملهم كمسلمين وأجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والتوارث وغير ذلك، وعلم صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه أسماء بعض المنافقين وكان صاحب السر ومع ذلك لم يوجب عليه أن يعلم الناس بأسمائهم أو أحوالهم وكان الناس يصلون عليهم ويتوارثونهم وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة ،وأظهر من ذلك أنه لما تكلم عبد الله ابن أبي بالكفر الصريح ونزل بشأنه قرآن (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وتكلم الناس في قتله حتى جاء ابنه عبد الله واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله حيث لو طلبت البينة لوجدت ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه ، وفي ذلك دليل على أن تكفير هؤلاء الكفار أو إظهار كفرهم قد يترك في بعض الأحوال لمآلات قد يؤول إليه تكفيرهم مثل ما قد يقال أن محمدا يقتل أصحابه وهو نفس ما يقال ألان عند تكفير من ارتكب المكفرات " إنكم تكفرون المسلمين" وفي ذلك من الصد عن دين الله وتشويه صورة الدعوة ما لا يخفى وذلك لعظيم جهل الناس بحقيقة الإسلام وحكم هذه الأفعال ولتلبيس أهل الباطل وتشربهم للإرجاء، فعلى أصحاب الدعوة والمنهج واجب البلاغ والدعوة إلى الله مع تأليف الناس وتألفهم وتزين الحق لهم وتيسيره عليهم وعدم التشديد عليهم في التزام الأحكام حتى يستفيض العلم وتصحح المفاهيم ورفع الالتباس حول حقائق الإسلام فحينها نكون قد أدينا ما علينا من واجب البلاغ ، فيهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينه .
وهذا كله لا يتنافى مع تقرير أحكام الشريعة في هؤلاء وفي أفعالهم وأقوالهم .
- أما من يقول بأن تكفير هؤلاء العوام الذين وقعوا في أصناف الشرك هو من ضرورة تحقيق التوحيد وأصل الدين حيث أن تكفيرهم هو بمعنى البراءة منهم ، والبراءة من الكفار ركن في التوحيد وأصل الدين ، فمن لم يكفرهم لم يكن محققا لأصل دينه ، ولا عذر لمن لم يحقق أصل الدين ، ثم يقرر بأن من يعذر بالجهل كافر لأنه لم يحقق البراءة من الكافرين ...
فهؤلاء هم أهل الغلو في هذه المسالة وهذا من أعظم أصولهم الباطلة التي تقابل أصول أهل التفريط - إن صح التعبير- ،إذ أن التكفير ليس بمعنى البراءة لا لغة ولا شرعا ، وإنما تكون البراءة بعد ثبوت وصف الكفر ابتداء ، لقوله تعالى ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) فالبراءة لا تكون إلا بعد ثبوت الكفر فكيف تكون هي معناه ؟!
ومن يعذر بالجهل لم يثبت لديه كفر هؤلاء ولم يتبين له ذلك ،فهم وإن أخطئوا فلهم من الأجر مع خطأهم بقدر اجتهادهم وابتعادهم عن التزام الأصول الفاسدة التي سبق ذكرها ، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة في الفتوى رقم : (11043).
- وعلى كل حال إذا غضضنا الطرف عن كل ما سبق وعن كل هذه الإفرازات التي نتجت ، فإن المسألة مجردة تعد في النهاية مسالة علمية اجتهادية حول دلالة النصوص على اعتبار عذر الجهل أو عدم اعتباره ، فلا يقال أن المخالف فيها تكفيري أو خارجي لأنه يلتزم بالضوابط الشرعية فيكفر بما اتفق على أنه كفر أكبر مخرج من الملة ويعتبر جميع الأعذار المتفق عليها من الإكراه والخطأ والنسيان وغيرها ويخالف فقط في شرط العلم ومانع الجهل يزعم أن الأدلة لا تدل على عمومه بما يتضمن التوحيد .
- وحيث أن المقام ليس مقام استطراد فاذكر فقط بعض من يخالف الشيخ في هذه المسالة من أهل العلم وأكتفي بنقل بعض أقوال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ومن مصر الشيخ حامد الفقي رئيس جمعية أنصار السنة السابق والشيخ عبد الرحمن الوكيل أيضا رئيس جمعية أنصال السنة السابق وسأكتفي بهؤلاء لتأكيد أن المخالفين للشيخ في هذه المسالة علماء كبار لا ينبغي تجاوزهم أو تجاوز أقوالهم إذا ذكرت المسالة فضلا أن يوصفوا بأنهم خوارج أو تكفيريون...
- فهذه فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله في العذر بالجهل رقم 3548 حيث قال رحمه الله :
( من مات على الشرك جاهلا لعدم مجيء أحد إليه يعرفه معنى التوحيد وأن النذر والدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، فهو مشرك كافر لا يجوز المشي في جنازته ولا الصلاة عليه ولا الدعاء والاستغفار له ولا قضاء حجه والتصدق عنه .
وهؤلاء ليسوا بمعذورين بما يقال عنهم أنهم لم يأتهم من يبين أنه هذه الأمور المذكورة التي يرتكبونها شرك لأن الأدلة في القرآن واضحة وأهل العلم موجودون لديهم )
- وهذه بعض إجابات الشيخ ابن باز حول مسألة العذر بالجهل في شرحه لكتاب كشف الشبهات :
( س : الاختلاف في مسائل العذر بالجهل هل من المسائل الخلافية ؟ج : مسألةعظيمة ، والأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين من بلغه القرآن والسنة ، مايعذر.
الله جل وعلا قال :" وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ "، من بلغهالقرآن والسنة غير معذور ، إنما أوتي من تساهله وعدم مبالاته .
س : لكن هل يقال هذه مسألة خلافية ؟ج : ليست خلافيةإلا في الدقائق التي قد تخفى مثل قصة الذي قال لأهله حرقوني . س : كثير من المنتسبين للسلفية يشترطون في إقامةالحجة أن يكون من العلماء فإذا وقع العامي على كلام كفر يقول ما نكفره؟ج : إقامة الدليل كل على حسب حاله .
س: هل يجب على العامي أن يكفر من قام كفره أو قام فيه الكفر ؟ج: إذاثبت عليه ما يوجب الكفر كفره ما المانع ؟!
إذا ثبت عنده ما يوجب الكفر كفره مثلما نكفر أبا جهل وأبا طالب وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، والدليل على كفرهم أنالرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم يوم بدر .
س: يا شيخالعامي يمنع من التكفير ؟ج : العامي لا يكفِّر إلا بالدليل ، العاميما عنده علم هذا المشكل ، لكن الذي عنده علم بشيء معين مثل من جحد تحريم الزنا هذايكفر عند العامة والخاصة ، هذا ما فيه شبهة ، ولو قال واحد : إن الزنا حلال ، كفرعند الجميع هذا ما يحتاج أدلة ، أو قال : إن الشرك جائز يجيز للناس أن يعبدوا غيرالله هل أحد يشك في هذا ؟! هذا ما يحتاج أدلة ، لو قال : إن الشرك جائز يجوز للناسأن يعبدوا الأصنام والنجوم والجن كفر .
التوقف يكون في الأشياء المشكلة التي قدتخفى على العامي .س : ما يعرف أن الذبح عبادةوالنذر عبادة !
ج : يعلَّم ، الذي لا يعرف يعلَّم ، والجاهل يعلَّم .
س : هل يحكم عليه بالشرك ؟ج : يحكم عليهبالشرك ، ويعلَّم أما سمعت الله يقول :"أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن همإلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا "
قال جل وعلا :" ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنوالإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهاأولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ".
ما وراء هذا تنديدا لهم ،نسألالله العافية .س : من نشأ ببادية أو بيئة جاهلية؟ج : يعلَّم أن هذا شرك أكبر حتى يتوب ، يقال له هذا شرك أكبر عليكبالتوبة إلى الله .
مثل ما كان المشركون يطوفون بالقبور ونصبوا عند الكعبةثلاثمائة صنم وأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم فالذي أجاب وهداه الله فالحمد للهوالذي ما أجاب مشرك هذا وأغلبهم جهال ، خرجوا إلى بدر جهال ، وإلى أحد جهال ،تابعوارؤساءهم.
قال الله جل وعلا :" أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاكالأنعام بل هم أضل سبيلا "مع هذا حكم عليهم بالكفر .س : يذكر العلماء في أهل البادية أن الأعرابي قد يعذر فما هي المسائلالتي قد يعذر فيها صاحب البادية ؟ وهل هذا خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم عندبداية الإسلام ؟.
ج : يعذر الأعرابي وغير الأعرابي بالشيء الذي يمكنجهله مثل بعض أركان الصلاة ، بعض أركان الزكاة ، بعض المفطرات .
أما إذا جحدالصلاة رأسا وقال :لا أصلي ، أو جحد الصيام رأسا وقال لا أصوم رمضان ، ما يعذر لأنهذا الشيء معلوم من الدين بالضرورة كل مسلم يعرف هذا أو جحد شروط الحج أو أن عرفةمن واجبات الحج ومن أعمال الحج لأنه قد يخفى عليه ، لكن يقر بالحج أنه فرض مثل هذهقد تخفى على العامي .
س : يذكر يا شيخ – أحسن الله إليك – عنبعضهم أنه ما يعرف الجنابة ، وأنه ما يغتسل منها ؟ج : يعلَّم ،العامي قد لا يفهم خصوصا بعض النساء ، يعلَّم ولا يكفر .
س : من وصلته كتب منحرفة ليست فيها عقيدة ولا توحيد هل يعذر بالجهل؟ج : إذا كان بين المسلمين ما يعذر بالشرك أما الذي قد يخفى مثل بعضواجبات الحج أو واجبات العمرة أو واجبات الصيام أو الزكاة بعض أحكام البيع ، وبعضأمور الربا ، قد يعذر وتلتبس عليه الأمور .
لكن أصل الدين كونه يقول أن الحج غيرمشروع أو الصيام غير واجب أو الزكاة غير واجبة ، هذا لا يخفى على المسلمين ، هذاشيء معلوم من الدين بالضرورة .
س : لو قال لا بد أن تتوفرشروط فيمن أًريد تكفيره بعينه وتنتفي الموانع ؟ج : مثل هذه الأمورالظاهرة ما يحتاج فيها شيء ، يكفر بمجرد وجودها ، لأن وجودها لا يخفى على المسلمين، معلوم بالضرورة من الدين بخلاف الذي قد يخفى مثل شرط من شروط الصلاة ، بعضالأموال التي تجب فيها الزكاة ، تجب أو لا تجب ، بعض شؤون الحج ، بعض شؤون الصيام ،بعض شؤون المعاملات ، بعض مسائل الربا . س : بعض الناس يقول : المعين لا يكفر .
ج : هذا من الجهل ، إذا أتىبمكفر يكفر .س : يا شيخ جملة من العاصرين ذكرواأن الكافر من قال الكفر أو عمل بالكفر فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة ، ودرجوا عبادالقبور في هذا ؟ج : هذا من جهلهم عباد القبور كفار ، واليهود كفاروالنصارى كفار ولكن عند القتل يستتابون ، فإن تابوا وإلا قتلوا.
س : يا شيخ مسألة قيام الحجة ؟ج : بلغهم القرآن ،هذابلاغ للناس ، القرآن بلغهم وبين المسلمين "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ "
" هذا بلاغ للناس " ، " يا أيها الرسول بلغ "
قد بلغ الرسول ، وجاء القرآنوهم بين أيدينا يسمعونه في الإذاعات ويسمعون في غيرها ، ولا يبالون ولا يلتفتون ،وإذا جاء أحد ينذرهم ينهاهم آذوه ، نسأل الله العافية .
س : حديث الرجل الذي قال إذا مت حرقوني ؟ج : هذا جهل بعض السنن منالأمور الخفية من كمال القدرة ، جهلها فعذر حمله على ذلك خوف الله ، وجهل تمامالقدرة فقال لأهله ما قال .
س: سجود معاذ للنبي صلى اللهعليه وسلم ؟ج : هذا إن صح في صحته نظر ، لكن معاذ لو صح ظن أن هذاإذا جاز لكبار قادة المشركين هناك فالنبي أفضل ، هذا له شبهة في أول الإسلام ، لكناستقر الدين وعرف أن السجود لله ،وإذا كان هذا أشكل على معاذ في أول الأمر لكن بعدهما يشكل على أحد .) ____________________
- وهذه إحدى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء نذكرها لان الشيخ قد ختم محاضرته بالنقل عنها أكثر من فتوى وسيأتي التعليق على ذلك إن شاءا لله .
- أما فتاوى اللجنة الدائمة فهي كثيرة وأذكر منها أشهرها وأدلها في هذه المسالة وهي الفتوى رقم (4400) السؤال : ( يقول : كل من يتقيد برسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستقبل القبلة بالصلاة ولو سجد لشيخه لم يكفر ولم يسمه مشركا، حتى قال: إن محمد بن عبد الوهاب الذي تكلم في المشركين في خلودهم في النار إذا لم يتوبوا قد أخطأ وغلط، وقال: إن المشركين في هذه الأمة يعذبهم ثم يخرجهم إلى الجنة، وقال: إن أمة محمد لم يخلد فيهم أحد في النار. )
- الجواب :
( كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذارا إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليسمى كافرا بعد البيان، فإنه يسمى: كافرا بما حدث منه من سجوده لغير الله أو نذره قربة أو ذبحه شاة مثلا لغير الله، وقد دل الكتاب والسنة على أن من مات على الشرك لا يغفر له ويخلد في النار؛ لقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقوله: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم. )
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو، نائب رئيس اللجنة، الرئيس
عبد الله بن قعود، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز>
وأيضا تراجع فتوى رقم (11043) فهي في هذا الباب .
وهذان علمان من أعلام مصر وكل منهما قد تولى رئاسة جمعية أنصار السنة التي ينتسب إليها الشيخ الآن فأولهما العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله- وله تعليق حول العبارة المنسوبة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وهو قوله : ( و إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر و الصنم الذي على قبر أحمد البدوي و أمثالها لأجل جهلهم ..الخ ) ا.هـ.
فقال الشيخ رحمه الله : ( في هذه العبارة نقص أو تحريف، لا بد . فإن مؤداها خطأ واضح ينافي نصوص القرآن و السنة، و إذا لم يكفر من يعبد الصنم فمن يكفر غيره ؟ . و هذا بلا شك خلاف دعوة الإسلام و دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروفة من كتاب التوحيد و كشف الشبهات و الثلاثة الأصول و غيرها من كتبه الصريحة في أنه : لا يصح إسلام أحد إلا إذا عرف ما هي الطواغيت و كفر بها و عاداها و عادى عابديها كما قرر إبراهيم عليه السلام في قوله لقومه : ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم و آباؤكم الأولون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) الآيات .وهذا أوضح في القرآن و السنة و كلام أهل العلم و الدين من أن ينبه عليه.و الداعي إلى الله و إلى إخلاص العبادة له، لا يضيره أبدا أن يرمى من أعداء الله بأنه ( يكفر الناس و يسميهم مشركين )، فإن ذلك من لازم دعوته إلى توحيد نذيرا.الإيمان به، إذ لا يمكن الدعوة إلى الإيمان إلا ببيان الكفر و الكافرين، و الشرك و المشركين، بل إن منطوق كلمة ( لا إله إلا الله ) مستلزم ذلك... فليس الداعي إلى الله هو الذي يحكم بالكفر و الشرك و وجوب النار للمشركين و الكافرين، إنما هو يخبر عن الله و ينشر كلمات الله و آياته و أحكامه مبشرا و نذيرا . فالله هو الذي يقول : ( و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين )، و هو الذي يقول : ( و قليل من عبادي الشكور )، و غير ذلك لا يحصى من الآيات التي يهدم بها دعاوى من يدعي الإسلام و الإيمان من الجاهلين قديما و حديثا، فواجب الداعي إلى الله أن يبين ذلك في صراحة و شجاعة لا يخاف لومة لائم و لا تشنيع مشنع ... ) ا.هـ هامش رقم 1، على كتاب مصباح الظلام، صـ 28.
- وقال رحمه الله: ( و هل وقع الناس في هاوية الضلال و الشرك إلا بالجري على عادة الآباء و الشيوخ !؟، و هل هذه تنفع حجة أو عذرا !؟ بعد أن أقام الله عليهم الحجة ص: قرؤوا في القرآن و السنة من آيات الله و أحاديث التوحيد التي هي أكثر شيء و أبينه من قول الله و رسوله ) ا.هـ. ( المصدر السابق، هامش رقم 1، ص : 182 ) .
- قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله وهو العالم السلفي الكبير و الداعية المجرب الخبير، الذي عاش ردحا من عمره مع عباد القبور في بلاد مصر، و كان منهم و مثلهم، ثم هداه الله تعالى إلى التوحيد و السنة فصار حربا على الشرك و الوثنية، و ألف في حرب الوثنية واحدا من أهم الكتب على الإطلاق و هو كتابه هذه هي الصوفية .
- قال رحمه الله : ( و عجب مغرب في العجب، أن نغضب، بل نرتجف من الحنق إذا دُعينا نحن بغير أسمائنا، و نحقر من ينتسب إلى غير أهله، ثم لا نغضب من نعت الباطل بأنه حق !! و عجب ذاهل الدهشة أن نرمي بالعمى و الجهالة من يسمي الليل : بأنه نهار مشمس، أو من يقول عن المر : إنه حلو، أو من يقول عن الثلاثة : إنها واحد !! أو من ينسب إلى مذهب رأي مذهب آخر ، أو من يخطئ في حقيقة تاريخية، أو جغرافية، أو مادة قانونية،.. ثم لا نرمي بهما -بالعمى و الجهالة- من ينعت الصوفية بأنها إسلام صحيح، و من يقول عن الطائفين حول القبور ، اللائذين بأحجارها الصم إنهم مسلمــون !! ثم يمكر ليحسب مع المسلمين، فيقول عن أولئك : و لكنهم مخطئون !! .
عجب أن نكفر من ينسب إلى محمد -صلى الله عليه و سلم- حديثا موضوعا، و القائلين بأن الله ثالث ثلاثة، ثم نحكم بالإيمان الحق لمن ينسبون إلى النبي أنه الصوفي الأول، و أنه الموحي بدين الصوفية !! فيقولون: : إن الله عين كل شيء و أنه مليون ملايين !! نحكم بإيمان هؤلاء ، لا لشيء سوى أن لهم أسماء تشاكل أسماء المسلمين !! .
إن الحق و الدفاع عنه يحتمان علينا أن نسمي كل شيء باسمه، و نصفه بصفاته، و إلا افترينا عليه، و جعلنا للباطل السورة و الصولة، و داجينا في الإيمان . الخ.ذه النعـومة و الطراوة و الرخاوة المخنثـة في الذياد عن الحق، و الجهر بكلمة الحق، أما ذلك فشر أنواع الجبانة الذليلة، و الخداع و الرياء و العجز المهين ..الخ . ) ا.هـ. الصوفية
وإذا كان هؤلاء الأكابر هم المخالفون للشيخ وغيره في هذه المسالة فليس من الإنصاف ولا من الأمانة أن يهمش ذكر هؤلاء أو تصور المسالة كأنها خلاف بين أهل السنة وجماعة التكفير !
الوقفة الرابعة :
احتج الشيخ بقول الشوكاني الذي ذكره في السيل الجرار واحتج به في مسالة التكفير والعذر بالجهل حيث نقل قوله :
(اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ، ودخوله الكفر لا ينبغيلمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنهقد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن : من قال لأخيه ياكافر ، فقد باء بها أحدهما .
هكذا في الصحيح وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما : من دعا رجلاً بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس بذلك إلا حار عليه . أي رجع . وفيلفظ في الصحيح فقد كفر أحدهما .
ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجروأكبر واعظ عن التسرع في التكفير وقد قال الله عز وجل : ولكن من شرح بالكفر صدراً . فلا بد من شرح الصدر بالكفر ، وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه .
فلا اعتباربما يقع من طوارق عقائد الشر ، لا سيما الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتباربصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ، ولا اعتبار بلفظتلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه ) ا.هـ
- و أنبه ابتداء على أن الشوكاني رحمه الله له العديد من المؤلفات أو الرسائل قد تكلم فيها عن هذه المسالة تحديدا منها :
- رسالة في مسائل التوحيد والشرك وهي الرسالة الأولى في كتاب الفتح الرباني
- ومنها رسالة العذب النمير في جواب مسائل بلاد عسير وهي أيضا مجموعة ضمن كتاب الفتح الرباني تحقيق حلاق .
- ومنها كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد .
وما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار يبدوا متعارضا لما في هذه الرسائل وما فيها من تقريرات صريحة ومخالفة لما ذكره في هذا الموضع ،حيث نص نصا صريحا كما سيأتي على عدم العذر بالجهل في مسائل الشرك الأكبر ونص أيضا على أن الردة لا يعتبر في ثبوتها العلم ،وغير ذلك مما سيأتي نقله ، ولذلك ينبغي أن يوجه هذا القول أو ينقد بما يتوافق مع ما ذكره في هذه الكتب ،جمعا لأقوال الإمام بعضها إلى بعض .
- وهذه بعض مقولات من كلامه رحمه الله في هذه المسالة (العذر بالجهل) أنقلها من الكتب والرسائل التي أشرت إليها.
- قال رحمه الله: ( ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم علي هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله: " لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون. فاعتقد ذلك جهلاً كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام " ، فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية وأثبت الاعتقاد ، واعتذر عنهم – كما هو حال صاحب الكلام الذي نقلناه لك – بأنه اعتقاد جهل . وليت شعري فأي فائدة لكونه اعتقاد جهل ؟! فإن طوائف الكفر بأسرها وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم علي الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل: : الاعتقاد جهلاً ! وهل يقول قائل إن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذراً لإخوانهم المعتقدين في الأموات ! ثم تمم الاعتذار بقوله : " لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد " ، إلي آخر ما ذكره ، ولا يخفاك أن هذا غير باطل ؛ فإن إثباتهم التوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون ، وإن كان بأفعالهم فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم " ) .
- وقال رحمه الله في معرض رده علي القائلين بأن هؤلاء لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك : ( فإن قلت :- هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك ، بل لو عرض أحدهم علي السيف لم يقر بأنه مشرك بالله ولا فاعل لما هو شرك بل ولو علم أدني علم أن ذلك شرك لم يفعله ، قلت – أي الشوكاني :- الأمر كما قلت ، ولكن لا يخفي عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بمعني ما قاله مما جاء بلفظ كفري ، أو فعل فعلاً كفرياً ، وعلي كل حال فالواجب علي كل من اطلع علي شيء من هذه الأقوال والأفعال ، التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلغهم الحجة الشرعية ، ويبين لهم ما أمره الله ببيانه ، وأخذ عليه ميثاقه ألا يكتمه كما حكي لنا في كتابه العزيز .. )
فتأمل قوله رحمه الله : ( وأنه لا يعتبر في ثبوت الردة العلم بما قاله من ألفاظ الكفر أو الشرك)
- واختم بقوله: ( أما السؤال الأول: فقد أجاب عنه السائل بما شفى وكفى وهو سؤال وجواب وقد أقام الأدلة على ما أجاب به من الكتاب والسنة، فمن قال بغيره فلا يلتف غليه ولا يعول عليه. ومن وقع في الشرك جاهلا لم يعذر لان الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم فمن جهل فقد أتي من قبل نفسه بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة... فمن جهل فبسبب إعراضه، ولا يعذر أحد بالإعراض .) الفتح الرباني صـ 145 رسائل العقيدة
- أما التوفيق بين هذه الأقوال التي تبدوا متعارضة لأول وهلة فهو وإن كان من مسؤولية من يحتج بها ابتداء ولكن حيث تعرضت لهذا فأذكر فيه ما يحضرني والله الموفق .
فأقول إن ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله مخالف لأدلة الكتاب والسنة وأصول أهل السنة في هذا الباب ،حيث أن اشتراط انشراح الصدر بالكفر واعتقاد القلب له مخالف لما اتفق عليه عند أهل السنة من أن الكفر يكون بالقول والفعل والاعتقاد والذي يشترط في انشراح الصدر واعتقاد القلب وسكون النفس إنما يرجع الكفر كله إلى شيء واحد وهو الاعتقاد !
ولا يمكن أن يجتمع قوله هذا مع إقراره بأن الكفر يكون بالقول والعمل إلا بنوع تناقض.
وإن لم يكن في تلك المقالة إلا مخالفة هذا الأصل المتقرر والمميز لها عن أهل الإرجاء والتجهم لكفى لبطلانها وكونها مردودة .
فكيف إذا تعارضت مع نصوص الكتاب والسنة الظاهرة البينة في كفر من تكلم بالكفر من غير اعتقاد ؟
- فلأن يقال عن هذا الكلام بأنه زلة عالم وأن الإمام الشوكاني رحمه الله أخطأ في هذا الكلام وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي عليه الصلاة والسلام ، خير من أن تهدم هذه الأصول.
- هذا وإن اشتراط انشراح الصدر بالكفر وطمأنينة النفس به ليس إلا في المكره على الكفر فمن كفر بغير إكراه فلا يشترط له هذا الشرط مطلقا ودليل ذلك قوله تعالى : (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله.. ) الآية فمن كفر بالله من بعد إيمانه فهو كافر إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فهذا مستثنى من كونه كافرا، ،ولكن من شرح بالكفر صدرا أي من المكرهين فعليهم غضب من الله .
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( فإن قيل: فقد قال تعالى «ولكن من شرح بالكفر صدراً»، قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً، وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهى كفر. وقد دل على ذلك قوله تعالى «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين». فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام) (مجموع الفتاوى) 7/ 220
- وقد تكلم الشيخ حمد بن عتيق النجدي رحمه الله 1301 هـ في نفس المسألة في رده على أحد خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال (وأما خروجه عما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة وما عليه الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم فقوله: فمن شرح بالكفر صدراً أي فتحه ووسّعه وارتد عن الدين وطابت نفسه بالكفر فذلك الذي ندين الله بتكفيره، هذه عبارته، وصريحها أن من قال الكفر أو فعله لا يكون كافراً وأنه لا يكفر إلا من فتح صدره للكفر ووسعه، وهذا معارضة لصريح المعقول وصحيح المنقول وسلوك سبيل غير سبيل المؤمنين، فإن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة قد اتفقت على أن من قال الكفر أو فعله كَفَر ولا يشترط في ذلك انشراح الصدر بالكفر ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وأما من شرح بالكفر صدراً أي فتحه ووسّعه وطابت نفسه به ورضي فهذا كافر عدو لله ولرسوله وإن لم يتلفظ بذلك بلسانه ولا فعله بجوارحه، هذا هو المعلوم بدلالة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ونبين ذلك من وجوه) ثم ذكر عشرة أدلة على كلامه وذلك في رسالته (الدفاع عن أهل السنة والإتباع) صـ 22 ــ 23
- وذكر ابن الوزير اليماني عن أبي هاشم رأس المعتزلة هذا القول وأنكره حيث قال : ( ومن العجب أن الخصوم من البهاشمة وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الذي قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومن قال بقولهم مع نص القرآن على كفرهم إلا بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا كما سيأتي بيانه وضعفه مع وضوح الآية الكريمة في الكفر بالقول...... وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر المحجوبة فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص ولا يدل حرب الأنبياء على ذلك لاحتمال أن يكون على الظاهر كقوله فمن حكمت له بمال أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ومع نكارة هذا فالملجئ إليه عموم مفهوم ظني ضعيف .)
- والاحتجاج بما ذكره الشوكاني رحمه الله من اشتراط انشراح الصدر بالكفر وسكون النفس إليه واعتقاد القلب له يكشف حقيقة منهج من يحتج بهذا الكلام من غير تأمل ويؤكد ما ذكرناه من أسباب استفحال الخلاف في هذه المسالة حيث يلزم من ذلك حصر الكفر في الاعتقاد والاستحلال القلبي دون سائر أنواع الكفر القولي والعملي ،وهم مع ذلك يقررون أن الكفر يكون بالقول والفعل والاعتقاد فكيف يستقيم لمن يحتج بهذا القول أن يقرر ذلك ؟!
لاشك أن هذا تناقض وخلل في فهم هذه المسالة أو فهم أصول أهل السنة أصلا ، فالتزام هذا القول يمنع الاعتبار بكفر الأقوال والأعمال مطلقا ، ويعلقه على انشراح الصدر بالكفر بما يرجع بجميع أنواع الكفر إلى الاعتقاد وهذا أصل باطل مخالف لأصول أهل السنة المعلومة .
- وأخيرا فإن انشراح الصدر بالكفر واعتقاد القلب له أمر مغاير للعلم بل هو عند التأمل غير ملازم له!
إذ كيف ينشرح الصدر بالكفر وتسكن النفس إليه وهو يعلم أنه كفر ؟!
فهذا لا يكون إلا لمن يعتقد في نفسه أنه على الحق ، فما نسميه نحن كفرا ليس عنده بكفر بل هو الحق الذي يعتقده ، فإذا كان انشراح الصدر بالكفر هو دليل جهل صاحبه المركب ومع ذلك يكفر به ،فكيف يحتج به على العذر بالجهل ؟ !
-أما إذا ذهبنا إلى توجيه كلام الشوكاني بما قد يكون أمثل في جمع كلامه وتأليفه فإنه قد يقال :
أولا : إن أصل الكلام إنما كان تعليقا على عبارة الماتن و قوله : ( والمتأول كالمرتد ).
والشوكاني رحمه الله لا يثبت أصلا " كفر التأويل " ويراه تكفيرا للمسلمين بغير موجب وإخراجا للمسلم عن الإسلام بلوازم قوله ومآله ولذا قال هذا الكلام تعليقا على المتن المشروح قبل هذا الكلام : ( وأما قوله :" ولو تأويلا " فباطل من القول وخطل من الرأي فإن هذه المسائل التي اختلف فيها أهل الإسلام وكفر بعضهم بعضا تعصبا وجرأة على الدين وتأثيرا للأهوية لو كان ظهورها في الدار مقتضيا لكونها دار الكفر لكانت الديار الإسلامية بأسرها ديار كفر فإنها لا تخلوا مدينة من المدائن ولا قرية من القرى من ذاهب إلى ما تذهب إليه الأشعري أو المعتزلة أو الماتريدية وقد اعتقدت كل طائفة من هذه الطوائف ما هو كفر تأويل عند الطائفة الأخرى وكفاك من شر سماعه والحق أنه لا كفر تأويل أصلا وليس هذا موضع البسط لهذه المسألة فخذها كلية تنج بها من موبقات لا تحصى ومهلكات لا تحصر وسيأتي عند الكلام على قوله والمتأول كالمرتد ما ينبغي أن يضم إلى ما هنا لتكمل الفائدة...
فهنا كان التعليق على كفر التأويل وذكر أن الحق أن لا كفر تأويل أصلا ثم ذكر أنه سيعلق على ذلك عند قوله في المتن _ ( والمتأول كالمرتد ) بكلام آخر غير ذلك وقال :
( ينبغي أن يضم بعضه إلى بعض لتكمل الفائدة .)
ثم استرسل في الكلام بعد ذلك حتى ذكر قوله المنقول أعلاه ثم بعد ذلك جاءا التعليق على قول الماتن ( والمتأول كالمرتد ) فقال :
( قوله والمتأول كالمرتد الخ . أقول ها هنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لسنة ولا لقرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان بل لما غلت مراجل العصبية في الدين وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب البقيعة فيا لله وللمسلمين من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رزىء بمثلها سبيل المؤمنين وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله عز و جل وحصة من الغيرة الإسلامية قد علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه أنه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وشهادة أن لا إله إلا الله والأحاديث بهذا المعنى متواترة فمن جاء بهذه الأركان الخمسة وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائنا من كان فمن جاءك بما يخالف هذا من ساقط القول وزائف العلم بل الجهل فاضرب به في وجهه وقل له قد تقدم هذيانك هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه )
فقد يقال أن الإمام رحمه الله قد تأثر في كلامه هذا بما ذكره الماتن أكثر من مرة في جعله المتأول كالمرتد فجاء السياق في كفر التأويل وأنه ليس بكفر أصلا وأن جعله كالمرتد فيه جناية على المسلمين وأن المسلم ( المتأول ) لا يكفر - من هذه الجهة- إلا باطمئنان نفس وانشراح صدر وغير ذلك مما ذكر وإن كان في العبارة شيء من التوسع في اللفظ إلا أن هذا هو سياقه الذي جاء فيه والذي يقبل فيه مثل هذا الكلام أصلا .
فإن المتأول لا يكفر بلازم قوله ومآله حتى يلتزمه ويقول به فيكون كفره بعد بيان لازم قوله واختياره له ورضاه به قولا ومذهبا، فيكون كفره على هذا الصورة باختياره ورضى نفسه وهنا يتحقق انشراح الصدر وهذا يكون في المتأول أو من يأتي بأمر يحتمل في كونه كفر فيكون المرجح حينئذ هو قصد الفاعل وباطنه فإن أبدى عنه وكان كفرا فقد شرح بالكفر صدرا ...
وممن ذهب إلى توجيه آية الإكراه في ذلك فحصر اشتراط انشراح الصدر في المتأولين ابن الوزير اليماني رحمه الله في كتابه إيثار الحق وهو ممن تأثر بهم الشوكاني رحمه الله حيث قال :
(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم فقوله في هذه الآية الكريمة ولكن من شرح بالكفر صدرا يؤيد أن المتأولين غير كفار لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظنا أو تجويزا أو احتمالا وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج فقال من الكفر فروا فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل .... )
ومع ذلك فقد منع اشتراط انشراح الصدر في الكفر الصريح حيث قال :
(وقد بالغ الشيخ أبو هاشم - رأس المعتزلة- وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآية – آية الإكراه - تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفر لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فانه فسر شرح الصدر بطيب النفس بالكفر وباعتقاده معا واختاره الإمام يحيي عليه السلام والأمير الحسين بن محمد وهذا كله ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " فقضي بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره ...)
فلعل ما ذكرته من السياق وما ذكره ابن الوزير رحمه الله يعين على صحة هذا التوجيه لاسيما وكلام الشوكاني رحمه الله الذي ذكره في السيل وكلامه فيما نقلته عنه في كتبه الأخرى يحتمل أن يقال عنه أن هذا في كفر التأويل لقرينة السياق وما في كتبه الأخرى في كفر التصريح والله أعلم .
ثانيا : قد يوجه هذا الكلام أيضا بأن يقال أن كلام الإمام المذكور في السيل يختص بالأعمال التي ذكرها بعد ذلك وهي الأعمال والأقوال التي أطلق عليها الشارع اسم الكفر وليست بكفر ينقل عن الملة حيث استدرك على نفسه بقوله :
( فإن قلت قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام ، وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلماً كما تقدم ، وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلاً يخالف الشرع كما في حديث لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ونحوه مما ورد مورده وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر وإن لم يرد قائله أو فاعله به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر . قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل ولم تجد طريقاً تسلكها في مثل هذه الأحاديث فعليك أن تقرها كما وردت وتقول من أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الكفر فهو كما قال. ولا يجوز إطلاقه على غير من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين كافراً إلا من شرح بالكفر صدراً، فحينئذ تنجو من معرة الخطر وتسلم من الوقوع في المحنة. فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة. فكيف إذا كان على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عداد من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كافراً...)
وتأمل قوله: (وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب ( الكفر) – وهل يوجب الكفر شيء مما ذكر - وإن لم يرد قائله أو فاعله به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر)
ولا شك أن جميع هذه الأعمال التي ذكرها ليس منها شيء يوجب الكفر الأكبر لذا فإن السياق يدل على أن كلامه المذكور إما أن يكون في المتأول الذي ساواه صاحب المتن بالمرتد أو يكون في التكفير بالأعمال التي سماها الشارع كفرا وليست كذلك والله اعلم .
ومما يدعم الوجه الأول ما أورده الشيخ صديق حسن خان في كتابه الروضة الندية وهو شرح لكتاب الدرر البهية للإمام الشوكاني رحمه الله حيث أورد هذا الكلام في سياق الكلام عن المتأول ومقولة (والمتأول كالمرتد ) مع التقديم والتأخير كله تحت سياق التعليق على هذه الكلمة بما يظهر صراحة أن سياقه كان في المتأول حيث قال رحمه الله :
(وأما قول بعض أهل العلم ( أن المتأول كالمرتد) فهنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان ....) وهذا الكلام قد جاء في السيل الجرار بعد الكلام الذي ذكرناه سابقا وهنا أورده المؤلف في سياق واحد متسلسل تحت تعليق الشوكاني على عبارة (والمتأول كالمرتد ) ثم قال صديق حسن خان : ( هذا ما أفاده الماتن العلامة في السيل . وقال أيضاً... ) ثم ذكر قوجل:شوكاني المذكور في نفس السياق وذكر أحاديث الترهيب من تكفير المسلم (ففي هذه الأحاديث وما ورد مرودها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن الإسراع في التكفير . وقد قال عز وجل : ولكن من شرح بالكفر صدراً فلا بد من شرح الصدر بالكفر ، وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه ، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك
لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ، ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه ، فإن قلت قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام....) فهذا السياق كله هو تعليق على قول الماتن (والمتأول كالمرتد ) واعتراض الإمام على ذلك ونفيه أن يكون شيئا يسمى كفر تأويل أصلا ..
ثم تطرق بعد ذلك للأقوال والأفعال الكفر،والتي تثبت بها الردة والخروج عن الإسلام فقال رحمه الله: :
- والساحر لكون عمل السحر نوعاً من الكفر ، ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه المرتد
- والكاهن لكون الكهانة نوعاً من الكفر، فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب الكفر
- والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ، ففاعلها مرتد حده حده
- وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي صلى الله عليه وسلم فبالأولى من سب الله تبارك وتعالى ، أو سب كتابه أو الإسلام ، أو طعن في دينه وكفر ، من فعل هذا لا يحتاج إلى برهان .
- والمتأمل فيما ذكر من المكفرات يجد أن أنه لم يذكر شيئا منها في سياق اشتراطه انشراح الصدر ولم يذكر انشراح الصدر في سياق كلامه عن المكفرات الصريحة مما قد يصحح هذا التوجيه والله أعلم .
الوقفة الخامسة:
ذكر الشيخ مرارا أن من يعذرهم بالجهل لم يكفروا لأنهم لم يريدوا بذلك الخروج عن الإسلام ، فقد ذكره ذلك في المسالة الثانية في حديث معاذ وسجوده للنبي عليه الصلاة والسلام وذكره في حديث ذات أنواط وأن الصحابة لم يريدوا بهذه الفعل الخروج من الإسلام وذكره في حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه إذا مات خشية من ربه ...
ثم ذكر قولا عجيبا فقال :
( ولماذا قلنا إن الشخص إذا قال قول الكفر أو فعل فعل الكفر لا نكفره وإنما نقول قال قول الكفر أو فعل فعل الكفر. لماذا لا نكفره طالما قال قول الكفر أو فعل فعل الكفر. لماذا لا نكفره إنما قلنا ذلك لان الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مغفورا له، قال هذا القول باجتهاد والمجتهد إذا اجتهد فأخطأ له أجر ومنكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله ..)
واستدل على ذلك بحديث الرجل الذي أسرف على نفسه فأر أهله بأن يحرقوه إذا مات ...
وهذا الذي ذكره الشيخ خلط كبير بين المسائل التي هي محل للاجتهاد والمسائل التي ليست كذلك ، وبين الأقوال التي يطلق عليها كفر من أقوال أهل البدع والتي يكون فيها الكفر بلوازم أقوالهم وبين الأقوال والأعمال الكفرية التي هي كفر بذاتها والتي دل الدليل الشرعي على كونها كفرا فلم يفرق بين الكفر بالمآل كما في أقوال أهل البدع من أصحاب المقالات وبين الكفر في الحال الذي دل الدليل على كونه كفرا كسب الدين والاستهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام والسجود للصنم ... فهل يصح أن يقال في مثل هذه الأقوال والأعمال أن أصحابها من أهل الاجتهاد المأجور ؟ !
وما ذكره الشيخ هنا شر مما ذهب إليه الجاحظ الذي قال عنه الموفق ابن قدامه رحمه الله: :
( وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، - إلى أن قال: وأما ما ذهب إليه الجاحظ، فباطل يقينا، وكفر بالله. ورد عليه وعلى رسوله. ) ا.هـ
وكونه أشر وافسد من قول الجاحظ ذلك لآن الجاحظ قد اكتفى بعدم تأثيمه والشيخ هنا لم يكتف بذلك بل جعل له الأجر والمثوبة على هذا الاجتهاد !
وأيضا جاء في كتاب معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله:
في ترجمة عبيد الله بن الحسن العنبري ، أنه كان ثقة في الحديث وكان من كبار العلماء ،العارفين بالسنة ، إلا أن الناس رموه بالبدعة ، بسبب قول حُكي عنه ، من أنه كان يقول : بأن مجتهد من أهل الأديان مصيب، حتى كفره القاضي أبو بكر ، وغيره ...
( ولقد حكي الشاطبي رحمه الله توبته عن هذا القول في كتابه الاعتصام وذكر كلمته المشهورة ) إذاً أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذنباً في الحق أحب إلي من أن أكون رأساً في الباطل)ا.هـ
مع أن قول العنبري رحمه الله هذا في الأصول الاعتقادية التي يبدع فيها المخالف ولا يكفر كما ذكر القاضي عنه فأين هذا من كلام الشيخ الذي اثبت الأجر لمن يجتهد في الشرك والكفر! .
- وحيث كرر الشيخ مرارا بأن سبب إ):ر الذين وقعوا في الشرك وهو أنهم لم يريدوا بذلك الخروج من الإسلام فأذكر بعض أقوال أهل العلم المدعمة بالنصوص الشرعية والتي ترد هذا القول وتبطله وتقرر أن المرء قد يكفر ويخرج من الإسلام وهو لا يقصد الكفر وعلى رأس هذه الأقوال إجماع الأمة على كفر الهازل مع كونه لم يرد بذلك الخروج عن الإسلام.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى ( ..لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) :
(دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليكفرا.، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفراً وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه)
فهذا نص منه رحمه الله في أنهم كفروا ولم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا .
- وقال رحمه الله في الصارم المسلول ص 184 ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفْرٌ كَفَرَ بذلك ، وإن لم يقصد أن يكون كافرا ؛ إذ لا يكاد يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ..)
- ثم قال ص 375: ( و الغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب كذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين، وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد أن يكفر)
- وقال شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله :
( والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يُقال: إنَّ الله - عز وجل - عنَى بقوله:
( هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ) كلَّ عاملٍ عملاً يحسبه فيه مصيبًا، وأنَّه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهبانيَّة والشمامسة، وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أي دين كانوا)
- وقال أيضا :
( وهذا من أدل الدلائل على خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته؛ وذلك أنَّ الله - تعالى ذِكْرُه - أخبر عن هؤلاء الذين وصف صِفَتَهُم في هذه الآية، أنَّ سعْيَهُم الذي سَعَوْا في الدنيا ذَهَبَ ضلالا وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنَّه لا يكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يُحْسِنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها،ولكنَّ القَوْلَ بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة ) ا.هـ
- وقال ابن حجر في الفتح تحت باب من ترك قتال الخوارج للتألف 12/315:
( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار ديناً على دين الإسلام، وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة .. ) ا- هـ.
- فهذه بعض أقوال أهل العلم مدعمة بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة والتي ترد قول الشيخ أن من يفعل الكفر والشرك لا يكفر لأنه لم يرد بهذا الفعل أو هذا القول الخروج من الإسلام ،علما بأن تعمد الخروج لا يقتصر على الجاهل فقط ، فقد يفعل الكفر من هو عالم به ولا يريد بذلك الخروج الإسلام ،فيلزم الشيخ أن لا يكفر ذلك أيضا إذ علق الكفر على إرادة الخروج !
الوقفة السادسة :
تكلم الشيخ وفقه الله في المسالة الثالثة عن مسالة دخول الأعمال في مسمى الإيمان وهل تدخل الأعمال في مسمى الإيمان أم لا ؟
ثم قرر أنها تدخل في مسمى الإيمان و ذكر أن الذي عليه جمهور أهل السنة أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وأن الإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.
ثم تساءل قائلا : (ما حكم ترك العمل ؟ الجواب فيه تفصيل )
ثم قرر أن من ترك العمل جاحدا فإنه يكفر بلا خلاف ومن تركه كسلا وتهاونا فإنه لايكفر.
وهذا الكلام لا إشكال فيه إذا كان الكلام عن ترك أي من أعمال الجوارح حيث أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بفعل الطاعة وينقص بفعل المعصية وترك الطاعة وما تقرر عن أهل السنة من أن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان أو مسلم ليس بمؤمن .
ولكنه قال بعد ذلك :
( وخلاصة القول أن الأعمال وإن كانت داخلة في مسمى الإيمان فإن تركها لا ينقض الإيمان وإن كان ينقصه ) ثم كرر ذلك فقال: ( ترك الإيمان مع الاعتقاد ينقص الإيمان ولا ينقضه ) د /43
وهذا الكلام مشكل وهو ما قرر أهل العلم وخاصة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بأنه كلام المرجئة !
لان مقام ترك العمل بالكلية يختلف عن مقام ترك أفراد الأعمال فإن ترك العمل بالكلية يلزم منه زوال عمل القلب بالكلية كما أن نقصه دليل نقصه وزيادته دليل زيادته ، وذلك لامتناع حصول المحبة والانقياد في القلب دون عمل ظاهر أو حركة بدن فإن ذلك ممتنع لتلازم الظاهر بالباطن .
وأيضا فإن زوال العمل بالكلية يعني عدم تحقيق الإيمان المجزئ في كلام السلف حيث قرروا أن الإيمان : ( قول وعمل واعتقاد لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالأخر ) فمن يقول بأنه يجزئ القول والاعتقاد دون العمل فهو مخالف لهذا الإجماع ضرورة .
وتقرير الشيخ بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد صحيح ولكن تقريره بعد ذلك بأنه يجزئ القول والاعتقاد دون العمل تناقض ظاهر، وخلاف لما جاء عن السلف رحمهم الله حيث نصوا صراحة على أنه " لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر " فموافقتهم في شق الإجماع ومخالفتهم في الشق الآخر تناقض وخروج عن منهجهم وتقريرهم ، وهذا الإجماع الذي نقله الإمام الشافعي رحمه الله عن الصحابة والتابعين من أثبت الإجماعات وأصحها وأوضحها دلالة وقد أقره عليه الأئمة من بعده وفسروا قوله :( لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر ) أي لا يصح ولا يقبل وذكروا أن من يقول خلاف ذلك فقد قال بقول المرجئة ...
ومما جاء في ذلك قول الإمام الاجري رحمه الله :
) فالأعمال رحمكم الله تعالى بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب واللسان.
فمنلم يصدق الإيمان بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه ،ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنا ، ولمتنفعـــــــــه المعرفة والقول ، وكان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه ، وكان العملبما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه ، وبالله تعالى التوفيق) ا.هـ
وقال أيضا : ( والإعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان .
فمن لم يصدق بجوارحه مثلالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه ، ومن رضي لنفسهبالمعرفة دون القول والعمل لم يكن مؤمنا . ومن لم يعتقد المعرفة والقول كانتركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه -كذا-وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، فاعلم ذلك. هذا مذهب علماء المسلمينقديما وحديثا ،فمن قال غير هذا فهو مرجئ خبيث ، فاحذره على دينك ..)
- فالقول بأنه يجزئ القول والاعتقاد دون العمل مخالف لهذا الإجماع ضرورة ومخالف لتفسيره المذكور أعلاه وقد يؤول إلى إخراج العمل الظاهر من حقيقة الإيمان ، ولقد وقفت على بعض التفسيرات الخاطئة لهذا الإجماع من بعض الفضلاء اذكر شيئا منها واعلق عليه باختصار :
- فمنها قولهم أن الإيمان المقصود في كلام السلف هو الإيمان الكامل وهذا باطل ، إذ أنه ليس من مقصود السلف في هذا الإجماع بيان كمال الإيمان أو أصله أو تعيين هذه الأقوال الإعمال والاعتقادات أو مراتبها؛ وإنما مقصدهم ذكر ما يتركب منه الإيمان وحقيقة الدين وأنه لابد فيها من القول والعمل والاعتقاد .
فالإيمان مركب من هذه الأجزاء في أي مرتبة من مراتبه الثلاثة – الأصل والوجوب والكمال - ،فلابد فيها من القول والعمل والاعتقاد، فهم لم يقصدوا إلا بيان جنس ما يتركب منه الإيمان ظاهرا وباطنا ، وقولهم لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالأخر أي لا يصح ولا يقبل إيمان أحد إلا أن يكون فيه هذه الثلاثة أركان مجتمعة سواء قلنا ذلك في الإيمان الكامل أو الواجب أو أصل الإيمان فلابد من اجتماع هذه الثلاثة ، ومن يقول أنه لابد من اجتماعها في الإيمان الكامل والواجب ولا يشترط ذلك في أصل الإيمان فهو متحكم بلا دليل ، بل إن حقيقة الإيمان مركبة من هذه الأجزاء الثلاثة في أي من مراتب الإيمان الثلاثة ،وليس مقصود السلف أصلا ذكر هذه المراتب أو أحدها ، بل مقصودهم هو بيان هذه الحقيقة المركبة وأنه لا يجزئ وجود أي واحد منها دون الأخر ...
- قال شيخ الإسلام : ( والمأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة‏‏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه، ... - ثم قال - فإن أولئك قالوا ‏:‏ قول وعمل ليبينوا اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال،) ا. هـ 7/506
فقوله : ( فإن أولئك قالوا‏:‏ قول وعمل ليبينوا اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال) هو محل الشاهد ، أي أن قول السلف ليس المقصود منه بيان صفة عمل معين أو مرتبته من الأصل أو الكمال أو ذكر أوصاف هذه الأعمال على سبيل التعين وإنما مقصودهم بيان ما تتركب منه حقيقة الإيمان ...
- قد يقول قائل إنه لا فرق بين التكفير بترك العمل بالكلية أو التكفير بترك احد أفراده فأن التكفير بترك العمل بالكلية يؤول إلى التكفير بترك أفراده أو يستلزمه ، ودليل ذلك أن مسلما لو نطق الشهادتين ولم يعمل من الأعمال إلا عملا واحدا فقط كإماطة الأذى عن الطريق فهو بذلك قد أتى بشيء من العمل وحقق جنس العمل وهو على قولكم لا يكفر، فإن ترك هذا العمل كفر. فكان ترك إماطة الأذى على هذا كفر وفعله من أصول الإيمان وأركانه ! وهذا تكفير بترك أدنى درجات الإيمان ! فهل يستقيم ذلك ؟!
- والجواب عن ذلك أن يقال بأنه قد ثبت إجماع الأمة كفر تارك العمل بالكلية حيث نصوا على أنه لا يجزئ أي من هذه الثلاثة أركان إلا بالآخر فلابد من اجتماع القول والعمل والاعتقاد ليصح إيمان العبد ويقبل ولابد من تقرير ذلك لإجماع السلف عليه والإجماع هو من الأدلة الشرعية المعتبرة عند أهل السنة لاسيما وهذا الإجماع من أثبت الإجماعات المنقولة وأوضحها ...
أما أن من أماط الأذى عن الطريق قد أتى بشي من العمل وحقق جنسه فنعم .
وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم .
والكلام عن إماطة الأذى عن الطريق كعمل ليس مقصودا لذاته وإلا فمعلوم أن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان بل من أدنى شعب الإيمان ،وإنما الكلام هنا عن الإماطة أو غيرها من الأعمال كفرد من أفراد العمل عموما يتحقق مسمى العمل أو جنسه بوجوده والإتيان به بحيث لا يصح أن يقال بأنه تارك للعمل بالكلية أو تارك جنس العمل ، حيث أن الجنس إنما يتحقق بحصول أي من أفراده فيستوي في ذلك إماطة الأذى أو غيره من الأعمال .
والقول بأنه لو ترك إماطة الأذى حينئذ يكون كافرا بترك إماطة الأذى غير صحيح ، بل تلبيس وتحايل ! لأنه حين ترك إماطة الأذى يكون كافرا لترك العمل بالكلية لا لترك إماطة الأذى فقط ! وإلا فهو حين ترك إماطة الأذى فقد ترك جميع الأعمال أيضا، فليس لذكر إماطة الأذى حينئذ وجه اختصاص لأنه ترك هذا العمل وترك غيره معه فانتقل البحث حينئذ إلى ترك العمل بالكلية لا ترك هذا العمل على وجه الخصوص.
فلا يصح أن يقال حينئذ أن ترك إماطة الأذى كفر أو أن فعله من أصول الإيمان فهذه مغالطة أو سوء فهم.
ومثال ذلك أن يقال: هل في البيت رجل ؟ فيقال نعم زيد في البيت .
فهنا لا يصح نفي جنس الرجال في البيت حيث وجد في البيت زيد ، وإن كان زيد هذا من أضعف الرجال وأحقرهم .
فإن قيل هل في البيت رجل ؟ فقيل لا .
فهنا انتفى الجنس ولم يعد لذكر زيد اختصاص حيث اشترك هو وغيره في عدم الوجود.
- وتفسير بعض الفضلاء ما جاء في هذا الإجماع من قوله ( لا يجزئ ..) أي لا يتم ولايكمل تفسير باطل . حيث أن الإجماع قد ساوى بين أركانه الثلاثة في الإجزاء فهل يلتزمصاحب هذا التفسير القول بأنه لا يكمل الإيمان إذا ترك القول أو الاعتقاد ؟!
وأبطل منه قول بعض الفضلاء ممن يفسر القول بأنه لا يجزئ أي ( لا يجزئ عنالعقوبة ) فهذا كسابقه لا يختلف عنه وهو تحكم بلا دليل وتفسير بالرأي !
وتفصيلذلك أن العقوبة إنما تستحق بترك الواجبات عموما يدخل في ذلك ترك أصل الإيمان فإنهمن الواجبات بلا شك فاشترك الأصل والكمال الواجب في أمرين :
الأول : كونهماواجبين .
والثاني : كونهما يسحق تاركهما العقوبة مطلقا .
واختلفا في أمرين :
الأول : كون تارك الكمال الواجب فاسقا أو مؤمنا ناقص الإيمان فلا يكفر ،أما تاركأصل الإيمان فإنه يكفر .
والثاني: أن عقوبة تارك الأصل الخلود والتأبيد فيالعذاب عافانا الله وجميع المسلمين من ذلك أما العقوبة.ك الكمال الواجب فهو بحسبمشيئة الرب سبحانه ،فإن عذب فإنه لا يخلد في العذاب بل يخرج إلى الجنة ولو بعد حين .
فالقول بأن (لا يجزئ ) بمعني لا يجزئ عن العقوبة مطلقا قول مجمل !
وعند التفصيليرجع صاحب هذا القول إلى التفريق بين القول والعمل والاعتقاد في معنى الإجزاء ، فيقرر أن تاركالعمل لا يكفر ولا يخلد وتارك القول والاعتقاد يكفر ويخلد في العذاب وهذا هو قول منسبقه وهو باطل لأنه تفسير مخالف لنص الإجماع ومخالف لتفسير السلف !
فكلاهما قد فسر الإجماع بالرأي والتحكم فقال العمل من كمال الإيمان والأخير تجاوز هذا إلى الكلام عن العقوبة .
- ومن قال إن الإيمان في الإجماع المنقول عن السلف هو الإيمان الكامل أو الإيمانالمطلق وأن كماله بالأعمال وان أصله بالقول والاعتقاد، وظن أن من يقابله يقول بأن هذا الإيمان المقصود في كلام السلف هوأصل الإيمان فليعلم أن كلا الفهمين غير مقصود في كلام السلف !
فلا هم قصدوا ذكر الإيمان المطلق الذي يدخل فيهجميع الأعمال الواجبة، ولا هم قصدوا أصل الإيمان، وإن كان لفظ الإيمان يستعمل فيالدلالة على كلا المعنيين. ، فيطلق تارة ويراد به الإيمان المطلق ويطلق أخرى ويرادبه أصل الإيمان، وهذا معروف في كلام أهل العلم ، فلايدل جواز استعماله في أحد هذين المعنيين على ضرورة تفسير الإجماع بهذا المعنى ، وإنما قصدالسلف القول بأن حقيقة الإيمان مركبة من هذه الثلاثة وانه لا يصح إيمان عبد حتىيجتمع فيه هذه الأركان ولذا قال شيخ الإسلام :
(فإن أولئك قالوا‏:‏ قول وعملليبينوا اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال) يعني لم يكن مقصودهم بيان صفات هذه الأقوال والأعمال أهي أصل في الإيمان أو واجبة أو كاملة أو حتى تعيين هذه الأعمال والأقوال والاعتقادات ولكن المقصود بيان ما يتركب منه الإيمان وأنه لا يجزئ في هذا التركيب واحد من هذه الثلاثة إلا بالأخر ..
ولتأكيد سوء فهم من يقول بأن المجزئ في أصل الإيمان هو القول والاعتقاد أنه يلزمه أن يكفر بترك كل قول وترك كل اعتقاد فيلتزم مذهب الخوارج في التكفير وهو لا يقول بذلك قطعا لأن المتقرر عنده أن ليس كل قول وليس كل اعتقاد يدخل في أصل الإيمان !
ولو التزم أصحاب هذا القول بذلك للزمهم تكفير تارك الذكر والتسبيح !
ولكن الخلل هو في مفهومهم ابتداء لمقصود السلف في بيان الايمان المجزئ .
فالقول والاعتقاد مراتب أيضا منها ما يدخل في الأصل ومنها ما يدخل في الوجوب ومنها وما يدخل في الكمال ولكن السلف لم يكن مقصودهم بيان تفاصيل ذلك بل مقصودهم أن الدين لابد فيه من قول وعمل وان حقيقة الإيمان مركبة من ذلك وأنه لا ينفع ولا يقبل قول بلا عمل وعلى هذا إطباقهم وإجماعهم ولذا قال شيخ الاسلام رحمه الله فيما يخص عمل الجوارح فقال في نفس السياق :
( لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن وليس المقصود هنا ذكر عمل معين !)
فقوله: ( من غير حركة بدن) يدل على أن الكلام لا يختص بعمل معين ولذا أكد ذلك بقوله: ( وليس المقصود هنا ذكر عمل معين) ، حيث أن المقصود وجود العمل الذي يصح به الإيمان ، ولابد من الانتباه لهذه الألفاظ الدقيقة في كلام شيخ الإسلام رحمه الله فإنها بإذن الله تحل إشكالات كثيرة وتوضح بعض كلامه الذي قد يكون مجملا في بعض المواضع .
- فالذي يفسر الإجزاء في هذا المقام بأنهلا يجزئ عن العقوبة إما أن يلتزم أن ترك الثلاثة لا يجزئ عن العقوبة مطلقا فيسويبين الثلاثة في قدر العقوبة ، فيكون عقوبة تارك القول مثل عقوبة تارك العمل مثلعقوبة تارك الاعتقاد وهي الكفر في الدنيا والخلود في النار عياذا بالله وهذا هوالحق ،وهذا هو موجب دلالة الألفاظ الواردة في الإجماع وفي كلام السلف.
أو يفرقبينهم فيجعل في ترك القول والاعتقاد عقوبة الخلود وفي ترك العمل العذاب دون الخلودوهذا تحكم بلا دليل ولا يختلف عن القولين السابقين وإنما تجاوز هذا التفصيل واستترخلف الأقوال المجملة والاستدلال بمحل النزاع.
- وقول هذا الفاضل بأن الإيمانالمذكور في كلام السلف وفي الإجماع المنقول هو الإيمان الكامل أو الإيمان المطلقيجعل قضية النزاع بين أهل السنة والمرجئة محصورة في مجرد تسمية الأعمال إيمانا فهميسمونها إيمانا وغيرهم لا يسمونها كذلك ، وهذا باطل بلا شك ، لان هذا الخلاف العظيمالذي حصل بين السلف وبين المرجئة والجهمية وما وقع منهم من التشنيع والتبديع بلوالتكفير لبعضهم لا يمكن أن يكون لمجرد الخلاف في التسمية فحسب...
- وإلا فإنأيا من هؤلاء المبتدعة لم ينكر أن تكون هذه الطاعات وهذه الأعمال من واجبات الدينوالإسلام بل من الواجبات التي يلتزم هو بأدائها صلاة وزكاة وغيرها فهل يستقيم معذلك أن يكون الخلاف فقط في تسمية هذه الأعمال إيمان ؟هذا قول من لا يتأملالأقوال ويحققها !
- ومن يقول بأنه يجزئ القول والاعتقاد دون العمل لا يختلف فيحقيقة قوله مع قول المرجئة إلا في تسمية هذه الأعمال إيمانا فالخلاف بينهم من هذهالجهة لفظي.
أما في حقيقة الأمر فهو يتفق معهم في أصل قولهم بأن المجزئ منالإيمان هو القول والاعتقاد دون العمل، وهذا الذي عليه التمايز بين فرق المبتدعةوأهل السنة.
- ومن يراجع أقوال المرجئة التي نقلها العلماء لا يجد فرقا بين هذاالقول وبين ما ذكر من أقوالهم في الإيمان بل أحيانا تتطابق الأقوال ،وهذا نقلمن كتاب مقالات الإسلاميين للأشعري اذكر فيه من أقوال المرجئة ما يتفق مع قول أصحابهذه الشبهة حيث قال :
( والفرقة الرابعة : منهم وهم أصحاب أبي شمر ويونس يزعمونأن الإيمان :
1- المعرفة بالله
2- والخضوع له والمحبة له بالقلب
3- والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء وإن كانت قامتعليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم والمعرفة بما جاء من عند اللهغير داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيماناً ولا بعض إيمان حتىتجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعها وشبهوا ذلك بالبياض إذا كانفي دابة لم يسموها بلقاء ولا بعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا فيالدابة سمي ذلك بلقاً إذا كان بفرس فإن كان في جمل أو كلب سمي بقعاً وجعلوا تركالخصال كلها وترك كل خصلة منها كفر أو لم يجعلوا الإيمان متبعضاً ولا محتملاًللزيادة والنقصان‏.‏
- الفرقة السادسة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو:
1- المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها
2- والخضوع له بجميع ذلك
3- والإقرار باللسان فمن جهل شيئاً من ذلك فقامت به عليه حجة أو عرفه ولم يقر به كفرولم تسم كل خصلة من ذلك إيماناً كما حكينا عن أبي شمر وزعموا أن الخصال التي هيإيمان إذا وقعت فكل خصلة منها طاعة فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعةكالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة لأن الله عز وجل أمرنا بالإيمانجملة أمراً واحداً ومن لم يفعل ما أمر به لم يطع وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصيةوأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهمأعلم بالله وأكثر تصديقاً لهمن بعض وأن الإيمان يزيد ولا ينقص وأن من كان مؤمناً لايزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه‏.‏
- والفرقة السابعة من المرجئة الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون أن الإيمان :
1- المعرفة بالله الثانية
2- والمحبة والخضوع
3- والإقرار بما جاء به الرسولوبما جاء من عند الله سبحانه وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلهامن الإيمان‏.‏وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلةمن الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت ولا يقال لها بعض إيمان إذا انفردتوأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان
- والفرقة الثامنة من المرجئة أصحابمحمد بن شبيب يزعمون أن الإيمان:
1- الإقرار بالله
2- والمعرفة بأنه واحدليس كمثله شيء والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله وبجميع ما جاءت به من عندالله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاةوالصيام وأشباه ذلك مما لا اختلاف فيه بينهم ولا تنازع.....
3-والخضوع لله هوترك الاستكبار وزعموا أن إبليس قد عرف الله سبحانه وأقر به وإنما كان كافراً لأنهاستكبر ولولا استكباره ما كان كافراً وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله وأن الخصلة منالإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكونمؤمناً إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياءفهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهو معرفته بالله وذلك أن الله أمرهأن يعرفه ويقر بما كان عرف وإن عرف ولم يقر أو عرف الله سبحانه وجحد أنبياءه فإذافعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به وإذا كان الذي أمر به كله إيماناً فالواحد منه بعضإيمان وكان محمد بن شبيب وسائر من قدمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكب بالكبائرمن أهل الصلاة العارفين بالله وبرسله المقرين به وبرسله مؤمنون بما معهم من الإيمانفاسقون بما معهم من...
- الفرقةالتاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان:
1- المعرفة بالله
2- والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دونالتفسير وذكر أبو عثمان الآدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبي عثمان الشمزي بمكةفسأله عمر فقال له‏:‏ أخبرني عمن زعم أن الله سبحانه حرم أكل الخنزير غير أنه لايدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين فقال‏:‏ مؤمن فقال له عمر‏:‏فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذهبمكان كذا فقال‏:‏ هذا مؤمن قال‏:‏ فإن قال أعلم أن الله سبحانه بعث محمداً وأنهرسول الله غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي قال‏:‏ هذا مؤمن ولم يجعل أبو حنيفةشيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً وزعم أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص ولايتفاضل الناس فيه‏.‏فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أنالإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنهلا يزيد ولا ينقص‏.‏) ا. هـ
- فهذه الفرق جميعها لا تختلف أقوالها في حقيقةالإيمان المجزئ عمن يقول أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة والخضوع أو تصديق القلبوعمله وإقرار اللسان ، إلا في تسمية الأعمال إيمانا ، ومسألة زيادة الإيمان ونقصانهقد لا يكون لها اختصاص بالمرجئة من جهة أن هذا هو قول الخوارج أيضا وأصلهمفي ذلك واحد هو أن الإيمان شيء واحد لا يزيد .
فإذا أضيف إلى ذلك أن بعض فرق المرجئة قد قالت بالتفاضل والزيادةوالنقصان وإمكان تعذيب الله لأهل الكبائر كما هو قول الفرقة الثامنة وغيرها فقدذابت حقيقة الفوارق المميزة بين أصحاب هذه الشبهة وبين قول هذه الفرق وكان الخلافبينهم في تسمية هذه الأعمال إيمان شكلي ولفظي فحسب !
وتأمل قول الأشعري رحمهالله:
( واختلفت المرجئة في فجار أهل القبلة هل يجوز أن يخلدهم الله في النارإن أدخلهم النار على خمسة أقاويل‏:‏ فزعمت الفرقة الأولى أصحاب بشر المريسي أنهمحال أن يخلد الله الفجار من أهل القبلة في النار لقول الله عز وجل‏:‏ ‏"‏فمن يعملمثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏"‏ وأنهم وزعمت الفرقة الثانيةمنهم أصحاب أبي شمر ومحمد بن شبيب أنه جائز أن يدخلهم الله النار وجائز أن يخلدهمفيها إن أدخلهم وجائز أن لا يخلدهم‏.‏وقالت الفرقة الثالثة أن الله عز وجل يدخلالنار قوماً من المسلمين إلا أنهم يخرجون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلمويصيرون إلى الجنة لا محالة‏.‏ وقالت الفرقة الرابعة وهم أصحاب غيلان‏:‏ جائز أنيعذبهم الله وجائز أن يعفو عنهم وجائز أن لا يخلدهم فإن عذب أحداً عذب من ارتكب مثلما ارتكبه وكذلك إن خلده وإن عفا عن أحد عفا عن كل من كان مثله‏.‏وقالت الفرقةالخامسة منهم‏:‏ جائز أن يعذبهم الله وجائز أن لا يعذبهم وجائز أن يخلدهم ولايخلدهم وأن يعذب واحداً ويعفو عمن كان مثله كل ذلك لله عز وجل أن يفعله‏.‏) ا. هـ
- فهم يقرون بتعذيب أهل الكبائر مع أنهم جميعا لم يطلقوا على أعمال الجوارحاسم الإيمان فهل ثمة فرق حقيقي بين أقوال هذه الفرق وبين من يقول بأن تارك العملبالكلية لا يكفر وأنه يجزئ القول والاعتقاد دون العمل ؟ !
- وقد يقول قائل ماذكرته لا باس به من جهة أن الخلاف بيننا وبين هذه الفرق لفظي وهذا ما ذكره شيخالإسلام رحمه الله نصا عن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة فذكر أن الخلافبينهما لفظي إذ جعلوا أعمال الجوارح لازمة للإيمان ليست منه.
- والجواب عن ذلكأن هذا الكلام بني على فهم مغلوط لكلام شيخ الإسلام رحمه الله المذكور في هذهالمواضع.
- ولو رجعنا إلى قوله رحمه الله لوجدنا أنه قد علق كون الخلاف لفظيا بين أهل السنة وبين من يقول بأنه العمل لازم للإيمان على أن يتحقق هذا مقتضى هذا التلازم من انتفاء الإيمان الباطن عند انتفاء العمل الظاهر حيث ينتفى اللازم لانتفاء ملزومه ، ففيهذه الحالة فقط يكون الخلاف لفظيا وإلا بقى حقيقيا ومما يوضح ذلك قوله رحمه اللهللجهمية :
- ) أنكمسلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب، فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذاهو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءًا، نزاع لفظي(
- وقال رحمه الله كمافي 1/168 الإيمان الأوسط :
) ومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه :
أحدها : أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان .
الثاني : ظن الظان أن ما فيالقلوب لا يتفاضل الناس فيه .
الثالث : ظن الظان أن ماللباطن.ب من الإيمانالمقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه .
الرابع : ظن الظان أن ليسفي القلب إلا التصديق،وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح . والصواب أن القلب له عمل معالتصديق، والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن . والمرجئة أخرجواالعمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب ـ أيضًا ـ وجعلها هيالتصديق، فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم : العمل الظاهر لازمللعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقى النزاع في أنالعمل الظاهر : هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟(
ومما ينبغي أن التنبه له في هذا المقام أن الحديث عن الجهمية والرد عليهم يختلف عن الحديث عن المرجئة والرد عليهم فكلاهما يشترك في إخراج عمل الجوارح من الإيمان وتختص الجهمية بإخراج قول اللسان أيضا ، وهذا يفيد في فهم كلام شيخ الإسلام عند الظاهر وانتفاء الإيمان ففي سياق الرد على الجهمية يحتمل أن يكون الظاهر في كلام شيخ الإسلام متضمنا قول اللسان وعمل الجوارح معا ويحتمل إن يكون أحدهما بحسب السياق حيث أنهم قد أخرجوا الظاهر كله بما فيه القول والعمل ، أما في سياق الحديث عن المرجئة خاصة مرجئة الفقهاء فإن الحديث عن الظاهر وانتفاءه يقتصر على ما أخرجوه فقط وهو عمل الجوارح وأيضا بحسب السياق ! - ففي هذا النقل قد فصل شيخ الإسلام أركان الإيمان الأربعة من قول اللسانوتصديق القلب وعمل الجوارح وأعمال القلب فقال :
) والظاهر قول ظاهر وعملظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن(
فهنا نص على أن الظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر وأنكلاهما مستلزم للباطنثم ذكر خطا المرجئة فقال ) - والمرجئة أخرجوا العملالظاهر عن الإيمان(
-ثم قال:( فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هيالتصديق، فهذا ضلال بين(
- ثم قال ( ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم : العمل الظاهرلازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن) وهذا هومحل الشاهد حيث نص شيخ الإسلام رحمه الله على انتفاء الإيمان الباطن لانتفاء العملالظاهر والذي على أساسه يكون الخلاف بين صاحب هذا القول وبين قول أهل السنة خلافالفظيا ولذا أردف بقوله :
( فبقى النزاع في أن العمل الظاهر : هل هو جزء من مسمىالإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان ؟)فالأقرب بأن (انتفاء الظاهردليل على انتفاء الباطن) لمن يقول بالتلازم بينهما هو شرط كون النزاع لفظيا، فإذا كان العمل الظاهر لازم لإيمان القلب فيلزم من ذلك انتفاء الإيمان الباطن لانتفائه وبدون هذا فلا يمكن أن يكون الخلاف لفظيا .
فمن يقول بأن الخلاف لفظي لأنهم جعلوا العمل لازم للإيمان فهو مخطئ .لأنه لا يتحققهذا اللزوم حقيقة إلا بانتفاء الملزوم ( عمل القلب )عند انتفاء لازمه (عمل الجوارح) وإلا فلا معنى للتلازم .- فهذاالموضع مع مواضع كثيرة لشيخ الإسلام أكد فيها رحمه الله على قاعدة أهل السنة فيالتلازم المطلق بين الظاهر والباطن وعلى انتفاء الإيمان الباطن لانتفاء العملالظاهر .
وليس المقصود هنا الاستطراد في الرد على الشيخ عبد العظيم وفقه الله وحده حيث أن الشيخ لم يتكلمبكل ما سبق ولكنه يتفق مع من يقول بهذا الكلام ضرورة ،لكن أوردت ما سبق في للتنبيه على خطا البعض لضرورة السياق ، وهي مسالة ثار حولها خلاف كثير في هذا العصر ولولا التعدي والتجني من أصحاب هذه القول على إخوانهمواتهامهم لهم بأنهم على منهج الخوارج وأنهم يكفرون بالمعاصي لما ذكرت ما سبق حيث أنالمسالة ليست مما يترتب عليها أحكام ظاهرة وحدوثها في الواقع يكاد يكون غير متحقق ،وقد يلتمس لمن يخالف في هذه المسالة العذر إذا ما اقتصر على الاحتجاج بدلالاتالنصوص الشرعية وما يذكر من الأحاديث من غير تعدي على الثوابت المجمع عليها أواتهامه للمخالف بالخروج عن منهج السنة ...
- أما ما أورده الشيخ من أحاديث الشفاعة وغيرها فقد وجهها العلماء بحيث تتفقمع النصوص الأخرى التي تقرر كفر تارك الصلاة ، ومع إجماع الأمة على كفر تارك العمل بالكلية ... فكل من يرى كفر تارك الصلاة فإنه يقيد أحاديث الشفاعة بأحاديثكفر تارك الصلاة وعلى رأس هؤلاء جمهور الصحابة والتابعين كما قال ابن حزم في الفصل 3/27 ( روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل ،وابن ‏مسعود ،وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم ‏‎ وعن ابن المبارك ،وأحمد بن حنبل ،‏وإسحاق بن راهويه رحمة الله عليهم ، وعن تمام سبعة عشر رجلاً من الصحابة ،والتابعين ‏رضي الله عنهم ، أن من ترك صلاة فرض عامداً ذاكراً حتى يخرج وقتها ،فإنه كافر ‏ومرتد ، وبهذا يقول عبد الله بن الماجشون صاحب مالك ، وبه يقول عبدالملك بن حبيب ‏الأندلسي وغيره...)- أما من يذهب إلى كفر تارك الصلاة من المعاصرين فمنهم علماء المملكة العربيةالسعودية بما فيهم الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين واللجنة الدائمة وهيئة كبارالعلماء ومنهم الكثير من علماء مصر وغيرها من كافة بلدان العالم الإسلامي وهؤلاء جميعهم يرون ضرورة تقييد أحاديث الشفاعة وغيرها مما قد تفيد دخول الجنة بلا عمل بالنصوص الواردة في كفر تارك الصلاة ، وتوجيه هذه الأحاديث بما يتنافي مع إجماع الأمة أن الإيمان قول وعمل .
- فها هي أدلة الشيخ جميعهاأول من يعارضها هم صحابة النبي عليه الصلاة والسلام والتابعين ومن المعاصرين اللجنة الدائمة وهيئة كبار العلماء وغيرهم، فهل يصح للشيخ بعد ذلك أن يتركقول الجماعة الذين هم الصحابة لقول غيرهم أيا ما كان ؟!
فإذا قيل بقي مع الشيخمن لم ير كفر تارك الصلاة وهم جمهور الفقهاء من أتباع المذاهب.فالجواب عن ذلك من وجوه :
أولا : أن هذا على فرض صحته يدل على أن الشيخ لميتبع الصحابة أو جمهور الصحابة الذين هم الجماعة كماقرر ذلك في شريط (كيف تكون منأهل السنة ) وأكد على ضرورة التزام أقوالهم وعدم اعتبار قول من يخالفهم !
وإذاثبت تكفير الصحابة لتارك الصلاة أو غيرها من الأعمال فقد ثبت بالضرورة أنهم يرونتقييد هذه الأحاديث التي يحتج بها الشيخ حيث أنهم رواتها وناقلوها ولا يجتمع القول بتكفير تارك الصلاةمع القول بأن تارك العمل بالكلية لا يكفر .
وثانيا : فإن منهج أهل السنةوالجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد لا يجزئ واحد من هذه الثلاثة إلا بالآخر وعلى هذاإجماعهم الذي ذكرناه فلابد من العمل ليصح الإيمان ويقبل ومن يقول بالإجزاء بدون العمل فقد خالف هذاالإجماع الصريح وقال بقول المرجئة كما سبق عن الآجري رحمه الله .
ثالثا : إن فتاوىاللجنة الدائمة قد اعتبرت مثل هذا القول الذي يتبناه الشيخ وفقه الله من أقوال المرجئة حيث أصدرت الفتاوى في أكثرمن كتاب بتحريم طبعه ونشره واعتبرت من يقول بأن المرء قد يجزئه القول والاعتقادفقط دون العمل من أقوال المرجئة كما سيأتي ، مع أن أصحابهذه الكتب قد أكدوا مرارا وتكرارا على أن العمل داخل في مسمى الإيمان وجزء منهولكنه من مكملاته لا من أصله وتاركه بالكلية لا يكفر ومن هذه الكتب كتاب (ضبطالضوابط) لصاحبه الشيخ أحمد الزهراني وقد قال في كتابه المذكور : صـ60 :
( ... وأماأهل السنة فجميع الأقوال والأعمال التي يحبه الله ورسوله هي عندهم من جملةالإيمان) .
وقال : ( المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص وهوصريح ما نطق به القرآن والسنة وعليه مذهب الصحابة الكرام ومن بعدهم من السلف الصالح).
ولكنه لما قدم كتابه بقوله أن العمل شرط كمال وأن تاركه بالكلية لا يكفر حيثقال :
( وأما ما ذكر من أن العمل الظاهر شرط كمال في الإيمان فهو الحق وإن أبىمن أبى وهو منهج أهل السنة والجماعة ، وليس في نصوص السلف الصالح ما يخالف هذا عندالتأمل) ا.وعليه: جواب اللجنة الدائمة على كتابه :
( فقد اطلعت اللجنةالدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم ب : ( ضبط الضوابط في الإيمانونواقضه ) تأليف المدعو / أحمد بن صالح الزهرانيفوجدته كتابا يدعو إلى مذهبالإرجاء المذموم ؛ لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان ، وهذاخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعملبالجوارح ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
وعليه : فإن هذا الكتاب لا يجوز نشرهوترويجه ، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله عز وجل . ) ا.هـ
- وأيضا كتاب) حقيقة الإيمان ) للشيخ عدنان عبد القادر فقد قرر فيه نفس ما قرر صاحب كتاب ضبطالضوابط بل زاد عليه بأن جعل العمل ركنا في الإيمان ولكنه قرر كما قرر الشيخ عبدالعظيم هنا من أن تارك العمل بالكلية لا يكفر واحتج بأحاديث الشفاعة على ذلك فكانجواب اللجة الدائمة عليه هو نفس جوابها على كتاب الشيخ أحمد الزهراني بأن هذا كلامالمرجئة ويحرم نشره وطباعته وتجب التوبة على صاحبه .
- وهذا ما قرره الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في كثير من المواضع خاصة على كلام ابن حجر رحمه في الإيمانوخطاه في نقل مذهب السلف وهو في الفتح والذي يحتج به الكثيرون في هذه المسألة ،وأيضافي تعليقه على العقيدة الطحاوية قرر في أكثر من موضع خطا الإمام الطحاوي في مسالةالإيمان ...
- ولقد سال رحمه الله عام (1415هـ) ـ في أحد دروسه ـ عن الأعمال: أهـي شـرط صحـة للإيمان ، أم شرط كمال ؟ــ فقال رحمه الله: من الأعمال شرط صحةللإيمان لا يصح الإيمان إلا بها كالصلاة، فمن تركها فقد كفر. ومنها ما هو شرط كماليصـح الإيمـان بدونها، مع عصيان تاركها وإثمه.
ــ فقلت له رحمه الله: من لميكفر تارك الصلاة من السلف، أيكون العمل عنده شرط كمال؟ أم شرط صحة ؟ـــ فقال: لا، بل العمل عند الجميع شرط صحة، إلا أنهم اختلفوا فيما يصح الإيمان به منه؛فقالت جماعة: إنه الصـلاة، وعليـه إجماع الصحابـة رضـي الله عنهم، كما حكاه عبدالله بن شقيق. وقال آخرون بغيرها. إلا أن جنس العمل لابد منه لصحة الإيمان عندالسلف جميعاً. لهذا الإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، لا يصح إلا بها مجتمعةأ.هـ(
- وأكتفي بما سبق ولعله يبرز بجلاء مدى مخالفة الشيخ لهؤلاء الأكابر في هذه المسالة ونحن مع مخالفته لهؤلاء وخطاه في المسالة نحفظ له قدره واجتهاده ونطلب منهأن يفعل مثل ذلك فيحفظ لهؤلاء حرمتهم وينزلهم منازلهم .

الوقفة السابعة:
- قال الشيخ في د 44 ( ولم يختلف أهل السنة في ذلك إلا فيمن ترك الصلاة ومنترك الحكم بما أنزل الله ، هاتان مسالتان أختلف فيهما أهل السنة .. حكم تارك الصلاةوحكم تارك الحكم بما أنزل الله ) وقرر أن سبب الخلاف هو ( نصوص جاءت تسمي تاركالصلاة كافرا وتسمي تارك الحكم بما أنزل الله كافرا)وهنا يجعل الشيخ هاتينالمسألتين مما اختلف فيهما أهل السنة ومعلوم أن المسألة إذا كانت خلافية بين أهلالسنة فلا يجوز الإنكار فيها على المخالف فضلا عن تبديعه وتضليه وتسميته بالتكفيريوالخارجي ، ولكن الشيخ هنا سرعان ما وصف مخالفه بالتكفيري !فهل يقال لمن يكفر تارك الصلاة بأنه تكفيري ؟وهل أثر عن السلف شيء منذلك ؟
- ثم ذكر الشيخ الخلاف في تارك الصلاة وذكر أن أحمد ونفر ممنذهب إلى تكفير تارك الصلاة كسلا وتهاونا لظاهر الأحاديث المعلومة في تكفير تارك الصلاة ، ثم ذكر بعد ذلك أن الجمهور على خلاف ذلك وذكرأدلة الجمهور..
- وما ذكره الشيخ في هذه المسألة فيه إخلال بعرض حقيقة الخلافالحاصل في هذه المسألة ،لأنه إذا كان أحمد ونفر ذهب إلى تكفير تارك الصلاة فأين الناسقبل أحمد ؟وهل يصح أن يهمل ذكر الصحابة أو جمهور الصحابة إذا كانوا طرفا في خلاف ما ؟
فكان من الواجب على الشيخ وفقه الله حين ذكر الخلاف أن يذكر أولا مذهبالصحابة والتابعين قبل أن يذكر مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم ، لأنالسلف من الصحابة والتابعين والأئمة هم المقصودون أصالة بالإتباع خاصة في المسالة التي يحصل فيها الخلاف ،أما حكاية الخلافمن وقت الأئمة ومن بعدهم دون الإشارة إلى مذهب الصحابة والتابعين ففيه إخلال بلا شك .
- قال محمد بن نصر المروزي:
(قد ذكرنا في كتابنا هذا ما دل عليه كتاب اللهتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تعظيم قدر الصلاة وإيجاب الوعد بالثواب لمنقام بها، والتغليظ بالوعيد على من ضيعها، والفرق بينها وبين سائر الأعمال في الفضل،وعظم القدر. ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في تكفيرتاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عنالصحابة مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك)
- وقال رحمه الله : ( هو قولجمهور أهل الحديث) أي كفر تارك الصلاة
- وقال : ( سمعت إسحاق يقول: "صح عنالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدنالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتهاكافر)
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى :
( والمنقول عنأكثر السلف يقتضي كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب، فأما من جحد الوجوب، فهو كافربالاتفاق)
- وقال أيضاً: ( وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهورالسلف من الصحابة والتابعين )فهل من يقول بأن جمهور السلف على كفر تارك الصلاةيكون قد أخطا ؟وإذا قابل السلفي القول بأن ( جمهور السلف الصحابة والتابعين) و( أكثر السلف ) و ( رأي أهل العلم من لدن النبي إلى إسحاق بن راهويه ) و( جمهورأهل الحديث ) بمصطلح جمهور العلماء من بعد الأئمة الأربعة فما عساه أن يترجح له؟!
- إن هذا الطرح المخل للمسائل يعد سمة بارزة في منهج الشيخ وفيه بلا شك إزراءمن قدر هؤلاء المخالفين وهم هنا سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين مع أن الشيخ كثيرا ما يدندنبأن الصحابة هم الجماعة وأنهم هم أهل السنة وأنه لا ينبغي أن ينظر لقول مخالفهمويحكي في ذلك الآثار الكثيرة كما في شريط كيف تكون من أهل السنة ثم نجده هنا يغضالطرف عن هذا كله ويتوارى خلف مسمى جمهور العلماء!
الوقفة الثامنة:
ثم ذكر الشيخ المسألة الثانية التي ذكر أنه قد اختلف فيها أهل السنة والجماعة وهي مسالة الحكم بغير ما أنزل الله فقال: فعمدة أهلا لتكفير في تكفير الحكام آيات المائدة الثلاث....)
والعجب من صنيع الشيخ هنا حيث ذكر أن المسالة مما اختلف فيها أهل السنة ،ومعلوم أنموجب هذا الخلاف أن فريقا من أهل السنة يرى كفر الحكام بالقوانين الوضعية ، وفريقاآخر لا يرى كفرهم كما حصل الخلاف في كفر تارك الصلاة ..
والسؤال هنا : لماذا لم يذكر الشيخ أحدا من العلماء المخالفين له كما ذكر الكثيرممن يرى أنهم يوافقونه ؟!
وإذا أقر الشيخ بأن الخلاف حاصل في مسالة الحكم بماأنزل الله فلماذا يصف من يكفر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بأنهم من أهلتكفير ؟!
لا شك أن هذا تناقض واضطراب !
ثم ذهب الشيخ إلى أن التفصيل في هذه المسألة هو الواجب !
والتفصيل عند الشيخ لا يخرج عن القول بأن من ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا كفر ومن تركه تهاونا وكسلا لم يكفر !
وعلى مذهب الشيخ فإن أهل السنة لديهم تفصيل في حكم جميع الأعمال ! حيث أنهم قد قالوا بمثل الذي يسميه الشيخ تفصلا في حكم جميع الأعمال فمن ترك الصيام جاحدا كفر ومن تركه تهاونا لم يكفر ومن ترك الزكاة جاحدا كفر ومن تركها تهاونا لم يكفر وهكذا في جميع الأعمال ! فما وجه ذكر التفصيل في مسالة الحكم خاصة إن كان هذا هو الذي يقال في كل عمل ؟!
فإن كلمة تفصيل تعني عند السامع تحقيقا يخص هذه المسالة يتضمن دقائقها ومسالكها وتعدد أوجه الخلاف فيهافإذا كان ما يقال في هذه المسالة هو ما يقال في غيرها فأين ما يخصها من تفصيل ؟ !
أما تفصيل أهل العلم الحقيقي لمسألة الحكم فإنهم يجعلون الحكم بغير ما أنزل الله صورا متعددة لاصورة واحدة كما فعل الشيخ ، وذلك يرجع إلى اختلاف دلالات لفظ الحكم في الكتاب والسنة من حيثالاستعمال حيث أنه قد ورد في نصوص الكتاب والسنة على معنيين رئيسيين :
- المعنى الأولالتشريع وذلك في قوله (إن الحكم إلا لله ) .
- والتشريع وهو من خصائص الرب سبحانه وتعالى وهو حكم الله الذي شرعهفي كتابه وعرفه الأصوليون بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين تكليفا ووضعا وهوتحليل الحلال وتحريم الحرام ووضع العقوبات والحدود وغيرها ...
وهذا المعنى قداختص به الرب سبحانه فهو من خصائص ربوبيته لقوله سبحانه : (ولا يشرك في حكمه أحدا)وقوله (إن الحكم إلا لله ) وقوله (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ياذن بهالله ) ونعيه سبحانه على أهل الكتاب بأنهم (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ) وقولالنبي عليه الصلاة والسلام : (الم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال ..)الحديث ففسر ربوبية الأحبار والرهبان بتحليل الحرام وتحريم الحلال فدل على أن هذامن خصائص الرب سبحانه وتعالى .
- وحيث أن توحيد الرب سبحانه وتعالى يكون بإفرادهسبحانه بما يختص من الأسماء والصفات والأفعال وما يستحق من العبادة والتعظيم ، وحيثأن التشريع والتحليل والتحريم هو من خصائصه سبحانه ومن أعمال الربوبية التي لا يشركفيها أحدا كان واجب المكلف تجاه حكم الله وتشريعه هو إفراده سبحانه بذلك تصديقا وانقيادا، وذلكيكون بقبول شرعه وحده والانقياد له وحده ، وهو معنى طاعته في التشريع الذي يقابل التولي عن الطاعة ورد الحكم أو الشرك في الطاعة بقبول غير شرعهمعه ، فالواجب على المسلم إن كان حاكما ان يفرد الله بالتشريع بأن يجعله وحده حكمابين الناس ،ترد غليه جميع الخصومات والنزاعات ، وإن كان محكوما افرد الله بالتشريعبالتحاكم إلى شرع الله وحده .
فمن يجعل غير شرع الله حكما بين الناس فلا يكون حينئذ قد أفرد الله سبحانهبالحكم بل يكون قد أشرك معه في حكمه أحدا والله يقول (ولا يشرك في حكمه أحدا ) وفيقراءة ابن عامر (ولا تشرك في حكمه أحدا)
-- أما المعنى الثاني للفظ الحكم والذي يرد في استعمال الكتاب والسنة فهو القضاء :
والقضاء موكول للقاضي والحاكم الشرعي وعمله فقط تنفيذ الأحكام الشرعية بشانالمتخاصمين ، فالقاضي حاكم بين الناس بمعنى المنفذ لحكم الله وشرعه .
وهذاالقاضي قد يظلم ويجور أثناء تنفيذ الأحكام إما لرشوة أو لعداوة لأحد المتخاصمين أوغير ذلك لكنه في الأصل ملتزم بحكم الله سبحانه وتعالى وشرعه فلا يحل حراما ولا يحرمحلالا ولا يسن تشريعا ومن ذلك قوله سبحانه (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ..)والمعنى أقض بينهم .
- ولا خلاف في أن لفظ الحكم في القرآن يتناول هذين المعنيينوغيرهما .
فأما الصورة الأولى فالإجماع منعقد على كفر من يخالف فيها حاكما كان أو محكوما فمنشرع حكما عاما يبدل به شرائع الإسلام يحل به الحرام أو يحرم به الحلال أو يشرك بهشرع الله سبحانه فهو كافر خارج عن ملة الإسلام ومن يتحاكم إلى الطاغوت ويقدمه علىشرع الله باختياره فهو كافر . يقول الحق تبارك وتعالى : ( يريدون أن يتحاكمواإلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ...) والطاغوت هو كل ما يتحاكم إليه غير اللهورسوله من القوانين والأعراف والآراء والأهواء ...
- وهذا شيء مما ذكره أهلالعلم بهذا الصدد :
قال الإمام إسحاق بن راهويه :
(وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسول الله صلىالله عليه وسلم أو دفع شيئا أنزله الله أو قتل نبيا من أنبياء الله وهو مع ذلك مقربما أنزل الله أنه كافر ) ا.هـ
فقوله : ( دفع شيئا أنزله الله) يعني رده وعدم قبوله وقوله ( وهو مع ذلك مقربما أنزل الله أنه كافر ) يعني لا ينكر شرع الله وفيه رد على قول الشيخ بأنه إذا كان الحاكم مقرا بوجوب الحكم غير جاحد له فإنه لا يكفر.
وقد ذكر ابن حزم صيغة أخرى للإجماع فقال :
( لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ ، وأن من حكم بحكم الإنجيلمما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام " ) الإحكام في أصول الأحكام
وقال أيضا : ( إحداث الأحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه : إما إسقاط فرض لازم كإسقاط بعضالصلاة أو بعض الصيام أو بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعض حد الزنا أو حد القذف أوإسقاط جميع ذلك وإما زيادة في شيء منها أو إحداث فرض جديد وإما إحلال محرم كتحليللحم الخنزير والخمر والميتة وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك وأي هذهالوجوه كان فالقائل به مشرك لاحق باليهود والنصارى)
ونص ابن كثير رحمه الله على هذا الإجماع :
( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياءوتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ، قال تعالى " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن منالله حكما لقوم يوقنون ) البداية والنهاية
ونحن نقول أيضا فكيف بمن تحاكم إلى ذبالة أذهان البشر وقوانين الرومان والفرنسيين وسائر ملل الكفر ؟
فهذه إجماعات متتالية متعاقبة تنص على كفر من يبدل شرائع الإسلام بغيرها من الشرائعالمنسوخة فكيف بمن يبدلها بقوانين أهل الكفر وحسالة أذهان البشر .؟
وهل يصح في عرف العلماء أو طلاب العلم أن يهمل ذكرهذه الإجماعات كلها ثم يزعم تفصيل بعيد عنها ؟ هل هذا هو منهج أهلالتحقيق ؟ !
أما الصورة الثانية من صور الحكم وهي القضاء بما أنزل الله والمخالفة فيه ، فهي ما يدندن حوله الشيخ وغيره ويذكرفيها أقوال المفسرين فهذه الصورة هي التي يقال لها كفر دون كفر، وكفر لا يخرج عنالملة وذلك لان السلف رحمهم الله لم يكن لديهم شيء من سن القوانين وتشريع الأحكامبل جميع المخالفات التي كانت على وقتهم هي في بابالقضاء وظلم الولاة والرشوة في الحكم، حيث كانتالخلافة قائمة والشريعة محكمة بين الناس كبيرهم وصغيرهم لم تبدل الأحكام أو تسن القوانين إلا في زمان التتار حين وضعوا الياسق حكما بين الناس بديلا عن حكم وشريعته وحينها أجمعوا علىكفرهم وضلالهم كما سبق عن ابن كثير رحمه الله ، ثم رجع الأمر بعدهم إلى زماننا هذاحيث سقطت الخلافة وأزيحت الشريعة وحل محلها الدستور والقانون الذي يسنه مجلس الشعب...
وفي ذلك يقول الشيخ محمود شاكر رحمه الله :
( فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أنْ سنّ حاكم حكماوجعله شريعة ملزمة للقضاء بها. هذه واحدة. وأخرى: أن الحاكم الذي حكم في قضيةبعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمرالجاهل بالشريعة. وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقهالمغفرة. وإما أن يكون حكم به متأولا حكما خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كلمتأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب، وسنة رسول الله ـ صلى الله عليهوسلم.)
- وقال : ( الذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمهفي كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج علىتفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأنأحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلهابانقضائها) ا. هـ - أما عن أثر ابن عباس رضي الله عنه فقد علق عليه رحمه الله وعلى بعض الآثار الأخرىالتي في معناه فقال :
( لم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء فيالأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانونملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلىالله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهلالكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهمفي تكفير القائل به والداعي إليه. ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مِجْلز،أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، )
- وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ) : الحاكم 2/313، ولفظه: "إنه ليس بالكفر الذيتذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك همالكافرون" كفر دون كفر". ووافقه الذهبي على تصحيحه.وهذه الآثار عن ابن عباسوغيره، مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم منالجراءة على الدين: يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربتعلى بلاد الإسلام. )
وقال أيضا : ( إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفربواح،لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا منكان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيبنفسه) أ هـ.
وقال الشيخ العلامة حامد الفقي رئيس جمعية أنصال السنة في تعليقه على كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" قال: ( ومثل هذا وشر منه من اتخذمن كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ماعلم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،فهو بلاشك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسمتسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها...)أهـ.
- وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله :
( من كان منتسبا للإسلام عالما بأحكامه ، ثم وضع للناس أحكاما ، وهيأ لهم نظما ، ليعملوا بها ويتحاكموا إليها ، وهو يعلم انها تخالف أحكام الإسلام ؛ فهو كافر خارج من ملة الإسلام .
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك ، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك القوانين والنظم أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم انها مخالفة لشريعة الإسلام . ) ا.هـ رسالة الحكم للشيخ .
-وقال في مجموع الفتاوى حيث سئل الشيخ رحمه الله :
-س (85) - ما الفرق بين قتال المرتدين وقتال تاركي الشرائع ؟ وقتال التتار يتبع آي القسمين ؟
فقال : ( مانعوا الشرائع لغير جحود يقاتلون حتى يؤدوها ولا يفر بالرغم من قتالهم والذي يحكم بغير ما أنزل الله كافر مرتد يقاتل قتال الكفار أما الذي لا يكفر فهو الفقيه الذي يحكم في مسألة يظن أنها من الدين ، والحق بخلافة فلا يكفر ، أما الذي يحكم بما يعلم انه ليس من الدين فهذا كافر ، الذي يبيح فوائد البنوك يناقش ويبين له فإذا أقيمت عليه الحجة فانه يقتل قتل المرتد ولا اذكر الآن إلى آي القسمين ينتمي قتال التتار ) .
-ولقد وقع الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله على الفتوى الصادرة من هيئة كبار العلماء والخاصة بتكفير حاكم ليبيا القذافي والصادرة بتاريخ في 22 جمادي الأولى 1402هـ وذلك في الدورة رقم 19 والمنعقدة في مدينة الرياض .
-علما بأن قول الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله : (والذي يحكم بغير ما أنزل الله كافر مرتد يقاتل قتال الكفار) ليس على إطلاقه ، و لا يلزم من تكفير الحكام بالقوانين تكفير كل منتسب إلى الحكومة الغير شرعية ،فالقول بكفر الحاكم أو الحكومة هو من باب الحكم العام ولكن لا يكفر على التعيين إلا من تلبس بناقض مكفر صريح في كونه كفرا أكبر مخرجا من الملة كتشريع الأحكام الوضعية المخالفة للشريعة والمتضمنة لتحليل الحرام وتحريم الحلال والتعدي على حق اله سبحانه وتعالى أو إظهار الرضى بذلك بعد العلم بمخالفتها أو إظهار الرفض الشريعة ، على غير ذلك فهؤلاء يكفرون لتلبسهم بهذه المكفرات لا لانتسابهم للحكومة الغير شرعية ...
- وأيضا فإن كفر الحكام والحكم بالقوانين يوجب الكثير من الأحكام ،منها وجوب الخروج عليهم واستبدالهم بغيرهم ممن يحكم بما أنزل الله ويقيم شرعه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لقوله سبحانه : ( الذين إن مكاناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقية الأمور ) وهذا بإجماع الأمة ،قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: قال القاضي عياض:
( أجمع العلماء على أنالإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال وكذا لو ترك إقامةالصلاة والدعاء إليها ا- هـ.)
و قال ابن حجر في الفتح 13/7: ( إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوزطاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ) ا- هـ فالخروج واجب بإجماع الأمة ولكنه مقيد بشروط لابد من توفرها من أهمها القدرة على هذا الخروج وامن المفسدة الأعظم التي قد تترتب عليه ، فلو لم تتوفر القدرة أو توفرت ولكن ترتب على الخروج مفسدة أعظم من مفسدة بقاء هؤلاء على سدة الحكم لزم الصبر على ذلك إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى وتجب الدعوة إلى الله على بصيرة وبيان حال هؤلاء الطواغيت ودعوة الناس إلى الكفر بهم وترك التحاكم إليهم ما يضطروا لذلك مع بيان بطلان ما هم عليه من التشريعات الباطلة المخالفة لشريعة الله وتقرير ذلك علميا وبحثيا بأدلة الكتاب والسنة وأقوال أهلا لعلم وكشف شبهات أهل الباطل حول ذلك ،،فإن هذا من أعظم البيان لعقيدة الإسلام في هذه المسائل ومن أعظم العدة في سبيل تغيير هذا الواقع قال سبحانه ( ولتستبين سبيلُ المجرمين ) فلابد من بيان حال هؤلاء وبيان كفرهم وظلمهم وتعديهم على أحكام الله وشرعه وموالاتهم لاعداءه ومعاداتهم لأوليائه ، أما كتمان ذلك تماما أو التغافل عنه بحجج واهية ،ففيه من التلبيس وتضليل العامة ما يسهم في خفاء هذه الأحكام عند أكثر الناس وبقاء حالة الالتباس الحاصل بين الحق والباطل مما يؤخر ظهور هذا الدين دهورا ، فضلا عمن يقوم به البعض من تصحيح ولاية هؤلاء والذود عن شرعيتهم ومحاربة من يدعوا إلى الكفر بهم وبيان حالهم فهؤلاء إن كانوا من أهل الإرجاء فهم من أعظم أسباب ما وصلنا إليه من حال والله المستعان .
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى قول طائفة من أهل العلم أرادت أن تتوسط الأقوال في هؤلاء الحكام الطواغيت فتتفادى خزي القول بإسلامهم مع ظهور كفرهم وعدائهم وطعنهم في الشريعة وتتفادى أيضا الظهور بصورة المكفرين لهم فيصيبهم شيء من بطش هؤلاء أو تشنيع أهل الإرجاء عليهم بأنهم خوارج مكفرون ، فذهبت إلى قول تظنه وسطا بين الطائفتين فقالت بسقوط ولاية هؤلاء الحكام شرعا لأنها فقدت شرط الولاية وهو الحكم بكتاب الله واحتجوا بالحديث (ولو تأمر عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله ) فقالوا إن صحة الولاية مقيدة بأن يقودنا الحاكم بكتاب الله وهؤلاء لا يقودونا بكتاب الله فلا تصح ولايتهم فهي غير شرعية ،وقالوا هذا لا يلزم منه تكفير أعيانهم !
وهذا قول مضطرب أقرب إلى التناقض لأن الحكم بغير كتاب الله إما أن يكون ذلك كفرا مخرجا من الملة فيحكم بكفرهم وسقوط ولايتهم على التعيين ،وإما أن يكون ليس بكفر فتبقى ولا يتهم على ظلمهم وجورهم ، وليس ثمة حالة وسط بين هاتين الحالتين .
فهؤلاء الحكام إما أن يكونوا مسلمين وإما أن يكونوا كفار فإن كان مسلمين فالقول بسقوط ولايتهم وبطلان شرعيتهم يعني إمكان الخروج عليهم وصحة انعقاد البيعة لغيرهم ، وهذا عند أهل السنة خروج على الحاكم المسلم بغير موجب وهو( الكفر البواح ) فإن افتقد الحاكم شرطا من شروط الولاية فينظر في هذا الشرط إن كان كفرا بواحا سقطت الولاية ووجب الخروج مع اعتبار ما ذكرناه من شروط سابقا ،وإما أن لا يكون كفرا فالواجب عند أهل السنة في هذه الحالة عدم الخروج والصبر وإن جلد ظهرك واخذ مالك
أما إن كانوا كفارا فلا يقال إن كفرهم على العموم لا يلزم تكفيرهم على التعيين
بل يلزم تكفيرهم على التعين لأننا أمام معينين محددين تتعلق بكفرهم أور إسلامهم أحكام ، والقول بالتفريق بين الحكم المطلق والحكم على المعين إنما يكون عند التنظير والتأصيل لتقرير اعتبار الموانع والشروط أما إذا كنا أمام معين بعينه فلا يقال إن هذا كفره على العموم ! فكيف يكون الكفر على العموم ونحن أمام معين نعلق به الأحكام التي لا تعلق إلا بمعين كسقوط الولاية وجواز الخروج وغير ذلك ؟!
-فإن من الخلل الواضح أن نتكلم حين التحقيق في حالة معينة عن الحكم المطلق وعدم لزومه للمعين لجواز انتفاء شرط أو وجود مانع لان هذا مجاله التنظير والتأصيل ،أما في حالة المعين المحدد كالحاكم أو غيره فإن من الاستغفال أو الجهل أن يقال بكفره على العموم دون التعين لان قرائن الحال والمقال في حالة المعين تقضي بما يمكن أن يقال من توفر الشروط أو عدم توفرها ووجود مانع أو عدم وجوده ، وتقضي بموجب الحكم الصريح على هذا المعين سواء بالكفر أو الفسق أو البدعة أو غير ذلك ،كرجل جاء في برنامج تلفزيوني يناظر على عدم صلاحية الشريعة وأنها تخلف ورجعية وهو مكلف عاقل مختار غير مكره فما عسى أن يقال في مثل هذا من موانع أو شروط ؟ وكالحاكم القائم على تبديل الشرائع عشرات السنين ولا يخفي عداءه ورفضه لشريعة الله ومحاربته لمن يرفع لواءها ممن هم معه في سدة الحكم ،فماذا عسى أن يخفى من حاله من شروط أو موانع ؟
فهذا التفريق لا مجال بالقول به إلا عند التنظير لضرورة اعتبار شروط وموانع التكفير أما عند التعرض لمعين محدد فإن قرائن المقال وقرائن الحال تقضي بموجب الحكم عليه.

- ورجوعا إلى الوقفات فهذه أقول بعض علماء الإسلام فهل يشك أحد في سلفية وعلمية الشيخ محمود شاكر وأخيه المحدث أحمد شاكر والشيخ العلامة محمد حامد الفقي رحمهم الله والشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي وكلهم مصريون ،فهل هؤلاء جميعا أهل تكفير ؟!
- أما ما احتج به الشيخ في هذا الشريط من بعض أقوال المفسرين وغيرهم لم يكن كلامهم فيمن شرع الأحكام وسن القوانين كما ذكر هؤلاء وغيرهم من علماء الإسلام فإن هذا لم يحدث في تاريخ الإسلام قط إلا في عهد التتار وفي عهدنا هذا الذي نعيش فيه وهذا واقع تاريخي لا يمكن إثبات خلافه .
أما الحكم بمعنى القضاء والمخالفة فيه بمعنى ترك الحكم بما أنزل الله في قضية أوبعض القضايا مع الالتزام ابتداء بحكم الله وشرعه فهو الذي يقال فيه كفر دون كفروكفر لا ينقل عن الملة وهو الجور في الحكم وظلم الناس وعدم تنفيذ أحكام الله التيهي أصلا حاكمة وإليها المرجع في صدور الأحكام .
- ومما جاء في هذه الصورة قولابن عبد البر رحمه الله في التمهيد 5/74) : وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم منالكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " و " الظالمون " و " الفاسقون " نزلت في أهل الكتاب . قال حذيفة و ابن عباس : وهي عامة فينا ، قالوا ليس بكفر ينقلعن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسلهواليوم الآخر ) ا.هـفقوله رويت في ذلك أي في (الجور في الحكم ) دليل واضح بأنكلامهم ليس في الصورة الأولى التي هي التشريع العام ، وغنما في الجور في الحكم فهذاالإجماع لا يتعارض مع ما ذكر من إجماع في الصورة الأولى لان والمحل ليس واحدا .
- ومما جاء أيضا في إثبات هذا التفريق بين هاتين الصورتين من صور الحكمقول شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 35 ص: 388( فإن الحاكم إذاكان دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحقالذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهلالنار وهذا إذا حكم فى قضية معينة لشخص وأما إذا حكم حكما عاما فى دين المسلمينفجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكرمعروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخريحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين ) ا . هـ
- وقال ابن عثيمين رحمه الله :
( يجب علي طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع العام ,الذي يجعل نظاما يمشي عليه ، ويستبدل به القرآن وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله ,فهذا قد يكون كفرا أو فسقا أو ظلما. ) القول المفيد 2/172



ولذلك لما حاول الشيخ خالد العنبري في كتابه ( الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) أن يسوي بين جميع صور الحكم فيجعل التشريع العام مساويا لصور الحكم الأخرى لا يكفر المخالف فيه إلا بالاستحلال أو الجحود وكان يزعم أنه يرد بذلك على التكفيريين الذين يكفرون الحكام بغير تفصيل ! كان رد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عليه صارما بأن هذا افتراء على أهل السنة ،علما بأن ما ذكره في هذا الكتاب لا يخرج عما ذكره الشيخ هنا !
ومما جاء من كلام اللجنة فتوى رقم ( 21154 ) وتاريخ 24 / 10 / 1420 هـقولهم : ( دعواه إجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغـير ما أنزل الله في التـشـريعالـعـام إلا بالاستـحلال القلبي كسائر المعاصي التي دون الكفر . وهذا محض افتراءعلى أهل السنة ، منشؤه الجهل أو سوء القصد نسأل الله السلامة والعافية .
وبناءعلى ما تقدم ، فإن اللجنة ترى تـحريم طبع الكتاب المذكور ونشره وبيعه ، وتُذكرالكاتب بالتوبة إلى الله تعالى ومراجعة أهل العلم الموثوقين ليتعلم منهم ويبينوا لهزلاته ، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والثبات على الإسلام والسنة . وصلىالله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم)فجعلت القول بأن الكفر في التشريعالعام يكون بالاستحلال محض افتراء على أهل السنة . فماذا يقول الشيخ عبد العظيم فيذلك ؟
وأيضا جاء ضمن فتواها في كتابي الشيخ علي الحلبي قولها : ( تقوله على شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في ص / 17 - 18 إذ نسب إليه جامع الكتاب المذكور : أن الحكم المبدل لا يكون عند شيخ الإسلام كفراً إلا إذا كان عن معرفة واعتقاد واستحلال .
وهذا محض تقول على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فهو ناشر مذهب السلف أهل السنة والجماعة كما تقدم وهذا إنما هو مذهب المرجئة ) ا.هـ
وهذا يعني أنها تقرر كفر المبدلين للأحكام من غير اعتقاد ولا استحلال بل هو كفر بذاته عندها وعند شيخ الإسلام وهذا نفسه هو التشريع العام وأن من يقول بذلك هم المرجئة !
- وإذا دققنا النظر في الأقوال المتخالفة فإنه قد يقال بأن التشريعالمخالف لابد وانه يتضمن تحليلا للحرام وتحريما للحلال ...
وتحليل الحرام وتحريمالحلال هو من معنى الاستحلال المتفق على كونه كفرا بين الفريقين.
فإن الاستحلالهو القول بأن هذا العمل الذي حرمه الله حلال ، فالمسالة من هذا الوجه تكون على كلاالقولين كفر سواء قلنا بأن الكفر يكون بتشريع الأحكام المخالفة لشرع أو قلنا الكفريكون بالاستحلال فالأمر متحقق بالنسبة للحكم بالقوانين الوضعية ...
وممن قالبذلك الشيخ بن عثيمين رحمه الله :
( وفي ظني أنه لا يمكن لأحدٍ أن يطبق قانوناًمخالفاً للشرع يحكم فيه في عباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من القانونالشرعي، فهو كافر ، هذا هو الظاهر وإلا فما حمله على ذلك...)
وقال في مجموع الفتاوى 2 / 143

( من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به أو احتقارا له أو اعتقادا أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة ، ومن هؤلاء من يصنعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية ، لتكون منهاجا يسير عليه الناس ، فإنهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق ، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه )
فجزم رحمه الله أن أصحاب التشريعات المخالفة يعتقدون أنها أنفع وأصلح من شرع الله وجعل هذا من حكم الضرورة وفي النقل السابق جعله مستحلا .
فهذه بعض أقوال أهل العلم من المعاصرين من مصر والمملكة السعودية ويوجد غيرهم فيكافة بلدان العالم الإسلامي لم أنقل أقوالهم اختصارا وإلا فهم أضعاف منذكرتهم والعبرة ليست بالكثرة ولكن بما صح من الأدلة الشرعية والإجماع على كفر من بدل شرائع الإسلام ، والحق لا يعرف بالرجال مهماكثروا فهل يصح وصف الشيخ لمن ذكرناهم من أهل العلم بأنهم أهل تكفير ؟!
الوقفة التاسعة :
ممن ذكر الشيخ فيمن يوافقه على ما ذهب إليه من عدم كفر الحكام بالقوانين الوضعية الإمام الشنقيطي وهذا من أعجب ما ذكر فإن كلام الشيخ الشنقيطي في هذا المقام لمن أوضح الكلام وأبينه ولا أدري هل وقف الشيخ على هذا الكلام أم أنه لم يقف عليه وأنا أذكره هنا لأنه نص في محل النزاع :
قال رحمه الله في نفس الآية التي ذكرها الشيخ في مقدمة خطبته:( ويفهم من هذه الآيات كقوله ** ولا يشرك في حكمه أحدا } أن متبعي أحكام المشرعينغير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر ، كقولهفيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله ** ولا تأكلوا ممالم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإنأطعتموهم إنكم لمشركون } فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم ، وهذا الإشراك في الطاعة ،وأتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قولهتعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأناعبدوني هذا صراط مستقيم ) ولذا سمي الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا منالمعاصي شركاء في قوله تعالى ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)الآية ،وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذينيتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعهالله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلامن طمس الله بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم)فتأمل قوله رحمه الله : (أنهلا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم) لتعلم مدى موافقة الشيخ لهذا الإمام !!!
الوقفة العاشرة: :
ذكر الشيخ بأن ممن يوافقه على ما ذهب إليه من عدم كفر الحكام بالقوانين الشيخ الألبان، !رحمه الله ووافقه على ذلك الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله وهذا فيه غلط على الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث نص في جوابه على المخالفة للشيخ الألباني رحمه الله فقد قال تعليقا على كلام الشيخ الألباني :
) كلام الشيخ الألباني هذا جيد جداً لكنا قد نخالفه في مسألة أنه لا يحكم بكفرهمإلا إذا اعتقدوا حلَّ ذلك،!هذه المسألة تحتاج إلى نظر !، لأنا نقول : من حكم بحكمالله وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى فهو كافر –وإن حكم بحكم الله- وكفره كفر عقيدة ! ، لكن كلامنا عن العمل ! ) ا .هـ
- بل الشيخ رحمه الله معروف عنه بأنه منأكثر أهل العلم تقريرا لكفر الحكام بالقوانين وعلى جميع الوجوه سواء بالتشريع العام أو الاستبدال أو الاستحلال أو اعتقاد أن القوانين أصلح بل جعل ذلك الأخير من حكم الضرورة ولا يكاد يوجد كتاب للشيخ رحمه اللهإلا ذكر فيه كفر الحكام بالقوانين الوضعية ...
وهذه بعض أقواله رحمه الله :
) - الحكمبغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول :
أن يُبطل حكم الله ليحلمحله حكم أخر طاغوتي بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس ، ويجعل بدله حكم آخر منوضع البشر كالذين يُنحون الأحكام الشرعيةفي المعاملة بين الناس ، ويحلون محلهاالقوانين الوضعية ، فهذا لاشك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرهاوهوكفر مخرج من الملة ؛ لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذنبه الله ، بل ما خالف حكم الله عز وجل وجعله الحكم الفاصل بين الخلق ، وقد سمى اللهتعالى ذلك شركاً في قوله تعالى : " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن بهالله " .
القسم الثاني :
أن تبقى أحكام الله عز و جل على ما هي عليه و تكونالسلطة لها ، ويكون الحكم منوطاً بها ، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ماتقتضيه هذه الأحكام ، أي يحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا له ثلاث حالات :
الحالالأولى : أن يحكم بما يخالف شريعة الله معتقداً أن ذلك أفضل من حكم الله وأنفعلعباد الله ، أو معتقداًأنه مماثل لحكم الله عز وجل ، أو يعتقد أنه يجوز لهالحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا كفر . يخرج به الحاكم من الملة، لأنه لم يرض بحكمالله عز وجل ،ولم يجعل الله حكماً بين عباده .
الحال الثانية : أن يحكم بغير ماأنزل الله معتقداً أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباده ، لكنه خرج عنه ،وهو يشعر بأنه عاص لله عز وجل إنما يريد الجور والظلم للمحكوم عليه ، لما بينهوبينه من عداوة ، فهو يحكم بغير ما أنزل الله لا كراهة لحكم الله ولا استبدال به ،ولا اعتقاد بأنه أي الحكم الذي حكم به أفضل من حكم الله أو مساو له أو أنه يجوزالحكم به ، لكن من أجل الإضرار بالمحكوم عليه حكم بغير ما أنزل الله ،ففي هذه الحاللا نقول إن هذا الحاكم كافر ، بل تقول إنه ظالم معتد جائر .
الحال الثالثة : أنيحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباد الله، وأنه بحكمه هذا عاص لله عز وجل ، لكنه حكم لهوى في نفسه ، لمصلحة تعود له أوللمحكوم له ، فهذا فسق وخروج عن طاعة الله عز وجل ، وعلى هذه الأحوال الثلاث يتنزلقول الله تعالى في ثلاث آيات :" و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " وهذا يتنزل على الحالة الأولى " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" يتنزل على الحالة الثانية " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " يتنزلعلى الحالة الثالثة . ) فقه العبادات صـ 60،61فتأمل أخي كلام الشيخ رحمه الله حيث يقول عن القسم الأول ) : ويحلون محلها القوانين الوضعية ، فهذا لاشك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالىغيرها وهو كفر مخرج من الملة ؛ لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد اللهما لم يأذن به الله ، بل ما خالف حكم الله عز وجل)
فهذا تفصيل جلي منه رحمه الله لهذه المسالة ولقد تكرر ذلك منه رحمه الله في جميع كتبه المطبوعة فلا يكاد كتاب للشيخ رحمه الله إلا ويذكر مثل هذا التفصيل وخاصة كتاب شرح رياض الصاحين ، وكما سبق أن ذكرت بأنه ليس المقصود أصالة تحرير المسائل التي ذكرت بقد ما هو إبراز للجانب الذي حرص الشيخ عبد العظيم على إخفاءه في غالب محاضراته التي تتناول هذه المسائل . هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
منقول

المفكرة
28 09 2009, 05:29 AM
الوقفة الأولى : التكفير ليس فتنة
الوقفة الثانية : لا يتكلم في هذه المسائل إلا العالم
الوقفة الثالثة : تأصيل وعرض لمسالة العذر بالجهل
الوقفة الرابعة : تعليق وتوجيه لكلام الامام الشوكاني في التكفير .
الوقفة الخامسة : التعليق على القول بأنه لا يخرج من الاسلام إلا من أراد الخروج
الوقفة السادسة : مقصود السلف بقولهم الايمان قول وعمل واعتقاد وحكم تارك العمل بالكلية .
الوقفة السابعة : التعليق على ذكر الخلاف في تكفير تارك الصلاة
الوقفة الثامنة : التعليق على مسألة الحكم بغير ما أنزل الله
الوقفة التاسعة : موقف الشنقيطي رحمه الله من مسألة الحكم
الوقفة العاشرة : مخالفة الشيخ ابن عثيمين للشيخ الالباني رحمهما الله في مسألة الحكم